رواية غرباء الحب (وضاع حبي هناك سابقا) للكاتبة سمية زيد رائـــــــع. نطقت (رنا) بهذه العبارة،بسعادة بالغة ، عندما اخبرها زوج والدتها بأن...
رواية غرباء الحب (وضاع حبي هناك سابقا) للكاتبة سمية زيد
رائـــــــع.
نطقت (رنا) بهذه العبارة،بسعادة بالغة ، عندما اخبرها زوج والدتها بأنهم سيقضون هذا الصيف في بريطانيا عند صديقا له .
(رنا) فتاة في العشرين من عمرها أنهت دراستها الثانوية بتفوق هذا العام رغم أنها انقطعت عن دراستها سابقا لمدة عامين بسبب ظروف مرض والدتها التي توفيت قبل عام.
لكن الأستاذ (محمود خيري) كان البلسم الشافي وهو الأب الوحيد الذي وجدته في حياتها بعد وفاة والدها وهي في الخامسة من عمرها.
لم تكن (رنا) من ذوات الجمال الصارخ بل كانت تملك جمال طبيعيا قلما تراه هذا الزمان في زحمة الماكياج والموضة وهو جمال يبعث في نفس الذي يراها بالارتياح، فهي ذات وجه بيضاوي بديع وشعر اسود فاحم طويل وناعم كخيوط الحرير ، وحاجبان كأنما خطا بقلم ، وعينان سوداوان توحي لناظرهما بأنهما عينا طفل يضحك ، وفمها بديع رقيق وبشرتها متوردة تورد طبيعيا وجسمها معتدل رشيق .
أقترب (محمود) من (رنا) وقال لها بحنان :
- هل أنت سعيدة حقا يا (رنا) ؟
ابتسمت وهي تقبل يده وتقول :
- بالطبع سعيدة يا والدي ولا اعرف كيف أعبر لك عن امتناني لما تفعله من أجلي ولكن......
وأطرقت رأسها مترددة، فرفع رأسها بأنامله:
- ولكن ماذا يا عزيزتي ؟
أجابت بتردد :
- ألن يكون ذلك على حساب عملك ؟وقد يكلفك مبالغ باهظة ؟
ناولها التذاكر بمرح: وقال :
- لقد أرسلها لي صديق قديم كان يعمل معي في الشركة وهو يدعى (جون مايكل) يرغب أن نقضي معه إجازة الصيف .
قالت بصوت يقطر حزنا :
- كنت أتمنى أن تكون والدتي معنا.
شد قليلا على كتفيها وقال وهو ينظر إلى عينيها بحنان :
- هذا قضاء الله وقدره يا(رنا ) الم نؤمن بذلك ؟
أومأت برأسها إيجابا ، ثم قال بلهجة حاول أن يكسوها بالمرح :
- هيا أذن لنستعد لرحلتنا، نحن قادمون يا بريطانيا..هيا
ورفع يدها عاليا وكرر : ..هيا..بمرح:(رنا) ورفعت يدها بدورها وقالت بمرح :
- هيا ..
احتضنت (رنا) ذراع والدها برهبة وسط رواد المطار وقالت بصوت هامس:
- أين صديقك يا أبي ؟ وكيف سنتحدث معه وأنت لا تتحدث الانجليزية كثيرا ؟
أجابها وهو يبحث بعينيه عن صديقه :
- أنت بالطبع من سيتحدث معه . الم تحصلي على امتياز في اللغة الانجليزية ؟
أجابت بجزع :
- كلا ..كلا لقد نسيت كل ما تعلمته.
- ضحك (محمود) وقال :
- - لا تجعلي هذا الأمر يقلقك .
وقبل أن تقول شيئا تنهد (محمود) بارتياح وهو يشير إلى احدهم:
- هاهو ذا .
كان رجلا في الخمسين تقريبا ويميل إلى البدانة، بعكس والدها (محمود) الذي كان في العقد الرابع من عمره ومليح الطلعة.
قال الرجل في لهجة عربيه ركيكة:
- أهلا (محمود) وأخيرا التقينا مرة أخرى .
تصافحا في حرارة ثم أشار (محمود) إلى (رنا) وقال:
- (رنا) ابنة زوجتي الراحلة وهي أكثر من ابنتي.
أومأ برأسه متفهما وهو يمد يده مصافحا :
- نعم لقد حدثتني عنها كثيرا ، ولكنك لم تقل لي بأنها رائعة الجمال هكذا ؟
ابعد (محمود) يده بلطف وقال :
- لا تنسى يا (جون) بأننا مسلمون في بلدنا أو في بريطانيا فديننا ينهى عن مصافحة الأجانب .
ظنت (رنا) إن هذا الأمر قد يزعج السيد (جون) ، لكنه ضحك وهو يشير إليها ويقول بلهجته الركيكة :
- كان يجب أن أتذكر بمجرد النظر إلى حجابها، فلقد نسيت أنك متدين يا (محمود)
كانت (رنا) ترتدي حجابا عاديا كمعظم بنات وطنها رغم إن الكثيرات تركنه والمكون من غطاء لرأس يحجب شعرها وثوب رمادي واسع يغطي سائر جسمها والوجه مكشوف بلا زينة.
فلقد كانت والدتها المتوفاة حريصة على ارتدائه وعلى ارتداء ابنتها له كما حرصت على الكثير من أمور الدين لتنشئ ابنتها تنشئة فاضلة.
قال (محمود) شاكرا :
- أشكرك يا(جون) لتفهمك لأمر .
ابتسم (جون) بود وقال :
-لا بأس يا (محمود) فأنا مازلت أذكر حرصك على هذه الأمور.
كان الانبهار واضحا وجليا على قسمات (رنا) وهي تنظر عبر نافذة السيارة إلى شوارع المدينة ومعالمها حيث العمران الضخم والمتطور، والشوارع الواسعة والنظيفة، والإعلانات المبهرة بشتى الأشكال والألوان، حتى توقفوا أخيرا في منطقة راقية أمام إحدى البنايات الفخمة.
لقد كان منزل السيد (جون) في غاية الروعة والأناقة، وشعرت (رنا) بأن هذه الرحلة ستكون رائعة وذات ذكريات مميزة قد لا تنسى .
وأفاقت (رنا) من شرودها على صوت السيد (جون) وهو يشير إلى إحدى الحجر قائلا :
- هذه حجرتك يا(محمود) والتي بجوارها للآنسة (رنا) أتمنى أن تعجبكما.
ثم نظر نظرة إلى ثوب (رنا) وقال مداعبا :
- أظنني سأدعوكم في المرة القادمة في فصل الشتاء لا اعلم كيف تتحمليه في صيفنا !
ألقى عبارته وهو يدخل إلى المطبخ ليخرج بعد فترة قصيرة ومعه صينية تحوي ثلاثة أكواب من عصير البرتقال.
قالت (رنا) بعد أن ارتشفت بعض العصير:
- يبدو أنك تجيد العربية يا سيد (جون) فأنت تفهمنا ونحن نفهمك بسهولة .
أجاب وهو يشير إلى خصلات شعره البيضاء :
- لقد شاب شعر راسي في بلادكم فلقد قضيت بها سبعة عشر سنه ، ثم ما رأيك لو تناديني بالعم (جون) أكن سعيدا , هذا إذا لم يزعج الأمر والدك ونظر إلى (محمود) .
ضحك (محمود) وقال :
- لست متشددا لهذه الدرجة يا (جون) وكم أفضل أن تناديك بالجد فهذا يسعدني أكثر ضحكا وقالت (رنا) :
- ألديك زوجة وأولاد يا عم (جون) ؟
- كلا يا عزيزتي فأنا أحب حياة العزوبية ..تقولونها هكذا يا(محمود) أليس صحيح ؟
ضحكت (رنا) وقال (محمود):
- لا تخاطب (رنا) بالعربية يا(جون) بل بالانجليزية حتى تتقنها .
سألها (جون) :
- أتتحدثين الانجليزية ؟
أجابت بتلعثم :
- أبي يبالغ بعض الشيء .. فأنا لدي اللغة كما درستها في المدرسة ولم أمارسها في بيئة حقيقية
(محمود):
-ولقد التحقتي فترة بدورة اللغة الانجليزية إنسيتي ذلك ؟
(جون) بالإنجليزي سألها :
- هل اتممتي الدورة ؟
أجابت بالأنجليزية وهي تتلعثم خجلا :
- كلا لم استطع إكمالها .
- لماذا ؟
فلم تجبه وشعر (جون) أن السبب ليس قصورها في اللغة سأل (محمود) بالعربية :
- لما لم تكمل (رنا )الدورة ؟
- لم تستطع بسبب مرض والدتها ثم وفاتها .
- (جون):يا ابنتي لم أكن اشاء أن أذكرك بوالدتك فأنا لم أكن اعلم
(محمود) :
- لا بأس) ف(رنا) لم تنس يا(جون والدتها أبدا فهي دائما في قلوبنا ، ومع ذلك أصر عليك يا(جون) أن تخاطب (رنا) بالانجليزية كلما استطعت فأن أريدها أن تخرج من هذه الرحلة بأكبر متعة واستفادة .
- لا تقلق عليها يا(محمود) فأنا أراها فتاة ذكية وسوف تجبر تلقائيا على التحدث في نزهاتنا فنحن لدينا هنا قانون أخدم نفسك بنفسك.
عاد (جون و محمود و رنا ) من نزهتهم وهم في غاية السعادة
(رنا) بإعجاب وانبهار :
- يا لها من حديقة رائعة أنها أجمل حديقة حيوان رايتها.
(جون) :
- أنا سعيد أنها أعجبتك .
(محمود) معترضا :
- مازلت أصر على أن زيارتنا بالأمس للمتحف كانت هي الأجمل فأنا لا أرى أي متعة في مشاهدة الحيوانات.
(رنا) :
- في الحقيقة كل مكان زرناه حتى الآن كان رائعا النهر والمنتزهات والمتحف والمطاعم وحديقة الحيوان كل شيء رائع.. فأنا لا أكاد اشعر بالوقت هنا في الحقيقة لا اصدق أنه مر أسبوع علينا ونحن هنا.
(محمود) :
- أريد أن اذهب إلى السوق يا (جون) فأنا أريد شراء بعض الهدايا والتذكارات لي ولبعض الأصدقاء .
(جون) بالانجليزية :
- ليس الآن يا (محمود) فغدا يوم جديد ومكان آخر جديد.
لم يفهم (محمود) فقالت (رنا) مترجمة لوالدها :
- يقول يا أبي أن غدا يوما جديد ومكان آخر جديد.... ثم وجهة حديثها ل(جون) بالانجليزية أيضا:
- في الحقيقة أتمنى زيارة حديقة أخرى فلقد استمتعت كثيرا بالطبيعة الساحرة وقد شعرت وكأني في غابة.
ابتسم (جون) قائلا :
- أذن قد حزرت إلى أين سنذهب .
(محمود) بامتعاض :
- رجاء تكلموا بالعربية في وجودي .
(رنا) :
- يقول العم( جون )بأننا سنذهب إلى الحديقة غدا أيضا .
أشار (جون) بأصبعه نافيا :
- لا لا لا أنا لم اشر إلى حديقة الحيوان بل إلى الغابة
قالا (محمود و رنا) مندهشين في وقت واحد :
- الغابة !!
قال (جون) بحركة مسرحية :
- طبعا أيها السادة سنذهب غدا إلى مدينة تبعد مسافة طويلة بعض الشيء عن لندن وتشتهر بغاباتها الساحرة التي ستدهشكم حتما.
(محمود) بحذر :
- (جون) هل هي آمنة ؟
- بالطبع يا (محمود) فنحن سنتناول فقط طعامي الإفطار والغداء هناك وسوف نعود قبل غياب الشمس والآن اذهبا إلى غرفتكما لترتاحا فسوف نغادر قبل الفجر حتى نصل مبكرين.
