أزمة الطلاق عند النصارى بين التشريع والتطبيق بقلم : يحيي البوليني بداية نؤمن كمسلمين أن النصرانية الحقيقية التي كان عليها ال...
أزمة الطلاق عند النصارى بين التشريع والتطبيق
بقلم : يحيي البوليني
بداية نؤمن كمسلمين أن النصرانية الحقيقية التي كان عليها النصارى
الأوائل كانت مطابقة للإسلام عقيدة ولم يكن بها ثمة خلافات جوهرية في التشريعات
الا بقدر حاجة الناس فقط , ففي قضايا الأسرة وتكوينها والزواج والطلاق لم تكن هناك
ثمة تعارض بينها وبين الإسلام , ونؤمن كذلك انه ما من حادث شذ بالعقيدة أو الشريعة
عن منهج الله سبحانه فإنما هو من تلاعب البشر بهذه العقيدة , ويكفي اختلافهم
الشديد في الحل والتحريم وشروط الإباحة في بيان بشرية هذه التشريعات التي تتغير
وفق الأهواء الشخصية , فكل ما هو الهي لا يحتمل مثل هذا التخبط والتعديل والتبديل
.
طبيعة المشكلة
تكمن المشكلة الأساسية عند الأقباط الأرثوذكس في رفض المجلس الكهنوتي
أو ما يسمى بالمجمع المقدس إعطاء تصاريح للأقباط الذين حصلوا على حكم بالطلاق بغير
إرادة الكنيسة , برفض إعطائهم تصريحا بالزواج الثاني باعتبار أن طلاقهم لم يكن
صحيحا وان الزواج باثنتين ممنوع ومرفوض في النصرانية أو بمعنى أدق النصرانية كما
يعرفها الأنبا الراحل شنودة الذي كان يرأس – بحكم منصبه الذي خلفه فيه الأنبا تواضروس
- جميع الكنائس الأرثوذكسية علي مستوي العالم .
فيشرح الأنبا شنودة هذه الفكرة التي يدعي أنها عقيدة عندهم في كتابه
" شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية " فيقول : " هذا التشريع يتلخص
في النقاط الآتية:
والسبب في هذا أن المسيحية ترى أن الرجل مرتبط بزوجته، وان طلاقه منها
بغير علة الزنا هو طلاق باطل لا يفصم عرى الزوجية. لذلك إذا تزوج بأخرى يعتبر زانيا،
إذ أن المسيحية لا تسمح له بالجمع بين زوجتين في وقت واحد ".
إذن من الواضح أن نقطة الارتكاز في القضية هي جملة " لا يجوز الطلاق
إلا لعلة الزنا " وهي التي تجعل الزنا السبب الوحيد لوقوع الطلاق في
النصرانية .
وبمناقشة هذه القاعدة تاريخيا يتبين أنها لم يكن لها وجود مطلق أو
بمعنى أدق لم يكن الزنا في عصر من عصور النصرانية السبب الوحيد لوقوع الطلاق بل
صحب هذا العلة أسباب أخرى كثيرة .
فبالاستقراء التاريخي نجد أن هناك عدة منعطفات تاريخية هامة في تشريع
الطلاق وتعداد أسبابه المبيحة له والتي يبدو منها كم العجب أنهم كلهم يدعون أن
مرجعيتهم هي آيات الكتاب " المقدس" والتي تلقي بكثير من ظلال الشك حول
وجود هذه الآيات على وجه الحقيقة أو على وجه الدلالة , ومن هذه المحطات ما يلي
والتي سنرى فيها مقدار الاضطراب والتخبط في التشريع ولنرى فيها مقدار التلاعب الذي
قام به الحكام بالتعديل والتبديل للأحكام التي يدعون أنها إلهية سماوية :
-
إباحة الطلاق للمرأة إذا كان
الزوج قاتلا أو ساحرا أو نابش قبور وإباحة الطلاق للرجل الطلاق إذا كانت زوجته زانية
أو ساحرة أو قوادة " قوانين الإمبراطور قسطنطين الأول سنة 331 م "
- هناك ثلاثة أسباب للطلاق ويترتب عليها ثلاث
نتائج مختلفة من قوانين الإمبراطور
هونوريوس سنة 421 م
أ- الطلاق بدون سبب وفيه يتم فقدان المهر والهدية ويتم
النفي والمنع من الزواج الثاني
ب- الطلاق لأسباب الأخطاء في الشخصية يتم فقدان المهر
والهدية ويتم السماح بالزواج ثانية بعد سنتين
ج- الطلاق بسبب جريمة خطيرة ويتم الاحتفاظ بالهدية
والمهر والسماح بالزواج ثانية
-
قوانين الإمبراطور ثيودوسيوس
الثاني سنة 449 , وفيه أباح الطلاق للزنا والشروع في القتل والجرائم خارج الزواج مثل
التسميم والخيانة العظمى والتزوير ونبش القبور وسرقة الأضرحة المقدسة والخطف وقطع الطريق
وسرقة المواشي .
