Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

عبد السلام بن مشيش مرجع "الأقطاب" الصوفية الثلاثة

عبد السلام بن مشيش مرجع "الأقطاب" الصوفية الثلاثة بقلم : يحيي البوليني  قبر في أقصى شمال المغرب وفي حضن الجبل ال...

عبد السلام بن مشيش مرجع "الأقطاب" الصوفية الثلاثة
بقلم : يحيي البوليني 




قبر في أقصى شمال المغرب وفي حضن الجبل الذي يطلقون عليه "جبل العَلَم" يرقد عبد السلام بن مشيش الذي يقطع مريدوه الفيافي لزيارته سنويا واحتمى به عدد من الملوك والساسة عندما دار عليهم الزمان دورته , وكانت البيعة لملوك المغرب تتم بهذا القبر 
 والأشد من هذا أن الصوفية في أدبياتهم يعتبرون زيارة الضريح في "حج المسكين" لمن لم يستطع القيام بفريضة الحج إلى بيت الله الحرام (مكة)، فيعتبرون زيارته حجا لمن لم يستطع سبيلا إلى الحج لمكة !!
ولا تعتبر زيارته طقسا مقدسا لصوفية المغرب وللعوام المخدوعين فيهم فحسب , بل يحضرها الكثيرون من أبناء القبائل الليبية وأبناء الصحراء والكثيرين من بلدان أوروبية وغربية , فيعتبرون التواجد حوله عيدا دينيا وطقسا ثابتا مقدسا لدى أبناء الزوايا الصوفية ويحظى كذلك بدعم حكومي كبير فيحضره دوما وزير من الحكومة المغربية ، فيقول صاحب المطرب " فلم تزل الوفود تأتي إليه من سائر الآفاق، من عارفين وصوفية وعلماء وفقهاء، وعامة الناس لزيارته و التبرك به، والبعض لإحياء ذكراه، حيث أصبح مقامه في المغرب كمقام الشافعي بمصر" [1]، والسبب في ذلك أنهم يعتبرونه كما يقول الفاسي المغربي "هو أستاذ الأقطاب الثلاثة: سيدي إبراهيم الدسوقي، وسيدي أحمد البدوي، وسيدي أبي الحسن الشاذلي"[2].
والغريب أن زيارة هذا القبر كانت أمنية لشيخ الأزهر الأسبق الشيخ عبد الحليم محمود – مثله مثل كل صوفي - فعلم بهذه الأمنية الملك الراحل الحسن الثاني فوضع للشيخ طائرة عسكرية تقله للضريح وتعيده , أما الأغرب ففي اهتمام الشيخ عبد الحليم محمود بسيرة عبد السلام بن مشيش وكتابة ترجمته في مؤلف مستقل تحت عنوان " القطب الشهيد، عبد السلام بن مشيش" , وطبعته دار المعارف بالقاهرة 1997م , وبرغم أن ترجمة ابن مشيش ظلت مطمورة كثيرا إلا أن العديد من الدراسات الأكاديمية تهتم بها حاليا وخاصة في جامعات الغرب , فمنها ما تقدمت به الدكتورة زكية زوينات بدراسة ناقشتها أمام جامعة السوربون الفرنسية .
وكعادة الصوفية يطلقون الثناء المبالغ فيه جدا على شيوخهم ليرهبوا القارئ من مجرد المساس بالتفكير في كلماتهم ومعتقداتهم , فتعددت ألقابه فأطلقوا عليه " شيخ مشايخ الصوفية , القطب المبجل ، القطب الشهيد، الكنز المطمور، والغوث الأشهر وغيرها.
وكعادتهم أيضا أحاطوه بالخرافات التي يسمونها بالكرامات والتي ليس لها أصل في كتاب أو سنة , فيقولون ان خبر ولادة ابن مشيش قد نقلت إلى عبد القادر الجيلاني عبر هاتف رباني، فيقول الكوهن الفاسي عن الهاتف المزعوم : "ارفع رجلك عن أهل المغرب، فإن قطب المغرب قد ولد في هذا اليوم -أي سيدي عبد السلام ابن مشيش" [3] والأكثر من ذلك أنهم يقولون ان ابن مشيش كان يصوم رمضان وهو رضيع , فيقول الفاسي "وكان إذا هلّ هلال رمضان، يمتنع عن ثدي أمه، فإذا أذن المغرب قاربه، وارتضع منه"[4]، وهذا مالا أصل شرعيا لا عقليا له , ولم يحدث لأحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين فكيف تصدق في حق ابن مشيش؟
وعلى كل هذه المزاعم من الألقاب إلا أن الدارس الحقيقي لعقيدة عبد السلام بن مشيش يجد أنه كان مؤمنا ومصرحا بعقيدته بوحدة الوجود – على الرغم من تورية الكثير من الصوفية لها , ولكن ابن مشيش كان مصرحا بها واضحا فيها , وهي عقيدة كفرية مات على إثرها مقتولا فسماه الصوفية بالقطب الشهيد .
ونسبوا له العديد من الكرامات لتثبيت مكانته في قلوب العوام والعجيب أن يتلقفها شيخ الأزهر بلا تدقيق ولا تحقيق , فيقول الشيخ عبد الحليم محمود في كتابه عن الشاذلي: " ولقد بهر ابن مشيش أبا الحسن الشاذلي، بهره بعلمه المشيد على الكتاب والسنة وبهره بولايته وكرامته، يقول أبو الحسن، كما يروي صاحب كتاب درة الأسرار: ورأيت له خرق عادات كثيرة، فمنها أنني كنت يومًا جالسًا بين يديه، وفي حجره ابن له صغير يلاعبه، فخطر ببالي أن أسأله عن اسم الله الأعظم، قال فقام إلى الولد، ورمى بيده في طوقي وهزني وقال: (يا أبا الحسن، أنت أردت أن تسأل الشيخ عن اسم الله الأعظم ليس الشأن أن تسأل عن اسم الله الأعظم، إنما الشأن أن تكون أنت هو اسم الله الأعظم) يعني أن سر الله مودع في قلبك. قال فتبسم الشيخ وقال لي: جاوبك فلان عني "[5] , فكيف يروي الإمام الأكبر مثل هذه الروايات , وما معنى جملة "أنت تكون أنت اسم الله الأعظم" إلا أن تكون دلالة واضحة على عقيدة وحدة الوجود التي تزعم بان الله يحل في كل شئ فلا خالق ولا مخلوق , فكيف يمررها شيخ الأزهر , وكيف يعطيها الثبوت بذكره إياها وهي رواية ركيكة هزيلة , فالطفل يجيب السائل والشيخ يُأمن على إجابة الطفل !!!.
