Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

تأثر أصول صوفية وحدة الوجود بالرهبنة النصرانية وخطورته الفكرية

مقال بعنوان تأثر أصول صوفية وحدة الوجود بالرهبنة النصرانية وخطورته الفكرية بقلم يحيي البوليني  لم تشهد القرون الفاضلة في بداية ...

مقال بعنوان تأثر أصول صوفية وحدة الوجود بالرهبنة النصرانية وخطورته الفكرية
بقلم يحيي البوليني 






لم تشهد القرون الفاضلة في بداية ظهور الإسلام وجود فكرة الصوفية ولا اسمها على الساحة الفكرية الإسلامية , ولذا اختلف الكثيرون في منشأ ومصدر الصوفية والأصول التي استمدت منه ظهورها الأول في حياة المسلمين , وتعددت الرؤى ووجهات النظر حتى بين الصوفيين أنفسهم 
 ولكن الأبحاث العلمية والتاريخية الدقيقة أكدت وجود صلة كبرى بين ظهور الصوفية عدة أفكار وتوجهات منها الأديان الوثنية التي سادت الأرض حينئذ ومنها الديانة اليهودية والنصرانية التي كانت موجودة قبل الإسلام ومنها صلتهم بتصوف قبيلة صوفة المشركة قبل ظهور الإسلام .

وكان من أبرز الصلات بين الصوفية وبين العقائد والعبادات غير الإسلامية تلك الصلة التي ربطت بينها وبين رهبان النصارى المنعزلين في كهوف الصحراء وبين انتقال هذه الفكرة وإلباسها زيا إسلاميا لتخرج بعد ذلك تلك الرهبانية النصرانية في صورة تصوف مسلم

وكان مما دعم هذا الطرح بقوة وجود الكثير من عوامل التشابه في الشكل والجوهر  والأفكار والأهداف بين رهبان النصارى ومتصوفة الإسلام والتي ستؤكد وجود هذا الربط الخفي ليعلم الجميع أن الصوفية وافد دخيل على الإسلام والمسلمين لنفي هذا الزعم الذي قالوه بان الإسلام يساوي التصوف أو أن التصوف هو جوهر الإسلام .

وهناك تشابه بينهما في الناحية الشكلية ومن الناحية الجوهرية والمضمون والأفكار .

1- التشابه في الشكل والسمت

وقد أخذ أوائل الصوفية عادة لبس الصوف تعبدا عن رهبان المسيحيين ونساكهم , يدل على ذلك ما نقله ابن عبد ربه في (العقد الفريد) عن حماد بن سلمة أنه قال لفرقد السنجي حينما رآه لابسا الصوف: (دع عنك هذه النصرانية) [1], وأورد ابن الجوزي مثل هذه الرواية فقال : "سمعت رجلا يقول: قدم حماد بن سلمة البصرة , فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف , فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه , فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم - يعني النخعي - فيخرج علينا وعليه معصفرة) [2].

وأورد أيضا رواية أخرى مسندة بطريق البخاري رحمة الله عليه قال:  "جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف , فقال له أبو العالية: (إنما هذه ثياب الرهبان , إن المسلمين إذا تزوروا تجملوا)[3] , وأقر بذلك عبد الوهاب الشعراني صاحب طبقات الصوفية فقال في طبقاته عن أبي العالية أنه كان "يكره للرجل زي الرهبان من الصوف , ويقول: زينة المسلمين التجمل بلباسهم " [4] ,  وفي المجمل كان المسلمون يطلقون على هذه الثياب (زي الرهبان) .

ولذلك كره ثقات علماء الأمة وفقهاؤها وكره أيضا أوائل المتصوفة اختصاص لبس المسلم للصوف تعبدا وتزهدا , فنقل ابن تيمية عن أبي الشيخ الأصبهاني أن ابن سيرين بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف فقال: (إن قوما يتخيرون الصوف يقولون إنهم متشبهون بعيسى بن مريم , وهدي نبينا أحب إلينا , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس القطن وغيره)[5] .

