Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

الحسين بن منصور الحلاج جامع الأفكار الضالة والمنحرفة

 الحسين بن منصور الحلاج جامع الأفكار الضالة والمنحرفة بقلم يحيى البوليني  حظيت شخصية  الحسين  بن  منصور الحلاج باهتمام كبير ...


 الحسين بن منصور الحلاج جامع الأفكار الضالة والمنحرفة

بقلم يحيى البوليني 




حظيت شخصية  الحسين بن منصور الحلاج باهتمام كبير من العلمانيين في بلادنا المسلمة , واعتبروه شهيدا من شهداء الفكر واعتبروا صلبه دليلا على الانغلاق الفكري عند المسلمين الذين يسمونهم بالمتعنتين والمتحجرين الذين لا يقبلوا الرأي الآخر , ونالت شخصية الحلاج اهتماما كبيرا من الصوفية باعتباره احد أقطابها واحد كبار الأولياء أصحاب الكرامات والمقامات .

فيقول صلاح عبد الصبور في مسرحيته الشعرية " مأساة الحلاج " : من كوّتين مضاءتَيْن بنبراسَيْن أتى جوابٌ مضيء، وجواب مشحون بالقهر يصرّ على قبول الحياة ما دامت وسيلة لرفع الظلم ونصرة الضعفاء. لقد كان الحلاّج صوفياً وشهيداً ممتلئاً بالحالتَيْن.

 كان قلبه مصباحاً دُرّياً أحرق "الدلق" وخرقة الصوف لأن بدايته المشرقة أوصلته إلى نهايته المحرقة، والحريق هنا هو الحالتان معاً: فناء العاشق في المعشوق، والموت تحت راية نظيفة دفاعاً عن المظلومين الذين لم يكتشفوا ظلمهم إلاّ على ضوء جراحه , فكان في الحلاّج "الوليّ" ولينين معاً " .

أما كبار الصوفية مثل أبي العباس بن عطاء البغدادي ، ومحمد بن خفيف الشيرازي ، وإبراهيم بن محمد النصر أباذي فكانوا يقولون في حقه : الحسين بن منصور عالم رباني , وقال إبراهيم ابن محمد النصر أباذي : إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج!! .

وينسب لعبد القادر الجيلاني هذا القول:  "  الحلاج قطع طريق العشق و أخذ جوهرة سرّ المحبة ، و أودعها في أخفى مكامن خزانة قلبه .. مشيرا لحاله .. فلما قابل بصر بصيرته شعاع نور جمالها ، عمي عن النظر إلى الموجودات ، فظنّ خلو المكان من الأعيان ، فاعترف بالأخذ .. فاستحق قطع اليد و القتل ! و حياتك من ملك تلك الجوهرة لا يقنع إلاّ بأوفى درجات المحبة ، و هي : الفناء "

ولكن هذه الشخصية وصفها علماء أهل السنة بالزندقة والكفر ولهذا قتل مصلوبا لكفره ولنشره الفساد في الأرض .

التعريف به


هو الحسين بن منصور بن محمي الحلاج البيضاوي البغدادي، أصله فارسي وجدهُ زاردشتي ، ولد بفارس سنة 244هـ ونشأ بواسط في العراق ، صوفي متكلم وله اتصال بالقرامطة له شطحات كثيرة صحب جماعة من المشايخ الصوفية كالجنيد بن محمد وعمرو بن عثمان المكي وأبي الحسين النوري , وزكاه كثير من الصوفية وعلى رأسهم الغزالي في (إحيائه)، والقشيري في (رسالته)، والجيلاني في (فتحه وفتوحه)، وابن عربي في كثير من كتبه , ومات قتلاً على الزندقة في بغداد سنة (309هـ).

