Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

وسائل التزكية عند الصوفية وابتعادها عن المنهج الإسلامي

وسائل التزكية عند الصوفية وابتعادها عن المنهج الإسلامي بقلم : يحيي البوليني  التزكية هي تنمية القلوب وإصلاحها وتطهيرها , و...


وسائل التزكية عند الصوفية وابتعادها عن المنهج الإسلامي

بقلم : يحيي البوليني 




التزكية هي تنمية القلوب وإصلاحها وتطهيرها , وعكسها التدسية: وهي التصغير والتحقير حتى تصير النفس حقيرة دنيئة لا تكاد ترى من حقارتها ودناءتها , وقال سبحانه "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " , والله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبا ، فكل ما طابت النفس وزكت قربها الله عز وجل ، فتسعد بالله عز وجل ، وتأنس بالله عز وجل ، وتستغني بالله عز وجل. وكلما عصى العبد ربه وصغر نفسه وحقرها بمعصية الله طرده الله عز وجل عن حضرته، وأبعده بقدر جنايته، فتحدث الوحشة بينه وبين ربه عز وجل، وبينه وبين عباد الله المؤمنين، فلو حصلت له الدنيا بحذافيرها لم تعوضه هذه الوحشة.
فالواجب على كل مسلم حتى تزكو نفسه أن يستسلم لشرع الله عز رجل، بعد أن يتحقق قلبه بالتوحيد [1]

وكل ما يتزكى به العبد، من عمل طاعة وترك معصية فإنه بفضل من الله , كما تفضل عليه بالهدى والتوفيق للإيمان، فهو الذي يتفضل عليه بالتوفيق إلى العمل الصالح وترك المعاصي، فقال تعالى: " ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا " , والجمع بين الأمرين القدري والشرعي، بل الله يزكي من يشاء بفضله، ولا تظلمون فتيلا بعدله، والله تعالى أعلم [2]
ويعتقد الصوفية – كما يزعمون عن أنفسهم - أنهم أصحاب الأحوال والمقامات والنفوس الزاكيات، وأنهم أصحاب مناهج في تصفية النفوس وتنقيتها ، وأنهم يختصون بعلم القلوب المقرب من علام الغيوب , لزم البحث في منهجهم في التزكية وغايتها وأدواتها عند الصوفية ومقارنة ذلك بمناهج التزكية وغايتها وأدواتها ووسائلها عن المنهج الإسلامي لنرى مدى القرب أو التباعد بينهما " لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ " .

ولتكن البداية ببيان منهج التزكية عند الصوفية

1- تزكية الأنفس بالسماع والإنشاد والطرب

يدعون أن الاستماع إلى الغناء والطرب والتصفيق والتمايل الذي يمكن ان يصل بالرجل إلى حد التراقص مع ضرب الدفوف أنه من أهم وسائل تزكية النفس عندهم , ويستدلون على ذلك برواية حديث ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون فيه " أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأنشد بين يديه : لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي فتواجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقطت البردة عن كتفيه ، فتقاسمها فقراء الصفة ، وجعلوها رقعا في ثيابهم وقال : " ليس بكريم من لم يتواجد عن ذكر المحبوب " . وقال ابن تيمية عن هذا الحديث : " قال شيخ الإسلام: وهذا حديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وأحواله " [3], وقال الطوفي : هو موضوع باتفاق أهل العلم ، ولم يكن في القرون الثلاثة لا بالحجاز ولا بالشام ولا بالعراق ولا خراسان من يجتمع على هذا السماع المحدث ، فضلا عن أن يكون كان نظيره على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا كان أحد يمزق ثيابه ، ولا يرقص في سماع .

وهذه جملة من أقوال المحدثين حول هذا الحديث الباطل الذي يعتبر عمدتهم في جواز السماع والوجد  , فقال النووي وقد سئل عنه باطل لا تحل روايته ولا نسبته إلى النبي ويعزر من رواه عالما تعزيرا بليغا ولا يغتر بكونه في "عوارف المعارف" وغيره مع أن صاحب العوارف [4] قال " يتخالج سري أنه غير صحيح ويأبى القلب قبوله " , وقال الحافظ الذهبي : " رواته ثقات غير عمار بن إسحاق فكأنه واضعه " ، وقال الألباني موضوع [5].

