مقال بعنوان : الغيبة الصوفية نقص يظنونه الكمال بقلم : يحيي البوليني للصوفية مصطلحاتهم التي ينفردون فيها بمعانيها البعيدة تماما عن ال...
مقال بعنوان : الغيبة الصوفية نقص يظنونه الكمال
بقلم : يحيي البوليني
للصوفية مصطلحاتهم التي ينفردون فيها بمعانيها البعيدة تماما عن اللغة العربية والتي تشذ كثيرا عن المعاني الإسلامية ويدعون أنها علم خاص لا يعرفه إلا أهل التذوق ولا ينال إلا بالتلقين وأنهم تعلموه كابرا عن كابر حتى يوصلوه – ادعاء كاذبا – إلى النبي صلى الله عليه وسلم لدرجة أن يدعي بعضهم أنهم تلقوه عن رسول الله شفاهة أو أنهم يلتقونه في اليقظة ويعد بعضهم أنفسهم من الصحابة !!! .
وقد تختلف مدلولات الألفاظ ومعانيها عن ما يدّل عليه ظاهر الألفاظ والكلمات أو ربما تتضمّن هذه الكلمات والألفاظ على مدلولاتها الأصلية مفاهيم ومقاصد غير متبادرة إلى الذهن .
ومن بين هذه المصطلحات الصوفية مصطلح الغيبة الذي يمكن استشفافه من كلمات أرباب التصوف وكشأن الصوفية دوما لا يمكن القطع بان هذا المفهوم هو المفهوم الصوفي المحدد للمصطلح , فما المصطلحات الصوفية عند أهلها الا غموض في غموض ويتعمدون هم هذا الغموض .
وبدا الغموض في حياة الصوفية في كلماتهم وتعبيراتهم منذ عصر الجيلاني , فنقل الإمام الذهبي عن السمعاني قوله : "كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح ديّن خيّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، تفقّه على المخرّمي، وصحب الشيخ حماداً الدباس، وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له، مضيناً لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درساً ما فهمت منه شيئاً، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا لإلفهم كلامه وعبارته" [1]
ومن المصطلحات الصوفية التي لاقت رواجا فيها مصطلح الغيبة وهو مصطلح محمود عندهم بل يمثل حالا من أرقى أحوالهم وتعتبر منزلة محمودة لأخص خواصهم رغم أن المدلول الشرعي الصحيح والقريب للغيبة أنها أمر مذموم في الشرع .
فعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته"[2]
ولم يخف هذا المعنى الشرعي المذموم للغيبة عن الصوفية , فاستعمله الغزالي في الإحياء فقال : "اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم؛ لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام" [3]
أما تعريف الغيبة كمصطلح عجيب محمود عند الصوفية فهو كما يلي :
يقول الكلاباذي " أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها" [4] , ويقول القشيري والكمشخانوي: "هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق بما يرد عليه، ثم قد يغيب عن غيره فقط، وقد يغيب عن غيره وعن نفسه أيضاً إذا عظم الوارد" [5]
وينشد الكمشخانوي ويقول عن تعريفها :
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ** ويفرح بالتيه الدنيّ وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة ** لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع الله واقفاً ** خليّاً عن التذكار للجن والأنس [6]
ويقول الهجويري: "المراد من الغيبة غيبة القلب عما دون الحق إلى حدّ أن يغيب عن نفسه، حتى أنه بغيبته عن نفسه لا يرى نفسه" [7].
وينقل الدكتورعبد الحليم محمود عن سيده أحمد الدردير أنه قال مبيناً حالة غيبته عن نفسه: "حتى لو تكلّم الناس وأنا معهم بكلام وخاطبوني به لا أدري ما قالوا، وهم لا يعلمون مني هذا الحال، لأني صورتي الظاهرية صورة العاقل الصاحي، وهذا أمر عجيب لا يعرفه إلاّ من ذاقه"[8].
إذن فمعنى الغيبة عند الصوفية هو : أن يغيب الإنسان عن فكرة وذهنه ووجوده لا يدري ما يقع في الكون ولا يفهم كلام الناس، فظاهره معهم، وباطنه غائب عنهم، وهذا مقام سنيّ عال عندهم يحوزه كبار أوليائهم ومشايخهم .