كما نقل ابن الجوزي عن أحمد بن أبي الجواري أنه قال: قال لي سليمان بن أبي سليمان: (أي شيء أرادوا بلباس الصوف؟ قلت: التواضع. قال: ما يتكبر أحد إلا إذا لبس الصوف.

ونقل عن سفيان الثوري أنه قال لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة.

كما روى عن الحسن بن الربيع أنه قال:سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا: أكره هذا , أكره هذا.

وروي عن بشر بن الحارث أنه سئل عن لبس الصوف , فشق عليه , وتبين الكراهة في وجهه , ثم قال: لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار.

وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال لرجل لبس الصوف: إنك قد أظهرت آلة الزاهدين , فماذا أورثك هذا الصوف.

كما روي عن النضر بن شميل أنه قال لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟

فقال: إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد)[6] .

ومما يدل على اتخاذهم لبس الصوف لم يكن عادة بل كان تعبدا وتزهدا استدلالهم بحديث معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن عيسى كان يلبس ثياب الصوف) , وتجاهلوا بقية الحديث الشريف حيث جاء نصه كما يلي  " حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثني رجل ، أن الصلت دخل على ابن سيرين وعليه ثياب من صوف ، فنظر إليه محمد نظرا تكرهه , ثم قال :  إن ناسا يلبسون الصوف , يقولون : إن عيسى كان يلبس الصوف " ، ثم قال : ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان " يلبس القطن ، والكتان ، واليمنة " , فسنة نبينا ، أو قال : نبي الله أحق أن يتبع " [7] .

وبمثل هذا يقول الشيعة بأنفسهم عن الصوفية فيقول باحث شيعي إيراني هو الدكتور قاسم غني في كتابه تاريخ التصوف في الإسلام :

( إن ارتداء الملابس الصوفية أو التصوف الذي نشأ عنه كلمة الصوفية كان من عادات الرهبان المسيحيين , ثم صار فيما بعد شعارا للزهد عند الصوفية. والدلق الذي ورد ذكره في أشعار الصوفية وكتبهم استعمل في معنى لباس الصوفية في كل مكان. أي الخرقة التي كانوا يرتدونها فوق جميع الملابس والظاهر أنها كانت من صوف. والدلق إما أن يكون من قطعة واحدة أو مرقعا , ويسمى بالدلق المرقع في هذه الحال , وإذا كان من ألوان مختلفة يسمى حينئذ (الدلق الملمع) والدلق عند صوفية الإسلام سواء كان لونه أزرق أو كان أسود يسمى دائما: (بالدلق الأزرق) وخرقة الرهبان التي كانت على ما يظهر بيضاء في بادئ الأمر صارت بعد ذلك سوداء وزمرة (السوكواران) أي المفجوعون , الذين يتكلم عنهم الفردوسي في الشاهنامة ليسوا إلا أساقفة المناظرة المسيحيين ممن لجأوا إلى إيران في القرن الثالث الميلادي وهم الذين كانوا يلبسون ملابس الصوف الخشنة على أجسامهم كي يكون ذلك نوعا من التقشف والأخششان , فكان إصطلاح (صوفي) و (وصوفية) الذي هو بالفارسية  (بشمينه بوش) أي لابس الصوف وكان يطلق على رجال المسيحيين ونسائهم)[8] .

ومما يتناقله الصوفية من حكاياتهم الباطلة ما يؤكد افتتانهم برهبان النصارى وبلبسهم الصوف واقتداءهم بهم ما نقله الشعراني : " أن سهل بن عبد الله التستري كان يقول: (اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح عليه السلام في ديار قوم عاد فسلمت عليه , فرد علي السلام , فرأيت عليه جبة من صوف فيها طراوة , فقال لي: إن لها علي من أيام المسيح , فتعجبت من ذلك , فقال: يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب , إنما يخلقها رائحة الذنوب , ومطاعم السحت , فقلت له: فكم لهذه الجبة عليك؟ فقال: لها سبعمائة سنة)[9] .

