الحقيقة المحمدية في الحضرة الشاذلية بفلم يحيي البوليني عادة ما تملئ الاجتماعات الصوفية حول قبور وأضرحة شيوخهم أو أوليائهم بالمنكرا...
الحقيقة المحمدية في الحضرة الشاذلية
بفلم يحيي البوليني
عادة ما تملئ الاجتماعات الصوفية حول قبور وأضرحة شيوخهم أو أوليائهم بالمنكرات التي تخالف تماما العقيدة والعبادات الإسلامية , وعادة ما تكون هذه الساحات ميادين كبيرة للفجور الأخلاقي والتفسخ في العلاقات , فكبائر الذنوب والمعاصي ترتكب بكثرة في ظل هذا الزحام الشديد بشهادة الجميع سواء من الحاضرين أو القوات الشرطية التي تسجل اكبر نسبة للجرائم في مثل هذه الموالد والاحتفالات .
وتحدث الكثيرون عن المخالفات في أحكام شد الرحال لمساجد غير الثلاثة التي وردت في الحديث الشريف وتحدثوا عن زيارة الأضرحة والطواف حولها والتمسح بها والنذر لغير الله والتضرع لقضاء الحاجات والتعلق بالمخلوقين أحياء وأمواتا والاعتقاد بقدرتهم على التصرف في الكون , ولكني أحببت أن أناقش ما يجري في أفضل وأرقى ما يتقدمون به للناس في الاحتفالات الخاصة والعامة .
فيدافع الصوفية عن أنفسهم متبرئين من المنكرات التي تصاحب اجتماعاتهم سواء في الموالد أو الاحتفالات , فيقولون بأنهم يجتمعون لذكر الله سبحانه والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم في مظاهر يحيطونها بالقداسة والمهابة بعيدا عن التصرفات الخارجية التي يتنصلون دوما منها وينسبونها للمنتفعين منهم أو من غير أهل الصوفية الحقيقيين كما يزعمون .
ولهذا نتابع أرقى وأعلى ما يتحدثون بشأنه في اجتماعاتهم الدورية أو الاحتفالية الموسمية ما يسمى بالحضرة وهي مجلس الذكر الذي يعقدونه مع شيخهم ليقودهم في حفل الذكر والتي سميت بالحضرة لاعتقاد كثير من فرقهم الصوفية بأن الرسول عليه الصلاة والسلام يحضرها فسميت بالحضرة نتيجة ذلك الاعتقاد .
ولقد تسنت لي فرصة متابعة حضرة صوفية كاملة من بدايتها إلى نهايتها فتابعت أرقى ما يتمسكون به وأعظم ما يحرصون عليه وتتبعت كلماتهم التي ينشدونها للتعليق عليها من حيث موافقتها للشرع الحنيف .
والحضرة محل البحث تابعة للطريقة العقادية الشاذلية الذين ينتمون لأبي الحسن الشاذلي , ومدتها حوالي الساعة أو قريبا منها
وبدأت بالدعاء وذلك بقراءة الياقوتة الشاذلية لأبي الحسن الشاذلي التي يقرؤونها بصورة جماعية خافتة لا تكاد تتبين كلماتها والتي تمتلئ بالمخالفات الشرعية فجاء في بعضها الكثير من المخالفات العقائدية الكثيرة ومنها :
- القول بعقيدة "الحقيقة المحمدية " : وهي القول بان النبي صلى الله عليه وسلم هو صورة الله سبحانه في الأرض , فيقولون فيها " اللهم صلّ وسلم على مَن جعلته سببا ًلانشقاق أسرارك الجبروتيّة، و انفلاقا ًلأنوارك الرّحمانيّة ، فصار نائبا ًعن الحضرة الرّبانية ، وخليفة أسرارك الذاتيّة ، فهو ياقوتة أحدية ذاتك الصمديّة ، وعين مظهر صفاتك الأزليّة ، فبك منك صار حجابا ًعنك وسرا ًمن أسرار غيبك ، حُجبت به عن كثير من خلقك ، فهو الكنز المطلسم، والبحر الزاخر المطمطم " ثم يدللون على ذلك " وكيف لا يكون كذلك وقد أخبرتنا بذلك في مُحكَم كتابك بقولك : " إنّ الذينَ يُبـَايِعونَكَ إنّما يُبـَاِيُعونَ اللهَ " فقد زال عنا بذلك الرّيبُ وحصل الانتباه " [1]
والحقيقة المحمدية طامة عقائدية كبرى من طوام الصوفية , لأنها تضفي على النبي صلى الله عليه وسلم صفات الألوهية – عياذا بالله – وهي تصف النبي صلى الله عليه وسلم بأوصاف ليست له وهذا ليس تعظيما له بل هو خروج عن الملة الإسلامية التي جاء فيها قول ربنا سبحانه " قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ " .
