مقال بعنوان : خوارق العادات بين الكرامة الرحمانية والولاية الشيطانية بقلم يحيي البوليني للتعامل مع خوارق العادات اكبر الأثر ...
مقال بعنوان : خوارق العادات بين الكرامة الرحمانية والولاية الشيطانية
بقلم يحيي البوليني
للتعامل مع خوارق العادات اكبر الأثر في التفرقة بين فهم أهل السنة وحكمهم عليها وبين الفهم بعض مدعي التصوف لها , ومن هنا نشا الانحراف الخطير في الحكم على الأولياء عند الصوفية إذ لم يفرقوا بين الولاية الرحمانية والولاية الشيطانية .
تعريفات ودلالات ظهور خوارق العادات
وخرق العادة في الإسلام يقسم إلى عدة أقسام مختلفة بحسب من جرى على يديه هذا الخرق [1]:
1 - فإذا جرى على يد نبي، فهو "المعجزة " التي يقصد بها إظهار صدق من
الفصل الثاني دلالات خوارق العادات ادعى النبوة، مع عجز المنكرين عن الإتيان بمثله.[2]
2 - الإرهاص: ما يظهر من الخوارق قبل ظهور النبي .[3]
3 - الكرامة: ظهور أمر خارق للعادة على يد شخص ظاهر الصلاح [4]، غير مقارن لدعوى النبوة والرسالة.
4- الاستدراج: ما يظهر من خارق للعادة على يد كافر أو فاسق [5].
ويمكن ضم ما يحدث للأنبياء ( المعجزة والإرهاص ) في قسم منفرد فيصير التقسيم الأشهر إلى ثلاث أقسام فقط كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : "المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثم كرامات الصالحين، ثم خوارق الكفار والفجار كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض أهل الكتاب والضلال من المسلمين" [6].
ودرجة الاستدراج هي محل الخلاف , فالصوفية بعمومهم لا يرون فارقا بين الكرامة والاستدراج , إذ يقع كل شئ خارق للعادة عنهم في باب الكرامات حتى لو أجري على يد ظاهر الفساد في العقيدة والعبادة ، فعندهم كل من خرقت له العادة فهو ولي ، ويترتب على ذلك خطأ ثان ، وهو الافتتان بذلك "الولي" والغلو فيه الذي يصل أحيانا إلى ادعاء عصمته.
فالاستدراج والكرامة ضدان لا يجتمعان , وعدم التفرقة بينهما أصل البلاء في الدين عند الصوفية , فكثيرا ما يظهر خرق للعادة على يد إنسان ويعلن به حتى يذعن له الناس باعتباره احد الأولياء فيأمرهم وينهاهم ويحل لهم ما حرم الله ويحرم عليهم ما أحله وينال من ممتلكاتهم وربما من أموالهم وأعراضهم ما الله به عليم تلبيسا على الناس وترهيبا لهم من سطوته وتسخيرا لهم لخدمته فينشأ عن ذلك الكثير من الفتن، كالقول بعصمتهم ووجوب الطاعة العمياء لهم في كل ما يأمرونهم به ، ليصبح هذا الولي المزعوم أخطر مصادر التلقي، وأعلى المراجع الشرعية حتى لو لم يكن يعلم أي شئ من الدين , ومعظمهم كذلك .
دلالات ظهور الكرامة على يد الولي
تدل الكرامة أول ما تدل على صحة الدين المتبع وعلى صدق النبي الذين آمن بهما هذا الولي, كما تدل الكرامة على الولاية الشرعية الرحمانية ، لكنها لا تدل على العصمة
أما الولي فكرامته إنما تدل على صديق اتباعه للشريعة، ولا تدل بحال على عصمته ولا على أنه معصوم من أن يخطئ في بعض أعماله، أو عباداته أو توجيهاته؛ لأنه لم يرسل ويصطف من الله -عز وجل- لهذا الغرض كالنبي، وإنما هو مجتهد فيه، أما النبي فقد اصطفاه الله من عباده لهذا الغرض.
كما يمكن أن تحدث الكرامة بحسب حاجة الولي , فيقول ابن تيمية " فإذا احتاج إليها لتقوية إيمانه؛ جاءه منها ما يكفيه لتقوية إيمانه، أو احتاج إليها لفك ضيق عليه، أو على من يدعو له؛ جاءه من ذلك ما يفرج كربته، ويجيب دعاءه، بخلاف المعجزات؛ فإنها لا تكون إلا لحاجة الخلق وهدايتهم [7].
ويقول شيخ الإسلام "ابن تيمية" ما نصه: "وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول، ولا تدل على أن الولي معصوم، ولا على أنه يجب طاعته في كل ما يقوله.