********
استيقظت (رنا) في الوقت الذي حدده السيد (جون) لتستعد لرحلة ، وارتدت تحت حجابها ملابس خفيفة وهي بلوزة قطنية حمراء مع بنطال من الجينز الأزرق ، ثم خرجت ومعها حقيبتها الصغيرة إلى والدها والسيد (جون) .
خرج (جون) من المطبخ وهو يحمل حقيبة ضخمة ، فقال (محمود) مستنكرا :
- ما هذا يا (جون) ؟!
قال (جون) باللهجة مستنكرة أيضا :
- بل ما هذه الحقيبة التي تحملها أنت وابنتك ؟!
ابتسمت (رنا) وقالت :
- إنها حقيبتي وهي تحوي زجاجتي مياه غازية وأربعة أنواع مختلفة من العصير وبعض الحلوى والبسكويت.
تساءل (جون) باستنكار حقيقي :
- فقط !!؟
هزة كتفيها بارتباك :
- وماذا سأحمل أيضا ؟
قال (جون) موجه حديثه إلى (محمود) :
- ما لذي فعلته ببنتك لتتبع نظام الحمية القاسي هذا ؟
قال (محمود) مفتعلا الغضب :
- ماهذا إلا فاتح للشهية ..ألست من دعوتنا فالطعام من مهامك وهذا أكثر شيئا تبدع فيه
أشار إلى حقيبته بفخر قائلا :
- صدقت يا (محمود) فهنا حقا ما لذ وطاب.
- ثم استدرك مداعبا :
- وفي الحقيقة ما في هذه الحقيبة بالكاد يكفيني لكن من أجلكما سأتبع نظاما غذائيا جديدا فأنتم ضيوفي ولا اقبل أن تموتوا جوعا من أجلي.
وضحك الجميع لدعابته وانطلقوا إلى رحلتهم أم نقول إلى رحلتها !
وبالفعل كما أشار (جون) لقد استغرقت الرحلة عبر الحافلة وقتا طويلا حتى وصلا في الساعة الثامنة صباحا .
كانت الغابة شيئا مدهشا..... اعجب (محمود) و (رنا) بها كثير لرؤيتهم للأزهار المختلفة الإشكال والألوان والأشجار الباسقة العظيمة وبعض الحيوانات كالقنافذ والسناجب وبعض الطيور أيضا بالإضافة إلى النكات والتعليقات التي كان (جون) و(محمود) يتبادلانها بين حين وأخر .
قالت (رنا) وهي تحيط كتفي والدها بذراعيها:
- المكان ساحر جدا يا أبي ما أجمل الطبيعة كم أتمنى أن نتعمق أكثر بها.
ضحك (جون) بشدة حتى كاد يختنق بقطعة الكعك التي كان يأكلها ، وبعد أن شرب بعض الماء قال :
- لماذا يا عزيزتي ترغبين في الانتحار فأنت مازلت شابة صغيرة؟
هتفت في دهشة :
- ولماذا ؟
أجابها في بساطة :
- نحن الآن في أطراف الغابة وفي ساعات النهار تكون أكثر أمنا من ساعات الليل حيث يصبح الأمر أكثر خطورة وقليل من يعود سالما من يضيع في أعماقها.
وعندما لمح القلق في وجه (محمود) قال مهونا :
- لا تقلق يا (محمود) لقد انتهت رحلتنا على أكمل وجه لما القلق ودقائق معدودة وسوف تعلن الحافلات المغادرة لتجد كل من هنا قد رحل إلى بيته سالما.
(محمود):
- إذن ما رأيك بأن نجمع حاجياتنا من الآن ونصعد إلى الحافلة.
هز رأسه موافقا وبدأ في النهوض قالت (رنا) بأسف:
- للأسف اللحظات الجميلة دائما تنتهي بسرعة ... وبدأت بمساعدتهم .
استقلوا الحافلة ولقد تعرفت (رنا) إلى فتاة صغيرة في العاشرة من عمرها تدعى (كاترين) وأخذا يتحدثان بالانجليزية قال (محمود) ل(جون) :
- أرى أن طريقة (رنا) في التحدث بالانجليزية قد تحسنت كثيرا إلا ترى ذلك ؟
- بلى أنها جيدة ومع الممارسة المستمرة سيتحسن نطقها أكثر وسوف تزيد رصيد الكلمات الجديدة لديها.
كان الباص مكونا من طابقين وقد دعت والدة الطفلة (رنا) لتجلس معهما في الطابق الأعلى فهناك مقعد شاغر
استأذنت (رنا) والدها فأذن لها وصعدت معهم ، وفي أثناء ذلك اعتذر السائق عن التأخير قليلا لإصلاح عطل بسيط فاستأذنت (رنا) في النزول إلى والدها وعندما نزلت لفت انتباهها مشادة بين سيدتين في الخارج فخرجت مباشرة من الباص لتحاول فهم ما تقولان لكنها لم تستطع لسرعتهم وارتفاع أصواتهم وتفرق الجمع من حولهما وعادوا إلى الباص
ووجدت فتاة تحمل مجموعة من الأزهار الجميلة تحسرت في نفسها إنها لم تجمع البعض منها ولما وجدت السائق مازال يصلح الباص قررت أن تذهب بسرعة وتقطف مجموعة من الأزهار لتهديها لوالدها وللعم (جون)
أسرعت وأخذت تقطف وهي تقطف تراءى إلى مسامعها صوت تحرك الباص فخفق قلبها بشدة وأمسكت الباقة التي جمعتها وأسرعت باتجاه الباص المغادر وهي تصيح بأعلى صوتها أبي عمي (جون) لكن مع صوت الباص المرتفع لم يسمعها احد وتعثرت في الأرض وسقطت وقد اخذ الباص في الابتعاد .
تمنت (رنا) لو كانت في كابوس فتفيق منه ، لكن كل شيء أمامها يؤكد أنها حقيقة لا مفر منها .
الأشجار من حولها في كل مكان بدون شعور أخذت تدور في المكان لعلها تجد شخصا ما ينقذها ولكن بدون جدوى وتذكرت قول السيد (جون) قليل من يعود سالما من يضيع في أعماقها
****************************
غفى (محمود) لبعض الوقت ثم قام فزعا فسأل (جون) الذي كان قد غفى هو أيضا :
- الم تنزل (رنا) بعد ؟
- لا اعلم فقد غفوت معك ربما تكون قد نزلت ورأتنا قد غفونا فعادة إلى صديقتها الصغيرة أو ربما تكون مستمتعة معهم أو أنها قد غفت أيضا.
بدا عليه القلق وقال وهو يهم بالنهوض:
- سأذهب لأطمأن عليها .
امسك (جون) بيده وقال له :
- (محمود) (محمود) (رنا) فتاة ناضجة فلا تعاملها كطفلة فالبعض يزعجهم هذا الأمر .
- أتعتقد ذلك ؟
- نعم هيا دعنا نكمل غفوتنا فربما بعض الوقت ونجدها بيننا
وعاد (محمود) إلى كرسيه وهو يشعر بعدم الارتياح .
كانت (رنا) تنظر إلى ما حولها برعب فالغابة التي سحرتها بجمالها قبل ساعات تراها الآن وحشا كاسرا يريد الفتك بها ، فكل ما حولها صامت إلا من ضربات قلبها وشعرت برغبة عارمة في البكاء بصوت عال لكنها كبتت جماح رغبتها حتى لا تفقد رشدها ، وفجأة سمعت صوت طلق ناري خافت لكنها شعرت ببعض الأمل بان يكون هناك إنسان غيرها في هذه الغابة فحاولت أن تتقدم نحو الصوت الذي سمعته واخذت في التقدم ولم تنتبه الا وهي وسط الاشجار لا تدري اين كانت لكنها عادت وسيمعت صوت الطلق الناري فتجهت نحو الصوت و شعرت وكأن شيئا ما يتبعها ، لكنها أرجعت الأمر لكونها خائفة ومضطربة ، ولكن هذه المرة لم يكن مجرد شعور بل سمعت صوت شيئا ما يتحرك خلفها ويصدر صوتا غريبا ، واستدارت ببطيء ورعب إلى الخلف لترى حيوان صغيرا يجمع في الشبه مابين القط والنمر أنه الوشق .
نظرت إليه بخوف وجزعا وكان هو أيضا ينظر إليها لكن من جهة أخرى فهي فريسة سهلة المنال.
وأخذا الوشق يقترب منها ببطيء وكأنه أمنا أن فريسته لن تتحرك وتهرب منه قدر أنملة وأخيرا أطلقت (رنا) صرختها المحتبسة في حلقها لتردد الغابة صداها ... وقفز الوشق نحوها ... وسمعت في ألحظة ذاتها صوت طلق ناري وجمجمة الوشق تتفجر أمامها ثم سقطت فاقدة الوعي .
أفاقت (رنا) لتجد نفسها ترقد على فراش صغير في خيمة بسيطة وقالت بصوت متعب:
- أين أنا ؟؟ أأحلم ؟
وأمسكت رأسها الذي أخذ يؤلمها بشدة ، وطاف بمخيلتها صورة الحيوان الذي هاجمها .. وأخر شيء تتذكره هو صوت الرصاص وتحطم جمجمة الحيوان.. واشمأزت نفسها لذلك المنظر وقالت في نفسها وهي تتطلع إلى المكان الخالي من حولها :
- لكن أين أنا ؟ ومن أنقذني ياترى ؟ هل هم أناس طيبون أم قد يريدون بها الأذى ؟
وأخيرا قررت قطع حبل الأفكار وأن تخرج من الخيمة لتتحقق من الأمر ، وأصلحت ردائها وأخذت تردد في نفسها بعض الجمل من الانجليزية التي تساعدها في شرح أمرها .
وعندما خرجت لم تجد أحد بالخارج غير نار مشتعلة على الحطب ، وأخذت تتلفت من حولها لعلها تجد شخصا ما حتى فؤجأت بصوت من خلفها يقول بالانجليزية :
- هل أنت بخير ؟
استدارت بفزع لترى صاحب الصوت الذي خاطبها ، وأخذت تحلق به وهي صامتة لبرهة فأعاد سؤاله مرة أخرى ببرود :
- هل أنت بخير ؟ أم أنت لا تجيدين الكلام ؟
أومأت برأسها إيجابا ولم تتحدث .
كان شابا فتيا أشقر الشعر ذا عينان عسليتان وجسد رياضي قوي، يرتدي شورت من الجينز وبلوزة خضراء قصيرة الأكمام .
عقد الشاب ذراعيه حول صدره وقال :
- ألا تستطيعين الكلام ؟ ولماذا أنت متجمدة هكذا في مكانك ؟
تلعثمت بشده وهي تحاول أن تخرج العبارات من حلقها :
- أنا أسفه .. لا أجيد الانجليزية كثيرا ... لقد تهت في الغابة عندما..تركتني الحافلة ..بالخطأ.
حدق بها لبرهة متعجبا ثم قال :
- هذا يبدوا واضحا أنت من أين ؟
تحشرج صوتها وهي تقول :
- أنا عربية .
- رفع حاجبيه في دهشة حقيقية وقال :
- - لأول مرة أرى فتاة عربية مثلك وفي هذه المنطقة بالذات أن أمرك مريب بعض الشيء .
فهمت الجزء الأول من حديثه ولم تفهم الجزء الأخر فهو سريع في حديثة ولكنته صعبة لها بعض الشيء ، وحمدت الله أنها تجيد بعض الانجليزية وإلا كانت الآن في ورطة لا تحسد عليها ، وفجأة ارتابت قليلا فسألته :
- هل تستطيع إيصالي إلى لندن أكن شاكرة ؟
نظر إليه مطولا ثم جلس على جذع ملقى على الأرض وأشار إليها بالجلوس إلى صخرة كانت قريبة منها ترددت قليلا ثم جلست و قال هو:
- هل تعلمين أين أنت ألان ؟
هزت رأسها وقالت :
- في الغابة أليس كذلك !
