الرحلة الإعجازية صقر قريش من شتات الفرات إلى عرش الأندلس حينما تقرأ سيرة هذه البطل العجيب وتستعرض حياته تدرك تماما انك أمام معجزة انساني...
الرحلة الإعجازية صقر قريش من شتات الفرات إلى عرش الأندلس
حينما تقرأ سيرة هذه البطل العجيب وتستعرض حياته تدرك تماما انك أمام معجزة انسانية حقيقية تمت بتوفيق الله سبحانه لهذا الرجل الفريد الوحيد المطارد، معجزة نبتت من المستحيل تماما، معجزة قائد حربي أنشأ دولة قوية من رماد.
اتخذ قرار الرحيل والهجرة بلا مال وبلا اهل وبلا أنصار.
فلم يكن رحيل عبد الرحمن بن معاوية من دمشق مجرد هروبٍ من سيفِ جلاد، بل كانت رحلة إعجازية لا يكاد يصدقها عقل. تخيل شاباً في العشرين من عمره، يرى دولته العظمى — التي حكمت من حدود الصين إلى جبال البرانس — وهي تهوي في ليلة وضحاها، ويتحول من "أمير أموي" تُفرش له الأرض حريراً، إلى "طريد" يسبح في نهر الفرات هرباً من الموت، بينما تترصد عيون العباسيين كل حركة من أنفاسه.
هنا تكمن المفارقة التي تذهل كل من قرأ التاريخ، كيف لهذا الإنسان الذي فقد أهله، وماله، وسلطانه، وخرج وحيداً بملابسه التي عليه، أن يقطع آلاف الأميال، مطارداً ومفلساً، ثم ينتهي به المطاف لا كلاجئٍ يبحث عن الأمان، بل كفاتحٍ يؤسس دولةً دامت قروناً؟
وكانت البداية من لحظة الهروب من فم الموت المحقق (مأساة النهر)
تبدأ الرحلة في عام 132 هـ، حين تحول اللون الأموي الأبيض إلى سوادٍ عباسي اجتاح كل شيء. وفي لحظة درامية على ضفاف الفرات، حوصر عبد الرحمن وأخوه الصغير "يحيى".
صدق الأخ الصغير وعود الأمان وخرج من النهر، ليرى عبد الرحمن — وهو يصارع الأمواج — أعنف مشهد قد تحمله ذاكرة إنسان: ذبح أخيه الصغير أمام عينيه.
خرج عبد الرحمن من النهر على الضفة الأخرى لا يملك إلا روحه، وقلباً محطماً، وجسداً يرتجف. كانت هذه هي نقطة الصفر الحقيقية؛ بلا هوية، وبلا وجهة، وبلا نصير.
تيهُ الصحراء وصناعة القائد
إذا كان عبور الفرات هو "النجاة الجسدية"، فإن سنوات التيه الخمس في إفريقيا كانت "الولادة السياسية".
قطع عبد الرحمن أكثر من 3000 كيلومتر في بيئة موحشة، ملاحقاً من ولاة العباسيين.
وكانت المفارقة الكبرى تتجسد حين ترى الأمير الذي تعود على قصور الرخام في دمشق، ينجو من القتل في إحدى الليالي لأن امرأة بربرية خباته تحت "كومة ثياب" في خيمتها.
وتجسد ذكاؤه الاستراتيجي حين لجأ إلى قبيلة "نفزة" وهم أخواله في المغرب، وهناك بدأ في تكوين جهازه السري بقيادة مولاه الوفي "بدر"، يدرس خرائط الأندلس القبلية وهو جالس في خيمة بدوية.
عبور المستحيل.. رهان العمر
في عام 138 هـ، ركب عبد الرحمن قارباً صغيراً باتجاه الأندلس.
كان دخوله بمثابة مخاطرة انتحارية؛ فلو علم به خصومه لكان رأسه قد طار قبل أن يطأ الشاطئ.
حين رسا القارب على شاطئ "المنكب"، لم يجد في استقباله جيوشاً، بل وجد مجموعة من الموالين المشتتين.
وبفضل "كاريزما المعاناة" والذكاء الفذ، حول هذا "الطريد" في شهور قليلة شتات الناس إلى جيش منظم.
وفي موقعة "المصارة"، ترجل عن فرسه ليعطي جنده درساً في الثبات، وانتصر ودخل قرطبة فاتحاً في يوم عيد الأضحى.
وحين انحنى التاريخ للصقر
لم تكن قصة عبد الرحمن الداخل مجرد "وصول"، بل كانت بناءً. واجه أكثر من 25 ثورة، وأجبر إمبراطور الغرب "شارلمان" على التراجع، وبنى "جامع قرطبة" الشامخ.
لقد لخص خصمه اللدود، الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، هذه المفارقة حين أطلق عليه لقب "صقر قريش"، قائلاً عنه:
"دخل بلداً أعجمياً وحيداً، فمصر الأمصار، وجند الأجناد، وأقام دولةً بعد انقطاعها بحسن تدبيره.. إن أميراً يفعل هذا لهو الصقر حقاً!"
إن قصة عبد الرحمن الداخل تهمس في أذن كل إنسان يمر بلحظة انكسار:
"إن النهاية التي تراها الآن، قد تكون هي البداية العظيمة التي ينتظرها العالم منك".
فالعظمة لا تولد في القصور دائماً، بل غالباً ما تولد في قلبِ طريدٍ رفض أن يموت قبل أن يكتب التاريخ باسمه.
يحيي البوليني

ليست هناك تعليقات