2- التشابه في اتخاذ الزوايا والتكايا للانعزال والتعبد

لم يعرف المسلمون الأوائل دورا للتعبد سوى المساجد , ولم يجرؤ المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على اتخاذ دار للتعبد إلا بإقامة مسجد للضرار ورغم ذلك هدمه النبي وحرقه لما فيه من الإضرار بالأمة 
ولم يستطع احد أو يجرؤ على إقامة مبان للتعبد والانعزال وللانزواء في عصره ولا في العصور الأولى , ولم تظهر التكايا والزوايا أو ما سمي بـ " الخانقاه " إلا بعد ظهور الصوفية وكان الذي دلهم عليها هم النصارى فيذكر الجامي في نفحاته أن أول خانقاه بنيت هي التي بناها أمير مسيحي من الرملة في الشام " [10] وهي مبان تقام للتعبد وتشبه تماما أديرة الرهبان النصارى ذات الأسوار العالية البعيدة عن عالم الناس والعمران لتشبه حياتهم تماما حياة الرهبنة النصرانية .

ويذكر المقريزي أن الخانقاوات وجدت في الإسلام في القرن الخامس الهجري المقابل للقرن الحادي عشر الميلادي.

وبالطبع فليس بناء الأمكنة الخاصة للتعبد والذكر والأوراد – مهما اختلفت هيئاتها أو أسماؤها - إلا مخالفة لأوامر الله وتعاليم رسوله صلوات الله وسلامه عليه لأنه يقلل من شأن المساجد ومن أهميتها عند المسلمين ويصرف الناس عنها

وبين ابن الجوزي أخطاء من اتخذ هذه الأربطة النصرانية للتعبد , فقال : (أما بناء الأربطة فإن قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد , وهؤلاء - إذا صح قصدهم - فهم على الخطأ من ستة أوجه:

أحدها: أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد.

والثاني: أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها.

والثالث: أنهم أفاتوا على أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد.

والرابع: أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم في الأديرة.

والخامس: أنهم تعزبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح.

والسادس: أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم. وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد.

وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس. وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة , ووقفوا عليها الأموال الخبيثة. وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فاسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع. فهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء البارد. فأين جوع بشر , وأين ورع سري , وأين جد الجنيد. وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا , فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السوداء , فيقول: حدثنا قلبي عن ربي. ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه , وأن قوما قرأوا الحديث في رباط , فقالوا لهم: ليس هذا موضعه) [11].

وأورد ابن الجوزي حديثا بسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبي عمامة أنه قال:
" خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه , قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء , قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه , وفيه شيء من ماء , ويصيب ما حوله من البقل , ويتخلى عن الدنيا. ثم قال: لو أني أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له , فإن أذن لي فعلت , وإلا لم افعل , فأتاه فقال: يا نبي الله , إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا.

قال: فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:(إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكنني بعثت بالحنيفية السمحة , والذي نفس محمد بيده , لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف الأول خير من صلاته ستين سنة) [12]

3- إعجاب الصوفية بالرهبان والثناء عليهم وأخذهم التصوف عنهم

لم يخف الصوفية إعجابهم برهبان النصارى واقتباسهم كلماتهم وأفكارهم واستماعهم إلى نصائح ودروسهم ومواعظهم بل وتلمذتهم على أيديهم فأكثروا من الثناء عليهم وتمجيدهم إياهم , فينقل ابن الجوزي عن إبراهيم بن ادهم تصريحه بذلك فيقول : (تعلمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان , دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان , منذ كم وأنت في صومعتك هذه؟. قال: منذ سبعين سنة.قلت: ما طعامك؟قال: يا حنيفي وما دعاك إلى هذا؟قلت: أحببت أن أعلم.قال: في ليلة حمصة. قلت: فمن الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الذين بحذائك؟ قلت: نعم , قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزنون صومعتي , ويطوفون حولها , يعظمونني بذلك , وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة , فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة , فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد , فوقر في قلبي المعرفة , فقال: أزيدك؟

قلت: نعم , قال: أنزل عن الصومعة , فنزلت فأدلى إليّ ركوة فيها عشرون حمصة.

