عرض وتلخيص لكتاب: مقصد العدل عند ابن تيمية؛ العدل الديني والدنيوي في النص والواقع. المؤلف: د. شعيب أحمد لمدي الناشر: مركز نماء، ط1، بي...
عرض وتلخيص لكتاب: مقصد العدل عند ابن تيمية؛ العدل الديني والدنيوي في النص والواقع.
المؤلف: د. شعيب أحمد لمدي
الناشر: مركز نماء، ط1، بيروت، 2014م
العدل- باعتباره مقصداً كونياً وكلياً- هو ميزان الخلق أو التكوين والأمر أو التشريع، وهو الحق المقصود الذي يفتقر إليه الوجود بدءاً بعالم الحس والشهادة، وانتهاءً بعالم الغيب والخلود، وهو عالم الحق المنشود. وهو بذلك غاية الفطر السليمة، والعقول الراجحة الصريحة، والشرائع السماوية الصحيحة، والغاية من وجود المكلفين، وهو مقصد القاصدين الراشدين، ومطلب الطالبين المهتدين.
والعدل هو موضوع الكتاب الذي بين أيدينا، والذي جاء تحت عنوان "مقصد العدل عند ابن تيمية؛ العدل الديني والدنيوي في النص والواقع"، وقد حاول المؤلف من خلال هذا البحث المقاصدي الابتعاد عن الدراسات التقليدية التي ضيقت مجال المقاصد وحصرت دائرتها في مباحث أصول الفقه، حيث عمل على توسيع دائرتها، فأدرج فيها قضايا من العقيدة والسياسة والاجتماع فضلاً عن مباحث من الفقه والأصول.
وعلل الكاتب هذا الأمر بأنه لاحظ أن أغلب الدراسات المقاصدية التي تزدحم بها المعاهد الدينية والجامعات الإسلامية يغلب عليها طابع التقليد والتنظير، المقطوع الصلة عن واقع الأمة وما يطرح من تحديات على مستوى العقيدة والأسرة والمجتمع والسياسة والحكم.
وقد ضم المؤلف إلى مادة بحثه إلى أقوال ابن تيمية وقواعده ما كان من جنسها من أقوال وقواعد سديدة من مختلف المصادر والمراجع المتيسرة؛ لتعضيد حق أو دمغ باطل، أو دحض شبهة، ثم أعاد تشكيلها شكلا ومضموناً، طلباً لحسن تنزيلها.
وقد جاء هذا الكتاب في ثلاثة فصول مع مقدمة ومدخل وخاتمة.
فجعل المؤلف الفصل الأول للحديث عن مجالات العدل وقسمه إلى خمسة مباحث تحتها مطالب مختصرة، وفيه بين المؤلف أن أول مجال للعدل يبدأ في عالم الحق الموجود الذي ينبغي اعتقاده، وآخر مجال من مجالاته ينتهي في عالم الخلود، وهو عالم الحق المنشود الذي ينبغي تشمير السواعد إليه، وأوضح المؤلف أن ذلك لا يتم إلا بقصد العدل وطلبه، إذ هو نظام الخلق والأمر، والتكوين والتكليف، وهو من أعظم الواجبات والطاعات والعبادات الواجبة بالعقل الصريح والشرع الصحيح.
ثم أشار المؤلف في آخر هذا الفصل إلى أن أعظم أنواع العدل التي يسعد بها السعداء ويشقى بها الأشقياء هو التوحيد؛ لأنه حق الله المجيد، فمن وحده حق التوحيد كان من الناجين المفلحين، ومن أشرك به كان من الهالكين الخاسرين الخسران المبين.
وتناول المؤلف في الفصل الثاني أنواع العدل، وقسمه إلى قسمين: الأول: العدل الديني؛ وهو التوحيد، والثاني: العدل الدنيوي، الخاص باستيفاء حقوق العبيد.
ففي القسم الأول عرض المؤلف للعدل الديني، فأوضح أنه الأعلى والأشراف، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى جعله أول المقاصد التي وجب على كل أحد طلبها ابتداءً، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته، فالمقصود الأعظم من خلق العباد هو وصولهم إلى ما خلقوا له من عبادة ربهم وحده لا شريك له.
وعليه أوضح المؤلف أن الإمام ابن تيمية جعل– من هذا المنطلق- التوحيد الذي هو العدل الديني أعظم قدراً من العدل الدنيوي، وأوله توحيد الربوبية ولهذا أخبر ابن تيمية بأن حاجة الخلق إلى دلائل الربوبية أشد الحاجات أعظم من حاجاتهم إلى الهواء والماء والغذاء.
وفي القسم الثاني (العدل الدنيوي) تناول فيه المؤلف الحديث عن العدل على النفس، والعدل على الناس، الأقرب فالأقرب، ممثلاً لذلك بنماذج مختارة، ولم يقصد في ذلك استقصاء كل ما كتبه الإمام ابن تيمية في هذا القسم، وقد علل المؤلف تقديمه للعدل على النفس على العدل على الناس بسببين لا يتصادمان مع اختيار ابن تيمية، أما الأول فهو سبب منهجي، وأما الثاني فللتلازم الحاصل بين العدل على النفس والعدل على الناس.
وأما الفصل الثالث والأخير فقد تناول فيه المؤلف أهم وسائل تحقيق العدل عند الإمام ابن تيمية، فأوضح أن الوسائل هي الطرق التي تسلك لتحصيل المقود المطلوب، وأن للعدل وسائل بها يوجد ويتحقق، وأنه سيقتصر في هذا الفصل على ذكر أهم وسائل تحقيق العدل الاجتماعي عند ابن تيمية، وقد لخصها في ثلاث وسائل، وهي إمامة عادلة، وقضاء عادل، وتحالف اجتماعي على جلب المصالح ودفع المفاسد.
وقد أوضح المؤلف أن ابن تيمية قد قسم العدل الاجتماعي إلى خاص وعام، وبين أن العام عنده هو الذي يعمر البلاد ويدفع الفساد، وهذا هو القسم الأعظم، فالعدل العام مقدم على العدل الخاص لتعلق مصلحة الجمهور به، ومصلحة الجمهور مقدمة على مصلحة الفرد قطعاً.
ولما كان العدل العام لا يقوم إلا بوجود إمامة عادلة رأى الكاتب أن يكون الحديث عن الإمامة العادلة أول تلك الوسائل، ثم أتبعه القضاء الذي بواسطته تصل الحقوق المتنازع فيها بين الأفراد إلى مستحقيها، وتقطع المخاصمة التي هي مفسدة وجب درءها، ثم جعل المؤلف التحالف الاجتماعي آخر تلك الوسائل لتعلق المصلحة العامة والخاصة به في حال وجود الإمامة العادلة وسلطة القضاء العادل أو في حال افتقادها.
وقد خلص المؤلف في نهاية كتابه إلى عدة نتائج، منها: أن الفكر المقاصدي فريضة من الفرائض الشرعية وضرورة من الضرورات الحضارية اللازمة والأكيدة، خصوصاً في العصر الراهن، حيث اكتسحت الظاهرية ميادين واسعة في حياتنا اليومية.
كما خلص الباحث إلى أن العدل- عند ابن تيمية- من أعظم المقاصد وأشملها وأوسعها؛ لأنه نظام كل شيء، وبه يتم تحقيق التوحيد الذي هو حق لله على العبيد، وبه يتم استيفاء حقوق العباد، ودرء ما يكر عليهم بالعدوان أو الفساد.
وختاما نسأل الله أن يجزي المؤلف خيراً على جهده في هذا الكتاب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
للتحميل
للتحميل
ليست هناك تعليقات