الحلاج والحلول


لم يعرف الإسلام فكرة الحلول حتى ادخلها الحلاج فيه , ويقصد به أن الله تعالى – حاش لله - يحل في بعض الأجساد الخاصة وهو صلة بين الرب والعبد جاعلين من ضلال فكرة اللاهوت والناسوت النصرانية صورة إسلامية , فكان أول من أعلنه من الصوفية الحسين بن منصور الحلاج , فعبر عن ذلك في أبياته الشعرية التي يقرر فيها أن الله تعالى حل في كل شيء، وأنه لا فارق بين الخالق والمخلوق في أبياته الشعرية مثل :

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته ... وإذا أبصرته أبصرتني [1]

وكقوله :

مزجت روحك في روحي كما ... تمزج الخمرة في الماء الزلال

فإذا مسك شيء مسني ... فإذا أنت أنا في كل حال [2]

وبنطقه بكلمة الكفر وتبريره لها بمعان فلسفية يدعي اسلاميتها ويلبس على الجهلاء بها فيقول :

كفرت بدين الله والكفر واجب ... لدي وعند المسلمين قبيح [3]

وفي أقواله الضالة أيضا مثل قوله :  "أنا الحق وما في الجبة سوى الله" [4] وقوله – عياذا بالله -  " سبحاني ما أعظم شأني "

وفي مواقفه الكثيرة التي ليس لها أي مدلول سوى كفره وزندقته

فضبط بعض الجنود رسالة صادرة منه إلى شخص وإذا  بهم يجدونها مفتتحة بهذا اللفظ  «من الرحمن الرحيم إلى فلان». فقالوا له: كنت تدعي النبوة فأصبحت تدعي الألوهية؟ قال: لا ولكن هذا عين الجمع عندنا، هل الكاتب إلا الله تعالى واليد فيه آلة» [5].

وكتب رسالة أخرى إلى أحد خواص أصحابه قال له فيها: «ستر الله عنك ظاهر الشريعة وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي وحقيقة الكفر معرفة جلية» [6]

وكان الحلاج يتهكم على القرآن ويقول عنه: «بإمكاني أن أؤلف مثله» [7] .

وكان يتلاعب أيضا بالعبادات ويشرع لاتباعه شرعا جديدا مخالفا لشرائع الإسلام  فكان يفتي أتباعه بفتاوى تهدم الدين , فأفتى أحد أتباعه أنه إذا أراد الحج ولم يتمكن فليعمد إلى غرفة من بيته فيطهرها ويطيبها ويطوف بها فيكون كمن حج البيت. قال ابن كثير معقبا على فتوى الحلاج: «وكان يقول لأتباعه: من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات أجزأه ذلك عن صوم رمضان» [8] .

كما أعفى من تصدق بأمواله في يوم واحد من الزكاة وأعفى كذلك من الصلاة من صلى ركعتين من أول الليل إلى آخره ، فإن ذلك في نظره يغنيه عن الصلاة طول حياته، وأعفى من الزكاة من تصدق بجميع ما يمتلكه في يوم واحد، كما أعفى من العبادة من زار قبور الشهداء بمقابر قريش، وأقام بها عشرة أيام يقضيها في الصلاة والصوم مع إفطار على قليل من خبز الشعير والملح " [9]. 

واستقى الحلاج هذه الفكرة الخبيثة فكرة الحلول والاتحاد من العقائد الباطلة والفرق الضالة كالنصارى الذين قالوا بالحلول في عيسى عليه السلام ، وكقول بعض غلاة الشيعة كالخطابية الذين اعتقدوا أن الله عز وجل قد حل في جعفر الصادق، والسبئية الذين قالوا بحلول الله في عليّ ، وعلى منواله قول النصيرية فيه، وقول الدروز بحلوله عز وجل في شخص الحاكم .

التلاعب بالعقول عن طريق السحر


لم يصل الحلاج إلى ما وصل إليه من هذه الفتنة الا بتعلمه فنون السحر والحيل , فكان يعمد إلى فعل بعض الأمور الغريبة على الناس ليفتنهم بها سواء بالسحر أو بصنعها والاتفاق عليها أو تجهيزها مسبقا .