فقال لي: أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك , فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى , فقالوا: يا حنيفي , ما الذي أدلى إليك الشيخ؟قلت: من قوته , قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به. ساوم , قلت: عشرين دينارا , فأعطوني عشرين دينارا , فرجعت إلى الشيخ , فقال: أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك , هذا عز من لا يعبده , فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي , أقبل على ربك) [13].

وينقل الهجويري عن صوفي قديم آخر , وهو: إبراهيم الخواص أنه قال:

(سمعت ذات مرة أن ببلاد الروم راهبا مقيما بالدير منذ سبعين سنة بحكم الرهبانية , فقلت: واعجبا ‍! شرط الرهبانية أربعون سنة. بأي شرف أخلد هذا الرجل إلى الدير سبعين سنة؟ وقصدته , فلما اقتربت من ديره فتح كوة وقال لي: يا إبراهيم! عرفت لأي أمر جئت. أنا لم أقم هنا رهبانية في هذه السبعين عاما , بل لأن لي كلبا هائجا , فأقمت هنا أحرسه وأكفي الخلق شره , وإلا فلست أنا هذا (الذي تظن). فلما سمعت منه هذا الكلام قلت: يا إلهي تعاليت! أنت قادر على أن تهدي العبد طريق الصواب في عين الضلالة , وتكرمه بالصراط المستقيم. فقال لي: يا إبراهيم! إلام تطلب الناس؟ إمض واطلب نفسك , وإذا وجدتها فاحرسها , لأن الهوى يرتدي ثوب الإلهية كل يوم على ثلثمائة وستين لونا , ويدعو العبد إلى الضلالة) [14].

والأخطر في الأمر أن علاقة الصوفية بالرهبان لم تقف عند حد الإعجاب بالسلوك فحسب بل امتد هذا الإعجاب إلى ما يعتقدون ويدينون , فادعى الصوفية ان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي صرح بكون هؤلاء الرهبان على الدين الحق , وهذا كذب محض لان فيه تكذيبا لرسالة الإسلام من أصلها .

فيذكر الشعراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعوا الرهبان وما انقطعوا إليه " , فزعم أن في هذا إقرار لهم على ما هم عليه وأنهم على الحق , فقال بعد ان أعلن هذا الكذب : "  وهي مسألة خفية جليلة في عموم رسالته صلى الله عليه وسلم. لا ينتبه لها إلا الغواصون على الدقائق) [15].

ويؤكد الشعراني ما وصل إليه من هذا المنكر من القول فيحكي في طبقاته عن صوفي يدعى إبراهيم بن عصفير , فقال عنه : (كان كثير الكشف , وله وقائع مشهورة , وظهرت له الكرامات وهو صغير , وكان يأتي البلد وهو راكب الذئب أو الضبع , وكان يمشي على الماء لا يحتاج إلى مركب , وكان بوله كاللبن الحليب أبيض , وما ضبطت عليه كشفا أخرم فيه " , ثم يذكر في وصف هذا الصوفي الذي بلغ – في نظره -  أقصى درجات الولاية علاقته الحميمة بالكنائس فيقول : (كان أكثر نومه في الكنيسة , ويقول: النصارى لا يسرقون النعال في الكنيسة بخلاف المسلمين , وكان رضي الله عنه يقول: أنا ما عندي من صوم حقيقة إلا من لا يأكل لحم الضأن أيام الصوم كالنصارى , وأما المسلمون الذين يأكلون لحم الضأن والدجاج أيام الصوم فصومهم عندي باطل)[16] .

وجاء مدح الرهبان كثيرا مدح في كتب صوفية , فذكر الأصبهاني في حليته عن عبد الله بن الفرج أنه قال له رجل:  (يا أبا محمد , هؤلاء الرهبان يتكلمون بالحكمة وهم أهل كفر وضلالة , فمم ذلك؟ قال: ميراث الجوع , متعت بك ".[17]

وذُكر عن إبراهيم بن الجنيد أنه قال:

وجدت هذه الأبيات على ظهر كتاب لمحمد بن الحسين البرجلاني:

(مواعظ رهبان وذكر فعالهم ... وأخبار صدق عن نفوس كوافر

مواعظ تشفينا فنحن نحوزها ... وإن كانت الأنباء عن كل كافر

مواعظ بر تورث النفس عبرة ... وتتركها ولهاء حول المقابر

مواعظ أنَّى تسأم النفس ذكرها ... تهيج أحزانا من القلب ثائر) [18].

