Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

مقال : الشاذلية وتحريف مفهوم العبادة

مقال : الشاذلية وتحريف مفهوم العبادة بقلم : يحيي البوليني  للعبادة عند الصوفية مفاهيم وتصورات تختلف عن العبادة في ال...



مقال : الشاذلية وتحريف مفهوم العبادة
بقلم : يحيي البوليني 




للعبادة عند الصوفية مفاهيم وتصورات تختلف عن العبادة في الإسلام , فحدود العبادات عندهم تتسع باختلاف كل طريقة , كما أن الذكر عبادة منضبطة بمعايير الشرع نجد أن لكل طائفة منهم أذكارا خاصة بهم ويرتبون لها مقادير من الجزاء لم ترد أوصافها ولا الجزاء عليها في الكتاب أو السنة , بل ولم تظهر عند أتباعها إلا بعد مرور قرون على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم  واختتام الرسالة بقول الله سبحانه " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا " .
ولكن الصوفية ابتدعوا لأنفسهم مفاهيم خاصة في العبادة ظنا منهم أنها تقربهم من الله سبحانه , فابتدعوا هيئات معينة لعبادات شتى مثل الصلاة والصيام والذكر , فاستحسنها شيوخهم وأمروا بها مريديهم والزموهم بها , واعتبروا أن لكل شيخ منهم وردا خاصا به يلزم به اتباعه , وعظمه في أعينهم لدرجة عظمى بحيث يعتبر احدهم أن تفريطه في كل شئ أهون عليه وعند الله – في زعمه – من تفريطه في ورد الشيخ .
وفي الشاذلية نموذجا حيث ذهب كثير من  الباحثين إلى أن الطريقة الشاذلية هي أكثر الطرق الصوفية انتشاراً، وأكثرها أتباعا [1]، يوجد لديهم تصور خاص للعبادة لم يتفق أبدا مع المفهوم الإسلامي لها .
فيذكر الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق في كتابه "المدرسة الشاذلية الحديثة" قاعدة عامة من قواعد الصوفية في العبادة وهي : "اعرف الله وكن كيف شئت"[2] .
وأصل هذه الجملة التي صارت قاعدة عامة عند الصوفية عامة والشاذلية خاصة ما جاء ما جاء في لطائف المنن أن كبير تلامذة أبي الحسن الشاذلي وخليفته من بعده أبو العباس الـمُرسي قال : "دخلت على الشيخ أبي الحسن وفي نفسي أنْ آكلَ الخَشِنَ وألبَسَ الخَشِنَ، فقال لي الشيخ: يا أبا العباس! اعرف الله وكن كيف شئت"[3].
فمع استبعاد هذا الزعم في هذه الرواية التي تزعم للشاذلي معرفة ما تخفي صدور العباد وهي خصيصة رب العباد حيث قال ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ نتوقف مع درسها الذي ورثه للصوفية من يومها حتى وقتنا هذا وهو عدم الالتزام بشعيرة دينية في العبادة وانه يكفي المرء ان يعرف ربه كعقيدة ثم يتعبد بالكيفية التي تروقه دون إلزام بشئ .
وظلت هذه الكلمة في الصوفية وخصوصا الشاذلية دينا متبعا لا يجرؤ احدهم إلا على تأويلها على وجه صحيح , فالشاذلي عندهم قطب الأقطاب الذي لا ترد له كلمه ولا يراجع له قول , فالشاذلي يقول عن نفسه فينا نسبه إليه تلامذته حين يسألونه عن شيوخه , فيقول "كنت أنتسب إلى الشيخ عبد السلام بن مشيش، وأنا الآن لا أنتسب لأحد، بل أعوم في عشرة أبحر: خمسة من الآدميين، النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وخمسة من الروحانيين، وجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والروح الأكبر"[4] , ولا يدري احد بالطبع من يقصد بالروح الأكبر إن لم يكن جبريل عليه السلام !!
ويفسر الصوفية قيد " اعرف ربك" بما يصفونه بحال الوصول إلى الله , فالشيخ عندهم إذا وصل إلى الله انخلع من قيد الشريعة – كما يزعمون – ويحاولون الاستدلال الخاطئ عليها بقول الله سبحانه "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ " فقالوا: "إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة " [5] , وبالتالي ظهر منهم كثيرون ارتكبوا المحرمات حتى الكبائر وتركوا أصول العبادات وأركان الإسلام , وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
وينقل الشيخ عبد الحليم محمود أيضا – ولا ندري كيف كان يمرر مثل هذا الخبث دون أن ينكر عليهم حتى ولو كان صوفيا شاذليا , فعقائد الإسلام أوضح من أن تلبس بهذا التلبيس , ففي كتاب " سيدي احمد الدردير"  ينقل الشيخ عبد الحليم محمود عن صوفي يدعى "أبو علي وفا " قوله :
وبعد الفنا بالله كن كيف ما تشا ** فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر " [6]
أي أن بعد مرحلة الوصول لليقين أو الفناء في الله لا تطلب علما فكل علم بعده جهل , مع أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم  بعدم ترك طلب العلم بقوله " وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا " , وجملة "فعلك لا وزر" : أي أن التكاليف قد سقطت عنك فلا وزر عليك , فكيف مررها الإمام الأكبر ؟ .
ويطول المقام جدا إذا نقلنا ما يذكره أصحاب السير جميعا حتى من مؤرخي الصوفية أنفسهم عن الفواحش التي ارتكبها من ينعتون أنفسهم بالأولياء من منكرات ودنايا خلقية لا يفعلها إلا المجرمون السفلة في الشوارع والطرقات , ورغم ذلك ظل الناس ينعتونهم بالأولياء ويعظمونهم أحياء ويقيمون القباب على مدافنهم التي صارت مزارات للتبرك بها .
أما العبادة في الإسلام فهي على عكس هذا التلاعب تماما , فالعبادات في الإسلام توقيفية , أي أنه لا يجوز التعبد لله تعالى بعبادة إلا إذا ثبتت في النصوص الشرعية "الكتاب والسنة" أنها عبادة شرعها الله تعالى , فلا عبادة إلا بدليل شرعي , فالدين قد اكتمل لقوله سبحانه : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" ؛ فقد أكمل الله تعالى لنا الدين ، وكل جديد لم يشرعه الله تعالى فليس من الدين , فكما دلى على ذلك الكتاب دلت السنة أيضا , فقد جاء عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" [7]
وقال شيخ الإسلام في الفتاوى عن توقيف العبادة : "فَباسْتِقْرَاءُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ نعلَم أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ أَوْ أَحَبهَا لَا يَثْبُتُ الْأَمْرُ بِهَا إلَّا بِالشَّرْعِ ، وَأَمَّا الْعَادَاتُ فَهِيَ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ فِي دُنْيَاهُمْ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْه ،. وَالْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الْحَظْرِ ، فَلَا يَحْظُرُ مِنْهُ إلَّا مَا حَظَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ هُما شَرَع اللَّهُ تَعَالَى ، وَالْعِبَادَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا ، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ كَيْفَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ ؟ وَمَا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الْعَادَاتِ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَيْفَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَحْظُورٌ ؟
وَلِهَذَا كَانَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ يقُولُون : إَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ ، فَلَا يُشْرَعُ مِنْهَا إلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِلَّا دَخَلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ " وَالْعَادَاتُ الْأَصْلُ فِيهَا الْعَفْوُ ، فَلَا يُحْظَرُ مِنْهَا إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَإِلَّا دَخَلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِه ِ: " قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا " . وَلِهَذَا ذَمَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَرَّعُوا مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ، وَحَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ"[8]  .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : "الأصل في العبادات الحظر والمنع ، فلا يجوز لأحد أن يتعبد لله بشيء لم يشرعه الله : إما في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومتى شك الإنسان في شيء من الأعمال هل هو عبادة أو لا فالأصل أنه ليس بعبادة حتى يقوم دليل على أنه عبادة" [9] .
فلا عبادة مخترعة ولا إسقاط تكليف ولا مجال لهذا المبدأ الذي وضعه وأقره الشاذلي وعمل به الصوفية " اعرف ربك وكن كيف شئت " فأسقطوا به الفرائض المأمورات وارتكبوا به المحرمات المنهيات .
وفي أمثال هؤلاء الصوفية قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعتهم والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام، فمن لم يؤمن بأن هذا رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين، ونحوهم من يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته، إما عموما أو خصوصا... ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله، وأن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم، وكل هذا ضلال وباطل، وإن كان لأصحابه زهد وعبادة " [10]
وقال الحافظ ابن حزم الظاهري: "ادّعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك، واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا بأننا نرى الله ونكلمه، وكلما قذف في نفوسنا فهو حق " [11]
إن هذه القاعدة التي وضعها الشاذلي للصوفية قاعدة ساقطة , فليس لنا مشيئة في الطاعات والعبادات , وليس لنا سوى الأمثال للأمر , فقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم  ولعموم الأمة " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " .


[1]  انظر: الصوفية في نظر الإسلام تأليف/ سميح عاطف ص548-549 ، والطريقة الشاذلية وأعلامها ص65 ، والفلاسفة الإسلاميون والصوفية د. عبد الفتاح فؤاد ص95 ط/ الأولى 1418هـ الناشر دار الدعوة -الإسكندرية، والطرق الصوفية وأثرها في نشر الإسلام د. حسين مؤنس ص22 ط/ الأولى 1320هـ الناشر مكتبة الثقافة الدينية بور سعيد مصر، والموسوعة الصوفية ص232 .
[2] "المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي " "ص 53". ط القاهرة.
[3] " لطائف المنن للعارف بالله ابن عطاء الله السكندرى" تحقيق الدكتور : عبد الحليم محمود - ص 291.
[4] " لطائف المنن لابن عطاء ص 146،الطبقات الكبرى للشعراني ج 2 ص 7،جامع كرامات الأولياء للنبهاني ج 2 ص 176، النفحة العلية في الأوراد الشاذلية جمع عبد القادر زكي ص 229.
[5] "اتحاف السادة " للزبيدي "8 / 278" المنقول من كتاب "نشأة الفلسفة الصوفية وتطورها " للدكتور عرفان عبد الحميد "ص 74". ط المكتب الإسلامي بيروت 1974 م.
[6] "كتاب سيدي أحمد الدردير " للدكتور عبد الحليم محمود "ص 95". ط دار الكتب الحديثة القاهرة.
[7] . رواه الطبراني في الكبير "1647" وصححه الألباني في الصحيحة "1803" .
[8] "مجموع الفتاوى" "29/16-17" .
[9] "فتاوى نور على الدرب" "169/1" .
[10] "مجموعة الرسائل والمسائل " لشيخ الإسلام ابن تيمية "ص 44، 45".
[11] "الفصل في الملل والأهواء والنحل " للحافظ ابن حزم "4 / 226".

ليست هناك تعليقات