فينقل الذهبي عن  أبي القاسم التنوخي قال : من مخاريق الحلاج : أنه كان إذا أراد سفرا ومعه من يتنمس عليه ويهوسه , قدم قبل ذلك من أصحابه الذين يكشف لهم الأمر , ثم يمضي إلى الصحراء , فيدفن فيها كعكا , وسكرا , وسويقا , وفاكهة يابسة , ويعلم على مواضعها بحجر , فإذا خرج القوم وتعبوا قال أصحابه : نريد الساعة كذا وكذا. 
فينفرد ويُري أنه يدعو , ثم يجيء إلى الموضع فيخرج الدفين المطلوب منه. أخبرني بذلك الجم الغفير , وأخبروني قالوا : ربما خرج إلى بساتين البلد , فيقدم من يدفن الفالوذج الحار في الرقاق , والسمك السخن في الرقاق , فإذا خرج طلب منه الرجل -في الحال- الذي دفنه , فيخرجه هو " [10] , وفي السير حوادث كثيرة جمعها الذهبي عن حيل الحلاج وتعلمه السحر لفتنة الناس منها ما تعلق باتيانه لهم بالأطعمة والأشربة في غير حينها , ويأتيهم بدراهم يمنحها لهم ويسميها بدراهم القدرة.

زندقة وكفر يشهد بهما على نفسه :


إن المتأمل لسيرة هذا الرجل ولمواقفه ولكلماته لا يمكن أن يجد له سوى كلمات الكفر والزندقة , ولا ندري بأي حكم يحكم من يضعونه في طائفة الموحدين لله سبحانه , فيذكر الإمام الذهبي على لسان جندب بن زاذان وهو تلميذ الحلاج ، قال: كتب الحسين (أي الحلاج) إليّ  : " بسم الله المتجلي عن كل شيء لمن يشاء، والسلام عليك يا ولدي، ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر، وحقيقة الكفر معرفة جلية، وإني أوصيك أن لا تغتر بالله، ولا تيئس منه، ولا ترغب في محبته ولا ترضى أن تكون غير محب، ولا تقل بإثباته ولا تمل إلى نفيه وإياك والتوحيد، والسلام".

وعلى الرغم من قول الله سبحانه عن إبليس اللعين " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ " إلا أن الحلاج يعتبره أكبر الموحدين وأنه لا مثيل له في السماء وينعته باستاذه , فقال في كتابه الطواسين: " وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغير عليه العين، وهجر الألحاظ في السير وعبد المعبود على التجريد، ولعن حين وصل إلى التفريد وطُلب حين طلب بالمزيد .
ولما أمره الله بالسجود أبى وقال له: " أنا الذي عرفتك في الأزل (أنا خير منه)، لأن لي قدمة في الخدمة، وليس في الكونين أعرف مني بك، ولي فيك إرادة، ولك في إرادة، إرادتك في سابقة إن سجدت لغيرك، فإن لم أسجد فلا بد لي من الرجوع إلى الأصل، لأنك خلقتني من النار، والنار ترجع إلى النار... إن عذبتني بنار أبد الأبد، ما سجدت لأحد، ولا أذلُ لشخص وجسد، ضدا ولا ولدا، دعواي دعوى الصادقين، وأنا في الحب من الصادقين " .

ويحكي عن نفسه ليضع نفسه في مناظرة مع إبليس وفرعون - الذي يعتبره أيضا من اعيان وخواص الموحدين – فيقول : " تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوة، فقال إبليس: إن سجدت سقط عني اسم الفتوة، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة. وقلت أنا: إن رجعت عن دعواي وقولي، سقطت من بساط الفتوة. وقال إبليس: ( أنا خير منه)، حين لم ير غيره غيرا، وقال فرعون: ( ما علمت لكم من إله غيري)، حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل.

فصاحباي وأستاذاي: إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم، وما رجع عن دعواه ولم يقر بالوساطة البتة، ولكن قال: ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، ألم تر أن الله قد عارض جبريل بشأنه، وقال: لماذا ملأت فمه رملا!!! وإن قتلت أو صلبت، أو قطعت يداي ورجلاي لما رجعت عن دعواي (أي قوله : أنا الحق) " ونعوذ بالله من هذا الكفر البين .