ويلخص الدكتور عبد الرحمن بدوي الذي دافع فيه عن التصوف دفاعا شديدا محاولا محاولات يائسة بشتى الطرق إيجاد أصول إسلامية للتصوف , فلم يجد بدا من أن يلخص علاقة المتصوفة بالرهبان فيقول  (ويستخلص من هذا أن الصوفية المسلمين لم يجدوا حرجا في الاستماع إلى مواعظ الرهبان وأخبار رياضاتهم الروحية والاستفادة منها , رغم أنها صادرة عن نصارى , ونحن نجد فعلا كثيرا من أخبار رياضات الرهبان وأقوالهم في ثنايا كتب الصوفية وطبقات الصوفية) [19].

ويعلل ذلك بمبرر كثرة المخالطة فيقول : (الاختلاط بين المسلمين والنصارى العرب في الحيرة والكوفة ودمشق ونجران وخصوصا في مضارب القبائل العربية التي انتشرت فيها المسيحية قبل الإسلام وبعده: بنو تغلب , قضاعة , تنوخ , وتتحدث بعض الأحبار عن أن بعض الصوفية المسلمين الأوائل كانوا يستشيرون بعض الرهبان النصارى في أمور الدين: كما يروي عبد الواحد بن زيد , والعتابي , وأبي سليمان الداراني) [20]

4- المشابهة في الرهبانية وترك التزوج

على الرغم من ذم الرهبانية في القرآن الكريم " وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ " وعلى الرغم من حث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على التزوج ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج  فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج , ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) .

وعلى الرغم من رفض النبي لفكرة الرهبنة ولمنهج الغلو في العبادة بترك التزوج , ففي حديث الثلاثة قال ثالثهم "  أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا , فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله واتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". [21]

على الرغم من كل هذا إلا أن الصوفية قد تأثروا برهبان النصارى وزعموا التفرغ للعبادة وترك التزوج تعبدا لله , فقال السهروردي: (التزوج انحطاط من العزيمة إلى الرخص ورجوع من الترمح إلى النقص وتقييد بالأولاد والأزواج ودوران حول مظان الاعوجاج، والتفات إلى الدنيا بعد الزهادة وانعطاف على الهوى بمقتضى الطبيعة والعادة) [22].

ونقل أبو طالب المكي عن قطب من أقطاب الصوفية الأوائل أبي سليمان الداراني المتوفى سنة (215هـ) أنه قال: (من تزوج فقد ركن إلى الدنيا)[23] .

وبمقارنة ما قالوا به بنصوص النصرانية المحرفة نجد التطابق التام , فمنها القول المنسوب – كذبا – للمسيح عليه السلام : (ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات من استطاع أن يقبل فليقبل) [24] , ويقول بولس في رسالته إلى أهل كورنتوس: (وأما من جهة الأمور التي كتبتم عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة) [25] , وكذلك قال: (و لكن أقول لغير المتزوجين و للأرامل انه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا ) [26] ومعروف أن بولس لم يكن متزوجا.

ففضلوا ما جاء في الأناجيل المحرفة عما جاءهم من الهدي القرآني والنبوي الشريف , فاستبدلوا الخبيث بالطيب فضلوا وأضلوا .

5- التشابه في المصطلحات العقائدية

للإسلام مصطلحاته العقائدية الخاصة التي يجدها المسلم مشرقة بهية بين ثنايا آيات الكتاب الكريم أو بين الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة , وهو مصطلحات واضحة المعاني لا لبس فيها ولا غموض فيها التوحيد النقي الصافي الخالي من الكدر , أما الصوفية فادخلوا مصطلحات جديدة لم يعرفها الإسلام وأهله , واحتكروا معانيها وأعلنوا أنها من لغة الخواص وفهمهم وفقههم فضلوا وأضلوا , وإذا قارننا كثيرا من مصطلحاتهم بمصطلحات النصرانية لوجدنا تشابها كبيرا يدل على اقتباس وتاثر الصوفية برهبان النصارى فسايروهم في مصطلحاتهم ونقلوها للإسلام ليفسدوا على الناس دينهم .