- هل تعلمين كيف العودة.نبعد عن لندن مسافة شاسعة ؟
- نعم !لكن هل تستطيع.. مساعدتي على العودة ...معك إلى أي مدينه... حتى أتحدث بالهاتف.. على الأقل ..
تنهد الرجل وكان يبدوا عليه انه يركز في حديثها جيدا حتى يفهمها ثم قال كلام لم تفهم قصده جيدا فقالت معتذرة:
- هل تسمح يا سيدي بالتحدث ببطيء فبالكاد أفهمك ؟
فأعاد حديثه وهو يقرن حديثه بشرح تارة بيده وتارة بعصي يخطها على الأرض وفهمت انه يقول لها:
- بأنه هنا في الغابة منذ ثلاثة أيام فهو يمارس هواية الصيد وكان يعتزم العودة بعد يومين
ولكن بسببها سوف يعيدها إلى مدينته و هناك سيتركها في قسم الشرطة لتتحدث مع أهلها أو سفارتها من هناك ولكن عليها أن تسير معه إلى المكان الذي ترك به سيارته وهو مكان يبعد بالسير يوما كاملا.
صدمت (رنا) لطول المسافة فكيف ستبقى مع رجل غريب لمدة يوم كامل وسالت دموعها على حالها وأخذت تفكر في حال والدها ألان .
ولم يكن حالها بأفضل من والدها وهو يدور في شقة (جون) كالمجنون ويصيح :
- أين ذهبت أكاد اجن يا (جون) ما لذي حدث لها لن أسامح نفسي لو حدث لها أي مكروه
- لا تقلق سنجدها حتما لقد قالت أم (كاترين) بأن (رنا) استأذنت ونزلت وقال أخر بأنه رآها وهي تشاهد السيدتين وهما تتشاجران فربما تاهت بعدها وركبت باص أخر أنت تعلم بأنه كان هناك أكثر من باص يذهبن إلى أكثر من مدينة وها هي الشرطة والسفارة أيضا قد بعثوا بأوصافها وبمن يتتبع أثرها .
تردد (محمود) وكأنه يخشى ما يقوله وقال بصوت متحشرج:
- أخشى أن الباص فاتها وتاهت هناك و..
قاطعه (جون) محاولا أن يخفي خوفه من الفكرة :
- لا لا يا رجل لا تقل هذا وصلي كي تعود سالمة
رفع (محمود) يديه وقال في تضرع :
- يا الله احمي لي ابنتي من كل سوء وأرجعها لي سالمة.. آمـــين
************************
لم تحلم (رنا) يوما أن تكون في هذا الموقف ولا في اشد كوابيسها، وكأنها تقرأ رواية فها هي تسير مع رجل غريب عنها حتى في اللغة وأين ؟ في وسط الغابة !!
لم يحاول الرجل التقرب منها أو حتى معرفة اسمها ، وهذا أشعرها بشيء بسيط من الاطمئنان ، وللحظات شغلت أثناء سيرها بالتطلع إلى الأشجار الباسقة والنباتات المختلفة ، لكن سرعان ما أعادها واقعها المؤلم إلى ارض الواقع ، حين نظرة إلى الشاب الذي أمامها الذي لا تعرف اسمه إلى الآن وهو يبعد بقوة بعض الأغصان والأوراق التي تعيق سيرهم ، وأخذت تفكر فيه من هو وهل هو حقا هنا ليصطاد فهي لا تذكر أنها رأته عندما كانت مع والدها والسيد( جون)وهل فعلا سيساعدها أم ...
وقطع الشاب شرودها عندما قال :
- سنتوقف هنا ، ونكمل غدا حتى لا يداهمنا الليل .
أومأت برأسها موافقة فهي معه مسيرة وليست مخيرة .
واخذ في نصب خيمة ثم جفف عرقه وقال لها وهو يشير إلى مكان في الطرف الداخلي للخيمة :
- ستنامين هنا .
ثم أشار الى الطرف الآخر :
- وسوف أنام هنا .
شعرت بالخوف لنومها معه في مكان واحد لكن ليس باليد حيلة فالرجل لا يملك غير خيمة واحدة ومن المستحيل طبعا نوم احدهما خارجا ، ودعت الله في سرها أن ينجيها من خطورة الغابة ، ثم وجهت نظرها إلى الشاب الذي كان في الخارج منهمكا في إشعال النار وأكملت دعائها بأن يحفظها من هذا الغريب .
شعر الرجل بتوترها فقال :
- آسف لا توجد غير هذه الخيمة.
ثم سألها :
- ما أسمك ؟
أجابت بخفوت :
- (رنا).
- آسف لم أسمعك ؟
رفعت صوتها أكثر وقالت :
- (رنا) (رنا)
- (رنا) ؟
- نعم
- اسمي (جاك)
قالها وخرج خارج الخيمة ثم عاد ليجدها مازالت واقفة أمام فراشها وسأل:
- ألن تنامي ؟
جلست فوق فراشها وهي تضم اللحاف إليها ، فأخرج بندقيته وتأكد من حشوها بالرصاص ثم علقها بالقرب منه ، ثم أمسك بأزارير قميصه ليفتحها ، وحانت منه التفاته إلى (رنا) التي زاد انكماشها في فراشها ونظرة الخوف والهلع تطل من عينيها ، فتوقف بغتة وقال في حيرة :
- ما بك؟
لم تستطع الإجابة لكن عيناها المسمرة على يديه التي تفتح الأزارير أعلمته بخوفها فاغتصب ابتسامة باهته وقال :
- اعتقد أنني استطيع النوم بالقميص الليلة مادمت أنت تستطيعين النوم في هذه الملابس ونحن في هذا الحر .
ثم اتجه إلى فراشه بعد أن أولاها ظهره وقال:
- ليلة سعيدة.
- أخذت ترقبه وهو نائم فقد كان هادئ وشعرت بشعور غريب وقالت في نفسها بأنها لو كانت شاهدته في ظروف غير هذه لقالت: بأنه شاب وسيم..... وفتح (جاك) عينيه فجأة ..وانتفضت بشدة لحرجها لكونه رآها وهي تحدق به وحمرت وجنتاها خجلا وارتباك، فقال بعد أن استوي في جلسته وبصوت عطوف لأول مرة منذ ان التقت به:
- يبدوا أني أسبب لك الأرق.
لم تفهم ماذا قال فقال بطريقة أخرى :
- لا تستطيعين النوم لوجودي هنا ؟
ازداد حرجها وارتباكها وقالت بتلعثم :
- لا لا كنت سأنام الآن.
وأمسكت غطاء الفراش وغطت به كل جسدها.
لقد كانت (رنا) متعبة ومنهكة ولم تشعر بنفسها حين ذهبت في نوما عميق ، وعندما استيقظت لم تجد (جاك) معها في الخيمة لكنها شعرت بتحركه خارجها وعندما أحست بدخوله أسرعت وأغلقت عينيها وكأنها مازالت نائمة ..لا تدري لما فعلت ذلك .. لكنها شعرت به وهو على مقربة منها فازدادت نبضات قلبها وتراجع هو قليلا إلى الوراء وقال بصوت هادى :
-(رنا) ....(رنا)
كان ينطق اسمها بطريقه لطيفة كادت أن تبتسم لكنها تمالكت نفسها وفتحت عينيها واعتدلت في جلستها، وقال لها:
- صباح الخير
- صباح الخير
قال وهو يضع طبقا على الأرض:
- صنعت لك شطائر بالجبن ارجوا أن تعجبك وهذا كأس من الشاي، تناوليه حتى نكمل طريقنا.
وخرج من الخيمة ، فأسرعت في تناول الشطائر فلقد كانت تشعر بالجوع الشديد ، وبعدها خرجت من الخيمة وقالت ل(جاك) الذي كان يجلس على صخرة :
- شكر سيد (جاك)
- عفوا
تنحنحت قليلا وسألت في حياء :
- هل يوجد مكان... أريد أن.. أغتسل و..
فهم قصدها وقال وهو ينهض من مكانه :
- اتبعيني
وساروا قليلا ثم أشار إلى بركة ماء وقال :
- تستطيعي الاغتسال هنا هل هذا جيد ؟
أومأت شاكرة ، ثم أردف :
- لكن أن شعرت بشي غريب عودي فورا فأنا قريب .
أومأت برأسها مرة أخرى ، وانتظرت حتى ابتعد .
واقتربت رنا من البركة الصافية وأبعدت غطاء رأسها لينسدل شعرها الطويل من خلفه ونزعت ردائها لتظهر بملابسها التي كانت ترتديها في بداية الرحلة بالجينز الأزرق والبلوزة القطنية الحمراء ووضعت حجابها تحت شجرة ، ثم نزلت إلى البركة لتغسل وجهها وأخذت تخلل الماء مابين خصلات شعرها الطويل حتى تشعر بالانتعاش، وبعد أن انتهت اتجهت ناحية ردائها لترتديه لكنها فوجئت بأفعى ضخمة فوقى ردائها وهي تتلوى فوقه بشكل مقزز ، شعرت بالخوف من الأفعى وتساءلت كيف تعيد ردائها وخشيت ان تهاجمها الافعى وفكرت أتذهب إلى الشاب المدعو (جاك) لتطلب منه المساعدة ؟ وكيف تذهب له هكذا وحسمت أمرها بعد أن أقنعت نفسها بأن لضرورة إحكام وتقدمت إلى حيث يوجد (جاك) واخفت جسمها خلف شجرة وقالت وهي تطل برأسها نحو (جاك) الذي نظر إليه يدهشه بدوره فقالت :
- هناك مشكلة ؟ هناك ..أفعى .. على ثيابي .
قال وهو يتجه إليها :
- أين ؟
فأشارت قبل أن يقترب منها أكثر هناك.
نظر إلى المكان الذي أشارت إليه ووجد الافعى فوق الثياب راقدة
فقال وهو ينظر إليها :
- أنها من الأفاعي السامة والشديدة الخطورة يجب أن نبتعد
- وثيابي ؟!
قال وهو ينظر إليها وقد عقد يديه بين جنبيه:
- لكن حسبما أرى أنك ترتدين ثياب فما المشكلة.
- تنبهت (رنا) لكونها تقف أمامه مباشرة فازداد حياؤها وعادت مرة أخرى إلى خلف الشجرة، وقالت بإصرار:
- أريد ثوبي .
قال بدهشة :
- لماذا كل هذا ؟ آلا ترتدين هذه الثياب ؟!
- ولما لم تستطع (رنا) شرح الأمر كررت برجاء:
- أرجوك أريد ثوبي.
- قطب حاجبيه هذه المرة وقال: اذهبي واحضريه ان كنت تصري أذهبي
وعاد يحزم أغراضه .
عاودها القلق مرة أخرى ، فالوضع الآن يختلف ..فهي تسير خلفه دون الرداء الذي تعودت عليه ، ولقد أخذت تتحاشى النظر إليه بعكسه تماما ، فلقد أخذا يتلفت إليها بين حين وأخر، فا رتابت نفسها من تلك النظرات وقررت أن تحافظ على نفسها حتى لو اضطرها الأمر إلى قتل نفسها .
وأثناء ما هي كذلك تسلل إلى أنفها رائحة زكية ، فأخذت تتلفت بحثا عن مصدر تلك الرائحة فتنبه إليها (جاك) وقال :
- أنها رائحة ثمرة الفراولة .
- الفراولة !!
- نعم ..فنحن قريبون منها .. انتظري هنا .
ثم ابتعد قليلا بين الأشجار وتأملت (رنا) المكان من حولها فسرت في جسمها رعشة خفيفة، لكنها سرعان ما ذهبت عندما اجتذبتها شكل أحدى النباتات التي كانت تشبه القلب وداخلها شكل كاللسان الأحمر فامتدت يدها لتلمسها لكن صوت(جاك) الناهر فاجأها :
- لا ..تلمسيها .أنها خطرة
ثم أجتذبها من يدها مسرعا قائلا في توتر:
- يجب أن نسرع فعلى مقربة من هنا رأيت وكر ربما أحدى الحيوانات الخطرة تعيش على مقربة من هنا.