صوفية ظاهرة وتشيع مستتر


على الرغم من القول بالحلول والاتحاد وهو عين الزندقة الا ان الحلاج قد جمع كل المساوئ , فذكر العلماء عنه أنه كان داعية من دعاة االتشيع وأنه كان يمهد الأرض للدولة العبيدية ولدولة القرامطة الشيعيتين كما كان داعية للشيعة الإسماعيلية أيضا في جمع غريب مضاد لكل ما هو مسلم سنى يسير بكتاب الله وبسنه نبيه صلى الله عليه وسلم  .

فيذكر القاضي التنوخي أن الحلاج أرسل إلى بعض دعاته يقول: "وقد آن الآن أذانك للدول الغراء الفاطمية الزهراء المحفوفة بأهل الأرض والسماء وأذن للفئة الظاهرة وقوة ضعفها في الخروج إلى خراسان ليكشف الحق قناعه ويبسط العدل باعه" [11] .

"ويذكر الخطيب البغدادي وابن كثير أن أهل فارس كانوا يكاتبون الحلاج بأبي عبدالله الزاهد .. هذه الكنية أطلقت على الداعية الإسماعيلي المشهور أبي عبدالله الشيعي الذي ساعد على قيام دولة العبيديين قبل تحولها إلى مصر , فكأن الإسماعيليين كانوا يعتمدون على داعيتين يحملان كنية واحدة أحدهما بالمشرق وهو الحلاج، والآخر بالمغرب وهو أبو عبدالله الشيعي الذي يروي الإسماعيلية أنفسهم سبق صوفيته على إسماعيليته " [12]

وأما علاقته بالاثني عشرية فيؤكدها ما رواه الطوسي من أن الحلاج صار إلى قم البلد الشيعي القديم، وكانت قرابة أبو الحسن النوبختي الشيعي تستدعيه فيقول: "أنا رسول الإمام ووكيله" [13] .

أقوال علماء الإسلام فيه


سئل شيخ الإسلام  : ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج، ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلما كما قتل الأنبياء؟ ويقول: الحلاج من أولياء الله فماذا يجب عليه بهذا الكلام، وهل قتل بسيف الشريعة؟ فأجاب: الحمد لله. من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله! وقوله: إله في السماء ! " [14]

وقال ابن كثير: " قلت: لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره. فأما الفقهاء فحكي عن غير واحد من العلماء والائمة إجماعهم على قتله، وأنه قتل كافرا، وكان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا، وبهذا قال أكثر الصوفية أيضا فيه " [15]

فإذا كان هذا الزنديق رأسا من رؤوس الصوفية وعنه تدافع الشيعة وبسيرته يستمسك العلمانيون معتبرينه شهيد الكلمة والموقف ويثنون عليه كثيرا , فهنا نؤكد ان الملة واحدة وأن عدوهم واحد وهو الإسلام والمسلمون .

===== 
[1]  "عوارف المعارف" (ص 353)

[2] "البداية والنهاية" (11/ 134) "تاريخ بغداد" (8/ 115).

[3] "الأنوار القدسية" (134) "الحدائق الوردية" (134)

[4] (جمهرة الأولياء" لمحمود أبي الفيض المنوفي الحسيني (1/ 266، 267).

[5] "تلبيس إبليس" 171 - 172 "البداية والنهاية" 11/ 138.

[6] "أخبار الحلاج" (35).

[7] "تلبيس إبليس" 171 و "الرسالة القشيرية" 151 والمنتظم لابن الجوزي 6/ 162 وتاريخ بغداد 8/ 121.

[8] الطبقات الكبرى للشعراني 1/ 16 - 17 "تلبيس إبليس" 371 "البداية والنهاية" 11/ 140.

[9] تاريخ الإسلام د. حسن إبراهيم حسن

[10] سير إعلام النبلاء الطبقة السابعة عشرة : الحلاج

[11] الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق - ص 404 – 406

[12] الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة. الصفحة 13

[13] (الصلة بين التصوف والتشيع ص368).

[14] مجموع الفتاوى-(2/480)..

[15] البداية والنهاية " ص 158 - 159 / 11 ، طبعة دار المعرفة "

ليست هناك تعليقات