القيم السياسية في الخطاب القرآني قيمة الشورى نموذجاً .. قيمة الشورى نموذجا د. رضوان جمال الأطرش أستاذ مشارك قسم القرآن والسنة – كلية م...
القيم السياسية في الخطاب القرآني قيمة الشورى نموذجاً .. قيمة الشورى نموذجا
د. رضوان جمال الأطرش
أستاذ مشارك قسم القرآن والسنة – كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية – الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
مجلة الإسلام في آسيا – العدد الخاص الأول – مارس 2011 .
عرض وتلخيص: يحيي البوليني
الشورى مع أصحاب الدراية والاختصاص من الخطوات الحوارية الهامة في سبيل اتخاذ القرار السياسي لتجنب الوقوع في الخطأ وهي تهدف إلى تطابق العقل والنقل في تآلف الفكر الجماعي يصحبه سلوك وممارسة مع الصدق في القول والإخلاص في التطبيق , والشورى حجر الزاوية في بناء الدولة المسلمة وأساس من أسس الحكم الإسلامي وتؤثر في تماسك بناء الأمة وتؤلف القلوب وتشعر الجميع بالمسئولية وهي دليل الوحدة المقصدية للأمة مع السلطة لتقوم بدورها الحضاري خير قيام .
وبدأ الله سبحانه بأمره بالشورى لرسوله صلى الله عليه وسلم رغم أن الله تعالى بعظمته غني عن آراء الصحابة مع نبيهم ولكن ليؤكد أن منهج تطبيق مبدأ الشورى له فوائد تعليمية وتربوية ووحدوية واجتماعية وسياسية , ليستن المسلمون بفعله صلى الله عليه وسلم ويحتذوا بأفعاله فهو القدوة الحسنة في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة .
ومدح الله أهل الإيمان بقوله تعالى " وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ لأنهم يتخذون قراراتهم عن طريق التفاهم والمشاركة وتبادل الآراء والشورى , وان ممارستهم للشورى دليل على التآخي والصدق والإخلاص وإرادة الحق للجميع ومن الجميع , وبها فالتوفيق والسداد والمعونة من الله تشملهم وترعاهم .
إن اسعد فترات الأمة المسلمة هي التي طبقت فيها شريعة ربها , وسادت فيه الشورى حياتها , ويشهد التاريخ أن أسوا وأشقى الفترات التي مرت بها الأمة هي التي أبعدت فيها شريعة الله عن واقع حياتها , واستبد فيها حكامها وألغيت الشورى من قواميسها .
إن الشورى علم من أعلام دولة الإسلام والأمة الإسلامية , لا تقتصر فقط على اختيار رئيس الدولة أو حاكمها , بل في استخراج الرأي الصحيح في القرار السياسي الصادر عن السلطة في ممارسة الحكم وإدارة شئون الأمة .
المبحث الأول : القيمة الحقيقية للشورى في القرآن
رغم أن آيات سورة الشورى مكية إلا أنها وصفت المؤمنين بالوصف الذي سيحتاجونه بعد بناء الدولة , لتضع لهم بداية الركائز الأساسية لهم حتى قبل الحاجة إليها , ووضعتها قيمة الشورى بين أهم فريضتين في الإسلام وهما الصلاة والزكاة , إن الصلاة والزكاة والشورى تنبت عددا من المفاهيم التحررية تحرر الإنسان من كل أساليب العبودية لغير الله وتجعله قادرا على البناء الحضاري .
جاءت الشورى في القرآن الكريم كمفهوم خاص للأمة المسلمة وخصصت لها مكانة عالية لدرجة أن تسمى باسمها سورة كاملة لتكون قيمة ثابتة بدوام القرآن الكريم , فالأمة الإسلامية لا يمكن أن يتولد منها مشاريع حضارية للعالم ما لم تأخذ الشورى مكانتها الطبيعية التي أعطاها لها القران الكريم في واقع الناس وعلى جميع المستويات .