-
قوانين الإمبراطور أناستاسيوس
الأول سنة 497 وتم فيه تعديل لقوانين سنة 449 وسمحت بالطلاق لمجرد رضا الزوجين المتبادل
للطلاق , أي انه لم يعتمد سببا للطلاق بل جعل مجرد قابلية الزوجين أو إرادتهما
للطلاق كافية لوقوعه .
-
قوانين الإمبراطور يوستنيانوس
الأول في سنة 528 أضاف العجز الجنسي لمدة سنتين لسبب للطلاق
-
في سنة 533 أضاف يوستنيانوس
الأول أسبابا أخرى مثل الإجهاض ومحاولة الجمع بين زوجين أو الاستحمام مع غرباء (في
الحمامات العامة)
-
في سنة 536 عدل الإمبراطور يوستنيانوس
مدة العجز الجنسي ثلاث سنوات للطلاق الأمر المعمول به حاليا في قوانين الكنائس وأضاف
أيضا الطلاق لرهبنة أحد الزوجين
-
في سنة 542 غير في أسباب الطلاق
وجعلها الخيانة العظمى ضد الإمبراطور والشروع في القتل أو معرفة أن هناك خطة لقتل الطرف
الأخر وعدم إخباره والاستحمام مع غرباء والبيات خارج المنزل بدون رضا الزوج
-
في سنة 556 جعل عقوبة الطلاق
لمجرد رضا الزوجين المتبادل قضاء بقية حياة الزوجين في الدير وتوزيع أموالهم بالتساوي
بين الدير والأبناء ووالدي الزوجين
-
قوانين الإمبراطور يوستينوس
الثاني سنة 566 والتي أباح فيها الطلاق لمجرد رضا الزوجين المتبادل وهو نفس الأمر الذي
كان الإمبراطور الذي سبقه يوستنيانوس الأول قد حرمه ورتب عليه عقوبة للزوجين !!
-
قوانين الأنبا غبريال الثاني
سنة 1131 والتي وضع أسبابا متعددة للطلاق مثل الضرب وإدخال البيت سحر أو مسروق أو زانية
والصرع والبرص .
-
قوانين الأنبا كيرلس الثالث
سنة 1238 وفيها وضع أسبابا متعددة مختلفة أيضا للطلاق مثل الشروع في القتل والعجز الجنسي
لمدة 3 سنين والرهبنة برضا الطرفين والجذام والبرص والهجر سبع سنين والزنا .
-
قوانين المجموع الصفوي لابن
العسال سنة 1238 والتي وضع أسبابا متعددة للطلاق مثل الرهبنة برضا الزوجين والشروع
في القتل ومضاجرة الطرف الآخر بما يفوق الاحتمال والأسر 5 سنين واستحالة العشرة , وكان
هناك رأيان في الصرع والجذام ؛ أحدهما يبيح والثاني يمنع الطلاق .
-
كتاب مصباح الظلمة في إيضاح
الخدمة لابن كبر كاهن كنيسة المعلقة مقر البطريركية المتوفي سنة 1326 وذكر نفس أسباب
المجموع الصفوي لابن العسال
-
ما كتبه القمص فلتاؤوس عوض وراجعه الأنبا كيرلس الخامس
وهو كتاب " الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية " سنة 1896 والذي وضع أسبابا متعددة للطلاق مثل الرهبنة
برضا الزوجين والعجز الجنسي لثلاث سنوات وإضرار حياة الطرف الأخر أو علم أن آخرين سيضرون
ولم يخبر الطرف الأخر والارتداد وإفساد عقيدة المرأة في النصرانية والأسر من 5 إلى
7 سنوات واستحالة العشرة لمدة 3 سنوات .
