Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

القيم الأخلاقية وآثارها على حياة تولستوي وأعماله

القيم الأخلاقية وآثارها على حياة تولستوي وأعماله بقلم يحيي البوليني  في أواخر كل عام وفي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني تحتف...



القيم الأخلاقية وآثارها على حياة تولستوي وأعماله


بقلم يحيي البوليني 







في أواخر كل عام وفي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني تحتفل روسيا ومعها العالم كله بذكرى الكاتب والفيلسوف والمفكر الروسي الكبير ليو تولستوي الذي اكتسب بكتاباته وبأفكاره احترام الغالبية العظمى من المثقفين في كل بقاع الأرض ككاتب مبدع مفكر ومصلح اجتماعي , فأحدثت كتاباته حراكا اجتماعيا مؤثرا فجعلت له المكانة العظمى أثناء حياته , وتحول بعد مماته إلى نموذج عالمي للمفكر الذي يستطيع أن يسخر قلمه من أجل قضايا عظمى تشغل فكره, ولهذا لم يكن غريبا أن يطلق عليه محبوه أنه "الروح الكبرى لروسيا" .

شيخ عاش من العمر اثنتين وثمانين سنة ضعُف في آواخرها جسمه ورق فيها عظمه ولكن إرادته لم تصب بوهن ولم تزدد افكاره الا عمقا ويقينا وتوقدا , فعاش ومات صلدا عنيدا في دفاعه عن قضاياه التي آمن بها ونادى لتحقيقها بأعلى صوته ودافع عنها بكل وسيلة ولم يهتم بأية عقوبة توقع عليه ممن جاهر بمخالفاتهم ونصحهم نصحا مباشرا وشديدا حتى اشتهر في روسيا بأنه الرجل الذي لا يسعى للقاء قيصر بل القيصر هو من يسعى للقائه .

ومن يتأمل كتابات تولستوي يجد أن الخط الرئيسي المتكرر بوضوح يتمحور حول الإنسان وفقط, فهو هدفه الأول وغايته العظمى, ولهذا تناقش كتاباته ورواياته كيفية أن يسترد الإنسان إنسانيته المفقودة وخاصة في زمن تغول فيه البشر وتحولوا الى وحوش وكواسر لا يعرفون في تعاملاتهم على مستوى الأفراد والشعوب إلا قانون الغابة الوحيد وهو البقاء للأقوى . 

ومما يثير الدهشة أن شخصية تولستوي تعرضت لعوامل كانت كفيلة بنشأته مخافة تماما للتي أكمل عليها حياته , فقد توفيت والدته وهو لا يزال رضيعا وتأثر بفقدها غاية التأثر فيقول :"لا أتذكر أمى على الاطلاق، فقد كنت أبلغ عاما ونصفا من عمرى عندما توفيت، ولم يكن هناك أى صورة لها، بحيث إننى لم أستطع أن أقوم بتكوين شكل جسدى لها فى ذهني ", ثم تعرض لصدمة ثانية حيث توفي أبوه وهو في سن التاسعة فعاش هو وإخوته في كنف عمته , ففقد بفقد أبويه في هذه السن المبكرة أكبر العوامل المؤثرة في إنشاء المنظومة القيمية في حياته وحياة كل طفل .

وأثر هذا الفقد كثيرا على تحصيله العلمي والدراسي فلم يحقق أدنى نجاح في أي مرحلة من مراحله الدراسية حتى وصفه كل معلميه بأن جمجمته كالصخرة لا يخترقها شئ وذلك بعد عجزهم التام معه , وحتى عندما وصل الى سن الجامعة انتسب لجامعة قازان في برنامج اللغات الشرقية لكنه حقق نفس النتائج المخيبة للامال , ولكن المفاجئ أنه انتسب في الجيش وأبلى بلاء حسنا وبدأ في تفكير مختلف تماما بعدما عاش بين الناس, فبدأ يفكر في فكرة السيد والعبد والقوي والضعيف والرئيس والمرؤوس والحاكم والمحكوم , ولماذا لا يتعامل الناس وفق إنسانيتهم ولماذا يسحق أحدهم الآخر ولماذا تكونت الطبقية , ففتحت تلك التساؤلات العقلية الباب لقراءات كثيرة متعددة فأكسبته نظرة جديدة وأفكارا عظيمة ومساحات كبيرة في عقله لم تستطع المناهج الدراسية أن تلج من أبوابها .