ولنا أن نقرأ هذا النقل من إحياء علوم الدين للغزالي وهو يقسم السماع إلى الأشعار والغزل مع ضرب الدفوف  إلى أربعة مراتب , فتخيرنا أعلاها منزلة لنرى أرقى مقاماتهم في السماع والوجد ثم لنطلب بعد قراءة هذا السماع أي اثر شرعي يبيح ذلك , فيقول أبو حامد " أعلى المراتب هي مرتبة سماع من جاوز الأحوال والمقامات فعرب عن فهم ما سوى الله تعالى حتى عزب عن نفسه وأحوالها ومعاملاتها، وكان كالمدهوش الغائض في بحر عين الشهود الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه السلام حتى دهشن وسقط إحساسهن. وعن مثل هذه الحالة تعبر الصوفية بأنه قد فنى عن نفسه. ومهما فنى عن نفسه فهو عن غيره أفنى فكأنه فنى عن كل شيء إلا عن الواحد المشهود. وفنى أيضاً عن الشهود فإن القلب أيضاً إذا التفت إلى الشهود وإلى عينه التي بها رؤيته ولا إلى قلبه الذي به لذته، فالسكران لا خبر له من سكره، والمتلذذ لا خبر له من التذاذه، وإنما خبره من المتلذذ به فقط. ومثاله العلم بالشيء: فإنه مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء فالعالم بالشيء مهما ورد عليه العلم بالعلم بالشيء كان معرضاً عن الشيء.ومثل هذه الحالة قد تطرأ في حق المخلوق وتطرأ أيضاً في حق الخالق، ولكنها في الغالب تكون كالبرق الخاطف الذي لا يثبت ولا يدوم، وإن دام لم تطقه القوة بالبشرية، فربما اضطرب تحت أعبائه اضطراباً تهلك به نفسه ... " إلى آخر كلامه الذي لا يمكن أن تجد له نظيرا لا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا في إقراره لصحابته عليه وهم أعلى مكانة من هؤلاء بإجماع الأمة .

ومما يقوله الغزالي ويرويه من مواقف من يصفهم بالعارفين ولنا أن ننظر إلى أي منهج شرعي ينتسبون , فيقول "  روى عن أبي الحسن النوري أنه حضر مجلساً فسمع هذا البيت: ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحير الألباب عند نـزولـه , فقام وتواجد وهام على وجهه. فوقع في أجمة قصب قد قطع وبقيت أصوله مثل السيوف فصار يعدو فيها ويعيد البيت إلى الغداة والدم يخرج من رجليه، حتى ورمت قدماه وساقاه وعاش بعد ذلك أياماً ومات رحمه الله. فهذه درجة الصديقين في الفهم والوجد فهي أعلى الدرجات لأن السماع على الأحوال نازل عن درجات الكمال وهي ممتزجة بصفات البشرية، وهو نوع قصور، وإنما الكمال أن يفنى بالكلية عن نفسه وأحواله؛ أعني أنه ينساها فلا يبقى له التفات إليها كما لم يكن للنسوة التفات إلى الأيدي والسكاكين. فيسمع لله وبالله وفي الله "!!!! [6]

وبالفعل رخص النبي صلى الله عليه وسلم في أنواع من اللهو في العرس ونحوه؛ فرخص للنساء أن يضربن بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على عهده فلم يكن أحد منهم يضرب بالدف ولا يصفق بكف، بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: التصفيق للنساء والتسبيح للرجال" [7]، و " لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء " [8]. ولما كان الغناء والضرب بالدف والكف من عمل النساء كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال مخنثا، ويسمون الرجال المغنيين مخانيثا .

وإن أكبر ضرر يقع بهؤلاء القوم أنهم لا يجدون في قراءة القرآن ما يجدونه في السماع فيبتعدون عن منهج التزكية الحقيقي ويتجهون إلى غيره , وفي هذا يقول شيخ الإسلام " ولهذا يوجد من اعتاده واغتذى به لا يحن إلى القرآن، ولا يفرح به، ولا يجد في سماع الآيات كما يجد في سماع الأبيات، بل إذا سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية وألسن لاغية، وإذ سمعوا سماء المكاء والتصدية خضعت الأصوات، وسكنت الحركات وأصغت القلوب وتعاطت المطلوب , وقال رحمه الله: ومن كانت له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها عرف أن سماع، المكاء والتصدية لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضرر والمفسدة ما هو أعظم منه، فهو للروح كالخمر للجسد، يفعل في النفوس فعل حميا الكؤوس، ولهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر فيجدون فيه لذة بلا تمييز، كما يجد الشارب بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر، يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما يصدهم الخمر، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء أعظم من الخمر، حتى يقتل بعضهم بعضا من غير مس يد بل بما يقترن بهم من الشياطين، فإنهم يحصل لهم أحوال شيطانية بحيث تتنزل عليهم الشياطين في تلك الحال [9].
 2- تزكية النفس بذكر الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا

