Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

تبدل الشخصيات .. إنكار للضعف البشري وشرعنة لتبديل المواقف

تبدل الشخصيات .. إنكار للضعف البشري  وشرعنة لتبديل المواقف  بقلم يحيي البوليني  مع جدارة العلماء الربانيين بأن يكونوا قدوة ...



تبدل الشخصيات .. إنكار للضعف البشري  وشرعنة لتبديل المواقف
 بقلم يحيي البوليني 


مع جدارة العلماء الربانيين بأن يكونوا قدوة للأنام في الصبر على الشدائد والصدع بكلمة الحق في وجه كل الخلق – كبيرهم وصغيرهم - بيقينهم بأن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر , إلا أن الكثير من الناس يفترضون خروج العلماء عن طبيعتهم البشرية فلا يقبلون منهم أن تظهر عليهم بعض الأعراض البشرية الجبلية مثل الخوف على النفس أو على العرض والمال وغيرها , وينكرون عليهم ذلك ويعتبرون أن ذلك ضعف لا يليق بهم .
والخوف – لاشك - شعور بشري جبلي لا ينفك منه إنسان , وهو شعور نفسي معتبر من حيث الطبع والشرع , فالطباع الإنسانية لا تنكره في جميع الناس حتى في أفاضلهم ولكن بعض الناس في بعض المواقف يتغلبون على هذا الشعور بشعور آخر وهو استحضار الأجر واستشراف المنزلة لمن يصبر على موقف الصدع بالحق نظرا لتكاليفه الكبيرة ولثمنه الباهظ الذي يدفعه صاحبه في الدنيا .

وعلى هذا فالطبع الإنساني لا ينكره من حيث الأصل  , لكن تتفاوت الناس في مقادير احتمالهم , فمنهم من يستطيع ويثبت أمام أقوى الفتن ومنهم من يخاف أو يجبن بالكلية , ومنهم من يثبت أمام فتنة ولا يستطيع أمام أخرى , وهذا التباين لا يعتبر منقصة في شأن من ضعُف وجبُن , ولكنه يعتبر مفخرة عظمى وشهادة كبرى لمن يثبت أمام المحن حتى يلقى الله ثابتا على الحق الذي يعلمه يقينا فكما جاء عن صفوان بن سليم : قيل لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: "نعم" فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: "نعم" فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: "لا" [1].

وذُكر الخوف في القرآن الكريم في وصف لبعض مواقف لأنبياء كرام منهم بعض أولي العزم من الرسل .

فذكر الخوف في شأن إبراهيم عليه السلام في قوله سبحانه " فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ "

وفي شأن لوط عليه السلام " وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ"

وفي شأن داود عليه السلام " إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ "

وتكرر الوصف في حياة موسى عليه السلام في أكثر من موقف قبل الرسالة وبعدها , فعندما قتل موسى منهم نفسا قال سبحانه : " فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ " , وعندما فارق مصر باتجاه مدين " فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " , وعندما ألقى العصا فتحولت حية " قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى " , وعندما أُمر بالعودة لمواجهة فرعون – وذلك بعد تكليفه بالنبوة – قال سبحانه حكاية عن موسى "وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ " , وعندما قرر هو وهارون ملاقاة فرعون طمأنهما ربهما بقوله " قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى " , وعندما رأي السحرة يلقون عصيهم وحبالهم ورآها حيات " فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى " فجاءته الطمأنة الإلهية " قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى " , ولم يقدح هذا الشعور البشري الجبلي في مكانة هؤلاء الأنبياء الكرام ولم يخفِه الله عز وجل في كتابه عنهم .

بل وأثنى الله سبحانه على مؤمن آل فرعون ووصفه بالإيمان مع أنه كان يكتم إيمانه " وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ " , وسميت به سورة غافر التي تسمى بسورة المؤمن نسبة إليه , ونزلت الآية الكريمة " مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ في شأن عمار بن ياسر رضي الله عنه , ولهذا جاءت الرخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لعمار "إن عادوا فعد "[2] مع ملاحظة أنها جاءت على سبيل الإباحة فقط فهي رخصة، وكما قال الجصاص  " هو على وجه الإباحة، لا على وجهة الإيجاب، ولا على الندب ".[3]

وقال أبو هريرة رضي الله عنه " حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم " [4]

وعذر الله المستضعفين المكرهين على البقاء في مكة في تخلفهم عن الهجرة فاستثناهم من الوعيد الشديد "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً " فاستثنى منهم " إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً "

ومن أقوال العلماء في تعريف الإكراه  ما يقوله ابن حزم : "والإكراه هو كل ما سمي في اللغة إكراهاً، وعرف بالحس أنه إكراه، كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك، أو الوعيد بالسجن كذلك، أو الوعيد بإفساد المال كذلك، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل أو ضرب أو سجن أو إفساد مال ".[5]

وقال القرطبي : "وقال النخعي: القيد إكراه، والسجن إكراه، وهذا قول مالك، إلا أنه قال: والوعيد المخوف إكراه، وإن لم يقع، إذا تحقق ظلم المعتدي وإنفاذه لما يتوعد به وقال ابن سحنون: وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه ما يدل على أن الإكراه يكون تلف نفس، وذهب مالك إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب أنه يحلف ولا حنث عليه، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور ". [6]