وتفتح عقله أيضا لمناقشة فكرة ارتباط القيم بالدين, فقرا في فلسفات الهند ودياناتها وحاول استخلاص الحكم من حكمائها ثم قرأ عن الاسلام وأعجب بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وكتب عنه كتابا سماه "من حكم النبي محمد " واختار فيه عددا من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر ما فيها من حكمة ووصفها بأنها من الحكم الخالدة التي لو تشربتها أي نفس إنسانية لعلت ولسمت وارتقت , فعمل بعدها على تهذيب نفسه وعدم التشبث بالدنيا وحمل لواء الدفاع عن المظلومين والضعفاء مما أدى إلى صدامين من أشد الصدامات التي يتعرض لها إنسان في هذا الوقت دون ظهير أو سند سوى كلمة الحق التي يتمسك بها .

فكان من أهم صداماته واشهرها اصطدامه مع القيصر فأرسل له رسائل شديدة اللهجة لتحذيره من ظلم الناس , فقال في ثناياها للملك بأنه أجير عند الشعب وليس سيدا عليهم مالكا لرقابهم وأنه لا فرق بينك وبين الأجير في المزرعة وكما لصاحب المزرعة أن يحاسب أجيره فللشعب أن يحاسب ملكه وأنه ليس لك الحق في تملك تلك الأراضي الشاسعة بينما لا يملك شعبك قوته, وبالطبع كان لكملته دوي كبير, فتمت محاكمته وأرسل بأمر المحكمة لفحص قواه العقلية ثم أودع في السجن إلى أن قتل القيصر اسكندر الثاني وتولى اسكندر الثالث مكانه .

وكان صدامه الثاني لا يقل شراسة عن الاول, فكان صدامه مع رجال الدين في عصره حيث شاهد ابتعادهم التام عن تعاليم الدين الحقيقية فخاطب الكاهن الاكبر محتدا عليه قائلا له إنك تدعي أنك تسير على نهج المسيح عليه السلام ولكن المسيح عاش معذبا ومضطهدا من الملوك لأنه لم يرض أن يقر الظالمين على ظلمهم ولكنك تجلس ذليلا بين يدي الملوك فيقتلون ويسرقون باسمك حمايتك وحماية الكتاب المقدس  وأنك أيضا ليس لك سلطة أن تدخل الجنة من تشاء وتخرج منها من تشاء، وأن كونك راهب فيفترض بك أن تكون زاهدا في الدنيا فلماذا تمتلك الأراضي وتسكن القصور وتلبس الحرير, فلم يكن من الكنيسة الا أن أعلنت تكفيرهُ و



إبعادهُ عنها وحرمانهُ من رعايتها.

ومن الجدير بالتوقف والانتباه أن دفاع تولستوي وكفاحه في سبيل حقوق الضعفاء والفقراء والمظلومين لم يصدر من – كما المتوقع – من فقير أو مظلوم يرفع صوت المعذبين من أقرانه ليحاول ايقاظ الضمائر لإنقاذهم , بل صدر من رجل عاش عمره كله وهو من طبقة النبلاء , فوالده هو الكونت نيكولاس تولستوي، وأمه الأميرة ماريا فولكونسكي، وكانت أسرة والدته من سلالة روريك أول حاكم ورد أسمه في التاريخ الروسي ولم يذق الفقر طيلة حياته, بينما يمكن القول بأنه تعرض جزئيا للظلم ولكن بعد صدور كتاباته التي طالب فيها بحقوق الضعفاء والفقراء والمظلومين في أن يعيشوا ويُعاملوا بطريقة انسانية غير الطريقة التي طالما عوملوا بها .

ولم يكن له من سلاح سوى الكلمة التي لم يكن يكتبها فقط ليتكسب منها المكانة الأدبية أو الأرباح المادية ولا لتسويد المزيد من الصفحات بل كان يكتبها كقطع تتناثر من روحه معها , فكان ينصح من يكتب بقوله "على المرء أن يكتب فقط حينما يترك قطعة من لحمه في المحبرة في كل مرة يغطس قلمه فيها" فالكتابة التي تفتقر للحرارة النابعة من حرقة الكاتب تجاه القضية التي يناضل من أجلها كتابة ولاشك أنها ليست لها قيمة عنده .

 وكانت لابد للكتابة عنده أن يكون لها هدف وقضية فلم يكن ينظر إلى القيمة الأدبية فقط , فعلى الرغم من انه كان يكن حبا كبيرا لصديقه الاديب الروسي العظيم تشيخوف إلا أنه لم يكن يحب كتاباته, فلم يهتم تولتسوي بقيمة كتابات تشيخوف الأدبية ولكن نظر إلى أنها بلا غاية ولا قضية, فكان يقول لتشيخوف "على الكاتب أن يأخذ القارئ من يده ويسير به في الاتجاه الذي ينبغي أن يسير فيه, أما شخصياتك فأين ينبغي أن أتابعها؟ ".