ولا يختلف الشاذلية في هذا عن قول المغالين من الصوفية الذين كفرهم العلماء بمثل هذه العقائد , فقد قال بها الحلاج الذي اتهمته الصوفية بأنه اخرج وصرح بما اخفوه عن الناس[2] , فيقول الحلاج عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أخبر إلا عن بصيرته، ولا أمر بسنته إلا عن حق سيرته، حَضَرَ فأحضر، وأبصر فخبّر ، كان مشهوراً قبل الحوادث والكوائن والأكوان، ولم يزل، كان مذكوراً قبل القبل وبعد البعد والجواهر والألوان ,هو الدليل وهو المدلول , بالحق موصول غير مفصول، ولا خارج عن المعقول , العلوم كلها قطرة من بحره , الأزمان كلها ساعة من دهره، هو الحق وبه الحقيقة، هو الأول في الوصلة، وهو الآخر في النبوة، والباطن بالحقيقة، والظاهر بالمعرفة...الحق ما أسلمه إلى خلقه، لأنه هو، وإني هو، وهو هو " [3]
ويقول محمد بن سليمان الجزولي في كتابه "دلائل الخيرات" الذي لا يخلو منه بيت فيه مسحة صوفية أو جهل بالدين : "اللهم صل على سيدنا محمد بحرِ أنوارك , إنسانِ عين الوجود، والسبب في كل موجود، عين أعيان خلقك المتقدم من نور ضيائك "[4] , ويقول أيضا :" اللهم صل على محمد الذي هو قطب الجلالة "[5]
ويقول عبد السلام بن بشيش أو مشيش في الدعاء المشهور باسم الصلاة المشيشية : " اللهم صل على مَن منه انشقَّت الأسرار وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق , وحياضُ الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط , اللهم إنه سرك الجامعُ الدال عليك، وحجابُك الأعظم القائم لك بين يديك "[6]
وكذلك ينسب إلى أبي حامد الغزالي، وقيل: لعبد القادر الجيلاني : "اللهم اجعل أفضل صلواتك أبداً , على أشرف الخلائق الإنسانية، ومجمع الحقائق الإيمانية، وطور التجليات الإحسانية، ومهبط الأسرار الرحمانية , ومالك أزمة المجد الأسنى، شاهد أسرار الأزل، ومشاهد أنوار السوابق الأول، وترجمان لسان القدم , مظهر سر الجود الجزئي والكلي، وإنسان عين الوجود العلوي والسفلي، روح جسد الكونين، وعين حياة الدارين"[7]
ونسب إلى الجيلاني " «خلق العالم بأسره من الحقيقة المحمدية ، فالله تعالى خلق روح النبي من نور ذاته ، وخلق العالم بأسره من روحه، فهو الظاهر في الخلق باسمه بالمظاهر الإلهية »
وفي ما تسمى بـ "جوهرة الأسرار" توجد صيغة صلاة لأحمد الرفاعي يقول فيها : اللهم صل وسلم وبارك على نورك الأسبق , الذي أبرزته رحمة شاملة لوجودك , نقطة مركز الباء الدائرة الأولية، وسر أسرار الألف القطبانية، الذي فتقت به رتق الوجود , فهو سرك القديم الساري، وماء جوهر الجوهرية الجاري، الذي أحييت به الموجودات، من معدن وحيوان ونبات، قلب القلوب، وروح الأرواح، وإعلام الكلمات الطيبات، القلم الأعلى، والعرش المحيط، روح جسد الكونين، وبرزخ البحرين"[8]