وكما للصوفية تعريفهم النظري في معناها تفاخروا في تعاملاتهم بها , فصار كل من يغيب عقله وتذهب حواسه يكون عندهم من أهل الوصول والولاية رغم انه في الشرع الإسلامي الحنيف يرفع عنه القلم حتى يفيق , فكيف يكون النقص دليلا على الكمال ؟؟؟
فكثرت روايات الصوفية في تحقق هذا المعنى في أكابرهم , فيحكون عن ذي النون المصري أنه: "بعث إنساناً من أصحابه إلى أبي يزيد، لينقل إليه صفة أبي يزيد. فلما جاء الرجل إلى بسطام سأل عن دار أبي يزيد: ماذا تريد؟ فقال: أريد أبا يزيد.
فقال: من أبو يزيد؟ وأين أبو يزيد؟ أنا في طلب أبي يزيد , فخرج الرجل، وقال: هذا مجنون , ورجع الرجل إلى ذي النون فأخبره بما شاهد، فبكى ذو النون وقال، أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله [9]
ومثل ذلك حكى ابن عجيبة عن الشبلي أنه قال له رجل: أين الشبلي؟ قال: مات، لا رحمه الله [10]
ويحكي القشيري عن أبي نصر المؤذن بنيسابور حكاية عن أبي علي الدقاق، فيقول : "كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق بنيسابور، وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيراً، فأثر في قلبي كلامه، فخرجت إلى الحج تلك السنة، وتركت الحانوت والحرفة، وكان الأستاذ أبو علي رحمه الله خرج إلى الحج أيضاً في تلك السنة، وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأواظب على القراءة في مجلسه، فرأيته يوماً في البادية: تطهر ونسي قمقمة كانت بيده، فحملتها، فلما عاد إلى رحلة وضعتها عنده، فقال: جزاك الله خيراً. حيث حملت هذا.
ثم نظر إليَ طويلاً كأنه لم يرني قطَ، وقال: رأيتك مرة. فمن أنت؟ فقلت: المستغاث بالله، صحبتك مدة، وخرجت من مسكني ومالي بسببك, وتقطعت في المفازة بك، والساعة تقول: رأيتك مرة" [11]
وذلك لأنه كان غائباً عن نفسه: وحكى عن أبي عقال أنه "دخل عليه بعض الفقراء فقال له: سلام عليكم. فقال له أبو عقال: وعليكم السلام، فقال الرجل: أنا فلان فقال أبو عقال: أنت فلان، كيف أنت؟ وكيف حالك؟ وغاب عن حالته. قال هذا الرجل، فقلت له: سلام عليكم , فقال: وعليكم السلام، وكأنه لم يرني قط , ففعلت مثل هذا غير مرة، فعلمت أن الرجل غائب فتركته، وخرجت من عنده" [12]
وينقل الصوفية عن الجنيد أنه: "كان قاعداً، وعنده امرأته، فدخل عليه الشبلي، فأرادت امرأته أن تستتر، فقال لها الجنيد: لا خبر للشبلي عنك، فاقعدي.
فلم يزل يكلَمه الجنيد، حتى بكى الشبلي، فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته: استتري، فقد أفاق الشبلي من غيبته" [13]
هذا بالنسبة لغيبة الصوفي عن ذهنه وفكره ووجوده، وأما غيبته هو عن الخلق ووصوله إلى الله كما يدَعون، فيروي الأموي "أن الحسن رحمه الله اختفى عند حبيب العجمي من الحجاج، فسعى به، فدخل عليه الشرط، فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا إن الحسن عندك فقال: هل ترون شيئاً؟ ففتشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه، لأنه كان عند الله فلم يروه" [14]
وبهذه المعاني في مصطلح الغيبة عند الصوفية يتضح ابتعاده عن المعاني الإسلامية في أمور :
1- دعواهم بان هذه الحال نتيجة الاستغراق في ذكر الله أو في مراقبته وهذا باطل لان ذكر الله يثمر الراحة والاطمئنان والسكينة كما قال سبحانه "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ "[15] , ولا يمكن بحال أن يثمر ذكر الله عز وجل ذهاب العقل كما يفعل هؤلاء .
2- تخليهم عن المعنى الأقرب للغيبة وهو المذموم الذي لا يوصف به مؤمن الا ويجتهد في التخلي عنه , فقد ورد المعنى في السنة الشريفة وسمي بنفس المصطلح على سبيل ذم الفعل والفاعل , فكان لابد من احترام النص النبوي الشريف .
3- لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس واعبدهم لله وأكثرهم وأخلصهم ذكرا له حدوث مثل هذا الشئ له عند ذكره لربه سبحانه , ولم يثبت عن الصحابة وهم أرقى مقاما من كل الصوفية انه حدث لأحدهم مثلما يدعي الصوفية حدوثه عند ذكر الله , فكيف يدعي الصوفية أن هذا مقام عال لا يصل إليه إلا الخاصة منهم .