وكان الاختبار العملي الذي حاول تولستوي أن يثبت أنه ليس داعية للعدالة الاجتماعية بصورة نظرية فقط, فقد منح قدرا كبيرا من أرضه للفقراء الفلاحين متنازلا عنها, بل حاول في أخريات أيامه أن يتنازل عن أرضه كلها للفقراء كي يعيش مثلهم كادحا فقيرا عاملا آكلا من نتاج يده, فأثبت أن كلماته التي نادى بها لم تكن كلمات جوفاء لتجمع حوله المستضعفين والفقراء والمظلومين بينما هو يعيش في عالم آخر , ولكنه أراد أن يجعل كلماته حية بتنفيذه هو أولا لما يكون فيها .

ولكن هذا القرار الذي أقدم على فعله أوجد أزمة شديدة عليه لم يكن يتوقعها ولعلها كانت أعظم ازماته وأقواها تأثيرا عليه وربما تسببت في وفاته كمدا, فنوى بجد التبرع بكل ممتلكاته وبريع كتبه لصالح الفقراء, ولم يوافقه أحد من أسرته المكونة من زوجته وعشرة من الأبناء إذ كان سيحرمهم من كل ممتلكاتهم التي عاشوا عليها, فوقفوا جميعا ضده, وكانت أشدهم في معارضته هي زوجته صوفيا بيرز التي كانت تصغره بستة عشر عاما ودام زواجهما ثمانية وأربعين عاما والتي كانت تعشقه بجنون وساعدتها أيما مساعدة في إنجاز أعماله الخالدة, إلا أنها لم تستطع أن تتقبل منه ان يحرمها ويحرم أبناءهم من كل ممتلكاته بهبَّة زهد في الدنيا عاشها .

فكان قراره ترك المنزل بعد أن تجاوز الثمانين ليهيم على وجهه معتزلا كل شئ وترك لها رسالة لا تعبر عن غضبه بقدر ما تعبر عن آلامه التي يعيشها , جاء فيها " حبيبتي صوفيا. أعلم أنك ستتألمين كثيراً لرحيلي، وأنه ليحزنني ذلك أشد الحزن، ولكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب التي تدفعني إلى ذلك الرحيل، ولم تكن أمامي وسيلة سواه لتلافي مأساةٍ قد تكون مفجعة. لقد غدا وضعي في هذا البيت غير محتمل يا صوفي. لم أعد قادراً على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني. وقد طال صبري على هذا حتى انقطع رجائي في مزيد من الصبر"

وأقر بفضلها عليه فقال :" وإني لأشكرك كل الشكر على الثمانية والأربعين عاماً من الحياة الأمينة الكريمة التي أسعدِتني بها. وأتوسل إليك أن تغفري لي كل ما ارتكبت من أخطاء في حقك. مثلما أغفر لك عن طيب خاطر غضبك ومعارضاتك الشديدة المتعلّقة بقراري في التنازل عن أملاكي الشخصية للفلاحين " , وتوسل إليها ألا تبحث عنه " وأرجوك يا صوفيا، لا تحاولي البحث عن مكاني الذي سأذهب إليه، من أجل إعادتي إلى إيزيانا بوليانا، فإن هذا لن يفيد أحداً شيئاً" , ولكنها ما استطاعت تلبية طلبه فاستاجرت قطارا لتلحق به وتعيده لبيته لكنها عثرت عليه ميتا بعدما أصيب بالتهاب رئوي، فدفن بعدها في حديقة ضيعة ياسنايا بوليانا. دون طقوس كنسية كما أراد.

إن الرجل يستطيع مواجهة العالم كله وهو مطمئن بأن زوجته حبيبته وشريكة حياته معه تؤيده وتعضده وتعينه ولكنه يصبح أضعف ما يكون, ويستطيع أن يأخذ قرارا بمفارقة كل شئ في حياته إذا تعكر صفوهما ودبت الخلافات بينهما وخاصة بعد مثل هذه الحياة الزوجية التي امتدت طويلا 
 وليس هذا عن تولستوي فحسب, بل كل رجل عظيم كذلك, تستطيع الزوجة المحبة المخلصة من أن تساعده على إظهار عظمته أو تكون الطعنة القوية التي تقتله .

ليست هناك تعليقات