وقد يعتذر احد الصوفية بان هذه الكلمات ليست إلا من فرط محبته وتعظيم قدره صلى الله عليه وسلم ولا يقصدون بها إخراجه عن طبيعته البشرية وعن عبوديته لربه وهو تدليس متكرر منهم إلا أن طامة الطوام ما جاء واضحا في شرح رجل العلم والفتوى الشيخ مصطفى بن محيي الدين نجا[9]، في شرحه (على الممزوجة بصلاة ابن بشيش) التي قال فيها وبكل وضوح : " والحاصل أن الله تبارك وتعالى جعل الحقيقة المحمدية واسطة الإيجاد لمخلوقاته تفضلاً منه وإحساناً، فالأرواح التي لا تشاهد ذلك ولا تدرك أنه صلى الله عليه وسلم روحها وعين حياتها كأنها أموات " [10] , (الله منه بدئ الأمر) أي الشأن الكلي الجامع لكل الشئون، وهو النور المحمدي الشريف، وهو أول صادر عنه سبحانه , ويسمى بالقلم الأعلى، وبالدوة البيضاء، وبالعقل الأول، وبروح الأرواح، وبالأب الأكبر، وبإنسان عين الوجود، وبالإنسان الكامل، وغير ذلك من الأسماء المشهورة عند العارفين".[11]
وحقيقة لفظ "الحقيقة المحمدية " هو لفظ بديل لفكرة استوردتها الصوفية من القدماء من أهل فارس والهند واليونان وهي فكرة الإنسان الكامل التي راجت عند تلك الأمم , وأطلق لصوفية هذا اللقب على أول موجود –بزعمهم- وجد في الكون , فزعموا أن هذا الموجود الأول قد فاض عن الله تعالى كما يفيض نور الشمس عن الشمس، لم يخلقه بل صدر عنه، فهو نور من نور، ونوره امتد إلى جميع ذرات الكون: فبه قامت الحياة , وهو الإله الذي صنع وخلق الموجودات , وهو الواسطة بين الخالق والخلق لما له من شبه بهما فله صفات الإله وله صفات البشر "
وهو بهذه المرتبة يعلم الغيب ويدبر أمر العالم، وربما سموه الروح الأعظم أو العقل الأول أو الفعال وغيرها من التسميات، هذه خلاصة فكرة الإنسان الكامل التي في تلك الثقافات القديمة قبل الإسلام " [12].
وللجيلي توسع في هذه العقيدة نسبت إليه في كتاب الإنسان الكامل إذ يجعل الحقيقة المحمدية متوارثة بين شيوخ الصوفية , فيقول: " اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه شمس الدين ، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان... فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم هو في صورة شيخي إسماعيل الجبرتي " [13]
إذن فهذه العقيدة خارجة تماما عن الإسلام , وهي من العقائد التي تكفر من يعتنقها , فالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على شرفه وقدره العظيم ليس أول خلق الله , ففي عقيدة أهل السنة أن أول خلق الله القلم بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم , فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ تَعَالَى الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ".[14]
والنبي صلى الله عليه وسلم بشر خلق من ماء ككل بني ادم , وادم خلق من تراب , فليس النبي مخلوقا من نور كما زعموا , والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب , فقال سبحانه" قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ"
فلم يكرموه بهذه الادعاءات الباطلة التي يأباها صلى الله عليه وسلم بل إن اشرف ما وصفه به ربه هو مقام العبودية .