- كان (جاك) يتحدث بسرعة وتوتر دون أن يهتم بكون (رنا) فهمته أم لا وبعد فترة توقف (جاك) وأخذ يتأمل المكان من حوله وقال :
- جيد لقد ابتعدنا وسوف نصل قريبا إلى احد الأنهار.
- نهر !!
- نعم . ومن ثم إلى الوادي حيث تركت سيارتي هناك .
ورفع حقيبته فوق ظهره ثم قال لها :
- والآن هي نكمل طريقنا.
ولما لم تجاوبه ولم تتحرك من مكانها، التفت إليها منزعجا من تجاهلها...ليجدها متجمدة في مكانها تحدق في قدميها في رعب وجزع ، فقد كان على حذائها عقرب سوطي يتقدم نحوها ليلدغها ، ومع احتباس الصرخة في حلقها قال (جاك) مهدئا :
- لا تتحركي واهدئي .
واخرج من حقيبته قضيبان صغيران ينتهيان بأسنان مدببة واقترب منها ببط وانحنى نحوها ثم وبحركة سريعة غرس القضيبان بين جنبي العقرب فقتله ثم أبعده عنها قائلا:
- أنت بخير الآن لا تقلقي .
لكنها ظلت في مكانها مسمرة من الجزع. فربت على كتفها متعاطفا :
- لقد زال الخطر .
لكنها لم تستطع السيطرة على نفسها وسقطت على ركبتيها وأجهشت في بكاء حار ، فتأملها (جاك) بإشفاق وقال لها بإشفاق :
- يا لك من مسكينة.. لابد أنك تتكبدين مافوق طاقتك والأفضل لك أن تبكي قليلا حتى لا تنهاري ، وسوف نبيت هنا اليوم حتى ترتاحي وغدا نسرع حتى لا تتكبدي المشاق أكثر .
ثم قام لينصب الخيمة ، لم تدرك (رنا) مالذي كان يقوله لها عندما كانت تبكي لكنها شعرت بالارتياح من أسلوبه واعتقدت بأنه قال لها كلاما لطيفا ليخفف عنها ، وبعد أن هدئت قليلا قدم لها بعض الطعام وقال :
- ادخلي الخيمة وتناولي بعض الطعام وغدا سنسلك طريقا مختصرا
كان (جاك) يقرن حديثه بالإشارات ويستخدم ابسط التعابير ليضمن فهمها له ، ولقد كانت مرتاحة لأسلوبه فهو يجعلها تفهمه أكثر وهي سعيدة بأن حاجز اللغة لم يكن عائقا كبير لها ولو كانت في غير هذه الظروف لسعدت بذلك ، ودخلت إلى الخيمة وتناولت طعامها ثم انتظرت دخول (جاك)لفترة طويلة لكنه لم يدخل فرتابت وخرجت لتجده يجلس حول النار المشتعلة فقال لم رآها :
- أذهبي لترتاحي فأنا لا اشعر بالنعاس
وعندما استدارت استوقفها :
- انتظري !
التفتت إليه متسائلة فأخرج من جيب قميصه بعض حبات الفراولة قائلا :
-أحضرت لك هذه تفضلي أنها لذيذة .
تناولتها قائلة :
- أشكرك .
ودخلت إلى الخيمة ، كان (جاك) يشعر بالنعاس لكنه قاوم ذلك ليحرس فهذه المنطقة لم يختبرها فهو لم ينم بها سابقا .
تناولت (رنا) حبات الفراولة بعد أن غسلتها واستطابت طعمها كثيرا ، وقبل أن تنام تراءت لها ذكريات كثيرة في حياتها حتى غلبها النعاس ونامت .
**********************
استيقظت (رنا) لتجد (جاك) كعادته قد استعد لإكمال الطريق، لكن كان يبدوا عليه الإرهاق وكأنه لم ينم الليل بطوله ، ولم تجرؤ أن تسأله وبعد أن استعدت سارت خلفه كعادتها .
لقد كان الطريق مختصرا لكنه كان مليئا بالأشجار الكثيفة والنباتات الشائكة والحادة ، وبعد ساعتين من الجهد سمعوا أخيرا صوت النهر الجاري فقال (جاك) :
- أخيرا وصلنا .
وبالفعل ماهي إلا عدة دقائق وأصبحوا أمام النهر ، فوضع (جاك) حقيبته على الأرض وقال :
-سأسبح قليلا لأجدد نشاطي.
لم تجبه، فخلع قميصه، فأشاحت بوجهها خجلا، فقال وهو يبتسم ابتسامة شاحبة:
- يخيل إلي أحيانا وكأنك لأول مرة ترين رجلا ، الم تشاهدي في بلادك رجالا يسبحون بدون القميص أم أنهم يسبحون به ؟ !
ثم اتجه نحو النهر وبدأ يسبح في انسيابية رائعة ، فأخذت (رنا) تراقبه وهو يستمتع بالماء ، وقد كان (جاك) منتعشا بدوره وهو يغوص في الماء قليلا ثم يخرج .. وفجأة خيل (لجاك) أنه يسمع صوت ينادي باسمه لم يكن الصوت عاليا لكنه شعر به ، ونظر نحو المكان الذي كانت تجلس به (رنا) تشاهده لكنه لم يجدها فستدار مسرعا وعندما اقترب وجد (رنا) تحاول الإفلات من رجل اسود رجلا يحاول جرها معه.
كانت (رنا) تراقب (جاك) عندما رأت أمامها ظل شي يتحرك خلفها ، فلتفتت خلفها لتجد رجلا اسود وكان بدوره ينظر إليها بنظرات شرسة فأطلقت (رنا) صرخة متحشرجة وبدأت بالركض في فزع وهي تنادي مستغيثة بالشخص الوحيد الذي تعرفه في هذا المكان ...... (جاك) .
أخذت ( رنا) تبكي بحرقة، فها هي نهايتها تقترب على يد رجل اسود متوحش في ارض غريبة لا تدري لماذا أخذت تفكر أيضا ب(جاك) وأين هو وهل سينقذها أم لا والتفتت نحو النهر لكن لم يكن هناك أي اثر ل(جاك) .
لكزها الرجل بقسوة بعد أن قيد يديها خلف ظهرها، وأشار لها بالتقدم نحو الغابة.. لكن محال لقد قررت أن تلقى مصيرها ولا تقع بين يدي هذا الرجل وأخذت تركض ناحية النهر لتغرق نفسها وركض الرجل خلفها غاضبا يتمتم بكلام غير مفهوم وأمسكها من شعرها بقوة وكاد أن يصفعها لولا أن أمسكت بيده يد قوية وهوت يد (جاك) الأخرى بالكمه قوية على وجه الرجل تم إلى معدته حتى سقط الرجل على الأرض يتأوه...
شعرت (رنا) بالسعادة والاطمئنان لرؤيته فأبعدها (جاك) خلفه واستدار يواجه الرجل مرة أخرى وقف الرجل وهو يلوح بسكين ذو نصل حاد ونطلق نحو (جاك) لكن (جاك) تفاداه ثم هو بكعب يده على مؤخرة رأس الرجل الذي سقط مرة أخرى ارض وقد سال خيط من الدماء من فمه ، احل (جاك) قيود (رنا) وهو يسألها :
- هل أنت بخير .
- نعم
ثم سار بها مسرعا .وقال :
- هيا نسرع قبل أن يفيق الرجل .
- وأثناء ماهو يحمل حقيبته رأت (رنا) الرجل ينهض مرة أخرى وقد استل سكينه فصرخت في (جاك) بهلع :
- احترس
اطلقت(رنا) الكلمة رغما عنها بالعربية فلم يفهمها لكنه شعر من قسمات وجهها الفزع بأنها تحذره لكن سبق السيف العزل وغرز الرجل سكينه في ذراع (جاك) وأسرع بالفرار وفي سرعة وشجاعة نزع (جاك) السكين وألقاه مرة أخرى نحو الرجل وقد أصاب هدفه تماما وفي مقتل فسقط الرجل جثة هامدة .
نظرت (رنا) إلى ذراعه التي أخذت تنزف .. فقال لها وهو يحمل الحقيبة مرة أخرى بصعوبة :
- أنه جرح بسيط يجب أن نرحل الآن.
لكنها أشارت إلى جرحه فقال:
- سأضمده فيما بعد لكن الآن هيا نبتعد قبل ان يكون هناك اخرين
.
ومزق جزء من قميصه وربط به ذراعه .
لم تفهم (رنا) ماذا قال لأنه كان يتحدث بصعوبة وكلماته متقطعة، لكنها سارت معه وهي تشعر بالإشفاق عليه.
وسارا طويلا حتى شعرت (رنا) أن (جاك) بدأ يترنح في مشيته وقالت له بتأثر وهي تنظر إليه : - لنتوقف فأنت متعب .
وضع الحقيبة على الأرض وأخذا ينصب الخيمة وأخذت (رنا) تساعده وما كاد ينتهي منها حتى ارتمى على فراشه ، وأشارت (رنا) إلى جرحه فأشار إلى حقيبته، ثم أخذت تبحث بين حاجياته عن شيء يساعدها وكم كانت فرحتها غامرة عندما وجدة حقيبة إسعاف وأخذت تنظف جرحه ويداها ترتجفان فسألها بألم :
- لماذا ترتجفين ؟
لم يعلم (جاك) بأن (رنا) كانت تبكي طوال الطريق مما لاقته ورأته فقد حرصت ألا يشعر بها ، ولم تفهم (رنا) سؤاله فأشار إلى يديها فقالت بتلعثم :
- الرجل.... السكين ...الموت
فهم قصدها وقال بأسف :
- لقد اضطررت إلى قتله لقد كاد يقتلنا .
- أسفه اعلم أنني السبب فلقد سببت لك الكثير من المشاكل.
ربت على يديها مشفقا فسحبت يديها برتباك وخجل ، وانتبهت إلى أن وجهه بتصبب عرقا فأخرجت منديلا وأخذت تجفف عرقه بلطف ، فبتسم ابتسامة شاحبة وكاد وحاول ان يقوم وأن يقول شيئا لكنه سقط فاقد الوعي ولم تدري ماذا تفعل فقد سقط رأسه في حجرها فرفعته في حياء ووضعته على وسادته وشعرت بأن حرارته بدأت ترتفع فغمست المنديل في الماء وأخذت تمرضه طوال الليل .
******************************
¯ ¯
استيقظ (جاك) مع أول خيوط الفجر وهو يشعر بأنه استرد شيئا من نشاطه وما كاد ينهض حتى سقطت قطعت القماش من على رأسه ، ووجد (رنا) مستلقية بالقرب منه مما يدل على أن النوم داهمها وهي تعتني به ،فأخذ يتأملها وهي نائمة ثم حملها بين ذراعيه ووضعها على فراشها ولا يدري لماذا تخيلها وهي بين ذراعيه تحمر خجلا وارتباكا كعادتها البريئة والرقيقة
خرجت (رنا) من الخيمة قلقة على (جاك) ، لتجده يجلس أمام مجرى مائي تابع لنهر فاقتربت منه وقالت بلطف :
- هل أنت اليوم بخير ؟
التفت إليها بسعادة وكأنه كان ينتظرها قائلا :
- نعم أنا بخير شكرا لك .
ثم كرر بحرارة :
- أشكرك كثيرا .
ارتبكت لطريقته المختلفة ونظراته المتفحصة فقالت :
- أنا لم افعل الكثير ... بل أنت الذي أ...
ابتسم وهو يقاطعها :
- لقد أتعبتك معي بالأمس .
حاولت التهرب من نظراته فاقتربت من الماء فقال لها :
- أن أردتي الاغتسال فاقتربي من الماء أكثر فالمياه صافية هناك .