يزكي الصوفية قلوبهم بذكر اسم الله سبحانه مظهرا بلفظ " الله " أو مضمرا بلفظ " هو " ويستدلون على جواز ذلك بعدة استدلالات رد عليها أهل العلم وهي كلها عبارة عن تحجير لواسع من مرادات آيات في كتاب الله أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك مع عدم إيرادهم لحديث صحيح يظهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أو احد من صحابته الكرام في حضوره لتكون سنة إقرارية وكل أدلتهم لا ترقى لكونها استدلالات لغوية مجتزأة من آيات وأحاديث وتهمل الآيات الأوضح دلالة والأحاديث الأكثر صراحة في الألفاظ المحددة للذكر التي داوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها وحث عليها في يومه وليلته ولم يكن فيها الاسم المفرد لا مظهرا ولا مضمرا

ومن أهم مروياتهم بخصوص اللاسم المفرد ما نقله المناوي عن الشبلي فقال : " فقال له رجل : لم تقول : الله , ولا تقول : لا إله إلا الله ؟ فقال : أستحي من ذكر كلمة النفي في حضرته قال له : أريد أعلى قال : لا أبغي به ضدا , قال : أريد أعلى قال : أخشى أن أوجد في وحشة الجحد , وفي رواية : أخاف أن أموت عند الإنكار فلا أصل إلى القرار , قال : أريد أعلى , قال : قال الله تعالى : ( قل الله ثم ذرهم ... ) , فصعق الرجل ففارقته روحه فتعلقت أولياؤه بالشبلي وادعوا عليه بثأره فخرجت الرسل من الخليفة فسأله عن الجواب ؟ فقال : روح حنت فرنت فدُعيت فأجابت فما ذنب الشبلي فصاح الخليفة : خلوه فلا ذنب له ) [10]

ويقول الكلاباذي وهو يحكي عن احدهم ممن دخلوا في خلوة ليذكروا بالاسم المفرد في مظهر عبادة فيها – ان كانت صادقة – من الغلو الشيئ الكثير وهي عبادة مبتدعة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا سمح باقل منها لصحابته الكرام  , فيقول " قيل للجنيد إن أبا الحسين النوري قائم في مسجد الشونيزي منذ أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام وهو يقول : ( الله الله ) ويصلي الصلوات لأوقاتها فقال بعض من حضره : إنه صاحٍ , فقال الجنيد : لا , ولكن أرباب المواجيد محفوظون بين يدي الله في مواجيدهم فإن رد الفاني إلى الأوصاف لم يرد إلى أوصاف نفسه ولكن يقام مقام البقاء بأوصاف الحق " [11] .

وهذا النص المنقول عن الجنيد مفزع جدا وشديد الخطورة , اذ يقول حينما قيل له أن أبا الحسن النوري قد صاح - وهو اللفظ المعروف عند شهقة الموت - فاستنكر الجنيد – بحسب الرواية – قائلا بأن أرباب المواجيد محفوظون لأنهم ليسوا في طبيعتهم البشرية بل هم في طبيعة أخرى في مقام البقاء بأوصاف الحق , ولهذا استنكر موت النوري , فهل هذا العبادة عبادة إسلامية أو منهج إسلامي للتزكية وهل المفاهيم التي نسبت للجنيد تدخل في المفاهيم الإسلامية ؟

ويقول الإمام العز بن عبد السلام حينما سئل عن الرجل يذكر فيقول ( الله الله ) ويقتصر على ذلك هل هو مثل قوله سبحان الله والحمد الله والله أكبر وما أشبه ذلك أم لا وإذا لم يكن بمثابته فهل هو بدعة لم تنقل عن السلف أم لا ؟

فأجاب : هذه بدعة لم تنقل عن الرسول ولاعن أحد من السلف وإنما يفعله الجهلة والذكر المشروع كله لا بد أن يكون جملة فعلية أو اسمية وهو مأخوذ من الكتاب والسنة وأذكار الأنبياء والخير كله في أتباع الرسول وأتباع السلف الصالحين دون الأغبياء من الجاهلين " [12]

ومن أغرب الوسائل في الذكر قولهم أن ذكر لا إله إلا الله للعوام  و وذكر (الله) للعارفين وهو للمحققين وربما اقتصر أحدهم في خلوته أو في جماعته على (الله الله الله)، على (هو) أو (يا هو) أو (لا هو إلا هو)