[1] : الأنوار العمرانية في الأوراد والأحزاب الشاذلية . جمع وتحقيق: الشيخ: علي أبوالحسن عمران أحمد عمران
[2] يروي الصوفية كما جاء في شرح حال الأولياء لعز الدين المقدسي مخطوط ورقة 251 , أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب ، فقال له الحلاج : ( هذا جزاء أولياء الله ؟ , فقال له الخضر : نحن كتمنا فسلمنا ، وأنت بحت فمتّ )
[3] أخبار الحلاج (طاسين السراج)، (ص:82، وما بعدها).
[4] دلائل الخيرات، للجزولي (ص:100).
[5] دلائل الخيرات، (ص:214).
[6] النفحة العلية في أوراد الشاذلية، جمع عبد القادر زكي - مكتبة المنتهي القاهرة (ص:15، 16).
[7] أفضل الصلوات على سيد السادات، يوسف بن إسماعيل النبهاني - مكتبة ومطبعة الفجر الجديد، (ص:83).
[8] أفضل الصلوات، (ص:84)، وقلادة الجواهر، (ص:249).
[9] مصطفى نجا مفتي بيروت في أوائل للقرن العشرين من أقطاب الطريقة الشاذلية , كان شافعي المذهب شاذلي الطريقة , صاحب كتاب مظهر السعود في مولد سيد الوجود صلي الله علية وسلم ومن تلاميذ علي اليشرطي.
[10] كشف الأسرار، (ص:126).
[11] كشف الأسرار، (ص:139).
[12] انظر الإنسان الكامل، عبدالرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية 1/136، بنية العقل العربي، الجابري ص378
[13] الإنسان الكامل 2/73
[14] أخرجه أحمد في " مسنده " ( 5 / 317 ) ، والبخاري في " التاريخ الكبير " ( 6 / 92 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 107 ) ، وابن أبي شيبة في " مصنفه " ( 7 / 264 ) ، والبزار في " البحر الزخار "
بفلم يحيي البوليني
عادة ما تملئ الاجتماعات الصوفية حول قبور وأضرحة شيوخهم أو أوليائهم بالمنكرات التي تخالف تماما العقيدة والعبادات الإسلامية , وعادة ما تكون هذه الساحات ميادين كبيرة للفجور الأخلاقي والتفسخ في العلاقات , فكبائر الذنوب والمعاصي ترتكب بكثرة في ظل هذا الزحام الشديد بشهادة الجميع سواء من الحاضرين أو القوات الشرطية التي تسجل اكبر نسبة للجرائم في مثل هذه الموالد والاحتفالات .
وتحدث الكثيرون عن المخالفات في أحكام شد الرحال لمساجد غير الثلاثة التي وردت في الحديث الشريف وتحدثوا عن زيارة الأضرحة والطواف حولها والتمسح بها والنذر لغير الله والتضرع لقضاء الحاجات والتعلق بالمخلوقين أحياء وأمواتا والاعتقاد بقدرتهم على التصرف في الكون , ولكني أحببت أن أناقش ما يجري في أفضل وأرقى ما يتقدمون به للناس في الاحتفالات الخاصة والعامة .
فيدافع الصوفية عن أنفسهم متبرئين من المنكرات التي تصاحب اجتماعاتهم سواء في الموالد أو الاحتفالات , فيقولون بأنهم يجتمعون لذكر الله سبحانه والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم في مظاهر يحيطونها بالقداسة والمهابة بعيدا عن التصرفات الخارجية التي يتنصلون دوما منها وينسبونها للمنتفعين منهم أو من غير أهل الصوفية الحقيقيين كما يزعمون .