- حقيقة أنا أخاف الاقتراب أكثر من الماء.
نهض مسرعا وقد قرن قوله بالفعل :
- هيا سأقودك إلى هناك ولا تخافي .
كادت أن ترفض لكنها وجدت نفسها تنساق معه ، حتى غمرت المياه نصف ساقيها ، وأخذت تغسل وجهها وتخلل الماء بين شعرها كعادتها حتى شعرت بالانتعاش ، ورفعت وجهها إليه لتجده واضعا يديه بين خاصرتيه يتطلع إليها بتلك النظرة التي أربكتها سابقا وبدأت تخيفها الآن ، فقال لها وهو لا يرفع عينيه عنها :
- (رنا) (رنا) أنت فتاة مختلفة لم أرى سابقا عينان يشع منهما الصفاء كعينيك أو شعر اسود طويل كشعرك الأسود الرائع وكاد أن يضع يده على شعرها ليلعب بخصلاته لكنها تحركت إلى الخلف مبتعدة وقد أدهشها ماسمعت وتمنت أنها لم تفهمه بالشكل الصحيح لكن نظراته كانت تأكد ما فهمت وقالت وهي تشعر بالقلق :
- أريد أن أعود.
- بقي صامتا يتطلع إليها ، فاستدارت مسرعة باتجاه العودة ...لكنها وقبل أن تكمل استدارتها انحشرت قدمها بين الطحالب المائية وفقدت توازنها وكادت أن تسقط لولا أن امسك بها (جاك) ورفعها من الماء فأصبحت أقرب ما تكون إليه والتقت عيناهما وجها لوجه حتى أنها شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجهها فازدادت عدد ضربات قلبها إلى الضعف فأقترب (جاك) منها أكثر فدفعته بعيد عنها وقد ارتسم الجزع على ملامحها فقال (جاك) بدهشة واستنكار :
- لم اقصد شيئا إنما حاولت إبعاد الطحالب عن قدميك.
شعرت بالإحراج والغضب ولم تستطع قول شيء وأزال (جاك) الطحالب العالقة بقدميها وحاول إمساك يدها ليعود بها لكنها أفلتت منه فازدادت عمق نظراته حتى كادت أن تخترقها فتقدمها وسارت هي خلفه حتى خرجا من الماء ثم تقدمته إلى الخيمة وأخذت تجفف ملابسها المبتلة ودخل (جاك) في هذه اللحظة فارتبكت حتى كادت تسقط وتناولت الغطاء من على الأرض و غطت به جسدها الذي التصقت به ملابسها المبتلة .
فقال باستنكار يشوبه الغضب :
- لماذا كل هذا ؟ أتخشينني إلى هذا الحد ؟ مالذي أخافك مني ؟
كانت تشعر بأنه غاضب ولم تجب فستدرك :
- أن كنت تخشينني إلى هذا الحد فلماذا ترافقيني إذا ؟
أحنقه أنه لا تجيبه وظن أنها لم تفهمه فنظر إليها نظرة أخيرة وخرج.
شعرت (رنا) بأنها قد تكون جرحته أو أنها قد بالغة في خوفها لكن ليس بيدها حيلة ولا تستطيع شرح الأمر له فما يعتبره هو شيئا عاديا فهو بالنسبة لها امر ليس بالهين ، فإذا علم احد أنها ظلت لأيام مع رجل بمفردها في مكان منعزل وأن علاقتهم كانت بريئة فهل سيصدقون ?!
دخل (جاك) وقال دون أن يلتفت إليها :
- هيا سنغادر الآن .
- قالت بعد فترة من الصمت :
- أنا أسفه أرجوك حاول أن تفهمني.
لم يجب ثم قال :
- هذا هو ما أحاول فعله. أن أفهمك
اقتربا من منطقة صخرية وبدأ يظهر الطريق أمامهم ، وأشار (جاك) إلى سيارة من نوع الجيب الصغيرة والمكشوفة وقال بعد أن أخذ يزيل الأغصان والأوراق التي كان يغطي بها السيارة :
- هذه سيارتي ، وأخيرا اقتربنا من الحضارة .
ثم ركب وأشار لها بالركوب لكنها لم تفعل فقال بحدة:
- ماذا بك ؟ آلا تركبين ؟
صعدت بهدوء وجلست على المقعد المجاور له ، واخذ يدير محرك السيارة حتى استجاب له ، وانطلق بسرعة لا تتناسب مع طبيعة المنطقة ، فقد كانت السيارة تهتز بعنف وكان هو ينظر في طريقه مباشرة ولم يلتفت إليها مرة واحدة ولم تفعل هي بدورها ثم قال بلهجة باردة : - قد نصل في الصباح الباكر إلى المدينة .
وحانت منه التفاته خاطفه إلى (رنا) ليرى عينيها مغرورقتين بالدموع فأوقف السيارة وقال :
- (رنا) أرجوك لماذا تبكي ؟ يا الهي اشعر وكأني أجالس طفلة.
مسحت دموعها وأشاحت بوجهها حتى أن كتفيها كانا يرتعدان، فامسك كتفيها برفق وقال بحنان:
- أسف يبدو أني عاملتك بقسوة .
شعرت بدفء يديه وسكنت ارتجافتها ثم التفتت إليه وأدهشها القلق الممتزج بالرقة في عينيه حتى أنها لم تستطع قول شيء ، فضرب مقود السيارة بكلتا يديه وقال :
- اعلم أنني أخفتك فأنا هكذا لا أجيد التصرف مع النساء.
ثم عاد وامسك كتفيها وقال وهو ينظر إلى عينيها مباشرة:
- - أنا أسف أنا حقا أسف.
كانت كلماته الدافئة والصادقة كافية لأن تنطق وتقول بأسف :
- كلا أنا التي.... يجب أن تعتذر... فأنا اسبب... لك المشاكل في ..كل.., لحظة وقد أزعجتك.. وحملتك أمر... مساعدتي.. و......
ترك كتفاها وتناول كفيها بين راحتيه فلم تجرؤ على سحبها وقال:
- كلا ..كلا.. ابد بل بالعكس تماما.. أنا.أنا. أنا .....
ولم يستطع إكمال عبارته واخذ في حك جبينه ثم قال وهو يحاول رسم ابتسامة:
- أنرحل الآن ؟
- نعم
تناول من حقيبته زجاجة عصير وبعض البسكويت وقال :
- لابد أنك جائعة تناولي هذا .
- وأنت ؟
- سأتناول معك بعض قط البسكويت أن لم يكن عندك مانع
ابتسمت وقالت :
- تفضل .
شعر بسعادة بعدما رأى ابتسامتها الرقيقة وبدون قصد مسح على شعرها بيده فظهر ارتباكها لجزء من الثانية فابعد يده على الفور.. وأكمل طريقه
سارا نصف النهار ولقد بذل (جاك) وسعه في الترفيه عن (رنا) في الخوض معها في أحاديث مختلفة .
(جاك) ل(رنا) :
-هل لديك اصدقاء في بلدك ؟
- بالطبع .
- هل هناك صديقا له مكانة معينة أم هذا من باب الخصوصية.
فهمت (رنا) القسم الأول من سؤاله وأدركت قصده فقالت نافية:
- صديق... كلا لقد فهمتني خطأ، فلقد قصدت بالأصدقاء فتيات وليس فتيان.
- أيعني انك ليس لديك صديق !!
- في بلدي وديني لا يسمح بالعلاقات بين الرجال والنساء. .
ثم أردفت :
- أنت أول رجل غريب أتحدث معه وأول رجل يراني دون حجابي... ثم ابتسمت وقالت : - وأول رجل أتحدث معه الانجليزية جيدا .
قال (جاك) بلهجة لا تحمل معنى واضحة :
- فعلا أنا أول رجل..
التفتت إليه متسائلة فقال :
- إن ارتباكك وخجلك الدائم وعدم السماح لي بلمس حتى يديك يدلان على ذلك.
ثم أن انجليزيتك لا باس بها مع إنها تحمل بعض الأخطاء في طريقة اللفظ والتركيب لكن اطمئني فأنا أفهمك بسهولة من قبل أن تقولي ما تريدين .
قالت لتغير مجرى الحديث :
- ألديك أنت أصدقاء ؟
ابتسم ابتسامة واسعة وقال:
- من الفتيات أم الفتيان ؟
ابتسمت بخجل :
- من الفتيات مثلا .
- لدي الكثير
ترددت ثم قالت :
- أهناك صديقة معينة ؟
أجاب باقتضاب لعدم ترحيبه في الخوض في الحديث أكثر :
- كان لدي وانتهت .
ولأول مرة تشعر رنا بالسعادة والراحة لالتقائها ب(جاك) ولم تدري كيف كان سيؤل بها الحال أن لم تكن التقت به وشعرت بالسعادة أيضا لقرب لقائها بوالدها وأخذت في التفكير فيه وسألت الله أن يكون بخير .
¯ ¯
استيقظت (رنا) بعد أن غفت فترة الليل في السيارة لتر (جاك) مازال يسير في طريقه فقالت :
- صباح االخير.صباح الخير .
- أسفه لم اشعر بنفسي عندما نمت
أخذ يتأملها فنظرت إليه بنظرة عتاب :
- ألن تكف عن النظر إلي هكذا.. أنت تحرجني ثم تغضب بعد ذلك .
قال وهو مازال يرمقها بتلك النظرات :
- أتمنى أن اكف عن النظر إليك لكن عيناي ترفضان .
أربكها تلميحه فقالت متظاهرة بالحزم :
- ارجوا أن تتنبه لطريقك .
أجابها في شرود :
- أي طريق ؟
- ضحكت رغما عنها وقالت وهي تشير إلى الطريق :
- الطريق أرجوك لا نريد حوادث في هذا المكان المنعزل.
قال وكأنه لم يسمعها :
- ضحكتك رائعة .
سكتت وأخذت تنظر إلى الطريق فقال:
- أسف لقد قصدت مداعبتك ؟
نظرت إليه بحيرة فعلم بحيرتها وانها لم تفهمه فقال:
- اقصد مغازلتك بطريقة لطيفة.
وعندما لم تفهمه قال بحيرة :
- اقصد أن أقول لك كلمات جميلة حتى تشعري بالسعادة فالنساء يحببن عادة الإطراء.
لم تلقى (رنا) جوابا مناسبا فلاذت بالصمت ، فسألها :
- - هل فهمتي قصدي .
- نعم وأنا أشكرك ، و يبدو أني أتعبك في الشرح
- لا ابدا فأنت تفهميني جيد .
ثم ظهرت ابتسامة على شفتيه تحولت إلى ضحكة فقالت (رنا) متعجبة :
- مالذي يضحكك؟
حاول (جاك) كتم ضحكته لكنه لم يستطع ، فتركته حتى تمالك نفسه وقال بابتسامة لم ترق لها :
- أن وعدتني أنك لن تخجلي أو تغضبي أخبرك.
تساءلت بحذر :
- ولماذا ؟
رمقها بطرف عينه وقال :
- لأني أتوقع أن أخبرتك أن تتركيني وتكملي الطريق وحدك.
قالت مستنكرة :
- لماذا ماذا تنوي قوله يا (جاك) ؟
قال برجاء :
- أرجوك أعيديه .
- ماهو
- اسمي
قالت محذره:
-(جاك) أني أحذرك .
فقال :
- أتذكرين أول مرة رأيتك فيها ؟
- أتقصد الخيمة ؟
- لا اقصد في الغابة عندما وجدتك وفقدتي وعيك .
قالت بشك :
- ماذا حدث فقد كنت فاقدة الوعي ؟
تراقصت ابتسامته مرة أخرى وقال :
-نعم فقدتي وعيك لكن أين سقطتي هل على الأرض مثلا ؟!
