أبو بكر الشبلي وحقيقة العقائد الصوفية بقلم يحيى البوليني ربما إذا تحدثنا عن ضلالات الكثير من المتصوفة وانحرافاتهم العقائد...
أبو بكر الشبلي وحقيقة العقائد الصوفية
بقلم يحيى البوليني
ربما إذا تحدثنا عن ضلالات الكثير من المتصوفة وانحرافاتهم العقائدية والفكرية والسلوكية وخاصة المتأخرين منهم , لقال أحدهم أننا نتحدث عن أغمار غير معروفين أو منتسبين زورا للصوفية , وأنهم بعيدون عن المتصوفة الحقيقيين العارفين بالله حق معرفته , ولكننا نورد في هذا المقال مواقف وكلمات وأحوال لمن لقب بلقب ما نازعه فيه غيره وهو لقب " تاج الصوفية " , مع ملاحظة أيضا انه لم يخلع عليه هذا اللقب تلامذته ولا من هم أقل منه مرتبة بل خلعه عليه من يلقب بـ "شيخ الطائفة " وهو أستاذه الجنيد , فيقول الجنيد " لكل قوم تاج , وتاج هذا القوم الشبلي " [1]
وهذا هو الوصف الذي جعله " الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود عنوانا لكتابه عنه الذي سماه " تاج الصوفية، أبو بكر الشبلي، حياته وآراؤه" وقدم لكتابه في المقدمة بوصف الشبلي بأنه : "الإمام أبو بكر الشبلي صورة جميلة لزاويتين هما من أهم زوايا التصوف - إن لم يكونا أهمها- : أولاهما حب الله تعالى، والثانية زاوية التوحيد". ويقدم له الكثير من الصوفية في كتبهم بوصفهم له بـ " الشيخ الكبير ، العارف الخطير ، ذو الفضل الجلي , المجتذب الولهان ، المستلب السكران ، الوارد العطشان ، اجتذب عن الكدور والأغيار ، واستلب إلى الحضر والأنوار ، وسقى بالدنان ، وارتهن ممتلئاً ريان ، أبو بكر الشهير بالشبلي" .
التعريف به
هو أبو بكر دلف بن حجدر، وقيل (جعفر) الشبلي، ولد سنة 247 هـ تقريبا، وهو خرساني الاصل بغدادي المولد والمنشأ , ويقال إن مولده في سامراء , كان واليا في دنباوند وهي ناحية من رسناق الري في الجبال ، صحب أبا القاسم الجنيد شيخ الطريقة الصوفية ومن في عصره , وهو أول من سمى التصوف بعلم الخِرَق وذلك في مقابل علم الورق (أي الفقه والعلم الظاهر)، وقد وردت في ذلك أبيات شعر منسوبة إليه ، ذكرها علي بن مهدي، حيث وقف في بغداد على حلقة الشبلي فنظر إليه فوجد معه محبرة فأنشأ الشبلي يقول:
تسربلتُ للحرب ثوب الغرق وهمتُ البلاد لوجد القلق
ففيك هتكت قناع الغـوى وعنك نطقتُ لدى من نطق
إذا خاطبوني بعلم الـورق برزت عليهم بعلم الخـرق
وكان من يتردد عليهم من المتصوفة من أمثال الجنيد , أحمد ابن عطاء الله الآدمي صاحب أوائل التفاسير الصوفية للقرآن الكريم , وأيضا كان من أشهر المقربين إلى الحلاج ومات بعده بوقت قليل , وكذا الخالدي وكان هؤلاء أقرب إلى الأصدقاء للشبلي من أن يكونوا معلمين أو مرشدين , ويبدوا أن الحلاج انفرد بتأثيره عليه من غيره .
ووردت كثير من عبارات المدح له والثناء عليه من أكابر الصوفية فقال الجنيد أيضا في حقه : لا تنظروا إلى أبي بكر الشبلي بالعين التي ينظر بعضكم إلى بعض فإنه عين من عيون الله , وقال عنه أيضا " ذاك الشارب رحيق المعرفة " .