ولهذا نتابع أرقى وأعلى ما يتحدثون بشأنه في اجتماعاتهم الدورية أو الاحتفالية الموسمية ما يسمى بالحضرة وهي مجلس الذكر الذي يعقدونه مع شيخهم ليقودهم في حفل الذكر والتي سميت بالحضرة لاعتقاد كثير من فرقهم الصوفية بأن الرسول عليه الصلاة والسلام يحضرها فسميت بالحضرة نتيجة ذلك الاعتقاد .
ولقد تسنت لي فرصة متابعة حضرة صوفية كاملة من بدايتها إلى نهايتها فتابعت أرقى ما يتمسكون به وأعظم ما يحرصون عليه وتتبعت كلماتهم التي ينشدونها للتعليق عليها من حيث موافقتها للشرع الحنيف .
والحضرة محل البحث تابعة للطريقة العقادية الشاذلية الذين ينتمون لأبي الحسن الشاذلي , ومدتها حوالي الساعة أو قريبا منها
وبدأت بالدعاء وذلك بقراءة الياقوتة الشاذلية لأبي الحسن الشاذلي التي يقرؤونها بصورة جماعية خافتة لا تكاد تتبين كلماتها والتي تمتلئ بالمخالفات الشرعية فجاء في بعضها الكثير من المخالفات العقائدية الكثيرة ومنها :
- القول بعقيدة "الحقيقة المحمدية " : وهي القول بان النبي صلى الله عليه وسلم هو صورة الله سبحانه في الأرض , فيقولون فيها " اللهم صلّ وسلم على مَن جعلته سببا ًلانشقاق أسرارك الجبروتيّة، و انفلاقا ًلأنوارك الرّحمانيّة ، فصار نائبا ًعن الحضرة الرّبانية ، وخليفة أسرارك الذاتيّة ، فهو ياقوتة أحدية ذاتك الصمديّة ، وعين مظهر صفاتك الأزليّة ، فبك منك صار حجابا ًعنك وسرا ًمن أسرار غيبك ، حُجبت به عن كثير من خلقك ، فهو الكنز المطلسم، والبحر الزاخر المطمطم " ثم يدللون على ذلك " وكيف لا يكون كذلك وقد أخبرتنا بذلك في مُحكَم كتابك بقولك : " إنّ الذينَ يُبـَايِعونَكَ إنّما يُبـَاِيُعونَ اللهَ " فقد زال عنا بذلك الرّيبُ وحصل الانتباه " [1]
والحقيقة المحمدية طامة عقائدية كبرى من طوام الصوفية , لأنها تضفي على النبي صلى الله عليه وسلم صفات الألوهية – عياذا بالله – وهي تصف النبي صلى الله عليه وسلم بأوصاف ليست له وهذا ليس تعظيما له بل هو خروج عن الملة الإسلامية التي جاء فيها قول ربنا سبحانه " قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ " .
ولا يختلف الشاذلية في هذا عن قول المغالين من الصوفية الذين كفرهم العلماء بمثل هذه العقائد , فقد قال بها الحلاج الذي اتهمته الصوفية بأنه اخرج وصرح بما اخفوه عن الناس[2] , فيقول الحلاج عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أخبر إلا عن بصيرته، ولا أمر بسنته إلا عن حق سيرته، حَضَرَ فأحضر، وأبصر فخبّر ، كان مشهوراً قبل الحوادث والكوائن والأكوان، ولم يزل، كان مذكوراً قبل القبل وبعد البعد والجواهر والألوان ,هو الدليل وهو المدلول , بالحق موصول غير مفصول، ولا خارج عن المعقول , العلوم كلها قطرة من بحره , الأزمان كلها ساعة من دهره، هو الحق وبه الحقيقة، هو الأول في الوصلة، وهو الآخر في النبوة، والباطن بالحقيقة، والظاهر بالمعرفة...الحق ما أسلمه إلى خلقه، لأنه هو، وإني هو، وهو هو " [3]
ويقول محمد بن سليمان الجزولي في كتابه "دلائل الخيرات" الذي لا يخلو منه بيت فيه مسحة صوفية أو جهل بالدين : "اللهم صل على سيدنا محمد بحرِ أنوارك , إنسانِ عين الوجود، والسبب في كل موجود، عين أعيان خلقك المتقدم من نور ضيائك "[4] , ويقول أيضا :" اللهم صل على محمد الذي هو قطب الجلالة "[5]