ولقد كانت الشورى وسيلة فاعلة في الحفاظ على حق المسلم في إبداء رأيه في القضايا المصيرية التي تهم المسلمين , لتؤكد انسجام الفرد التام مع الأمة وبغيتها في إدراك الصواب وإحقاق الحق .
ولقد أنزلت سورة الشورى والمسلمون مستضعفون في مكة قبل أن يكون لكيان سياسي أو سلطة , ليدل ذلك على أهمية تقعيد القواعد قبل البناء .
لماذا تحظى الشورى بكل هذه الأهمية من الاهتمام ؟
طرح الباحث هذا التساؤل ليجيب عليه بان الحياة الإسلامية امتازت عن بقية حياة الناس في الكون , فهي تأسست على الاستخارة والاستشارة والتفكير والعمل الجماعي للوصول إلى نتائج عملية سليمة , مراعية كل مصالح أفراد الجماعة
وقال أن هناك فوائد من أمر الله تعالى لرسوله بالمشاورة من وجوه :
- مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لهم توجب علو شانهم ورفعة درجتهم
- انه صلى الله عليه وسلم - وان كان أكمل الناس عقلا – إلا أن علوم الخلق متناهية فلا يبعد ان يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله , وخاصة في الأمور الدنيوية حيث قال صلى الله عليه وسلم " أنتم اعلم بشئون دنياكم " .
- كما قال الحسن رضي الله عنه " إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة وتصير سنة في أمته "
- شاورهم في "أحد" فأشاروا عليه بالخروج وكان ميله بالبقاء في المدينة فوقع ما وقع , فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لدل ذلك على انه في قلبه منهم شئ بسبب مشاورتهم , فأمره الله بعدها أن يشاورهم ولم يبق في قلبه اثر لما حدث .
- وشاورهم في الأمر لا لتستفيد منهم رأيا ولا علما ولكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فيتميز الفاضل من المفضول منهم وتتعامل معهم على قدر منازلهم .
- وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم , ولكن لأجل انك إذا شاورتهم اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك المسألة فتصير الأرواح متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها .
- الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده .
وفي المبحث الثاني جعله الباحث عن كيفية إجراء الشورى ومجالات تنفيذها :
ترك النبي صلى الله عليه وسلم نظام الشورى للأمة من غير أحكام محددة يتبعها المسلمون , فجعل فيه مرونة عالية بحسب اختلاف أحوال الأمة في كثرتها وقلتها وشئونها ومصالحها , فلا يمكن أن تكون هناك أحكام معينة توافق جميع الأحوال في كل زمان ومكان , ولذلك اختلف شكل بيعة الخلفاء الأربعة فكان لكل طريقته ونموذجه .
وهذا الأمر من حسنات الشريعة واحتياطها للمستقبل والشكل الذي يرتضيه المنطق وما يوافق كل عصر , فلا إلغاء لدور الأمة وحقها في الشورى , ولا إلغاء لدور الحاكم ولا لرأيه , فالشكل ليس مصبوبا في قالب حديدي .
ثم ذكر الباحث إجابة على سؤال من نستشير ووضع بعض الشروط فيمن يمكن أن يسمى مستشار فذكر :
- أن يكون مسلما مؤمنا تقيا حريصا على مصلحة الدين والأمة والوطن .
- أن يكون متضلعا متخصصا في الموضوع الذي يستشار فيه
- أن يكون أمينا على قضايا الأمة حتى يقدم رأيه في نزاهة وإخلاص
- أن يكون حرا شجاعا آمنا بحيث يمكنه أن يقول رأيه حتى لو خالف المستشير بأمان واطمئنان .
- أن يكون موضع ثقة فيختارون بلا إكراه ولا إجبار ولا تحايل
وختم الباحث هذا البحث بخاتمة أكد فيها ولخص المعاني السابقة من أهمية الشورى وكيفية تطبيقها , وأكد على ضرورة فهم وتفعيل هذا المعنى الإسلامي العريق العميق الأصيل , فلا غنى للأمة عن الشورى الصحيحة ففيها نجاتها .
جزى الله الباحث خير الجزاء .

ليست هناك تعليقات