-
لائحة سنة 1938 التي وافق عليها
الأنبا يؤانس التاسع عشر والتي وضعت أسبابا متعددة للطلاق مثل الرهبنة برضا الزوجين واستحالة العشرة
3 سنوات والزنا والارتداد والغياب 5 سنين والسجن
أكثر من 7 سنوات والجنون 3 سنوات أو مرض معدي والعجز الجنسي 3 سنوات والشروع في القتل
وسوء سلوك أحد الزوجين .
-
كتاب الخطبة والزواج والطلاق
عند المسيحيين – رؤية واقعية لإبراهيم عبد السيد والتي ذكر فيه قانون الأحوال الشخصية
للفروع المختلفة داخل ملة الأرثوذكس نفسها
أ - عند السريان الأرثوذكس جاءت أسباب متعددة للطلاق
مثل التحايل على عدم الحمل من الزوج والشروع في القتل واستحالة العشرة 3 سنوات والزنا
والارتداد والجنون والمرض المعدي وانتحال الزوجة صفة البكارة والسكر واللهو للزوجة
بدون علم الزوج
ب- وعند الأرمن الأرثوذكس ذكر قانون الأحوال الشخصية
ونقل عدة أسباب للطلاق منها الزنا والشروع في القتل والحكم على أحد الزوجين في جناية
شائنة واستحالة العشرة والارتداد والجنون 3 سنوات والغياب 5 سنوات والتهرب من واجبات
الزوجية مدة سنتين ,
ج- وعند الروم الأرثوذكس في سوريا ولبنان قانون الأحوال
الشخصية الذي يبين أسباب الطلاق المقبولة عندهم فكانت الارتداد والشروع في القتل والسجن أكثر من 3 سنين والهجر
3 سنين والتحايل على عدم الإنجاب دون رضا الطرف الأخر والزنا
د- عند الروم الأرثوذكس في الأردن وفلسطين قانون الأحوال
الشخصية يضع أسبابا متعددة للطلاق مثل التحايل لعدم الحمل من الزوج والزنا والانفصال
3 سنوات والعجز الجنسي 3 سنوات والجنون والرهبنة والخيانة العظمى
هـ - عند الروم الأرثوذكس في مصر قانون الأحوال الشخصية
جاءت لائحة سنة 1937 لتضع عدة أسباب للطلاق منها الشروع في القتل والزنا والهجر 3 سنوات
والاختفاء 3 سنوات والعجز الجنسي 3 سنوات وفي حالة الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة وفي
حالة الارتداد عن المسيحية .
فبعد هذه الجولة السريعة تاريخيا وإقليميا للنصارى
والتي وجدنا فيها تباينا شيدا في الأسباب المعتبرة للطلاق عند النصارى بل هذا
التباين الشديد عند ملة واحدهم من مللهم , فهل يمكن تصديق أن نص " لا طلاق إلا
لعلة الزنا " الذي يتمسك به أرثوذكس مصر , والذي ادخل النصارى في دوامات
شديدة , هل يمكن أن يصدق انه تشريع من كتاب منزل على نبي الله عيسى عليه السلام ؟
أو انه موجود كآية من آيات كتابهم المقدس ؟ .
انه تعذيب للبشر وفتح لباب الشهوات والرذائل ومنع
لسبل الحلال المباح ودفع للناس للشذوذ واللواط , فهل يمكن أن يكون هذا التشريع
دينا من عند الله سبحانه أم انه أهواء وضلالات تخطفتهم وتلقفتهم لتلقي بهم في
مهاوي الردى .
[1]
واستدلاله "وأما أنا فأقول لكم أن مَنْ طَلَّق امرأته إلا لعلة
الزنى يجعلها تزني" (متى 32:5).. وأيضًا "وأقول لكم أن مَنْ طلق امرأته إلا
بسبب الزنى وتزوَّج بأخرى يزنى" (متى 19: 9).
[2]
ودليله "ومَنْ يتزوج
مطلقة فإنه يزني" (متى 32:5). "وان طلقت امرأة زوجها، وتزوجت بآخر، تزني"
(مرقس 10: 12)، "لكل مَنْ يتزوج بمطلقة من رجل يزني" (لوقا 16: 18).
[3]
"كل مَنْ يطلق امرأته، ويتزوج بأخرى، يزني" (لوقا 16:
18) , وأيضًا "مَنْ طلَّق امرأته، وتزوج، يزنى عليها" (مرقس 10: 11).

ليست هناك تعليقات