ويقول عبد السلام بن بشيش أو مشيش في الدعاء المشهور باسم الصلاة المشيشية : " اللهم صل على مَن منه انشقَّت الأسرار وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق , وحياضُ الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا وهو به منوط , اللهم إنه سرك الجامعُ الدال عليك، وحجابُك الأعظم القائم لك بين يديك "[6]
وكذلك ينسب إلى أبي حامد الغزالي، وقيل: لعبد القادر الجيلاني : "اللهم اجعل أفضل صلواتك أبداً , على أشرف الخلائق الإنسانية، ومجمع الحقائق الإيمانية، وطور التجليات الإحسانية، ومهبط الأسرار الرحمانية , ومالك أزمة المجد الأسنى، شاهد أسرار الأزل، ومشاهد أنوار السوابق الأول، وترجمان لسان القدم , مظهر سر الجود الجزئي والكلي، وإنسان عين الوجود العلوي والسفلي، روح جسد الكونين، وعين حياة الدارين"[7]
ونسب إلى الجيلاني " «خلق العالم بأسره من الحقيقة المحمدية ، فالله تعالى خلق روح النبي من نور ذاته ، وخلق العالم بأسره من روحه، فهو الظاهر في الخلق باسمه بالمظاهر الإلهية »
وفي ما تسمى بـ "جوهرة الأسرار" توجد صيغة صلاة لأحمد الرفاعي يقول فيها : اللهم صل وسلم وبارك على نورك الأسبق , الذي أبرزته رحمة شاملة لوجودك , نقطة مركز الباء الدائرة الأولية، وسر أسرار الألف القطبانية، الذي فتقت به رتق الوجود , فهو سرك القديم الساري، وماء جوهر الجوهرية الجاري، الذي أحييت به الموجودات، من معدن وحيوان ونبات، قلب القلوب، وروح الأرواح، وإعلام الكلمات الطيبات، القلم الأعلى، والعرش المحيط، روح جسد الكونين، وبرزخ البحرين"[8]
وقد يعتذر احد الصوفية بان هذه الكلمات ليست إلا من فرط محبته وتعظيم قدره صلى الله عليه وسلم ولا يقصدون بها إخراجه عن طبيعته البشرية وعن عبوديته لربه وهو تدليس متكرر منهم إلا أن طامة الطوام ما جاء واضحا في شرح رجل العلم والفتوى الشيخ مصطفى بن محيي الدين نجا[9]، في شرحه (على الممزوجة بصلاة ابن بشيش) التي قال فيها وبكل وضوح : " والحاصل أن الله تبارك وتعالى جعل الحقيقة المحمدية واسطة الإيجاد لمخلوقاته تفضلاً منه وإحساناً، فالأرواح التي لا تشاهد ذلك ولا تدرك أنه صلى الله عليه وسلم روحها وعين حياتها كأنها أموات " [10] , (الله منه بدئ الأمر) أي الشأن الكلي الجامع لكل الشئون، وهو النور المحمدي الشريف، وهو أول صادر عنه سبحانه , ويسمى بالقلم الأعلى، وبالدوة البيضاء، وبالعقل الأول، وبروح الأرواح، وبالأب الأكبر، وبإنسان عين الوجود، وبالإنسان الكامل، وغير ذلك من الأسماء المشهورة عند العارفين".[11]
وحقيقة لفظ "الحقيقة المحمدية " هو لفظ بديل لفكرة استوردتها الصوفية من القدماء من أهل فارس والهند واليونان وهي فكرة الإنسان الكامل التي راجت عند تلك الأمم , وأطلق لصوفية هذا اللقب على أول موجود –بزعمهم- وجد في الكون , فزعموا أن هذا الموجود الأول قد فاض عن الله تعالى كما يفيض نور الشمس عن الشمس، لم يخلقه بل صدر عنه، فهو نور من نور، ونوره امتد إلى جميع ذرات الكون: فبه قامت الحياة , وهو الإله الذي صنع وخلق الموجودات , وهو الواسطة بين الخالق والخلق لما له من شبه بهما فله صفات الإله وله صفات البشر "
وهو بهذه المرتبة يعلم الغيب ويدبر أمر العالم، وربما سموه الروح الأعظم أو العقل الأول أو الفعال وغيرها من التسميات، هذه خلاصة فكرة الإنسان الكامل التي في تلك الثقافات القديمة قبل الإسلام " [12].
