لم تعد قضية السلطة قضية واقع ومعطي يرتفع فوق كل نقد , بل لم تعد السلطة في الدول التي قامت بها الثورات منطقة محظورة أو ممنوعة أو مسألة قائم...
الاتجاه الذي يجب أن يقوم الآن في بلاد الثورات هو اتجاه الشرعية والمنهجية فيما يخص السلطة , وعندما نقول الشرعية والمنهجية نصطدم حتما بالثغرات اللانهائية للقوانين الوضعية والمناهج البائدة التي ثبت فشلها عبر قرون , ويبين لنا مدى الحاجة إلى شرعية حقيقية ومنهجية لا تختل .
فما أصعب التكهن بما يسفر عنه صباح الثورات العربية بعد ليل طويل من الغموض وبما يحمله من تغييرات في المواقف وردود الأفعال التي تؤثر على المستويين المحلي والدولي .
فالثورات العربية التي انطلقت مجتمعة في آن واحد أفلح بعضها في إزاحة رؤساء ولم يفلح الآخرون للآن في نفس الهدف الذي يقترب منه البعض بينما يبتعد الآخرون عن تحقيقه كثيرا .
وكان القاسم المشترك والعامل الرئيس في تمكن الثورات من تغيير رؤسائها أو بقائهم ممسكين بزمام الأمور هو تلك هي المؤسسات العسكرية التي كانت كلمة السر , فبتغير ردود أفعالها تغيرت النتائج .
وهناك تشابه واضح لا يمكن إنكاره بين كل المؤسسات العسكرية العربية وعلاقتها بالأنظمة الحاكمة أنها كانت علاقة التابع المأمور دوما المغيب عن كل الأحداث والذي يستخدم كمخلب القط للدفاع عن الدولة ونظامها في الفترات السابقة , فكانت المؤسسات العسكرية رهن أمر الحاكم ولا تتدخل في الشئون السياسية وليس لها أن تدافع عن موقف سياسي أو نظام حكم داخلي وكانت دوما رهن تصرف الرئيس وأسرته في بعض الأحيان .
وهناك تشابه بين الثورات التي نجحت بالفعل في إسقاط رؤسائها أنها لم تتمكن من تغيير النظام بالكامل ولم يتول أبناء الثورة مقاليد الحكم , بل أُسقط الرؤساء فقط وتولى الجيش بعد ذلك مقاليد الأمور في حالة وسط وتزاوج غريب بين الحالة الثورية والدستورية .
وبالطبع لم تكن المؤسسات العسكرية في أي بلد عربي مثل مصر وتونس بعيدة تماما عن الحسابات الغربية - التي طالما استعدت لمثل هذا اليوم ولم يغب عن أذهان منظريهم – ولذا استراحت وباركت هذا البديل على الأقل مؤقتا في مرحلة انتقالية تطول أو تقصر أو تدوم بشرط المحافظة على مصالحها في المنطقة كاملة وعدم التعرض لها .
وتحاول كافة القوى - في مصر نموذجا - الآن إثبات تواجدها وفاعليتها وسيطرتها على الساحة السياسية في تلك البلدان فالقوة العسكرية لها حساباتها ومعطياتها التي تسير عليها وتمتلك السلطة السياسية فعلا , والقوة الليبرالية التي انضمت إليها قوى دينية مسيحية لها حساباتها وأولوياتها والتي تمتلك معظم القوة الإعلامية والشخصيات المؤثرة في المجتمع والتي تحاول أن تنتزع قطاعات من الرأي الشعبي وخاصة بين أوساط المثقفين , والقوى الإسلامية التي لم تظهر لها قيادة موحدة حتى الآن والتي تمتلك قوة التأثير في الشارع الذي لا يتبعها لا لذاتها ولكن لما تمثله من عمق ديني موروث في المجتمع .
ولكن القوة الأهم في الشارع المصري هي القوة غير المسيسة التي يمثلها ميدان التحرير والتي لا تمتلك قيادة حقيقية تعبر عنها , وتحاول كل القوى استجلاب انتماءات قوة الميدان والتأثير عليه وتزعم قيادته بإبراز كل منهم لنفسه كمحرك قوي من محركيه , ولقد أعلن الميدان عن بقائه حيا ومتواجدا بكل قوة لتحريك أية قضية يقتنع بها , وذلك بما ظهر في مليونية الجمعة التي اختلفت القوى على تسميتها بجمعة فلسطين أم جمعة الوحدة الوطنية تبعا حسابات كل قوة متنازعة .
ومع القلق البالغ الذي يتخوف منه الجميع على مستقبل الثورة في مصر تظل الكلمة الأخيرة للمؤسسة العسكرية الذي تحاول كل الأطراف التنسيق معها أو عرض الأفكار عليها أو التقدم بطلبات واعتراضات وتحريك الجموع بما يصاحبها من فوضى للتأثير على قراراتها واختياراتها أو المحاولة الأخيرة للبقاء بالانسجام مع ما يصدر عنها من توجهات
16-05-2011 | يحيي البوليني
ليست هناك تعليقات