فهل كان في الإسلام مفاهيم أو مدلولات لمصطلحات مثل (ناموس , رحموت , رهبوت , لاهوت , جبروت , روحاني , نفساني , جثماني , شعشعاني , وجدانية , فردانية , كيفوية) [27]؟

وهل في الإسلام قضايا عقدية تقول بتقسيم صفة النبي صلى الله عليه وسلم إلى لاهوت وناسوت ؟ وهل في الإسلام قضايا مثل حلول اللاهوت في الناسوت إذا بلغ المريد هذا درجة معينة من الصفاء الروحي , وهل هناك في الإسلام مفهوم مثل " القول (بالكلمة) التي هي في النصرانية واسطة بين الله والخلق , والتي اصطنعها بعض الصوفية في التعبير عن نظرياتهم في الحقيقة المحمدية , باعتبارها أول مخلوق خلقه الله , أو أنه أول تعين للذات الإلهية فاضت منه بقية التعيينات الأخرى " [28] ؟

فهذه المصطلحات وغيرها ليست إلا مصطلحات نصرانية أدخلت عنوة في الإسلام لإفساد عقيدة المسلمين , فيقول الحلاج : وهو يخاطب الله تعالى بقوله : " ناسوتيتي مستهلكة في لاهوتيتك غير ممازجة إياها ولاهوتيتك مستولية على ناسوتيتي غير مماسة لها "[29]

سُبْحانَ مَن أظهر ناسوتُهُ * سِرَّ سَنا لاهوتِهِ الثّاقبِ

ثم بَدا في خَلْقِهِ ظاهِرًا * في صورة الآكِلِ والشّاربِ

حتّى لقد عَايَنهُ خَلْقُهُ * كلَحْظَةِ الحاجبِ بالحاجبِ "

ويقول :

دَخَلْتُ بناسوتي لديكَ على الخَلْقِ * ولولاكَ لاهوتي خَرَجْتُ من الصدقِ

فإنّ لسانَ العلمِ للنُّطقِ والهُدى * وإنَّ لسانَ الغيبِ جَلَّ عن النُّطقِ

ظهرتَ لخَلْقٍ واٌلتبَسْتَ لِفتيةٍ * فتاهوا وضلّوا واٌحتجبتَ عن الخَلـقِ

فتظهَرُ للألباب في الغرب تارَةً * وطورًا عن الأبصار تغرُبُ في الشّرقِ " [30]

ولهذا يتم تدريس نظرية للمستشرق الفرنسي ذي الأصول اليهودية " لويس ماسينيون " في جامعة "السيربون " في باريس , والتي تتحدث على الحلاج على أنه وصل إلى تحقيق النظرية الحلولية النصرانية كما في السيد المسيح – كما يزعمون – " بأن الله حل به ، فانتهى أمر الحلاج على خشبة الصلب مكفرا لذنوب قومه كما حمل المسيح ذنوب النصارى"  .

ويعترف الدكتور التفتازاني [31] في محاولته للرد على القائلين بأن كثيرا من أمور التصوف مأخوذة من النصرانية , فلا يجد بعد سوقه لعدة ردود إلا أن يقول :

( ومع هذا لا ننكر تأثر بعض الصوفية المتفلسفين بالمسيحية , على نحو ما نجد عند الحلاج الذي استخدم في تصوفه اصطلاحات مسيحية كالكلمة واللاهوت والناسوت وما إليها , ولكن هذا لم يظهر إلا في وقت متأخر (أواخر القرن الثالث الهجري) بعد أن كان زهد الزهاد قد استقر في القرنين: الأول والثاني الهجريين , وأصبح دعامة لكل تصوف لاحق , ولذلك فإن من الإنصاف العلمي القول بأن مذاهب الصوفية في العلم , ورياضاتهم العلمية , ترد إلى مصدر إسلامي , إلا أنه بمرور الوقت وبحكم التقاء الأمم واحتكاك الحضارات , تسرب إليها شيء من المؤثرات المسيحية أو غير المسيحية , فظن بعض المستشرقين خطأ أن الصوفية أخذوا أول ما أخذوا عن المسيحية) [32].