3- تزكية الأنفس بتحريم المباح من الأطعمة والأشربة

ينتهج كثير من الصوفية لتزكية أنفسهم - وخاصة في بداية طريقهم – وسيلة تحريم ما أحل الله للمسلمين من المطاعم والمشارب والألبسة , فيتكلفون ما لم يشرعه الله عز وجل من العبادات , فقال ابن الجوزي رحمه الله: " وقد بالغ إبليس في تلبيسه على قدماء الصوفية فأمرهم بتقليل المطعم وخشونته، ومنعهم شرب الماء البارد، وكان في القوم من يبقى الأيام لا يأكل إلا أن تضعف قوته، ومنهم من في بتناول كل يوم الشيء اليسير الذي لا يقيم البدن، وقد كان منهم قوم لا يأكلون اللحم حتى قال بعضهم: أكل درهم من اللحم يقسي القلب أربعين صباحا.
إلى أن قال رحمه الله: وقد صنف لهم أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي كتابا سماه (رياضة النفوس) قال فيه: فينبغي للمبتدي في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله، ثم يفطر فيطعم اليسير، ويأكل كسرة كسرة، ويقطع الإدام والفواكه واللدة ومجالسة الإخوان، والنظر في الكتب، وهذه كلها أفراح للنفس؛ فيمنع النفس لدتها حتى تمتلئ عما. إلى أن قال: وهذا الذي نبهنا عنه من التقلل الزائد الحد قد انعكس في صوفية زماننا فصارت همتهم في المآكل، كما كانت همة متقدميهم في الجوع [13].
وفي الألبسة فقد كانوا يقتصرون على لبس الصوف تقربا إلى الله عز وجل  محتجين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لبس الصوف، وأما لبسه إياه فقد لبس النبي صلى الله عليه وسلم كذلك القطن والكتان، وما روى في فضل لبس الصوف فمن الموضوعات التي لا تثبت، بل تعمد لبس الصوف والدون من الملابس فمن البدع التي تخالف ما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم. قال ابن الجوزي: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين ولقاء الإخوان ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحا [14] ,  وقال: واعلم أن اللباس الذي يزري بصاحبه يتضمن إظهار الزهد، وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله عز وجل، ويوجب احتقار اللابس، وكل ذلك مكروه ومنهي عنه. وقال: وقد كان من الصوفية من إذا لبس ثوبا خرق بعضه وربما أفسد الثوب الرفيع القدر [15].

ويسردون ويستدلون على ذلك بعدة مرويات ينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم معظمها إن لم تكن كلها موضوعة مكذوبة مثل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش " وحديث " جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش "  , و " قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه " و " قال النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف " [16]

وهذا في بداية طريقهم أو فيما هو معلن أمام الناس أما بعد ذلك فيتحول احدهم إلى شره نهم لا يهتم إلا بطعامه وشرابه ولذائذه , فيقول الثعالبي من كتاب ثمار القلوب في المضاف والمنسوب رحمه الله:

- ( أكل الصوفي ) يضرب المثل بأكل الصوفية يقال آكل من الصوفية وآكل من الصوفي لأنهم يدينون بكثرة الأكل ويختصون بعظم اللقم وجودة الهضم واغتنام الأكل وسئل بعض القراء عنهم فقال رقصة أكله وبلغ من عنايتهم بأمر الأكل وشدة حرصهم على قطع أكثر الأوقات به أن نقش بعضهم على خاتمه ( أكلها دائم ) ونقش آخر ( آتنا غداءنا ) ونقش آخر ( لا تبقى ولا تذر ) وفسر أحدهم الشجرة الملعونة في القرآن فقال هي الخلال لمجيئه بعد انقضاء أمر الطعام ووقوع اليأس منه وفسر آخر قوله تعالى ( ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ) فقال إلى المنزل إذا لم تكن دعوة " [17]

ويقول الشيخ الخضير معلقا : " إن ما يتذرع به بعض الطوائف المنحرفة من أن الواحد منهم يجلس أربعين يوم ما يأكل ولا يشرب، أربعين يوم ما يأكل ولا يشرب، ثم بعد ذلك تفتح له الفتوح، ويتراءى له أشياء، ويخبر عن مغيبات، ويكون لديه من المكاشفات والتجليات ما ليس عند غيره , والحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- في سير أعلام النبلاء ذكر عن بعضهم هذا الكلام، وقال: إن هذا هلوسة يعني من الجوع، يتوقع أن شيء رايح وشيء جاي وشيء.. وهو ضرب من الجنون؛ لأن الجوع يورث مثل هذا، فالإنسان إذا جاع جوعاً شديداً يتراءى له أناس غادون ورائحون وأشجار وأنهار، يخيل إليه، وهو ضرب من الهذيان والهلوسة " [18] .