هل تدل الكرامة على عصمة الولي ومن ثم توجب الطاعة المطلقة له ؟
لا علاقة بين الكرامة والعصمة ومن هنا، وقد ضل كثير من الناس من النصارى وغيرهم بسبب هذا المفهوم ، فإن الحواريين -مثلا- كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنوا أن ذلك يستوجب عصمتهم، كما يستوجب عصمة الأنبياء، فصاروا يوجبون موافقتهم في كل ما يقولون، وهذا غلط"[8].
هل هناك علاقة بين ظهور الكرامة وبين الطاعة المطلقة لصاحبها ؟
توجب المعجزة طاعة النبي ، بينما لا توجب الكرامة طاعة الولي مطلقا إلا فيما دل عليه دليل شرعي واضح , فالولي لا يأتي بشرع مخالف لما عليه النبي والدين , فالوحي الإسلامي اكتمل بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولا مجال لنسخه ولا لتبديله ولا للإحداث فيه , فطاعة الولي مقيدة بالدليل وكل من ظهرت عليه خوارق العادات وكان ظاهره الصلاح والتقوى تظل طاعته مقيدة بالكتاب والسنة
وأي انحراف أو زيغ عن هذا يرد على صاحبه ولا يؤخذ منه , ولا يوجد في الإسلام فكرة عدم سؤال الولي عما يفعل , فالصوفية تعتبر سؤال الشيخ بلفظ "لم" دليلا على عدم فلاح المريد , وهذا ليس من الإسلام في شيئ .
وإن أول فتن النصارى كانت في هذا الجانب فما إن ظهرت بعض خوارق العادات على رجال النصارى ارتفعت درجة الثقة في أقوالهم وتوجيهاتهم وأوامرهم ونواهيهم فلم يقبل كثير من الناس فيها جدلا البتة.
هل خرق العادة كاف للدلالة على الولاية ؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى : "وتجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة؛ مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء [9]، أو ينفق بعض الأوقات من الغيب، أو يختفي أحيانا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه، فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض، أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء، أو مشى على الماء، لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وموافقته لأمره ونهيه [10] .
ويقول "وأما تمييز الولي الصادق الذي قد تجري على يديه الكرامات من الدعي الكاذب الذي يموه على الناس ويخدعهم، فإنما يكون ذلك بحسب صلاحه وتقواه، من قيامه بالفرائض والنوافل، واتقائه الكبائر، والصغائر، واتصافه بالصفات الكريمة، واستدامته عليها، فإن اتصف شخص بكل هذه الصفات الطيبة، وعرفت عنه، ثم حدث على يديه شيء من الخوارق فيما لا يخالف الشرع، فيجوز أن يطلق على ذلك الخارق اسم كرامة , أما إن كان الرجل على خلاف ذلك، مشتهرا بالفسق والفساد والضلال، وغير ذلك، فإن كل ما يجري على يديه لا يعتد به بالغا ما بلغ، والله أعلم" [11].
ويقول " مثال ذلك: أن الأمور المذكورة وأمثالها، قد توجد في أشخاص، ويكون أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات، والقمامين، والمقابر، والمزابل، رائحته خبيثة، لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف ... "، إلى أن قال -رحمه الله-: "فهذه علامات أولياء الشيطان، لا علامات أولياء الرحمن"[12] .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الإملاء والإغواء، كما يقع للصديق بطريق الكرامة والإكرام، وإنما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة" [13].
وقال الدكتور تقي الدين الهلالي داعية التوحيد والسنة في بلاد المغرب - بل في كثير من بلاد العالم الإسلامي -رحمه الله- تعالى: " ... ومن هذا تعلم أن ظهور الخوارق، وما في عالم الغيب، ليس دليلا على صلاح من ظهرت له تلك الخوارق، ولا على ولايته لله البتة؛ فإن كل مرتاض رياضة روحية تظهر له الخوارق على أي دين كان، وقد سمعنا وقرأنا أن العباد الوثنيين من أهل الهند تقع لهم خوارق عظام" .[14] .
هل هناك شروط في ذات الكرامة ؟
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : " ومن الفوائد في هذا الأصل أن ينظر إلى كل خارقة صدرت على يدي أحد، فإن كان لها أصل في كرامات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعجزاته؛ فهي صحيحة، وإن لم يكن لها أصل؛ فغير صحيحة، وإن ظهر ببادئ الرأي أنها كرامة؛ إذ ليس كل ما يظهر على يدي الإنسان من الخوارق بكرامة، بل منها ما يكون كذلك، ومنها ما لا يكون كذلك.
وبيان ذلك بالمثال: أن أرباب التصريف بالهمم، والتقربات بالصناعة الفلكية، والأحكام النجومية، قد تصدر عنهم أفاعيل خارقة، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض، ليس لها في الصحة مدخل، ولا يوجد لها في كرامات النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا الموضع مزلة قدم للعوام، ولكثير من الخواص، فلتنبه له" [15].
