وقفة عز في مواجهة العبيدي المعز بقلم يحيي البوليني علماء الأمة الإسلامية المخلصون هم صمام أمنها , لا يعلِّمون الأمة ويوجهونها ...
وقفة عز في مواجهة العبيدي المعز
بقلم يحيي البوليني
بقلم يحيي البوليني
علماء الأمة الإسلامية المخلصون هم صمام أمنها , لا يعلِّمون الأمة ويوجهونها بكلماتهم فحسب بل بصدق أفعالهم وبجميل مواقفهم , ولهذا تبين خواتيم سيرتهم حسن ونقاء سريرتهم , لتكون خواتيم حياتهم نبراسا لمن بعدهم وليثبتوا مدى صدق انفعالهم بما يقولونه بصالح أفعالهم .
ولعلماء الأمة الثقات المخلصين مواقف مشهودة لم ينسها الزمان لهم , فحملتها كتب التاريخ كعلامات فارقة وضاءة يهتدي بها كل طالب علم من بعدهم ليعلموا أن هذا العلم ليس نظرية جامدة ولا تصورات خيالية وان كل ما فيه قابل للتحقيق , فيرووا بدمائهم جميل نبت كلماتهم فتصير كلمتهم الطيبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء .
ومن علماء الأمة الصادقين عالم كبير ومحدث أثبت بفعله وبمواقفه وخاصة موقفه الأخير الذي ختم به حياته أنه لم يكن رجلا متكسبا بالحديث الشريف طالبا الوجاهة في الناس بل كان طالب رضا من الله وطالبا الشهادة في سبيله فنالها – بإذن الله – في أكرم موقف يمر به المؤمن , إلا وهو الزاهد العابد الورع الناسك التقي أبو بكر النابلسي رحمه الله وتقبل منه صالح عمله .
فبعد أن قرر الشيعة العبيديون المسمين زورا بالفاطميين تشييع مصر والاستيلاء عليها بالقوة وبعد استتباب الأمر لهم قرروا احتلال الشام وضمها إلى حكمهم الشيعي البغيض , فأرسل معد بن إسماعيل الملقب بالمعز قائد جيشه النصراني جوهر الصقلي ليغزو الشام , فانطلق بجيوشه مستوليا على المدن في طريقه ليأمر في كل مدينة تقع تحت يديه بسب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم .
وعندما وصل إلى نابلس وجد بها جبلا أشم لا يلين ولا تأخذه في الحق لومة لائم وهو أبو بكر الرملي الشهيد المعروف بابن النابلسي , فكان عالماً كبيراً في علوم الحديث والفقه وكان ورعاً صواماً قواماً صادعاً بالحق فأبى أن يلعن الصحابة وأن يغير من دنيه شيئا .
فاتجه بعدها النابلسي إلى دمشق محذرا لأهلها لكن العبيديين كانوا أسرع في وصولهم بعده فاستولوا على دمشق فما سكت النابلسي عن قول الحق وقال رأيه ورأي الدين فيهم أنهم خارجون عن الملة وأفتى بجواز قتالهم بل بوجوبه مؤكدا على أن المسلم إذا كان يمتلك عشرة أسهم فليوجه تسعة منها في صدور العبيديين وواحدا للصليبيين لخطرهم على الأمة بتحريفهم دينها وعقيدتها .
وسرعان ما وصل خبره للصقلي الذي ألقى القبض عليه وأرسل على الفور إلى المعز العُبيدي في القاهرة , فكانت لحظة المواجهة بين الباطل المنتفش والحق الأعزل , واختزلت الدنيا كلها في هذه اللحظة بين باطل يظن نفسه قد ملك كل شئ وحق لا يملك من حطام الدنيا شيئا ولا يهتم بها وما يملكه فقط هو قلب عامر بالاطمئنان بالله ولسان لاهث بذكره مستشعرا معيته , فأنى له أن يخاف ؟ وأنى له أن يطلب من الدنيا شيئا وقد هانت عليه ؟ فوقف كالأسد الهصور يصدع بكلمة الحق أمام جبار عات يظن نفسه كما صور له شعراؤه ومنافقوه أنه الواحد القهار فله أن يحيي وان يميت [1]
فلما أوقفوه بين يديه سأله المعز عن قوله في السهام , فقال : لا ما قلت هكذا , ففرج العبيدي المجرم ظنا منه وجود خوف وهلع من الموت وجبن دب في قلب الإمام , فقال له : فكيف قلت؟ فقال بقول اشد وهو في حضرة القتل وتحت بريق السيوف التي تلمع : إذا كان معي عشرة أسهم وجب أن أرميكم بتسعة، وأرمي العاشر فيكم أيضاً , فاسقط في يد المجرم الذي منى نفسه بشهود لحظة تراجع سنية أمام غدر شيعي , وسأله عن السبب فرد في قوة ووضوح وقال : لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وأطفأتم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم .
فاستتابه الرافضي فما رجع عن قوله بل بالغ في النكير عليه , فأمر الرافضي الخبيث أن يطاف بالنابلسي في الأسواق فيما كان يعرف بالإشهار في اليوم الأول , فطيف به على بغلة وهو يضرب ويهان , ثم أمر بتعذيبه في اليوم التالي بالسياط حتى ظهر عظمه من تحت لحمه , ثم أمر بقتل ولده أمامه فاحتسبه النابلسي عند ربه , ثم أمر بعد ذلك بسلخ النابلسي حيا فعلق منكسا وطلب الجزارين فاستبشع الجزارون المسلمون فعل ذلك ولم يتقدم له إلا جزار يهودي ممن هم على ملة آباء ذلك الرافضي الخبيث [2], فتقد ليسلخ رأسه حيا انطلقت منه آيات القرآن تتلى منه فكان آخر ما سمع منه كما قال الإمام الذهبي : " سمعت الدَارقُطْنيّ يذكره ويبكي ويقول: كان يقول وهو يُسْلخُ: " كان ذلك في الكتاب مسطوراً "
فاستمر الجزار اليهودي في سلخه من مفرق رأسه حتى بلغ الوجه ثم بلغ العضد ، فنزلت يالجزار اليهودي رحمة بالنابلسي ورقة عليه فأغمد السكين في موضع قلبه فمات رحمه الله .
ولم يكتف المجرم الشيعي الخبيث بذلك بل أمر بحشو جسد الشهيد النابلسي بالتبن وعلقه وصلبه [3]
وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام أيضا بعضا من الأحداث التي صاحبت وفاته والتي - ان صحت - فهي ولاشك من كرامات الأولياء الثابتة شرعا في الكتاب والسنة , فقال " أنه لما خرج الدم من قلبه كتب لا إله إلا الله على الجدار، وفي بعض الروايات: أخذ الدم يقطر منه ويكتب: الله الله " .
إن أعظم انتصار للعالم أن يثبت عند كلمة الحق فلا يتجاوزها ولا يسكت عنها فيرزقه الله أفضل الجهاد ويرزقه مصاحبة سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه، فقد قال صلى الله عليه وسلم : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله "[4] .
لفتة أخيرة
للإمام أبي بكر النابلسي الإمام السني الفقيه العالم الشهيد سمي من نفس بلدته نابلس وهو الشيخ عبد الغني النابلسي وهو أيضا من أهل العلم وله تصانيف كثيرة لكنه صوفي يقول بوحدة الوجود , وبينهما زمن طويل إذ كانت وفاة أبي بكر النابلسي بمصر عام 363 هـ , بينما كانت وفاة عبد الغني النابلسي بدمشق سنة 1143هـ , فلزم التنبيه والتنويه لكي لا يقع الخلط بينهما .
مقال بقلم يحيي البوليني
[1] مدح الشاعر ابن هانئ الأندلسي المعز الفاطمي بقوله .. " ما شئت لا ما شاءت الأقدار .. فاحكم فأنت الواحد القهار " فلعن اللَّه المادح والممدوح
[2] العبيديون من زنادقة يهود وجدهم ابن قداح اليهودي وانتسابهم إلى النبي الكريم والى نسل السيدة الزهراء فاطمة رضوان الله عليها باطل
[3] القصة بطولها ذكرها الإمام ابن كثير في (البداية والنهاية 11/ 284). والذهبي في تاريخ الإسلام 8/216 وذكرها القاضي عياض في ترتيب المدارك 5/ 284 - 286 ومختصر ترتيب المدارك لابن حماده: 64 ب، ومختصر المدارك لابن رشيق: 151.
[4] رواه الحاكم في مستدركه ح (4884)، والمنذري في الترغيب والترهيب ح (3483)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح (374).

ليست هناك تعليقات