البداية غلو في العبادة
على الرغم من نكير النبي صلى الله عليه وسلم على المغالين في العبادة ووصفهم بأنهم ليسوا منه كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسألون عن عبادة النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: أين نحن من النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبدًا. فجاء رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم -، فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقُد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) [2].
فبرغم تحذير النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الغلو في العبادة كان مسلك الكثير من المتصوفة وذلك في بداية تعبدهم , فيقول الطوسي ( أن الشبلي كان يكتحل بالملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم , وأحيانا كان يحمي الميل فيكتحل به ) [3]. , وكان يذكر عن نفسه فيقول : " كنت أريد أن لا أنام لئلا أغيب عن الذكر لحظة , فكنت أقعد على حجر ناتئ من جدران بيتنا من الحجر قدر ما أضع عليه قدمي , وتحتي واد , وفوقي شاهق حتى لا يأخذني النوم ) [4]
ويذكر فريد الدين العطار عن الشبلي أنه (كانت في يده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه وتناثر) " [5], كما يحكي عبد العزيز الدباغ عن صوفي أنه (رمى بنفسه في بداية مجاهدته من حلقة داره إلى أسفل تسعين مرة " [6]
وهذا من الغلو المذموم الذي لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله وهو أعرف الخلق بالله وأعلمهم به وأخشاهم واتقاهم له سبحانه , وهذا الغلو هو باب ومدخل لكل انحراف سيأتي بعده .
وكان لرؤوس الصوفية على خلاف كلامهم الظاهر الداعي إلى الزهد والتوكل والذكر كان لهم عقيدتهم الباطنية التي يخفونها عن العامة بل عن مريديهم ولكن مع بداية القرن الثالث الهجري ابتدأ المتصوفة بالتصريح بشيء من علومهم الباطنة فأنكر بعضهم على بعض، فهذا الجنيد يقول للشبلي : "نحن حبرنا هذا العلم تحبيراً، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ" فرد عليه الشبلي بقوله: "أنا أقول وأنا أسمع فهل في الدارين غيري" [7] , وكان قول الشبلي البدايات الحقيقية للقول بوحدة الوجود.
وهناك من الكلمات والمواقف الكثيرة جدا التي تؤكد فكرة وحدة الوجود عند الشبلي , فقال الشبلي لأبي عبد الله بن جابان بعد أن زاره، وأراد أن يخرج من عنده هو وبعض زملائه : "أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وفي كلاءتي", ويقول الطوسي شارحاً لذلك القول مؤكدا على فكرة وحدة الوجود وبان الشبلي يكلمهم بما يزعم من حلول الله فيه : (أراد بقوله ذلك: إن الله تعالى معكم حيث ما كنتم وهو يرعاكم.) [8].
وقد قال الشبلي ذات مرة : لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت إني مخدوع أو ممكور بي. وقال غيره: لا أقول: ولم أشعر بها؛ لأنه لا يتهيأ لها أن تدب إلا بقوتي وأنا محركها، فكيف أقول: لا أشعر بها وأنا محركها [9]
وهذا القول ما قاله ولا يقوله إلا الله سبحانه , فهو يماثل قوله عز وجل " وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" , فيرفع الشبلي نفسه فوق مقام النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره ربه بقوله : " وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ " تأكيدا لقوله سبحاه لنبيه " تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ " .
ومن دقيق كلماته التي غلفها بالغموض والتي تؤكد عقيدة وحدة الوجود عنده قوله ": " ما شم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد " [10] , لفظة التوحيد الأولى هي توحيد أهل الإسلام أما لفظة التوحيد الثانية وهي يقين العبد بان له ذات منفصلة عن ذات الله اي انه لا يقول بوحدة الوجود , فيكون معنى جملته أنه من لم يشهد بوحدة الوجود فليس في قلبه توحيد لله بحسب زعمه
ويؤكد ذلك ما حُكي عنه أنه أخذ من يد إنسان كسرة خبز فأكلها، ثم قال: إن نفسي هذه تطلب مني كسرة خبز، ولو التفت سري إلى العرش والكرسي لاحترق" [11]
و كان يزعم تارة أخرى حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه بما يشبه العقيدة الباطلة الهندوسية ؛ عقيدة تناسخ الأرواح , فيقول البيطار " ولما انجلى هذا المشهد لمريد الشبلي في صورة الشبلي، قال له أستاذه الشبلي رضي الله عنه: أتشهد أني محمد رسول الله؟ فقال: نعم [12]! "
الشبلي مع الحلاج
معلوم ان الحلاج مات مصلوبا بعد تكفيره من علماء عصره وانه تمت استتابته فمال رجع عن أقواله , لكنه مات مصلوبا بعد أن أذاع فكرة وحدة الوجود وعبر عنها بكل صراحة ووضوح , واختلف الشبلي عنه قليلا , فعبر عنها بشيء من التعمية واللف والدوران , فقال الشبلي : " كنت والحسين بن منصور شيئًا واحدًا إلا أنه أظهر وكتمت " [13]
وعندما أحضر الحلاج للقتل والصلب جمعت المتصوفة، وأرغموا على النيل من الحلاج وسبه، وكان ممن أحضروا لذلك الشبلي، وضعوا المنديل في رقبته، وسحبوه إلى الحسين بن منصور الحلاج ليلعنه فتأبى من ذلك، فأمره الجند بأن يذهب بنفسه أو يرسل من يلعن الحلاج، فأرسل امرأة متصوفة، وأمرها أن تقول للحلاج: إن الله قد ائتمنك على سر من أسراره فأذعته؛ فأذاقك طعم الحديد!! [14]
وهذه الروايات كلها تؤكد على أن أفراد الطائفة في القرن الثالث الهجري كانوا كلهم على علم باطني واحد لكنهم تفاوتوا في إظهاره وإعلانه .
من أقواله ومواقفه
ومن المواقف الغريبة في حياته أيضا تخليه عن السنة النبوية المطهرة بدعاوى وأسباب لم يعهدها المسلمون من السلف الصالح , فقال أبو نعيم الأصفهاني وكذلك العطار : "سمعت أبا نصر يقول : سمعت أحمد بن محمد النهاوندي يقول : مات للشبلي ابن كان اسمه غالبا ، فجزت أمه شعرها عليه ، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع ، فقيل له : يا أستاذ ما حملك على هذا ? فقال : جزت هذه شعرها على مفقود ، فكيف لا أحلق لحيتي أنا على موجود" [15]
ومن التجاوز أيضا ما ذكروه عنه من عدم سؤال الله الرحمة والمغفرة , فينقل عن الشبلي أنه سئل: ألا تعلم أن الله رحمن؟ قال: بلى ولكن منذ عرفتُ أنه رحمن ما سألتُه أن يرحمني [16] , وهو مخالف لأمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في اكثر من موضع في كتابه " وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ " .
ومن تجاوزه أيضا تمسكه على الذكر المبتدع باللفظ المفرد " الله" ورفض ذكر الله بلفظ التوحيد " لا إله إلا الله " بدعاوى ومبررات واهية , فحكوا عن الشبلي أنه قيل له : " لم تقول " الله "؟ ولا تقول " لا إله إلا الله "؟ فقال: أستحي أن أوجّه إثباتاً بعد نفي , وأخشى أن أؤخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار " [17].
فهذا من التجاوز لمقام النبوة حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بقول لا إله إلا الله ويحث عليها وفي الصحيحين عنه أنه كان يقول في دبر كل صلاة لا إله إلا الله وحده لا شريك له وكان يقول إذا قام لصلاة الليل لا إله إلا أنت وذكر في كثير من أحاديثه الثواب العظيم لمن يقول لا إله إلا الله .