وهكذا فان ادعى أحد وجود كرامة على يده مثل إحياء الموتى أو مسخ إنسان لحيوان أو شيئ لا يصرف فعله الا لله سبحانه فيرد عليه ادعاؤه ويحكم بكذبه ودجله
ومن هنا قال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: ومن هنا يعلم أن كل خارقة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، فلا يصح ردها ولا قبولها إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة ، فإن ساغ العمل بها عادة وكسبا، ساغت في نفسها، وإلا فلا؛ كالرجل يكاشف بامرأة أو عورة، بحيث اطلع منها على مالا يجوز له أن يطلع عليه، وإن لم يكن مقصودا له، أو رأى أنه يدخل على فلان بيته وهو يجامع زوجته ويراه عليها، أو يكاشف بمولود في بطن امرأة أجنبية؛ بحيث يقع بصره على بشرتها، أو شيء من أعضائها التي لا يسوغ النظر إليها في الحس، أو يرى صورة مكيفة مقدرة تقول له: "أنا ربك"، أو يرى ويسمع من يقول له: "قد أحللت لك المحرمات" ، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا يقبلها الحكم الشرعي على حال، ويقاس على ذلك ما سواه، وبالله التوفيق" [16].
هل كل خارق للعادة على يد الولي من الكرامات ؟ أي أنه إذا ظهرت كرامة صحيحة على يد ولي صالح فهل معنى هذا ان كل خارق للعادة يحدث معه من الكرامات ؟
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: "ولا يجوز للولي أن يعتقد في كل ما يقع له من الواقعات والمكاشفات أن ذلك كرامة من الله -سبحانه-، فقد يكون من تلبيس الشيطان ومكره، بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة: فإن كانت موافقة لها؛ فهي حق، وصدق، وكرامة من الله -سبحانه-، فإن كانت مخالفة لشيء من ذلك؛ فليعلم أنه مخدوع ممكور به، قد طمع منه الشيطان؛ فلبس عليه" [17].
من القادر على التمييز بين "الأحوال الرحمانية" و "الأحوال الشيطانية"؟
يتمكن إبليس من الإنسان على قدر حظه من العلم، فكلما قل علمه، اشتد تمكن إبليس منه، وكلما كثر العلم، قل تمكنه منه؛ ولذلك لا تشتبه "الكرامة الرحمانية" بالحال "الشيطانية" إلا عند الجهال، وأهل الأهواء، بخلاف أهل العلم والبصيرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "فإذا كان العبد من هؤلاء فرق بين حال أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزيف، وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء، وكما يفرق من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبي الكذاب، فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول رب العالمين، وموسى، والمسيح، وغيرهم، وبين مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطلحة الأسدي، والحارث الدمشقي، وباباه الرومي، وغيرهم من الكذابين، وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين، وأولياء الشيطان الضالين" [18].
المراجع
[1] انظر: "الموسوعة الفقهية" (34/ 216 - 221).
[2] قال شيخ الإسلام: "الآية الدالة على النبوة لا تظهر إلا على يد نبي". " ثبوت النبوات عقلا ونقلا والمعجزات والكرامات " ص (608).
[3] "التعريفات" للجرجاني ص (38)، و"تاج العروس" للزبيدي (1/ 325).
[4] "سيف الله" لصنع الله الحنفي ص (104).
[5] العلامة صنع الله بن صنع الله الحنفي - "سيف الله على من كذب على أولياء الله" ص (103):
[6] "ثبوت النبوات" ص (130).
[7] (1) انظر: "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ص (77).
[8] (1) "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ص (29).
[9] أي: يملأ إبريقا ماء من الهواء.
[10] (2) قال موسى بن عيسى: قال أبي: قال أبو يزيد: "لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء؛ فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدوه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة".
أخرجه البيهقي في "الشعب" (2/ 301).
[11] (2) انظر: "موقف ابن تيمية من التصوف والصوفية" ص (236، 237)، و"شبهات التصوف" ص (138).
[12] (1) "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" ص (61، 62)، وانظر: "ولاية الله والطريق إليها" ص (252 - 254).
[13] (3) "فتح الباري" (12/ 385).
[14] (1) نقله عنه في "الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة" ص (466).
[15] (4) "الموافقات" (2/ 444 - 446).
[16] (2) "الموافقات" (2/ 481، 482) بتصرف، وانظر: "مدارج السالكين" (1/ 48، 49).
[17] (4) "ولاية الله والطريق إليها" ص (249)، وطمع فيه، وبه: اشتهاه ورغب فيه، أو: حرص عليه.
[18] (1) "الفرقان" ص (66).

ليست هناك تعليقات