هل لا زالت الفصحى لغة المثقفين العرب ؟ بقلم يحيي البوليني يبلغ بنا العجب منتهاه إذا علمنا أن الشاعر المصري حافظ إبراهيم ا...
هل لا زالت الفصحى لغة المثقفين العرب ؟
بقلم يحيي البوليني
يبلغ بنا العجب منتهاه إذا علمنا أن الشاعر المصري حافظ إبراهيم المتوفَّى عام 1932 قد كتب قصيدة جاء عنوانها "اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها" , فكيف به وباللغة العربية إن كان حافظ حيا الآن وهو يرى ما وصلت إليه العربية الفصحى من اضمحلال وضمور على ألسنة الناس
وما يزيد الشكاية حسرة وألما أن يأتي هذا الضعف والاضمحلال والضمور على ألسنة كثير من المثقفين والكتاب والأدباء والشعراء الذين يقودون الساحات الفكرية والأدبية , وعلى ألسنة المسئولين الرسميين الممثلين لدول عربية , وعلى ألسنة الكثير ممن يتبوءون أعلى المناصب التي تهتم بصياغة اللغة والتي لا يمكن أن تخرج الكلمات من ألسنتهم إلا وهي منضبطة تماما مثل العاملين في السلك القضائي كمحامين وقضاة , وقد كانوا هم من أكثر الجماعات فصاحة واهتماما باللغة العربية فصيحة .
وجاءت ثورة الاتصالات الحالية مثل مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات والغرف الحوارية وما صاحبها من وجود مجالات نقاشية جديدة ومتسعة بين المثقفين المشاهير معا وبينهم وبين غير المشاهير من المثقفين والعوام ليكتشف الكثيرون أن هناك ضحالة لغة عند كثير ممن ينعتون بالمثقفين والأدباء والشعراء والكتاب .
فكان مريرا على كل محب للغة العربية معتن بهوية هذه الأمة أن يرى كثرة الأخطاء النحوية والإملائية على مواقع التواصل من غالب هؤلاء المثقفين , والأشد مرارة أن لا ينتبه احد للخطأ النحوي أو الإملائي أو ربما ينتبه قلة فلا يرون ضرورة ولا أهمية لتصحيحه استقلالا منهم واحتقارا لشأن اللغة أو خشية اتهامهم بالسطحية أو التخلف والجهل وبالتالي كشفت تلك المواقع التفاعلية عوار المثقفين .
ويرجع "د.خالد بن عايش الحافي" -رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب في جامعة الملك سعود- أسباب انتشار الأخطاء الإملائية لسببين، منها ما يعود على الكاتب نفسه، ومنها ما يعود على المجتمع، فمنها ما يعود على الكاتب، فيتمثل في أمور من أهمها ضعف مستواه، وضحالة ثقافته اللغوية، وهؤلاء الخطأ في الكتابة ملازمٌ لهم، إضافة إلى الكتابة باللهجات العامية، كما أنّ كثيراً ممن يرتادون مواقع التواصل الاجتماعي بعيدون عن اللغة العربية دراسة أو عملاً، مبيناً أنّ المجتمع لا يُعنى بالكتابة الصحيحة؛ بمعنى أنّه لا يضيره إن كان المكتوب متوافقاً مع قواعد اللغة أم لا، كما أنّ كثيراً من المؤسسات الصحفية والإعلانية لا تُعنى باختيار الأكفاء في مجال التدقيق اللغوي؛ فينتج عن هذا وجود أخطاء إملائية وأسلوبية في بعض الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الإعلام، كما أنّ ثقافة المجتمع تُعلي من قيمة اللغات الأخرى على حساب اللغة العربية.
ويوضح "أ.د.صالح زيّاد" - أستاذ النقد الأدبي الحديث بكلية الآداب في جامعة الملك سعود - أنّ هناك فرقا بين أخطاء الإملاء؛ فهناك أخطاء تقع من كبار المثقفين وحملة الأقلام، وأخطاء تقع من عامة الناس، وهناك فرق بين أخطاء إملائية في كتابة علمية أو أدبية وكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي وغرف المحادثة، مضيفاً "يبدو لي أنّ الدلالة الخطيرة للمشكلة تكمن في جهة المثقفين والكتابة الفصيحة لأغراض علمية أو أدبية؛ وذلك لأنّها أمعن في التأشير على الجهل وخلل التعليم وضآلة الاحترام للقارئ والازدراء للغة"[1]
وليس الأمر كما يعتقد كثيرون انه مجرد خطأ أو زلة لسان , فهل يعقل أن يخطئ رئيس مجلس القضاء الأعلى وهو أعلى سلطة قضائية في بلاده العربية المسلمة في قراءة كلمة مكتوبة عدة أخطاء جسيمة حتى في قراءته للقران الكريم في آية " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" ، فيقول بدلا من ذلك "وسيعلم الذي"، كما يتلو آية "ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا" بفتح التاء في "تُزغ"، مما قلب المعنى رأسا على عقب , والأدهى من ذلك أنه اعتبر الآيات القرآنية أحاديثَ نبوية فاختتمها بقوله "صدق رسول صلى الله العظيم" !! , بينما يخطئ مستشار آخر في قراءته لبيان معد سلفا ولابد أنه روجع أكثر من مرة فيخطئ فيها أكثر من سبعين خطأ لغويا ؟ وثالث يحرف الآية القرآنية "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"، إلى "ولكم في الحياة قصاص" !! .
ان تزايد هذه الأخطاء اللغوية في مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات ورسائل الجوال أنشأت جيلا لم يعد قادراً على كتابة صحيحة ونحوية للغته أو يمكنه التعبير عنها بجملة مفيدة , ولا يوجد من بينهم إلا من رحم الله – من يهتم حتى بوقوعه في الخطأ فضلا عن أن يفكّر في البحث والتعلّم من جديد
إن إهمال اللغة العربية لم يأت من فراغ , فالتوجه الحداثى الذي بدأ في مرحلة الستينيات الذي دعا إلى تخفيف اللغة من أعبائها وشروطها ليشجع الكتابة باللهجات العامية بشكل أوسع في الصحف والمجلات ويشجع الأعمال الأدبية باللهجات المحلية أيضا كان السبب الرئيس في إهمال اللغة العربية واضمحلالها بين المثقفين نظرا لاقتصار المجلات العلمية والأدبية والثقافية والصحف على استخدام الفصحى في الأخبار والآراء والتعليقات من أصحاب الأعمدة اليومية والمقالات الأسبوعية فحسب , وهي المواد الأقل انتشارا وقراءة في الصحف , بينما استخدمت العامية في باقي الموضوعات وخاصة الموضوعات التي تهم الشباب
ولهذا يجب أن توجه الجهود لتصحيح مسارات المثقفين نحو اللغة العربية فهي هوية الأمة وبضياعها بين أبنائها تضيع الثقافة العربية ويضيع فهم الإسلام , فالقرآن عربي والسنة النبوية عربية وكل العلوم الإسلامية قوامها اللغة العربية , فهل تخلى المثقفون عنها ؟
[1] تحقيق صحافي في جريدة الرياض السعودية بعنوان "أخطاء إملائية.. "تفشّل"! "

ليست هناك تعليقات