ومن الأقوال التي يبدو منها استهانة بما جعله الله مخوفا لعباده قوله عن جهنم التي أعدها الله لمن عصاه فقال : " لو خطر ببالي أن الجحيم نيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشركاً , وقال: أيش أعمل بلظى وسقر؟ عندي أن لظى وسقر فيها تسكن يعني في القطيعة والإعراض - لأنه من عذبه الله بالقطيعة فهو أشد عذاباً ممن عذبه بلظى وسقر. , وعندما سمع قارئاً يقرأ هذه الآية: (قال اخسئوا فيها ولا تكلمون) سورة المؤمنون: 108.)، فقال الشبلي: ليتني كنت واحداً منهم , وقال: إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفؤها فصعب ذلك على جماعة ممن كان يسمع ذلك.[18]
وهذا مناف لأوامر الله في كتابه التي تدعونا لسؤاله سبحانه الجنة والتعوذ من النار ومناف أيضا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان من دعائه سؤال الله الجنة والتعوذ من النار بل ومناف لامره لافضل الخلق بعده وهم صحابته بان يتعوذوا من النار , فكما روى زي بن ثابت رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " ... ثُمَّ قَالَ لَنَا: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ»، فَقُلْنَا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، ..الحديث " [19]
وعندما أكثر الشبلي من غرائب المواقف فكان يكثر من تمزيق ملابسه وحلق لحيته اعتبره الكثيرون مجنونا وادخل الماريستان مرتين , ولكون للفظ الجنون عند الصوفية معنى حميد وهو الفناء في الله سبحانه كما يدعون فلا ينكر الشبلي نسبة الجنون لنفسه فقال صاحب حلية الأولياء "سمعت أبا نصر النيسابوري يقول : سمعت أبا علي أحمد بن محمد يقول : سمعت الشبلي يقول : قوم أصحاء جئتم إلى مجنون ، أي فائدة لكم في ? أدخلت المارستان كذا وكذا مرة ، وأسقيت من الدواء كذا وكذا دواء ، فلم أزدد إلا جنوناً" [20]
وربما كانت كثير من تصرفاته تدعم هذا القول : (ولما حبس الشبلي في المارستات دخل عليه جماعة فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أحباؤك جاءوا زائرين، فأخذ يرميهم بالحجر فشردوا منه، فقال لهم: يا كذا بين لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي " [21]
لكن هذا اللفظ وهذا الوصف لم يرضه ربنا لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى " فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ " وقال أيضا " مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ " , فلم يكن وصف الجنون أي معنى حميد بل كان في كل الأزمان التهمة التي يرمون بها الأنبياء ليصدوا الناس عنهم " كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ " .
وفي خواتيم حياته أيضا وعندما اصيب بمرض ظن القريبون منه وفاته ولم تكن حانت ساعته صدرت منه معان وأقوال غريبة لم تأت على لسان احد من الناس ولا صدرت حتى من النبي صلى الله عليه وسلم , فيقول أبو الحسن المالكي بطرسوس: إعتل الشبلي علة شديدة فأرجفوا بموته فبادرنا إلى داره فاتفق عنده ابن عطاء وجعفر الخلدي وجماعة من كبار أصحاب الجنيد ، قال : فرفع رأسه فقال لهم : مالكم ، أيش القصة ? قال : فقلت وكنت أجرأهم عليه - : مالنا، جئنا إلى جنازتك ، فاستوى جالسا فقال : الجوار الجوار ، أموات جاءوا إلى جنازة حي ، ثم قال لهم : ويحكم : أحسب أني قد مت فيكم من يقدر أن يحمل هيكلي" .
وهذا أيضا عجيب فكل الأنبياء بما فيهم سيدهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم ماتوا ودفنوا وحملت هياكلهم .
ولا شك أن عقيدة وحدة الوجود كما كل العقائد الضالة المنحرغة لا تصل بالإنسان إلى الراحة , فالراحة والطمأنينة مقترنة بالعقيدة الصافية التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم , فبالعقيدة الاتحادية والحلولية وبوحدة الوجود يعتقد الإنسان أن الله حل فيه وأنه هو الله , فعندها لمن يقدم عبادته وهو لا يرى نفسه بل يرى خالقه متجسدا فيه , وبالتالي يقع المرء في حيرة ما بعدها حيرة , ويعبر عنها الشبلي بقوله : ( يا ويلاه , إن صليت جحدت , وإن لم أصلّ كفرت ) [22] , فلا خروج منها الا بالخروج من هذه الفكرة الضالة المنحرفة لكي يعود العبد عبدا ويكون فيها الرب ربا فلا حلول ولا اتحاد ولا وحدة وجود ولاشئ من هذه الضلالات المنحرفة .