وللجيلي توسع في هذه العقيدة نسبت إليه في كتاب الإنسان الكامل إذ يجعل الحقيقة المحمدية متوارثة بين شيوخ الصوفية , فيقول: " اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه شمس الدين ، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان... فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم هو في صورة شيخي إسماعيل الجبرتي " [13]
إذن فهذه العقيدة خارجة تماما عن الإسلام , وهي من العقائد التي تكفر من يعتنقها , فالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على شرفه وقدره العظيم ليس أول خلق الله , ففي عقيدة أهل السنة أن أول خلق الله القلم بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم , فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَوَّلُ مَا خَلَقَ تَعَالَى الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ قَالَ يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ".[14]
والنبي صلى الله عليه وسلم بشر خلق من ماء ككل بني ادم , وادم خلق من تراب , فليس النبي مخلوقا من نور كما زعموا , والنبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب , فقال سبحانه" قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ"
فلم يكرموه بهذه الادعاءات الباطلة التي يأباها صلى الله عليه وسلم بل إن اشرف ما وصفه به ربه هو مقام العبودية .
[1] : الأنوار العمرانية في الأوراد والأحزاب الشاذلية . جمع وتحقيق: الشيخ: علي أبوالحسن عمران أحمد عمران
[2] يروي الصوفية كما جاء في شرح حال الأولياء لعز الدين المقدسي مخطوط ورقة 251 , أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب ، فقال له الحلاج : ( هذا جزاء أولياء الله ؟ , فقال له الخضر : نحن كتمنا فسلمنا ، وأنت بحت فمتّ )
[3] أخبار الحلاج (طاسين السراج)، (ص:82، وما بعدها).
[4] دلائل الخيرات، للجزولي (ص:100).
[5] دلائل الخيرات، (ص:214).
[6] النفحة العلية في أوراد الشاذلية، جمع عبد القادر زكي - مكتبة المنتهي القاهرة (ص:15، 16).
[7] أفضل الصلوات على سيد السادات، يوسف بن إسماعيل النبهاني - مكتبة ومطبعة الفجر الجديد، (ص:83).
[8] أفضل الصلوات، (ص:84)، وقلادة الجواهر، (ص:249).
[9] مصطفى نجا مفتي بيروت في أوائل للقرن العشرين من أقطاب الطريقة الشاذلية , كان شافعي المذهب شاذلي الطريقة , صاحب كتاب مظهر السعود في مولد سيد الوجود صلي الله علية وسلم ومن تلاميذ علي اليشرطي.
[10] كشف الأسرار، (ص:126).
[11] كشف الأسرار، (ص:139).
[12] انظر الإنسان الكامل، عبدالرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية 1/136، بنية العقل العربي، الجابري ص378
[13] الإنسان الكامل 2/73
[14] أخرجه أحمد في " مسنده " ( 5 / 317 ) ، والبخاري في " التاريخ الكبير " ( 6 / 92 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 107 ) ، وابن أبي شيبة في " مصنفه " ( 7 / 264 ) ، والبزار في " البحر الزخار "

ليست هناك تعليقات