"أوحال التوحيد" !!!
إن أعظم مآثر ابن مشيش عند الصوفية وخاصة الشاذلية والدسوقية منهم هو ما يسمونه بالصلاة المشيشية وهو دعاء مشهور جدا وهو صلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم  إلا انه يقول فيها ألفاظا تخرج من العقيدة ففيها من وحدة الوجود ومن عقيدة الحقيقة المحمدية الكثير وهما عقيدتان باطلتان خارجتان عن عقيدة الإسلام والمسلمين .
ففي وحدة الوجود يقول " واحملني على سبيله إلى حضرتك حملًا محفوفًا بنصرتك واقذف بي على الباطل فأدمغه وزج في بحار الأحدية وانشلني من أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحر الوحدة حتى لا أرى ولا أسمع ولا أجد ولا أحس إلا بها " .
وفي هذا الجزء يقر بان الأحدية أو عين بحر الوحدة كما يسميها عقيدة تخالف عقيدة التوحيد الذي يعرفه المسلمون من عقيدتهم عقيدة التوحيد , بل يسمى التوحيد الذي يعرفه المسلمون بالشهادتين أوحالا.
ولم تكن هذه الشهادة عفوية من ابن مشيش , فغالب الصوفية بعد التحول العقدي في القرن السابع الهجري على اعتبار التوحيد الذي يعرفه المسلمون شركا بالله , فقيل لابن التلمساني الصوفي- وهو مغربي أيضا -  عندما قرىء عليه كتاب الفصوص لابن عربي: هذا كله يخالف القرآن الكريم , فقال: "القرآن كله شرك وإنما التوحيد قولنا " وهذا ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال : "حدثني الثقة عن الفاجر التلمساني أنه كان يقول: القرآن كله شرك ليس فيه توحيد وإنما التوحيد في كلامنا " [6] , وهذا الحلاج المصلوب لبعض تلاميذه : "ستر الله عنك ظاهر الشريعة وكشف لك حقيقة الكفر فإن ظاهر الشريعة كفر وحقيقة الكفر معرفة جلية، وإياك والتوحيد " [7].
فبرغم وضوح وجلاء عقيدة وحدة الوجود الضالة المنحرفة عن ملة الإسلام يقول شيخ الأزهر عن ابن مشيش " كان ابن مشيش متمسكًا بالكتاب والسنة عاملًا بها ملتزمًا لهما " [8] , فكيف كان تمسكه بالكتاب والسنة والتزامه بهما مع ما نقله عنه الشيخ ؟
الحقيقة المحمدية
يستفتح ابن مشيش نص صلاته قائلا: "اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم، فأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم، فلم يدركه منا سابق ولا لاحق"[9], "ولا شيء إلا وهو به منوط، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط...اللهم إنه سرك الجامع الدال عليك، وحجابك الأعظم القائم لك بين يديك[10]
وما يقوله فيها ومثله كثير هو عين عقيدة الحقيقة المحمدية التي يعنون بها ان نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم هو صورة الإله في الأرض , فيشرحها السلجماسي عن شيخه الدباغ فيقول: "فسمعته رضي الله عنه يقول في شرح قوله(اللهم صل على من منه انشقت الأسرار) أن الله تعالى لما أراد إخراج بركات الأرض وأسرارها مثل ما فيها من العيون والآبار والأنهار والأشجار والثمار والأزهار أرسل سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك ثلاث سبعينات من الألوف فنزلوا يطوفون في الأرض يذكرون اسم النبي صلى الله عليه وسلم ومرادنا بالاسم الاسم العالي ما يأتي في شرح "وتنزلت علوم آدم" ونوره صلى الله عليه وسلم مع الطوائف الثلاث فتكونت الكائنات ببركة ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم وحضوره بينها ومشاهدتها قربه -قال- وذكروه على الأرض فاستقرت وعلى السماوات فاستقلت وعلى مفاصل ذات ابن آدم فلانت وعلى مواضع عينيه ففتحت بالأنوار التي فيها فهذا معنى قوله منه انشقت الأسرار فببركته صلى الله عليه وسلم تكونت الكائنات ولولا نوره ما ظهر سر من أسرار الأرض فلولا هو ما تفجرت عين من العيون، ولا جرى نهر من الأنهار وإن نوره صلى الله عليه وسلم يا ولدي يفوح في شهر مارس ثلاث مرات على سائر الحبوب فيقع لها الإثمار ببركته ولولا نوره ما أثمرت "[11] ... إلى آخر تخاريفهم التي ليس لها آخر .
ويشرح الشاذلي – تلميذ ابن مشيش الأول - الحقيقة المحمدية فيقول : "حقيقة المتابعة(أي للنبي): رؤية المتبوع(أي النبي) عند كل شيء ومع كل شيء وفي كل شيء"  وقال : "وأما طريقة الخاصة من أمده الله بنور العقل الأصلي(الحقيقة المحمدية ويسميه الفلاسفة العقل الفعال) شهد موجودا لا حد له، واضمحلت جميع الكائنات فيه، وإذا اضمحل النور ذهبت الكائنات كلها وبقي هذا الموجود فتارة يفنى وتارة يبقى[12] .
فهل يمكن أن يقال أن ابن مشيش كان من احد رجالات الإسلام أو تقام حوله مثل هذه الهالة , فعقيدة وحدة الوجود وعقيدة الحقيقة المحمدية تهدمان كل فضيلة بعدهما .