- لا اعلم ماذا تقصد ؟
أجابها وهو يحدق بها وكأنه يريد أن يعرف اثر كل كلمة سينطقها عليها :
- لقد كنت خلفك مباشرة وما أن أطلقت النار على الحيوان حتى استدرتي بانفعال وسقطتي بين ....
واشتدت نظراته عمقا :
- وسقطتي بين أحضاني .
لم تفهم كلمته الأخيرة لكن إشارته ونظراته كانت كافية .
أصابها الارتباك والحرج وتظاهرت بعدم الفهم ، لكنه قال (رنا) أنا اعلم انك فهمتي ما قلت ، فقالت :
- لقد كنت فاقدة الوعي .. الجميل.لأمر ليس بالشيء ... الجميل .
قال بخبث :
- بل هو رائع .
تعاظم انفعالها وحرجها وقالت بانفعال :
- لو كان رائعا كما قلت لكنت الآن سعيدة مثلك عندما سقطت أنت و...
وبترت حديثها متحرجة ، فقال (جاك) متسائلا في دهشة :
- أنا ! متى ؟ وأين ؟
لم تستطع الاجابه فقال بإلحاح عجيب :
- أرجوك يا (رنا) ماذا تقصدين ؟
إزاء إلحاحه قالت بارتباك كعادتها عندما يحرجها (جاك) :
- عندما أصبت في ذراعك ... وكنت أضمد جرحك و فقدت الوعي أنت فاقد الوعي ... و ... وهذا كل شيء .
سأل (جاك) بتخابث مرة أخرى :
- وأين سقطت بالتحديد ؟
احمر وجه (رنا) بشدة ، وضرب (جاك) جبينه بكف يده وقال بعد أن غمز ل(رنا) بعينه:
- يالي من غبي .. وفي المرتين افقد تلك اللحظة .
لم تستطع (رنا) تحمل كل هذا الإحراج فأبعدت وجهها إلى الناحية الأخرى ، وابتسم (جاك) الذي كان يرغب وبشدة في رؤية الدماء الخجلة وهي تتصاعد إلى وجنتيها لتزيدها حسنا ورقة وجمال .
توقف (جاك) في الطريق ليريح السيارة ويرتاح قليلا قبل المتابعة ، وكان يتحدث مع (رنا) ولكنها كانت صامتة فقال :
- (رنا) أنا أسف صدقيني لم أتعمد إغضابك.. انك حساسة وخجولة جدا .
وعندما لم يتلق منها إجابة، امسك كفيها برفق لكنها نظرت إليه مستنكرة وسحبت كفها وخرجت من السيارة فتبعها بقفزة رشيقة وامسك ذرعها وقال برجاء:
- (رنا) سنصل اليوم إلى المدينة وسوف تلتقي بوالدك.. فيجب أن تكوني سعيدة. .
كان صوته مائلا إلى الحزن ، فأومأت برأسها وعادت إلى السيارة فقال لها :
- ارجوا أن تكوني قد سامحتني.إذا سامحتني ابتسمي وإذا لم تسامحيني اضحكي.
ابتسمت له وهي تتعجب لذلك التقارب الذي حدث بينهما ، وسارا في الطريق بعد أن تناولا شيئا وكانت (رنا) تختلس النظر إليه بين حين وأخر فتنبه لها (جاك) وقال :
- أترغبين في قول شيئ ما ؟
فقالت مترددة :
- لاشي بالتحديد لكن أردت قطع الطريق بالحديث .
- عن ماذا ؟
- عنك مثلا .
ابتسم وقال :
- أنا (جاك)
ابتسمت بدورها وقالت :
- وأنا (رنا) لكن حقا ماذا تعمل وكيف تعيش والخ
- حسنا اسمي (جاك براون) اعمل موظف في احد الشركات الصغيرة أهوى الرحلات والصيد وأعيش بمفردي .
كان كعادته يختار ابسط الكلمات لتفهمه ، ثم سألها بدوره :
- وأنت ؟
- أن أخطأت أو لم تفهمني فنبهني .. حسنا .
- حسنا .
- أنا (رنا ياسين) أعيش مع زوج والدتي بابا (محمود) بعد وفاة والدتي وأنا اعتبره أبي الحقيقي فأنا لا أعرف غيره.
- ظل صامتا فقالت معتذرة :
- أنا أسفه يبدو انك لا ترغب في الحديث.
- أأقول لك شيئا فلا تغضبي، أتسعت حدقتها وقالت :
- ماذا تنوي أن تقول هذه المرة .
- ضحك وقال :
- لا شيء.
قالت بعناد طفولي أدهشها هي بذاتها :
- بل يجب أن تقول .
نظر إلى عينيها مباشرة وقال :
- أنت جميلة جدا عندما تغضبين .
أدهشها قوله الغير متوقع، ورغبت أن تقول له بأنه تجاوز الحد، لكنها لم تستطع
لعدم مقدرتها على تفسير السعادة التي غمرتها بداخلها لقوله ذلك .
قال (جاك) :
- لقد وصلنا إلى مشارف المدينة.
نظرت باهتمام إلى الطريق وتراءت لها صورة والدها فاردا ذراعيه ليحتضنها
أوقف (جاك) السيارة وقال (لرنا) :
- ها هو مركز البوليس .. لابد أنهم لديهم خبر عنك هي اذهبي.
ترددت في النزول فقال متسائلا :
- ماذا بك ؟
قالت فيما يشبه الرجاء :
- ألن تأتي معي ؟
قال بلهفة أدهشتها:
- أحقا ترغبين أن أكون معك ؟
أجابت بتلعثم :
- أنت تستطيع شرح الأمر أكثر مني.
أومأ برأسه متفهما ونزل معها .
قال المفتش بعد أن قص عليه (جاك) القصة :
- حسنا يا آنسة سوف نتصل على سفارتك على الفور ليبلغوا والدك.
قالت بلهفة :
- ومتى سيصل
- في صباح بعد غد على الأكثر
قالت بدهشة وحزن :
- ولماذا ؟
- حتى نرسل الإخبارية لسفارتكم ويخبروا والدك ويحضر سيكون قد انقضى يوم كامل وهو الغد وسوف يصل في الصباح اليوم التالي.
أعاد (جاك) شرح الأمر لها وسال (جاك) المفتش :
- وأين ستقضي (رنا) هذا اليوم وغدا ؟
- تستطيع المكوث هنا في القسم وسوف أحاول أن أجد لها مكانا شاغرا
نظر (جاك) إلى المكان المقتض حوله وقال ل(رنا) ما قال المفتش فقالت :
- هنا !!
استطرد المفتش :
- أو تنزلين في احد الفنادق إذا أردتي .
- لكن أنا لا املك المال .
قال (جاك) لها :
- لا تقلقي بهذا الشأن .
نظرت اليه بامتنان
المفتش :
- حسنا والآن يا(جاك) وقع أنت والآنسة واترك لنا عنوانك ولا تنسى أن ترسل لنا بعنوانها .
بحث (جاك) وبتهالك: أكثر من فندق وبنسيون لكن الكل كان يرفض إقامتها لعدم وجود ما يثبت هويتها ماعدا بنسيون واحد لكن (جاك) رفض إقامتها فيه بعد أن ارتاب في صاحب البنسيون الذي لم يرفع عينيه عن (رنا) .
قالت (رنا) بتهالك :
- لا فائدة من البحث.
ثم تذكرة أمرا فقالت :
- انك تعرف طرق هذه المدينة هل تعرفها ؟
- إنها مدينتي ؟
- مدينتك ؟
- هل ظننتني متشردا .
لم تفهم كلمته الأخيرة فقالت :
- ماذا تعني كلمتك الأخيرة .
- ليس هذا مهما المهم أن نجد لك مكانا الآن
- سأعود إلى مركز البوليس إذا.
- هناك حل آخر لا اعلم أن كنت ستقبلينه.
- ما هو ؟
- أن تأتي معي
- إلى أين ؟
- إلى منزلي .
- منزلك ؟
- نعم أم كنت تظنين إني اسكن الشارع
- لا لم اقصد .. لكن
امسك (جاك) كتفيها وقال وهو ينظر إلى عينيها بعمق :
- (رنا) هل مازلت تخافين مني
- لا ليس تماما لكن ..
- ترك ذراعها فاستطردت :
- - لكني لا أظنك سيئا أليس كذلك ؟
ابتسم معتذرا وقال :
- هل آلمتك ؟
هزت رأسها نافية
وانطلق (جاك) نحو منزله .
كان منزل (جاك) بسيطا وصغيرا مكون من حجرة نوم واحدة وصالون مع مطبخ صغير ودورة مياه .
أشار إلى حجرة نومه وقال :
- ستنامين أنت هنا وسأنام أنا هنا على الأريكة بالصالون .
- لكن ....
- أم تحبين أن أنام في الخارج هذه المرة لا باس .
- لا لا لم اقصد
- إذا كما اتفقنا، والآن أترغبين في شيء.
- في الحقيقة نعم أود الاستحمام ولكن ليس لدي ثياب.
تنبه (جاك) لهذه النقطة وقال :
- آه هذا صحيح ولو لم يكن الوقت متأخر لذهبت لشراء ثياب لك ، لكن استطيع إقراضك من ثيابي لكن لا أظنها ستكون مقاسك .
- شكر لك لا داعي سأنتظر لصباح.
- أتحبين أن تشربي شيئا .
قالت بإرهاق وهي تجلس على الأريكة :
- لا باس أي شيء.... أتدخن ؟!
قالت وهي تشير إلى منفضة السجائر .
فأجاب نافيا :
- كلا لكن المنفضة ضرورية في المنزل فلدي أصدقاء مدخنون .
قالها وهو يخرج من احد الأدراج زجاجة كبيرة تحوي سائلا ذهبي وسكب شيئا منها في كوبين فارغين، فطنت (رنا) إلى طبيعة الشراب وشعرت بالتوتر فقالت له عندما قدم لها الكأس:
- ماهذا ؟
- وسكي ، أم أنك تفضلين نوعا آخر؟
- آسفة لا اشربه ولا اشرب أي نوعا آخر.
- ولا أي نوع !!
أومأت برأسها إيجابا وقالت موضحة :
- هذا محرم في ديني .
أعاد كاسه وكأسها ثم جلس بالقرب منها على الأريكة قائلا :
- لا بأس .
بقيا صامتين للحظات ثم شعرت (رنا) بذراعه تحيط خاصرتها ، فسرت قشعريرة قوية في جسدها حتى أن (جاك) شعر بها فقال بصوت هادى رقيق :
- (رنا) .. أنت تعاملينني بقسوة ؟ ابعد كل ذلك تخشينني؟ لماذا كلما حاولت أن أتقرب إليك تبتعدين ؟..
حاولت التخلص من ذراعه بلطف لكنه كان يحيطها بإحكام فقالت وهي تنظر إليه برجاء وبعينان لمعت بهما الدموع:
- (جاك) أنت تفعل ما كنت أخشاه ... أرجوك اتركني....
ولم تستطع الإكمال وسقطت دموعها في صمت حار فأبعد (جاك) ذرعه وقال بصوت متحشرج بعدما نهض واقفا :
- أنت تتمنعين بشدة لماذا ؟ حتى الفتيات الأتي قابلتهن وكن يتمنعن كن يتمنعن دلالا أما أنت فتمنعك مختلف رغما إني اشعر بأنك.. أنك ..أوه ... لا لا
واخذ يتحدث دون ان تعلم ما كان يقول
وضرب بكفه سطح المنضدة ثم غادر الشقة .
عاد (جاك) مع الفجر وقد جال بخاطره إما أن تكون (رنا) قد غادرت المنزل أو أن تبقى في حجرة النوم موصدة الباب بإحكام وقد أفزعته الفكرة الأولى فأين ستذهب وماذا ستفعل فهو يشعر بأنه مسئولا عن سلامتها فقد تعلق بها كثيرا .
لكنه ما أن دخل حتى وجدها نائمة على الأريكة وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها ورأسها ملقى فوقهما.
