بائعة الليمون قصة قصيرة للكاتبة سمية زيد " الحامض الحلو الليمون "......" الحامض الحلو الليمون "...... يا له من نداء ؟! ...
بائعة الليمون قصة قصيرة للكاتبة سمية زيد
" الحامض الحلو الليمون "......" الحامض الحلو الليمون "......
يا له من نداء ؟! إلى متى سأظل أردده على أرضي المحتلة ؟ إلى متى ؟
إلى متى سأظل أعمل هذا العمل الذي لا ينفك فيه العابثون من مضايقتي ؟ إلى متى سأظل احمل هذه السلة المتعبة من عمل السنين ؟ آه ... آه ..
حبيبات الليمون اصبري فأنت مصدر رزقي ... بعدما فقدت أمي وأبي .
وترقرقت دموعها على خديها وأفاقت من شرودها على يد تحاول حمل السلة عنها .
.......... :
- (صباح) هل أفزعتك ؟
جففت شاردة. سريعا وهي تقول :
- كلا يا (فراس) أنما كنت شاردة .
- هل كان بيعك موفقا ؟
- الحمد لله
ينظر (فراس) بحنان إلى عينيها الظاهرتين من خلف نقابها المحكم ، فتشيح بوجهها وتحاول الانصراف عنه لكنه يستوقفها برجاء :
- (صباح) أرجوك اخبريني لماذا اصبحتي تتجنبينني ، لم تعودي صباح التي اعرفها فما السبب ؟
- لقد أخبرتك من قبل ، ولم يعجبك السبب .
قال بانفعال :
- لا تعودي إلى قول ذلك العربي وان خطبه قد أثرت فيك و..
تنفعل بدورها وتقاطعه :
- ذلك العربي ؟! الست عربيا مثلنا ؟! أم أنك أصبحت .....
يقاطعها :
- أرجوك كفى اعلم مالذي ستقولينه ، حفظته عن ظهر قلب وأنت ترددينه لكل من تقابليه .. يجب أن نشعل نار الحماسة الدينية لا الوطنية فقط ويجب أن نتخلص من عبودية الشيطان لنتحرر من رق الاستعمار والاحتلال و إلى آخر تلك الترهات التي بثها فيك من يقعد في وطنه وبين أهله آمنا مطمئنا ، والآن تحاولين إقناعي بهذا في زمن القوة والمادة .
قالت بأسف :
- يآل الأسف أنك تحفظه بلسانك فقط لا بعقلك وقلبك ودينك .
ثم تحمل سلتها وتقول وهي تنظر إليه بجفاء :
- ثم أنا لا أحاول إقناعك بأي شيء سوى الابتعاد عني.
ثم توقفت قائلة :
- وعدم الحديث معي مطلقا .
وبحدة :
- وذلك لأنك أجنبي عني .
آلمه حديثها فوقف أمامها قاطعا الطريق عليها :
- (صباح) أأصبح التفاهم بيننا مستحيلا ؟
قالت وهي تسلك الطريق المعاكس :
- نعم . إلا إذا ....
ظهر الأمل على وجهه وقال يستحثها على الإكمال :
- إلا إذا ماذا...؟
أجابته وهي تضغط على كل حرف :
- إلا إذا خلعت حجابي هذا ولن اخلعه مادامت روحي تسري في جسدي.
وابتعدت عنه وهي تحمل سلتها وتنادي كعادتها:
" الحامض الحلو الليمون "......" الحامض الحلو الليمون "......
تاركتا (فراس) خلفها مطرق الرأس مفكرا:
آه يا(صباح) لولا حبك المتأجج في صدري لما اهتممت بك وصبرت عليك منذ الصغر، فلقد كان الجميع يتوقعون أن نعلن خطبتنا في أي وقت، لأنها هي أيضا تحبني... لكن كان ظهور ذلك الشاب الغريب من الخليج اثر كبير في تغير حياتنا وحبنا الذي قام بين الناس خطيبا يدعوهم للجهاد بالإيمان وليس بالحجارة فقط ويحدثهم عن الدين وكيف يكون هو أقوى سلاح.