4- كرم الله الإنسان بالعقل وكلفه بوجوده , وزوال العقل الطارئ يعفى صاحبه من التكليف لنقص فيه , وزوال العقل الدائم يوصف صاحبه بالجنون وهو ابغض وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يبغض ان يقال عنه ذلك .
ولنا بعد هذا أن نتساءل أخيرا : إلام استند الصوفية في تقرير استحسان هذا المعنى والتصرف ؟ فهل لديهم دليل به من كتاب أو سنة ؟ .
[1] "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي (20/441). .
[2] رواه مسلم (2589).
[3] "إحياء علوم الدين" (3/144).
[4] "التعرف لمذهب أهل التصوف" (ص: 140). .
[5] "الرسالة القشيرية" (1/232), أيضاً "جامع الأصول في الأولياء" للكمشخانوي (ص: 254). .
[6] "جامع الأصول في الأولياء" لأحمد الكمشخانوي (ص: 125).
[7] "كشف المحجوب" للهجويري (ص: 489). .وبمثل ذلك قال الطوسي أنظر: "كتاب اللمع" للطوسي (ص: 416).
[8] "سيدي أحمد الدردير" للدكتور عبد الحليم محمود (ص: 77) ط دار الكتب الحديثة القاهرة.
[9] "الرسالة القشيرية" (1/234, 235), "كشف المحجوب" للهجويري (ص: 490), "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة (ص: 308), "مشارق أنوار القلوب" للدباغ (ص: 103), "ترصيع الجواهر المكية" (ص: 42). .
[10] "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة الحسني (ص: 308) ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة. .
[11] "الرسالة القشيرية" (1/234). .
[12] أيضاً (ص: 221). .
[13] أنظر: "الرسالة القشيرية" (1/233), أيضاً "طبقات الأولياء" لابن الملقن (211), أيضاً "حياة القلوب" لعماد الدين الأموي (2/273) "بهامش قوت القلوب" لأبي طالب المكي ط دار صادر بيروت. .
[14] "حياة القلوب" لعماد الدين الأموي (2/69) "بهامش قوت القلوب". .
[15] [الرعد: 28].
بقلم : يحيي البوليني
للصوفية مصطلحاتهم التي ينفردون فيها بمعانيها البعيدة تماما عن اللغة العربية والتي تشذ كثيرا عن المعاني الإسلامية ويدعون أنها علم خاص لا يعرفه إلا أهل التذوق ولا ينال إلا بالتلقين وأنهم تعلموه كابرا عن كابر حتى يوصلوه – ادعاء كاذبا – إلى النبي صلى الله عليه وسلم لدرجة أن يدعي بعضهم أنهم تلقوه عن رسول الله شفاهة أو أنهم يلتقونه في اليقظة ويعد بعضهم أنفسهم من الصحابة !!! .
وقد تختلف مدلولات الألفاظ ومعانيها عن ما يدّل عليه ظاهر الألفاظ والكلمات أو ربما تتضمّن هذه الكلمات والألفاظ على مدلولاتها الأصلية مفاهيم ومقاصد غير متبادرة إلى الذهن .
ومن بين هذه المصطلحات الصوفية مصطلح الغيبة الذي يمكن استشفافه من كلمات أرباب التصوف وكشأن الصوفية دوما لا يمكن القطع بان هذا المفهوم هو المفهوم الصوفي المحدد للمصطلح , فما المصطلحات الصوفية عند أهلها الا غموض في غموض ويتعمدون هم هذا الغموض .
وبدا الغموض في حياة الصوفية في كلماتهم وتعبيراتهم منذ عصر الجيلاني , فنقل الإمام الذهبي عن السمعاني قوله : "كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح ديّن خيّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، تفقّه على المخرّمي، وصحب الشيخ حماداً الدباس، وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له، مضيناً لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درساً ما فهمت منه شيئاً، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا لإلفهم كلامه وعبارته" [1]
ومن المصطلحات الصوفية التي لاقت رواجا فيها مصطلح الغيبة وهو مصطلح محمود عندهم بل يمثل حالا من أرقى أحوالهم وتعتبر منزلة محمودة لأخص خواصهم رغم أن المدلول الشرعي الصحيح والقريب للغيبة أنها أمر مذموم في الشرع .
فعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته"[2]
ولم يخف هذا المعنى الشرعي المذموم للغيبة عن الصوفية , فاستعمله الغزالي في الإحياء فقال : "اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم؛ لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام" [3]
أما تعريف الغيبة كمصطلح عجيب محمود عند الصوفية فهو كما يلي :
يقول الكلاباذي " أن يغيب عن حظوظ نفسه فلا يراها" [4] , ويقول القشيري والكمشخانوي: "هي غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق بما يرد عليه، ثم قد يغيب عن غيره فقط، وقد يغيب عن غيره وعن نفسه أيضاً إذا عظم الوارد" [5]
وينشد الكمشخانوي ويقول عن تعريفها :
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ** ويفرح بالتيه الدنيّ وبالأنس
فلو كنت من أهل الوجود حقيقة ** لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي
وكنت بلا حال مع الله واقفاً ** خليّاً عن التذكار للجن والأنس [6]
ويقول الهجويري: "المراد من الغيبة غيبة القلب عما دون الحق إلى حدّ أن يغيب عن نفسه، حتى أنه بغيبته عن نفسه لا يرى نفسه" [7].
وينقل الدكتورعبد الحليم محمود عن سيده أحمد الدردير أنه قال مبيناً حالة غيبته عن نفسه: "حتى لو تكلّم الناس وأنا معهم بكلام وخاطبوني به لا أدري ما قالوا، وهم لا يعلمون مني هذا الحال، لأني صورتي الظاهرية صورة العاقل الصاحي، وهذا أمر عجيب لا يعرفه إلاّ من ذاقه"[8].
إذن فمعنى الغيبة عند الصوفية هو : أن يغيب الإنسان عن فكرة وذهنه ووجوده لا يدري ما يقع في الكون ولا يفهم كلام الناس، فظاهره معهم، وباطنه غائب عنهم، وهذا مقام سنيّ عال عندهم يحوزه كبار أوليائهم ومشايخهم .
وكما للصوفية تعريفهم النظري في معناها تفاخروا في تعاملاتهم بها , فصار كل من يغيب عقله وتذهب حواسه يكون عندهم من أهل الوصول والولاية رغم انه في الشرع الإسلامي الحنيف يرفع عنه القلم حتى يفيق , فكيف يكون النقص دليلا على الكمال ؟؟؟
فكثرت روايات الصوفية في تحقق هذا المعنى في أكابرهم , فيحكون عن ذي النون المصري أنه: "بعث إنساناً من أصحابه إلى أبي يزيد، لينقل إليه صفة أبي يزيد. فلما جاء الرجل إلى بسطام سأل عن دار أبي يزيد: ماذا تريد؟ فقال: أريد أبا يزيد.
فقال: من أبو يزيد؟ وأين أبو يزيد؟ أنا في طلب أبي يزيد , فخرج الرجل، وقال: هذا مجنون , ورجع الرجل إلى ذي النون فأخبره بما شاهد، فبكى ذو النون وقال، أخي أبو يزيد ذهب في الذاهبين إلى الله [9]
ومثل ذلك حكى ابن عجيبة عن الشبلي أنه قال له رجل: أين الشبلي؟ قال: مات، لا رحمه الله [10]
ويحكي القشيري عن أبي نصر المؤذن بنيسابور حكاية عن أبي علي الدقاق، فيقول : "كنت أقرأ القرآن في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق بنيسابور، وقت كونه هناك وكان يتكلم في الحج كثيراً، فأثر في قلبي كلامه، فخرجت إلى الحج تلك السنة، وتركت الحانوت والحرفة، وكان الأستاذ أبو علي رحمه الله خرج إلى الحج أيضاً في تلك السنة، وكنت مدة كونه بنيسابور أخدمه وأواظب على القراءة في مجلسه، فرأيته يوماً في البادية: تطهر ونسي قمقمة كانت بيده، فحملتها، فلما عاد إلى رحلة وضعتها عنده، فقال: جزاك الله خيراً. حيث حملت هذا.
ثم نظر إليَ طويلاً كأنه لم يرني قطَ، وقال: رأيتك مرة. فمن أنت؟ فقلت: المستغاث بالله، صحبتك مدة، وخرجت من مسكني ومالي بسببك, وتقطعت في المفازة بك، والساعة تقول: رأيتك مرة" [11]
وذلك لأنه كان غائباً عن نفسه: وحكى عن أبي عقال أنه "دخل عليه بعض الفقراء فقال له: سلام عليكم. فقال له أبو عقال: وعليكم السلام، فقال الرجل: أنا فلان فقال أبو عقال: أنت فلان، كيف أنت؟ وكيف حالك؟ وغاب عن حالته. قال هذا الرجل، فقلت له: سلام عليكم , فقال: وعليكم السلام، وكأنه لم يرني قط , ففعلت مثل هذا غير مرة، فعلمت أن الرجل غائب فتركته، وخرجت من عنده" [12]
وينقل الصوفية عن الجنيد أنه: "كان قاعداً، وعنده امرأته، فدخل عليه الشبلي، فأرادت امرأته أن تستتر، فقال لها الجنيد: لا خبر للشبلي عنك، فاقعدي.