ألقى عليها نظرة مشفقة وقال :
- (رنا) (رنا)
أفاقت فزعة وهي تنظر إليه بعينين محمرتين وقال في خفوت :
- هل أفزعتك ؟
هزت رأسها نافيه فقال مستطردا:
- أنا اعتذر عما فعلت واعتذر عن الكلام القاسي الذي قلته.
ابتسمت في شحوب وقالت :
- آلا أقول لك شيئا لكن لا تغضب مني ؟
نظر إليها متسائلا فقالت :
- أنا لم افهم من حديثك السابق أي شيء سوى انك كنت غاضبا.
حدق فيها للحظات ثم ضحك ضحكة قصيرة :
- هذا أفضل ، والآن اذهبي لتنامي
- وأين كنت أنت ؟
أطلق زفرة قصيرة وقال بغموض وحزن :
- كنت أحاول أن أنسى.
نظرت إليه بحيرة، فأردف وهو يجلس على احد المقاعد استعدادا لينام عليها وأردف:
- ولكني لم استطع.
ذهبت إلى الحجرة لتحضر له غطاء لتجده قد استغرق في النوم، فأسدلت عليه الغطاء ودخلت لتنام.
**************
استيقظ (جاك) واخذ حماما ثم اعد الإفطار وخرج خارج المنزل بينما كانت (رنا) نائمة ، وفي أثناء ماهو خارج المنزل ، فتح الباب ودخل شاب في أوائل العشرينات ، له شعر أشقر وعيناه زرقاوان وكان يميل إلى النحول وعند دخوله اخذ ينادي :
- (جاك) (جاك) هل عدت أيها المغامر ؟
- لكنه لم يتلقى اجابة .فاتجه ناحية السفرة وتناول شطيرة وهو يقول :
- انت هنا فعلا .
واتجه إلى حجرة النوم وفتحها لتقع عينيه على (رنا) النائمة في الفراش ... ففغر فاه ووقفت قطعة الشطيرة في حلقه فأخذ يسعل بشدة حتى أفاقت (رنا) على صوت سعاله ففزعت وقالت بالعربية :
- من أنت ؟
اندهش من قولها ولم يفهمه فقال في إعجاب:
- يا الهي أكان (جاك) في الغابة أم في الجنة ؟!
اقترب أكثر منها فازداد انكماشها في فراشها أكثر وهي تقول بالانجليزية :
- ابتعد ... (جاك) أين أنت ؟
قال الفتى باستهتار :
- لا تخشي شيئا يا عزيزتي الجميلة فأنا وجاك شخص واحد .
بلعت ريقها في صعوبة وقالت :
- أين (جاك) ... (جاك) ..
كاد الفتى أن يقول شيئا آلا أن صوتا حازما قال له بشدة:
- قف مكانك (الفريد) واخرج من هنا حالا.
التفت الفتى إلى (جاك) وقال مرحبا :
- آهلا (جاك) لم أرك منذ زمن ....
امسكه (جاك) بحركة حادة من يده وأخرجه من الحجرة وقال ل(رنا) بأسف شديد :
- أسف يا(رنا) هذا أخي (الفريد) وهو لا يعلم من أمرك شيئا.
وخرج وأغلق الباب خلفه، ليجد أخاه مستندا إلى طرف الحائط وقد عقد ذراعيه حول صدره مطلقا صفير إعجاب قائلا:
- لديك حق يا أخي العزيز في إخفاء أمر هذه الحسناء التي تركتنا من اجلها .
قاطعه (جاك) وقد امسك بتلابيبه بقوة وبلهجة تجمع مابين الغضب والحزم :
- أحذرك يا (الفريد) من الاقتراب منها هل فهمت ؟
ابعد (الفريد) يد (جاك) وقال بانفعال :
-ماهذا اهكذا تستقبلني وكل هذا من اجل فتاة ، لقد تعدت نزواتك النوادي الليلية وأصبحت مـ...
قاطعه (جاك) :
- هذا ليس من شأنك (الفريد)
ثم أشار إلى الخارج :
- والآن ارجوا أن تخرج فلدي عمل.
قال بسخرية :
- عمل .. لا تنسى هذا الموقف يا (جاك) .
وخرج.
لم يكن (جاك) ليتصرف مع أخيه هكذا رغم معرفته بان أخاه نزق ومغرم بالنساء الجميلات فخشي على (رنا) منه .
القي (جاك) بجسده على المقعد ودفن وجهه بين كفيه وقال بمرارة :
- لماذا كلما حاولت أن أصلح الأمور بيني وبينها تتعقد هكذا ؟!
نهض (جاك) وتناول كيسا من على الأرض وطرق باب الحجرة، صوت (رنا) متسائلة :
- من ؟
- أنا (جاك) هل لي بالدخول ؟
- تفضل .
دخل وجلس على طرف فراشها الذي مازالت جالسة فيه وقال :
-أنا اعتذر مرة أخرى واعلم إني ارتكب دائما في حقك الأخطاء لكن صدقيني لا اقصدها.
اغتصبت ابتسامة على شفتيها وقالت :
- بل أنا التي سببت لك المشاكل وأنا اعتذر منك و..
مس شفتيها بأنامله برفق ليسكتها قائلا :
- لا داعي لهذا الأمر ودعينا نخرج.
- نخرج!!
- نعم سوف اريك مدينتي الصغيرة وبالمناسبة لقد اشتريت لك ثيابا جديدة أتمنى أن تعجبك وتكون مقاسك .وناولها الكيس
تناولته وفتحته لتجد به بنطالا ازرق وبلوزة بيضاء رقيقة
فقالت ممتنة :
- أشكرك فأنت تفعل الكثير من اجلي .
نظر إلى عينيها طويلا حتى انه شعرت بأنها تغوص فيهما وقال بصوت يموج بالمشاعر الفياضة:
- بل أنت التي منحتني الكثير .
خرج ( جاك) بصحبة (رنا) ليقطعا الطريق على قدميهما وأخذا يسيران معا عبر الطريق وهو يشير بين حين وأخر إلى أشياء متعددة وكان يكتفي بوصف مقتضب وسهل لتفهمه (رنا) .
توقف (جاك) فجأة وباغتها بطلب :
- (رنا) أرجوك تحدثي قليلا بالعربية.
تساءلت بدهشة :
- ولماذا ؟
- أحب أن اسمع صوتك بها.
وقبل أن تقول شيئا ارتفع صوت أنثوي من خلفهما:
-مرحبا (جاك)
التفتا لتجد (رنا) فتاة طويلة القامة ، بيضاء ترتدي شوورت قصير وبلوزة بدون أكمام وأحاطت الفتاة (جاك) بذراعها وقبلته في وجنته وقالت :
- كيف حالك يا (جاك) لقد أوحشتني كثيرا .
أشاحت (رنا) بوجهها ، فارتبك (جاك) وأبعدها بلطف :
- أهلا (لوري) كيف حالك ؟
تنبهت (لوري) للقاء (جاك) الفاتر ، وانتبهت لأول مرة لوجود (رنا) فرمقتها بنظرة مستنكرة لم ترتح لها (رنا) فأمسكت بيد (جاك) وقالت :
- هيا يا (جاك) لنذهب .
لم تدرك (رنا) شعورها لكنها أدركت بأنها شعرت بشيئا من الغيرة .
استوقفتهما الفتاة وقالت (لجاك) باستنكار :
- من هذه يا (جاك) التي تتجاهلني من اجلها ؟
قالت لها (رنا) بالعربية :
- هذا ليس من شانك أيتها المغرورة
نظرا كلاهما إلى (رنا) بدهشة لكن (جاك) تغلب على دهشته سريعا وامسك بذراع (رنا) ولوح ل(لوري) :
- إلى اللقاء الآن سأراك فيما بعد .
وبعد أن ابتعدا سال (جاك) (رنا) وهو يضحك :
- ماذا قلتي لها ؟ اعتقد أنها العربية أليس صحيح ؟
انحرجة (رنا) لأنها لم ترغب بأخبار (جاك) بما قالته فكتفت بابتسامة خجلة ، فقال :
- على العموم أي شيئا قلته فانا اعتقد إنها تستحقه .
فاخذ يضحك وشاركته (رنا) في الضحك وشعرت بمد التقارب الذي أصبح بينهما وأنها الفته و........ وهذا ما تخشاه.
جلس (جاك) و ( رنا) تحت شجرة في احد الحدائق، وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب فأخذ كلا منهما ينظر إلى الآخر حتى شعرت (رنا) بالخجل وقالت :
- أنه مكان جميل .
وأخذت تنقل بصرها بين أنحاء المكان لتتهرب من نظرات (جاك) ، وأدرك(جاك) محاولتها لفرار من عينيه فقال :
- االمنظر رائع ، لم اشعر يوما بجماله مثلما الآن.
- ولماذا ؟
قال وهو يعبث بالعشب من حوله :
- أخشى أن لا تصدقيني.
- ولما لا أصدقك ؟
- المكان جميل بوجودك يا(رنا)
ابتسمت :
- أشكرك
- أنا لا أجاملك.
لم تدري ماذا تقول فقالت :
- إننا بعيدان عن الناس هنا
- أتريدين معرفة لماذا نجلس هنا بعيدا ؟
- لماذا ؟
- كي لا يراك احد غيري .
رددت (رنا) ماقاله رغبة في التأكد :
- لا تريد احد أن يراني غيرك!
- نعم
- هل أحرجك ؟
- آوه لا لا أبدا
نظرت إليه تستحثه على الحديث وهم بقول شيئا ثم تراجع وهز رأسه وقال:
- لا شي دعينا نتحدث في شيئا آخر
- حسنا آلا تعرف شخصا هنا يتحدث العربية والانجليزية ؟
- لماذا ؟
- ليساعدنا في قول الأمور التي يصعب علينا قولها
- أولا نحن نتفاهم بشكل جيد جدا ثانيا وان كنت اعرف شخصا فلن نذهب إليه
- ولماذا؟
قال لها وقد احتضن كفيها بين راحتيه :
- أريد أن أفهمك أنا وحدي وان تخاطبيني أنا وحدي...أنا ..أنا...
وترك كفيها وسألها :
- كم عمرك ؟ أنا أسف لهذا السؤال .
تمنت إبقاء. يديها أطول بين راحتيه وان تعرف مالذي أراد قوله فالمشاعر المختلطة في نفسها تكاد تخنقها ، لكنها أجابت :
- عشرون عاما .
- مازلت صغيرة
ثم طالت فترة صمت بينهما فقالت :
- هل نعود لقد تأخر الوقت ؟
قال (جاك) وكأنه لم يسمعها :
- ماذا سيقول من يرانا تحت هذه الشجرة وفي هذا المكان المنعزل .
تلعثمت وقد فهمت مايرمي إليه وقالت وهي تنهض :
- آسفة لم افهم قصدك.
سحبها من يدها برفق حتى عادت وجلست على العشب وقال في عتاب:
- بل فهمتي ما اعني فارتباكك يدل على ذلك .
ظلت صامتة وهي تشيح بوجهها بعيد عنه فقال وهو يوجه وجهها إليه بأنامله:
- انظري الي يا(رنا) أرجوك.
قالت متوسلة وقد علمت فعلا حقيقة مشاعرها :
- أرجوك يا (جاك) لا تسألني .
(جاك) بإصرار :
- أريد فقط أن اعرف هل تشعرين بما اشعر به أم لا.
قالت بألم :
- وما الفائدة سيأتي والدي غدا وسوف أعود إلى وطني...
وأغرقت عيناها بالدموع ،فرفع رأسها إلى وجهه وقال :
- لا داعي للبكاء سوف تلتقين غدا بوالدك وسينتهي كل شيء
كان صوته مزيجا بين الحزن والألم واخذ كلا منهما يسبح في أعماق الآخر حتى انفجرت أسارير (جاك ) بابتسامة مرحة وهو يقول :
- أترغبين بتناول التفاح ؟
وأشار إلى اعلي الشجرة فأومأت برأسها إيجابا فقال بنشاط :
- سأحضر لك واحدة .