ونقل ابن حجر رحمه الله عن الصحابة رضي الله عنهم قولهم باعتبار السجن والتعذيب والقيد من صور الإكراه ، فقال "أخرج عبد بن حميد بسندٍ صحيح عن عمر قال: (ليس الرّجل بأمينٍ على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذّب)، ومن طريق شريح نحوه وزيادة، ولفظه: (أربع كلهنّ كره: السّجن والضّرب والوعيد والقيد)، وعن ابن مسعود قال: "ما كلام يدرأ عنّي سوطين إلا كنت متكلماً به"، وهو قول الجمهور ".[7]

ويختلف الناس في حد تحمل الإكراه , فليس له حد منضبط يحكم به على جميع الناس ولكنه في شأن العلماء الذين يقتدي بهم الناس فالواجب عليهم أن لا يكون إكراههم كإكراه غيرهم , فقد يضل بعض الناس بتقية العالم وأخذه بالرخصة , فظهر في فتوى ابن حنبل رحمه الله في ذلك تشدد في ذالك صيانة للدين , فحينما سُئل عن العالم وهل له أن يأخذ بالتقية في فتواه فقال: "إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟"[8] , وصدق رحمه الله حين وضع يده على موطن الخلل في الأمة .

ورغم هذا كله فالصبر على البلاء والامتناع عن هذه الرخصة – وخاصة من العلماء المؤثرين الثقات - من عزائم الأمور وفضائل العبادات , وإن الثبات على قول الحق يرفع العالم إلى أعلى الدرجات التي صح القول بها عن النبي صلى الله وسلم : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله" . [9]

وقال ابن حجر في الفتح : "قال ابن بطال: أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة ".[10]

وهنا يكون أمام العالم ثلاثة مواقف أمام الإكراه , فإما أن يأخذ بالعزيمة ويتحمل ما يلاقيه ابتغاء مرضاة الله في سبيل الحق الذي علمه وتيقن أنه الموقف الشرعي الصحيح وله الأجر الجزيل من الله , وإما أن يخاف ويسكت حتى وصف ذلك بالجبن فهو موقف طبعي وشرعي معتبر كما جاء عن ثقات علماء الأمة بالأدلة المعتبرة , فلم يُعيروا من خاف وسكت عن قول حق في مسألة , فلا يزال العلماء يذكرون ابن حنبل بكل خير على ثباته يوم المحنة لكنهم لا ينتقصون من قدر الكثير من الأئمة والأعلام الذين سكتوا ولم يثبتوا على قول الحق فيها لخوفهم .

لكن الحالة الثالثة المرذولة التي يتبعها بعض العلماء والتي لا يوجد لها مبرر شرعي ولا تربوي , وهي أن يأتي العالم القائل بمسألة أو برأي في موضوع , فإذا أكره وتعرض لأي نوع من الإكراه تلميحا أو تصريحا أو فعلا , فإذا به يقول بعكس كلامه الأول محاولا لي عنق الآيات والأحاديث والاستدلالات ليضفي شرعية على موقفه ولكي يحافظ على صورته أمام أتباعه حتى لا يصفه أحد منهم بأنه خاف على نفسه فسكت , فيلبس الباطل ثوب الحق والحق ثوب الباطل لا لشئ إلا ليحافظ على مكانته هو لا على حكم الدين في المسألة .

فليته سكت وليته توارى عن الأنظار احتراما لقيمة العلم ولجلال الدين , وليته قال خفت أو جبنت فهذا أكرم له عند الله حتى لو وضع من مكانته عند الناس , فما الناس وما قدرهم وما قيمتهم في سخط الله أو رضاه , فإذا لم يستطع العالم نصرة الحق بقوله فليكن سكوته أفضل , فلا يسكت العالم دهرا على ما يراه من أحوال وأعمال من الكبائر كانت تستوجب منه ردا وموقفا وفعلا كما كان ينتظر منه وكما وقف في صغائر الأمور مدافعا ومنافحا , فلا يسكت دهرا على هذه العظائم ثم إذا تحدث وخرج على الناس ينطق تخذيلا وتوهينا وضعفا فيكونون للأمة كما قال ابن فضال :

وإخوانٍ حسبتُهم دروعًا ... فكانوها، ولكن للأعادي
وخلتُهم سهامًا صائباتٍ ... فكانوها، ولكن في فؤادي .

وماذا يضر أحدنا أن يعلن أمام نفسه فيقول خفت وجبنت فسكت ؟ فهو أكرم له من أن يؤصل ضعف موقفه , أو يدعي – إن بدل أو فرط أو قصر - أن موقفه الجديد منضبط بضوابط شرعية صحيحة ويلوي عنق الآيات والأحاديث ليرفع قيمة نفسه في عين نفسه أو في عين أتباعه وأنصاره .
 


[1] "الموطأ" 2/990، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" (4812) وفي مسند الامام أحمد 36/505 وقال الارناؤوط إسناده صحيح إلا أنه مرسل أو معضل.
[2] رواه الحاكم في مستدركه ح (3362)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 208) قال ابن حجر: "ورجاله ثقات مع إرساله، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً" فتح الباري (12/ 312).
[3] أحكام القرآن للجصاص (5/ 13).
[4] صحيح البخاري 1/35 باب حفظ العلم
[5] المحلى (8/ 330
[6] الجامع لأحكام القرآن (10/ 182).
[7]  فتح الباري (12/ 314).
[8] " البحر المحيط"  لأبي حيان (2/ 424).
[9] رواه الحاكم في مستدركه ح (4884)، والمنذري في الترغيب والترهيب ح (3483)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (374).
[10]  فتح الباري (12/ 317).

ليست هناك تعليقات