فلم يزل يكلَمه الجنيد، حتى بكى الشبلي، فلما أخذ الشبلي في البكاء قال الجنيد لامرأته: استتري، فقد أفاق الشبلي من غيبته" [13]
هذا بالنسبة لغيبة الصوفي عن ذهنه وفكره ووجوده، وأما غيبته هو عن الخلق ووصوله إلى الله كما يدَعون، فيروي الأموي "أن الحسن رحمه الله اختفى عند حبيب العجمي من الحجاج، فسعى به، فدخل عليه الشرط، فقالوا: أين الحسن؟ قيل لنا إن الحسن عندك فقال: هل ترون شيئاً؟ ففتشوا الدار كلها وخرجوا وهم لا يرونه، لأنه كان عند الله فلم يروه" [14]
وبهذه المعاني في مصطلح الغيبة عند الصوفية يتضح ابتعاده عن المعاني الإسلامية في أمور :
1- دعواهم بان هذه الحال نتيجة الاستغراق في ذكر الله أو في مراقبته وهذا باطل لان ذكر الله يثمر الراحة والاطمئنان والسكينة كما قال سبحانه "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ "[15] , ولا يمكن بحال أن يثمر ذكر الله عز وجل ذهاب العقل كما يفعل هؤلاء .
2- تخليهم عن المعنى الأقرب للغيبة وهو المذموم الذي لا يوصف به مؤمن الا ويجتهد في التخلي عنه , فقد ورد المعنى في السنة الشريفة وسمي بنفس المصطلح على سبيل ذم الفعل والفاعل , فكان لابد من احترام النص النبوي الشريف .
3- لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس واعبدهم لله وأكثرهم وأخلصهم ذكرا له حدوث مثل هذا الشئ له عند ذكره لربه سبحانه , ولم يثبت عن الصحابة وهم أرقى مقاما من كل الصوفية انه حدث لأحدهم مثلما يدعي الصوفية حدوثه عند ذكر الله , فكيف يدعي الصوفية أن هذا مقام عال لا يصل إليه إلا الخاصة منهم .
4- كرم الله الإنسان بالعقل وكلفه بوجوده , وزوال العقل الطارئ يعفى صاحبه من التكليف لنقص فيه , وزوال العقل الدائم يوصف صاحبه بالجنون وهو ابغض وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يبغض ان يقال عنه ذلك .
ولنا بعد هذا أن نتساءل أخيرا : إلام استند الصوفية في تقرير استحسان هذا المعنى والتصرف ؟ فهل لديهم دليل به من كتاب أو سنة ؟ .
[1] "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي (20/441). .
[2] رواه مسلم (2589).
[3] "إحياء علوم الدين" (3/144).
[4] "التعرف لمذهب أهل التصوف" (ص: 140). .
[5] "الرسالة القشيرية" (1/232), أيضاً "جامع الأصول في الأولياء" للكمشخانوي (ص: 254). .
[6] "جامع الأصول في الأولياء" لأحمد الكمشخانوي (ص: 125).
[7] "كشف المحجوب" للهجويري (ص: 489). .وبمثل ذلك قال الطوسي أنظر: "كتاب اللمع" للطوسي (ص: 416).
[8] "سيدي أحمد الدردير" للدكتور عبد الحليم محمود (ص: 77) ط دار الكتب الحديثة القاهرة.
[9] "الرسالة القشيرية" (1/234, 235), "كشف المحجوب" للهجويري (ص: 490), "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة (ص: 308), "مشارق أنوار القلوب" للدباغ (ص: 103), "ترصيع الجواهر المكية" (ص: 42). .
[10] "إيقاظ الهمم" لابن عجيبة الحسني (ص: 308) ط مصطفى البابي الحلبي القاهرة. .
[11] "الرسالة القشيرية" (1/234). .
[12] أيضاً (ص: 221). .
[13] أنظر: "الرسالة القشيرية" (1/233), أيضاً "طبقات الأولياء" لابن الملقن (211), أيضاً "حياة القلوب" لعماد الدين الأموي (2/273) "بهامش قوت القلوب" لأبي طالب المكي ط دار صادر بيروت. .
[14] "حياة القلوب" لعماد الدين الأموي (2/69) "بهامش قوت القلوب". .
[15] [الرعد: 28].

ليست هناك تعليقات