وتبع هذه العقائد الضالة وبعد إسقاط التكاليف وإباحة المحرمات شيوع الفاحشة في كثير من ارباب الصوفية وخاصة في اللواط وغالبيته مع الغلام الامرد ومع البهيمة , فهذا القشيري - وهو يعتبر بخاري الطائفة - يقول: ومن أصعب الآفات في هذا الطريقة، صحبة الأحداث[23] , ويروي الشعراني عن الشبلي أنه رأى إبليس فناداه فقال له إبليس: ليس لي بكم حاجة قد فرغت منكم، ثم قال غير إن لي فيكم لطيفة، قال ما هي؟ قال صحبة الأحداث. قال الشبلي: وهذا الشيء لا يكاد يسلم منه أحد من الصوفية " [24] , وصحبة الأحداث هي معاشرة الصبيان والمردان التي وضعوا لها أحاديث منها ( النظر إلى وجه الأمرد عبادة )
ومن أسوأ ما قيل ما ذكره الشعراني في طبقاته : " بلغنا عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه دخل يوماً خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها حمارة، فراوده الشيطان عليها، فلما أحس الشبلي رضي الله عنه ذلك، رفع صوته وصاح: يا مسلمون يا مسلمون، الحقوني وأخرجوا عني هذه الحمارة، فإني أعرف ضعف نفسي عن سلوك طريق الصيانة "[25]
هذا ولا نعلم عن الشبلي سوى ما ذكر في حقه وما نقلناه من كتب الصوفية أنفسهم , فإن صح اعتذارهم بأن كثيرا من هذه الأقوال والمواقف مدسوس عليهم فلينقوا كتبهم ولتبرؤوا من هذه الكلمات والمعاني ويحذفوها من الطبعات الجديدة منبهين على تخلصهم منها ويعلنوا كفرهم بهذه الضلالات , وإن صح ما قيل وما ذكر في الكتب عن تاج الصوفية ودرتها " الشبلي " فلا خير في الصوفية ولا في تاجها .
[1] نفحات الأنس للجامي ص 180.
[2] اهـ. واللفظ للبخاري
[3] اللمع للطوسي ص 275 , الرسالة القشيرية ص 160 , تذكرة الأولياء للعطار ص 305 , مكاشفة القلوب للغزالي ص30 , الأنوار القسية للشعراني ص 54 , الطبقات الكبرى للشعراني ج1 ص 103 .
[4] رسالة ترتيب السلوك من الرسائل القشيرية لعبد الكريم القشيري المتوفى 465 هـ ص 78 ط باكستان
[5] تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار ص 305 ط باكستان , أيضا طبقات الشعراني ج1 ص 88.
[6] انظر ((الإبريز)) للدباغ (ص105).
[7] (التعرف على مذهب التصوف ص145).
[8] اللمع، (ص:478).
[9] الإنسان الكامل: (1/122).
[10] [الرسالة القشيرية (2/587)].
[11] اللمع، (ص:479).
[12] النفحات الأقدسية، (ص:341).
[13] الحلاج لطه عبد الباقي سرور
[14] الفكر الصوفي، (ص:62).
[15] حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني ج 10 ص 370 , أيضاً تذكرة الأولياء للعطار ص 282.
[16] الرسالة القشيرية 100 .
[17] كتاب: ((شطحات الصوفية)) (ص 28 - 32) نقلاً عن ((اللمع السرَاج)) (ص 380 - 394)
[18] شطحات الصوفية ص 28 - 32 نقلاً عن اللمع السرَاج ص 380 - 394،
[19] رواه الإمام احمد 35/514
[20] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ,: أبو نعيم الأصبهاني 10/368
[21] كنوز السعادة الأبدية ص: (171- 173).
[22] كشف المحجوب للهجويري ترجمة عربية ص 262 .
[23] الرسالة القشيرية -ص184
[24] طبقات الشعراني -ص104.
[25] طبقات الشعراني: (2/89، وما بعدها)، وجامع النبهاني: (1/261، وما بعدها).

ليست هناك تعليقات