ومما سبق يؤكد الصلة القوية بين منشأ الصوفية وأصولها وبين التأثر برهبان النصارى ونقل عقائدهم الفاسدة وإدخالها في عقيدة المسلمين , مما يؤكد أيضا وجود هذه اللحمة العضوية بين الصوفية وأعداء الأمة منذ زمن طويل , وأن أمر الصوفية أخطر من تصورات الكثيرين منا .

 المصادر


[1] العقد الفريد لابن عبد ربه ج3 ص 378 ط القاهرة 1293 هـ.

[2] تلبيس إبليس لابن الجوزي المتوفى 596 هـ ص 219 ط دار الوعي المربى بيروت.

[3] تلبيس إبليس لابن الجوزي ص 219 , 220

[4] طبقات الشعراني ج 1 ص 35.

[5] الصوفية والفقراء لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 7 ط دار الفتح القاهرة 1984 م.

[6] انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي ص 221 , 222.

[7] الزهد لنعيم بن حماد  ,  بَابٌ فِي الذَّبِّ عَنْ عِرْضِ الْمُؤْمِنِ

[8]  تاريخ التصوف في الإسلام لقاسم غني ترجمة عربية لصادق نشأت ص 10110 , 10201 ط مكتبة النهضة القاهرة 1970 م.

[9]  الطبقات الكبرى للشعراني ج 1 ص 78.

[10]  انظر نفحات الأنس للجامي (فارسي).

[11] تلبيس إبليس لابن الجوزي الباب العاشر ص 195 , 196.

[12] تلبيس إبليس لابن الجوزي الباب العاشر ص 324 وهو في مسند أحمد: 5/266. , وفي سنن أبى داود: 3/5 كتاب الجهاد (باب النهى عن السباحة) : ح (2486) . والطبراني في " الكبير " (7868) وابن عساكر في " الأربعين في الجهاد " (الحديث 15)

[13] تلبيس إبليس لابن الجوزي الباب العاشر ص 170 , 171.

[14]  كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية ص 439 ط دار النهضة العربية بيروت.

[15] الجواهر والدرر للشعراني ص 237 بهامش الابريز للدباغ ط مصر.

[16]  الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 140.

[17]  حلية الأولياء للأصبهاني ج 10 ص 151 الطبعة الثالثة دار الكتاب العربي بيروت لبنان 1980 م.

[18] المصدر نفسه

[19] تاريخ التصوف الإسلامي للدكتور عبد الرحمن بدوي ص 35 ط وكالة المطبوعات بالكويت 1978 م.

[20]  المصدر نفسه  ص 33.

[21] البخاري ومسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه

[22]  ((عوارف المعارف)) للسهروردي (ص: 104).

[23] ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي (1/252) دار   صادر – بيروت

[24] إنجيل متى العهد الجديد (الآية: 12).      .

[25] رسالة بولس إلى أهل كورنتوس من العهد الجديد)) (الإصحاح السابع الآية: 1). 

[26] كورنثوس 7 :8

[27] تاريخ التصوف الإسلامي للبدوي ص 333.

[28] أضواء على التصوف للدكتور طلعت غنام ص 84 إلى 88 ط عالم الكتب القاهرة.

[29] التجربة الصوفية ـ أ . نهاد خياطة ـ كاتب سوري

[30] ديوان الحلاج ص 130

[31] الدكتور محمد أبو الوفا التفتازاني فيلسوف مصري، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر في الفترة من 1983 إلى 1994.

[32]  مدخل إلى التصوف الإسلامي للدكتور أبي الوفاء الغنيمي التفتازاني ص 29 , 30 ط دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة.

ليست هناك تعليقات