[1] [1]- المطرب بمشاهير أولياء المغرب، عبد الله بن عبد القادر التليدي (950ھ)، دار الأمان للنشر والتوزيع، ودار البشائر الإسلامية، الرباط، ط 4/2003، ص ص:90-91. [7]- المطرب، ص:104.
[2] [8]- طبقات الشاذلية الكبرى، محمد بن القاسم الكوهن الفاسي المغربي (ت1247 ھ)، دار الكتب العلمية:لبنان ط2/2005، ص:60.
[3] طبقات الشاذلية الكبرى المسمى جامع الكرامات العلية في طبقات السادة الشاذلية - الحسن بن محمد بن قاسم الكوهن الفاسي المغربي ص: 59.
[4]  المصدر نفسه طبقات الشاذلية الكبرى
[5] أبو الحسن الشاذلي لعبد الحليم محمود، (ص:25)
[6] (مجموعة الرسائل1/185):
[7] ذكر الشيخ صالح المقبلي في كتابه العلم الشامخ/صـ569
[8] (أبو الحسن الشاذلي – شيخ عبد الحليم محمود ص21)
[9] الإلمام والأعلام، محمد زكري الفاسي (ت1144ھ)، تحقيق: هشام حيجر الحسني، دار الكتب العلمية، لبنان، ط:1/2010، ص ص:1/100-124.
[10] النفحة العلية في أوراد الشاذلية، (ص:16).
[11] "الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز الدباغ " للسلجماسي .
[12] الشعراني في الطبقات(2/12)

ليست هناك تعليقات