أبعد سنين الاحتلال الطويلة تلك أمازال الناس يظنون بأننا سوف ننتصر يوما ؟! لا بد أنهم ...
...... النجدة أرجوكم..... ياناس النجدة .....
وأفاق (فراس) من شروده على صوت استغاثة ودون تفكير وجد نفسه يندفع نحو مصدر الصوت.
وفي هذه الأثناء كانت (صباح) هي الأقرب إلى مصدر الصوت، وكانت الأسبق إلى هناك، حيث رأت سيدة عجوز تنوح وتصيح.. فأمسكت بها (صباح) مستفسرة:
- ماذا بك يا خاله ؟
من بين دموع المرارة و الأسف تجيب وهي تتعلق بذراعها راجية :
- زوجي يابنتي سيقتله اليهودي العين .
- لماذا ؟
- لأن زوجي يقرأ القران ولقد توعده اليهودي بالاستمرار بضربه حتى يكف عن القراءة ولكن زوجي آبى ... آه يازوجي .
وأخذت العجوز في لطم وجهها بكفيها ، فأمسكت (صباح) بها قائلة بعزم تتفتت الصخور أمامه :
- أرشديني بالله عليك أين هو ؟
أشارة العجوز إلى منزلا قريب وقالت بألم وأمل:
- هناك خلف ذلك المنزل .
وتقدمتها العجوز لتدلها على المكان ، وأهالها ما رأت رجلا عجوزا يضرب من قبل يهودي قذر بعصي غليظة أدمت رأسه ويديه وقدميه بلا رحمة أو شفقة
وأمام هذا المشهد الفظيع لم تتمالك (صباح) نفسها وألقت بسلتها وبكل قوة على اليهودي ، فانطلقت السلة كالقذيفة وأصابت الهدف وشجت سلة الليمون القديمة والضعيفة بقدرة الله رأس ذلك اليهودي، فأخذ اليهودي يسب ويلعن وكاد أن يقوم نحو (صباح) لينتقم لكن ما أن رأى الدماء تسيل من رأسه حتى أصابه الفزع وفر هاربا .
قالت (صباح) بإشفاق وهي تساند الرجل العجوز:
- قم ياوالدي معي رحمك الله وعافاك وانتقم لك ولنا من أعداء الإسلام .
المرأة العجوز بامتنان:
- حماك الله يا بنتى .. لكن كيف فعلت ذلك ؟
- لم ارم لكن الله رمى ..
ثم نظرة إلى سلتها الملقاة بامتنان :
- كنت أظنها بالية قديمة لكنها اليوم أثبتت قوتها وأصالتها .
- حمقـــاء.
التفتت (صباح) إلى مصدر الصوت لتجد (فراس) يشتط غضبا.. وقد رأى ما حدث فصاح بها مرة أخرى:
- حمقاء لا بد أنك كذلك وإلا لما فعلتي ما فعلتي الآن أتعلمين في أي خطر زججت بنفسك فيه هي نبتعد من هنا قبل أن نجد كتيبة كاملة الآن تحاصرنا من اجل عجوزين عفي عنهما الدهر.
وحاول امسك يدها ليبتعد لكنها دفعته عنها بعنف قائلة في ازدراء:
- ابتعد عني ألست بشرا !! لقد أذابت الصهيونية ليست فقط شخصيتك بل حتى إنسانيتك وكرامتك فلقد أصبحت مثلهم بلا مشاعر.. هيا انصرف عني .
قال لها وهو يهم بالانصراف :
- يبدو إننا فعلا أصبحنا مختلفين في كل شيء ولن نلتقي بعنادك هذا في أي نقطة فأنت تسيرين نحو الموت وأنا أسير نحو حياة أفضل.
- وفي النهاية سوف تموت أيضا .