وصعد إلى أعلى الشجرة واقتطف تفاحتين ، وما أن اقترب من أسفل الشجرة حتى احتكت ذراعه المصابة بغصن حاد فأطلق رغما عنه صرخة الم ، وسقط على الأرض وهو يمسك ذراعه المصابة وقد أخذت تنزف بغزارة فأقبلت عليه (رنا) بلهفة تجمع الكثير من الجزع :
- آه (جاك) ذراعك المصابة لقد نسينا أمرها ولم تذهب إلى الطبيب أنا آسفة
- لا... تقلقي.. انه. بسيط
وعندما شعرت به يتألم ألقت بنفسها بين ذراعيه وقالت وهي تنتحب من شدة البكاء:
- أنا أسفه يا (جاك)
وتأكدت من أمر واحد أنها تحبه بل تعشقه
قال (جاك) بسعادة رغم ألمه :
- هذه المرة لن أكون غبيا ابدا.
وشد من قبضته على كتفيها وهو يضمها إلى صدره، وأدركت ما يعني فتوردت وجنتيها وابتعدت عنه وقالت:
- يجب أن نذهب الآن إلى الطبيب هيا دلني على الطريق.
- قلت لك سأداويه في المنزل.
مست شفتيه بأناملها وقالت :
- لا تجهد نفسك سأطلب المساعدة انتظرني هنا لن ابتعد.
احتضن (محمود) (رنا) بقوة وقد سالت الدموع منهما بغزارة:
- أنا أسف يا ابنتي أنا السبب، لم أكن لأسامح نفسي لو حدث لك مكروه.
- فقالت بأسف وإشفاق :
- - بل أنت الذي سامحني فهذا سبب غبائي وتهوري .
ربت على كتفيها في حنان أبوي :
- احمد الله انك بخير ياحبيبتي هيا اخبريني كيف عدت عليك تلك الأيام الرهيبة .
قالت في سعادة :
- بل هي من أروع أيام حياتي يا أبي لن أنساها ما حييت.
وروت له ماحدث لها في مزيج من الإعجاب والحب لقد ذكرت له كل مساعدات (جاك) لها لقد كانت تروي ليست كفتاة أنقذها شخص بل كفتاة عاشقة .
لم يلحظ (محمود) التغير الذي طرأ عليها لكن (جون) لاحظ وأدرك معناه .
قال (محمود) :
- هيا يا (رنا) لقد حجزت على طائرة المساء ، سنعود قبل أن تفقدني هذه الرحلة صوابي .
تضايقت وتفاجأت قليلا للخبر
فقال (جون) وهو يغمز ل(رنا) :
- لكن لا يبدو الأمر كذلك بالنسبة ل(رنا) أليس كذلك ؟
قالت بخجل :
- أبي نريد أن نطمأن على (جاك) فقد أصيب بسببي .
(جون) بتخابث :
- فقط ؟
امتقع وجه (محمود) وقال :
- ماذا تقصد يا(جون) ففتياتنا يختلفن عن فتياتكم .
أومأ (جون) برأسه وقال بصوت تسمعه (رنا). ولا يسمعه (محمود) :
- لكن الحب هو الحب في كل زمان وكل مكان .
ثم رفع صوته وقال :
- سنذهب يا (محمود) أنا و(رنا) للأطمأنان على الرجل وسنعود حالا .
- وأنا أريد أن اشكر الرجل بنفسي !
قال (جون) بأهمية مفتعلة :
- حاول انت انهاء ما بقي من إجراءات العودة وسنعود حالا كما قلت .
- وجذب (رنا) إلى الخارج قبل أن ينطق (محمود) أي كلمة اعتراض
دلفت (رنا) و(جون) إلى الحجرة التي يرقد بها (جاك) بالمستشفى .. فوجدته نائما وقد ربطت ذراعه بأربطة.
قالت الممرضة بهدوء :
- لقد نام متأخر ارجوا عدم إزعاجه.
قالت (رنا) بإشفاق وعطف:
- أكان يشعر بألم
هزت الممرضة رأسها نافية وقالت :
- بل كان يرسم .
- وأشارت إلى كراسة حمراء اللون، فقالت (رنا) بدهشة:
- - يرسم .
وما أن اطلعت على الرسوم الموجودة بها حتى تساقطت الدموع من عينيها فنصرفت الممرضة وقال (جون) :
- يبدو أنه أحبك
نظرت إليه وكأنها ترجو منه المشورة، فربت على كتفها برفق وقال:
- أتودين أن أساعدك في كتابة رسالة وداع ؟
كررت بألم :
- وداع !!
أومأ برأسه مؤكدا. :
- نعم يا بنتي وداع .
كانت الكراسة الحمراء تحوي صورتين رسمهما (جاك) بقلم الرصاص كانت بسيطة لكنها واضحة وتحمل مشاعر جمة الأولى عندما امسكها عندما كادت تسقط في النهر والثانية عندما كان يحتضنها تحت الشجرة .
أخذت (رنا) الكراسة الحمراء وتركت رسالة ل(جاك) كتبتها بمساعدة (جون)، خرج (جون) من الحجرة تاركا (رنا) فيها ، أخذت تتأمله بحب وألم ثم وضعت الرسالة بالقرب من وسادته .
واستدارت لتنصرف لتصطدم بالممرضة التي كانت خلفها ولم تشعر (رنا) بوجودها واعتذرت وانصرفت.
نظرت الممرضة بأسف إلى (جاك) وقالت :
-ياله من شاب وسيم .. يستحق فعلا نظرة الحب تلك .
وأخذت في فحص حرارة ونبض (جاك) الذي فتح عينيه بإرهاق وقال :
-كم الساعة الآن ؟
- التاسعة .
ثم أردفت بمرح :
- الديك موعد ؟
ابتسم مجاملا :
- الم يزرني أحد؟
سألت مداعبة :
-مثل من ؟ فتاة حسناء مثلا !؟
سأل بلهفة :
- هل أتت فتاة إلى هنا ؟
أومأت برأسها إيجابا وقالت بنظرة ذات مغزى :
- نعم ، ويبدو أنها مغرمة بك فقد تأملتك كثيرا في حب .
غامره القليل من الشك في أن تكون (رنا) فقال :
- الم تقل اسمها ؟
- لا لكن لايبدو أنها انجليزية ، ثم إنها تركت لك رسالة تلك التي قرب وسادتك .
التقطها في لهفة واضحة وما أن وقع عينيه على اسم رنا المخطوط فوقها حتى شعر بسعادة غامرة .
ابتسمت الممرضة في حسد وانصرفت ، وأسرع (جاك) بفض الرسالة والتي كانت كلماتها القصيرة بمثابة الخنجر الذي مزق سعادته .
(حبيبي (جاك) ...
نعم هذه هي الحقيقة .. الأيام القلائل التي قضيناها معا رغم مافيها من خوف وقلق إلا انه امتزجت بأخر شيئا كنت أتوقعه في رحلتي وهي حبك .
فأنت الفارس الذي طالما حلمت به ...الفارس الذي ينقذني من كل مكروه ويحميني حتى من نفسه، لن اخجل من الاعتراف بأني احبك لأني سوف أعود إلى وطني في طائرة العاشرة مساء ولن نلتقي بعد ذلك أبدا.
لا أنكر باني قد قاومت هذا الحب منذ البداية وحاولت إنكاره لأني كنت اعلم إن مصير هذا الحب أن ينتهي قبل أن يبدأ وأن يموت قبل أن يولد ، فالعوائق بينه كبيرة بل عظيمة فأن تجهلنا حاجزي الجنس واللغة والعادات وما إليها فلن نستطيع تجاوز أعظم حاجز يجعل علاقتنا محرمة وهو الدين الذي لا استطيع تجاوزه فمن المستحيل أن أغير عقيدتي وبدورك لن تفعل وهذه حقيقة لا مفر منها .
لهذا فالنفترق عند هذه النقطة ولتبقى الصورة في أذهاننا جميلة ولتجعلني ذكره جميلة في حياتك تبتسم عندما تذكرها
(رنا).
انطلق (جاك) بأقصى سرعته نحو المطار، وكلمات (رنا) التي حوتها الرسالة كالمعول يضرب في رأسه وقلبه .
فهو أكيد بأنه أحبها كما لم يحب فتاة من قبل ، كان دائما يؤمن بأن الحب الحقيقي لا يأتي إلا مرة واحدة فقط و رغم معرفته للكثير من النساء إلا انه لم يشعر بتلك الأحاسيس والمشاعر التي حولته إلى شخص أخر ، يتردد في قول كلمة احبك التي قالها للكثيرات لكنه أصر على عدم قولها إلا عندما يتأكد من صدق مشاعره لأنها عشقها ولا يريد حتى خداعها أو جرحها إنها في حياته كالوردة التي يخاف أن تجرحها حتى النسمة وعندما قرر الاعتراف لها وعزم على عدم حرمانه منها ها هي تبتعد عنه وتكاد أن تذهب إلى مكان بعيد عنه لا لا لن يقف صامتا وحبه الوحيد يبتعد عنه سيدافع عنه كما دافع عنها في الغابة وسيحميه من كل شيء كما حماها حتى من نزواته و .... وصل إلى المطار .
أخذ يركض هنا وهناك وينقل بصره بين رواد المطار لعله يجده بينهم وعندما كاد اليأس أن يواتيه جاءه صوت يحمل كل الدهشة والحب:
- (جــــــــــــاك)
والتقت عيناهما من جديد ، وطال الصمت بينهما حتى قطعته (رنا) بحزن :
- (جاك) لماذا أتيت ؟
احتوى كفيها وقال بحب صادق :
- (رنا) احبك احبك بصدق.لا ترحلي أرجوك أعطي حبنا فرصة.
قالت بمرارة :
_ (جاك) صدقني حتى كلمات الحب قد أجد صعوبة في فهمها أو قولها لذلك لا تزد الأمر صعوبة بيننا فيكفي أن سمعت منك كلمة احبك قبل أن ارحل .
قال لها بإصرار ورجاء شديد :
- لا ترحلي أرجوك .
هزت رأسها بقوة وهي تبكي :
- لا استطيع كلانا لا يستطيع .
سحبت كفيها من يده في صعوبة وابتعدت بعدما سمعت النداء الأخير للركاب، وحاول اللحاق بها لكن شخصا استوقفه وهو يقول له:
-لا تحاول يا بني فالأمر اكبر منكما صدقني الأمر ميؤس منه .
سأل (جاك) بعصبية :
- ومن تكون أنت ؟
- أنا (جون) صديق والد (رنا) .
نظر (جاك) نحو المكان الذي اختفت فيه (رنا) وقال بإصرار وعصبية :
-يجب أن الحق بها فكلانا يحب الأخر .
وكاد أن يلحق بها لولا أن منعه (جون) بقوة قائلا بإشفاق :
-لن تستطيع لقد فات الأوان .
وأحاط ساعده بكتف (جاك) وهو يقول بحنان أبوي :
- سأشرح لك كل شيء حتى تتفهم قرار (رنا)، فرغم صغر سنها إلا إنها حكمت عقلها في هذا الأمر وهذا هو الصواب ولقد انتهى الأمر بينكما عند هذا الحد.
- لكن (جاك) لم يكن لينهي الأمر عند هذا الحد .
فأبعد (جون) عنه واخذ يركض في ساحة المطار وحاول حراس الأمن إيقافه لكنهم لم يكونوا ليستطيعوا فقد كان (جاك) في هذه اللحظة يستعيد حبه الوحيد قبل الضياع بل قبل أن ينتهي ولكن هيهات ما إن وصل إلى ساحة الإقلاع حتى شاهد الطائرة تحلق بعيدا .....
ليسدل الستار على قصة أول حب حقيقي وصادق في حياته وحياة....(رنا)




ليست هناك تعليقات