4- تزكية الأنفس بالرهبانية

فيدعي بعض الصوفية تزكية أنفسهم بالرهبانية وترك النكاح رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى النكاح والتناسل ورغب فيهما , ففي الحديث الذي ذهب فيه الثلاثة نفر إلى بيوت البني وسالوا عن عبادته , " فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها فقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) " [19] , ورغم قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيا أجر قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" [20] .



فهل يمكن ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا التحذير الشديد ان يكون بابا من أبواب تزكية النفس ؟

فمن أقوالهم التي تدعو إلى عدم التزوج وترغب في الرهبانية قول أبي سليمان الداراني:  "إذا طلب الرجل الحديث، أو سافر في طلب المعاش، أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا ", وقال أبو حامد: ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج، فإنه يشغله عن السلوك، ويأنس بالزوجة، ومن أنس بغير الله شغل عن الله.
وقال ابن الجوزي بعد أن نقل كلامهما :- وإني لأعجب من كلامه أتراه ما علم أن من قصد عفاف نفسه ووجود ولد أو عفاف زوجته فإنه لم يخرج عن جادة السلوك، أو يرى الأنس الطبيعي بالزوجة ينافي أنس القلوب بطاعة الله تعالى، والله تعالى من على الخلق بقوله " خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " , وفى الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له "هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك" [21] , وما كان بالذي يدله على ما يقطع أنسه بالله تعالى، أترى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان ينبسط إلى نسائه ويسابق عائشة رضي الله عنها أكان خارجا عن الأنس بالله، هذه كلها جهالات بالعلم , إلى أن قال:- وقد حمل الجهل أقواما فجبوا أنفسهم، وزعموا أنهم فعلوا ذلك حياء من الله تعالى، وهذه غاية الحماقة؛ لأن الله تعالى شرف الذكر على الأنثى بهذه الآلة، وخلقها لتكون سببا للتناسل، والذي يحب نفسه يقول بلسان الحال الصواب ضد هذا. [22] , وبالتأكيد أن هذه الرهبانية تسربت إلى الصوفية من النصارى .

فهذا هو المنهج الصوفي في التزكية ووسائله وهو بعيد كل البعد عن المنهج الإسلامي كما فصل علماؤنا الأجلاء فمعظم هيه الوسائل مخالفة لما عليه الكتاب والسنة ولا تثبت على قدمين اذا نوقشت من قبل أهل العلم , وبالطبع إذا ناقشهم احد سيقولون انتم لكم الظاهر ولنا الباطن , فانتم أهل الشريعة ونحن أهل الحقيقة , وسيتهمون من أمامهم بالجهل وقلة الذوق وعدم الفهم وسوء الأدب مع الأكابر وغير ذلك من الاتهامات التي تعبر عن ابتعادهم عن المنهج الإسلامي في الوسائل وفي الأهداف , ولعل اكبر اتهاماتهم أننا لم نسلك طريق التزكية الوحيد المعتبر لديهم وهو السلوك عن طريق شيخ مرشد فلا يمكن الوصول للصوفية إلا عبر هذا الممر .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1] الشيخ عطية سالم في تتمة (الأضواء)

[2] باختصار من "أضواء البيان" (9/ 247 –249).

[3] "مجموع الفتاوى" (11/ 598).

[4] شهاب الدين عمر السهروردي

[5] كما في الضعيفة (558)

[6] إحياء علوم الدين - أبو حامد الغزالي - كتاب آداب السماع والوجد

[7] أخرجه مسلم في الصلاة (1/ 318) وبوب عليه النووي : باب تسبيح الرجل، وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة.

[8] رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما

[9] "مجموع الفتاوى" (11/ 573/ 574).

[10]  طبقات المناوي  1/560 في ترجمة الشبلي ونحوه في مفتاح الفلاح لابن عطاء الله ص 37

[11] التعرف للكلاباذي 131

[12] في مواهب الجليل 6/290 وفتاوى عليش 1/14:

[13] "تلبيس إبليس" (206 - 221) باختصار.

[14] "تلبيس إبليس" (198).

[15] "تلبيس إبليس" (200).

[16] وهذه المرويات كلها لا اصل لها في الإسلام ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم

[17] الثعالبي في  كتاب ثمار القلوب في المضاف والمنسوب

[18] الشيخ المحدث عبد الكريم الخضير في الشريط الثاني من شرح عمدة الاحكام , تحت عنوان : ليست فتوحا ربانية وإنما هلوسة صوفية سببها الجوع والعطش

[19] متفق عليه واللفظ للبخاري .

[20] صحيح مسلم (1006).

[21] رواه البخاري (2967) واللفظ له ومسلم (715).

[22] باختصار من "تلبيس إبليس" (292،296).

ليست هناك تعليقات