وأخذت تجمع حبيبات الليمون التي تناثرت على الأرض ثم انصرفت وانصرف هو في الطريق المضاد وأذناه تلتقطان صوت (صباح) التي أخذت تنادي كعادتها:
" الحامض الحلو الليمون "......" الحامض الحلو الليمون "......
وكأن شيئا لم يكن .
سار (فراس) بخطى متثاقلة وهو يفكر في (صباح) وما حدث بينهما، وكلمات (صباح) تتردد في عقله دون هوادة.. لقد اذابت الصهيونية ليست فقط شخصيتك بل حتى إنسانيتك وكرامتك فلقد أصبحت مثلهم بلا مشاعر ....
إنسانيتي ومشاعري..حقا أين ذهبت كيف لم اشعر بالشفقة على ذلك العجوز الذي ضرب بدون وجه حق. هل افقدني الخوف من اليهود وحب الحياة شجاعتي وكرامتي ؟ أأنا الرجل أفتقدها و (صباح) الفتاة الضعيفة تملكها .. لقد كانت اليوم هي أقوى مني وأشجع مني هذه هي الحقيقة التي يجب أن اعترف بها لقد كنت اليوم جبانا .
كيف اكتسبت تلك القوة فهي لم تكن كذلك من قبل أهي قوة الدين والإسلام كما كانت تقول لكن مالذي أقوله الست مسلما مثلها ... لكن .. لا لا مجال لتردد لابد أن اتخذ الخطوة الصحيحة.
وتوقف (فراس) عن السير وقال لنفسه بصوت عالي :
- لقد أدركت الآن حقيقتي أين أنت يا(صباح) لتساعديني، ابشري يا(صباح) بشاب مسلم يعينك وتعينيه ورفع يده لأول مرة إلى السماء وقال متضرعا:
- ياالله تقبل توبتي وثبتني ولا تزغني .
ثم التفت إلى الوراء حيث اختفت (صباح) ، ثم أسرع يركض إليها وما أن سار قليلا ونشوة السعادة تغمره حتى مر بيهوديين ، ارتبك في بادئ الأمر لرؤيتهما لكنه تماسك وتجاهلهما وأكمل طريقه لكن صوت احدهما وصل إلى مسامعه وهو يقول بالعبرية التي كان ( فراس) يجيدها :
- لقد نالت ما تستحق .
ردد (فراس في نفسه بقلق :
- من التي نالت ما تستحق ؟ أيعقل أن تكون (صباح) !! لا لا ليست هي بالتأكيد، إنهما رجلان مختلفان ليس بهما من إصابته (صباح)، ثم كيف يسعه الوقت ليخبرهما ويقومان بالبحث عنها والتنفيذ في اقل ساعة.. أني بالتأكيد أتوهم وهذا من قلقي المستمر عليها.
لكن الهواجس أخذت منه كل مأخذ ، فأسرع الخطى لكن خطاه تعثرت وسقط أرضا وكاد يلعن الحجر الذي أسقطه لكنه لم يكن حجر بل كان حبة من حبيبات الليمون المتساقطة على الأرض وبجوارها سلة لم تكن غريبة، بل كانت متميزة بدم يهودي .. لكن أين (صباح) ؟؟
واخذ يردد في نفسه فزعا :
- لا لا لبد أنها رأت اليهوديين فهربت لكن لا (صباح) لا تهرب. أذن أين أنت يا (صباح) .
أخذ يركض وينادي :
(صباح) ......(صباح) .....
وسقط هذه المرة أيضا ، وكان سقوطه مؤلما ، لم تكن الحجارة هي السبب ولا حبيبات الليمون بل كانت العثرة بسبب ساق فتاة قتلت غدرا .
لفتاة كانت تستيقظ مع كل اشراقة فجر لتنادي بين الناس على رزقها :
" الحامض الحلو الليمون "......" الحامض الحلو الليمون "......

ليست هناك تعليقات