Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

مراجعة الصوفية لأخطائهم ... نقد دون تصحيح

مقال بعنوان : مراجعة الصوفية لأخطائهم ... نقد دون تصحيح بقلم : يحيي البوليني  لم يتعرض بالنقد لرموز وأعلام صوفية مخالفوهم والمنكرون ع...

مقال بعنوان : مراجعة الصوفية لأخطائهم ... نقد دون تصحيح
بقلم : يحيي البوليني 


لم يتعرض بالنقد لرموز وأعلام صوفية مخالفوهم والمنكرون عليهم فقط , بل تعرض كبار الصوفية ومشاهيرهم للنقد على أيدي متصوفة آخرون , فقالوا فيهم أكثر مما قاله مخالفوهم باعتبار أن أهل البيت أدرى بما فيه .

ولكن الشاهد في الأمر وهو الأصعب منطقا ومنهجا أن ثمة تواتر عند منتقدي الصوفية يصر إلى انتقاد المعاصرين والثناء على السابقين مع الاحتفاظ بكل الكلمات والمعاني الباطلة والأفعال المنكرة التي ذموا من ذموهم بسببها , فمن الخطأ إطلاق وصف النقد الذاتي عليها , فما النقد الذاتي إلا مرحلة أولى – ضرورية وليست كاملة - لابد وان تعقبها مرحلة تالية بالتصحيح , فما قيمة النقد إن لم يكن بعده تصحيح وتبرؤ من الخطأ وممن أصر عليه , وتحذير مما يقول به وحذف من كتب القوم إن كان قد دس عليهم بالفعل , أما إن كان الأمر مجرد إظهار لعورات الغير فحسب فلن يعدو كونه نوعا من الفضح للغير لتعظيم الذات , وهذا هو حاصل ذم الصوفية لبعضهم .

ولعل أهم ما تتسم به تلك كتابات التي نقدت ممارسات أهل الصوفية هو إصرار كل الناقدين أن ممارسات هؤلاء ليست من أعمال التصوف الحقيقي – كما يزعمون – وان تصرفات وممارسات هؤلاء أساءت إلى الصوفية الحقيقية التي يدعونها , وهكذا في كل عصر من عصور الصوفية يخرج منهم من ينتقد تصرفات المعاصرين منهم وينعونهم بأنهم " أدعياء الصوفية " .

ولعل من أهم وابرز من قام بهذا الدور هو أبو نصر السراج [1] , حيث كتب في كتابه "اللمع في التصوف" وهو من أعمدة كتب التصوف , وكتب فقرة طويلة قرابة ثلاثين صفحة ليتحدث عن ممارسات هؤلاء وأخطائهم وسماهم بـ "الغالطين في التصوف" وقسمهم إلى ثلاث فئات أو بحسب تعبيره طبقات , فقال :

"فطبقة منهم غلطوا في الأصول: من قلة إحكامهم لأصول الشريعة، وضعف دعائمهم في الصدق والإخلاص، وقلة معرفتهم بذلك، كما قال بعض المشايخ حيث يقول: إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول.

وطبقة ثانية منهم غلطوا في الفروع، وهي الآداب والأخلاق والمقامات والأحوال والأفعال والأقوال – فكان ذلك من قلة معرفتهم بالأصول، ومتابعتهم لحظوظ النفوس ومزاج الطبع، لأنهم لم يدنوا ممن يروضهم ويجرعهم المرارات ويوقفهم على المنهج الذي يؤدبهم إلى مطلوبهم. فمثلهم في ذلك كمثل من يدخل بيتًا مظلمًا بلا سراج، فالذي يفسده أكثر مما يصلحه، وكلما ظن أنه قد ظفر بجوهر نفيس لم يجد معه إلا خزفًا خسيسًا لأنه لم يتبع أهل البصيرة الذين يميزون بين الأشباه والأشكال والأخلاق والأجناس. فعند ذلك يقع لهم الغلط، ويكثر منهم الهفوة والشطط: فهم متحيرون ومتفرقون بين منهزم ومفتون، ومتجبر ومحزون، ومغتر بالظنون؛ ومحترف بالجنون، ومتلبس بالمجون، ومكمد بالشجون، ومدع ومفتون ومتمن للمنون. فسبحان من قسم لهم بذلك، وهو العالم بدائهم ودوائهم، وسقمهم وشفائهم.



والطبقة الثالثة كان غلطهم فيما غلطوا فيه زلة وهفوة، لا علة وجفوة. فإذا تبين ذلك عادوا إلى مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، فسدوا الخلل، ولموا الشعث وتركوا العناد وأذعنوا للحق وأقروا بالعجز؛ فعادوا إلى الأحوال الرضية والأفعال السنية والدرجات الرفيعة، فلم تنقص مراتبهم هفوتهم، ولم تظلم الوقت عليهم جفوتهم، ولم تمتزج بالكدورة صفوتهم.

وكل طبقة من هذه الطبقات الثلاث على أحوال شتى من التفاوت والإرادات والمقاصد والنيات , فمن غلط في الأصول فلا يسلم من الضلالة، ولا يرجى لدائه دواء إلا أن يشاء الله ذلك. والغلط في الفروع أقل آفة وإن كانت بعيدة من الإصابة ".[2]

وكان أول من أفرد لهذا الموضوع مؤلفا خاصا هو أبو عبد الرحمن السلمي الذي كتب فيه رسالة عنوانها "رسالة في غلطات الصوفية" , ولم يبعد السلمي كثيرا عما كتبه السراج في ما سماه بغلطات الصوفية وهو اللفظ الذي لا يرقى لما حدث من كثير منهم من ضلالات وأباطيل .

وكتب أبو حامد الغزالي[3] في كتابه "المنقذ من الضلال" بعض "غلطات" الصوفية محاولا الاعتذار عنهم بان الأخطاء يتعذر عدم الوقوع فيها , فقال : "ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ  صريح لا يمكنه الاحتراز عنه. وعلى الجملة ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة: الحلول، وطائفة: الاتحاد، وطائفة: الوصول. وكل ذلك خطأ. وقد بينا وجه الخطأ في كتاب "المقصد الأسني" [4]

وكتب أبو حفص عمر بن محمد السهروردي[5] فصلا في كتابه الأشهر "عوارف المعارف" بعنوان "من انتمى إلى الصوفية وليس منهم". وفيه ذم القلندرية فقال أنهم خربوا العادات وطرحوا التقيد بالآداب الاجتماعية , لكنه في الوقت نفسه فرق بين القلندرية والملامية المشتركين في نفس الأفعال المنكرة تقريبا , فوصف الملامتية بأنهم يكتمون العبادات لكنهم يتمسكون بكل أبواب البر والخير !! .

وكان من اشد أصحاب الكلمات تقريعا للصوفية لكنها على نفس المنهج السابق نفي الأخطاء عن الصوفية كفكرة وإلصاقها فيمن يسمونهم بالمدعين , فقال القشيري - صاحب كتاب الرسالة الشهير – فقال في مقدمتها أنّ المتصوفة في زمانه قد ابتعدوا كثيراً عن التصوف الحقيقي , فقال " إن المحققين من هذه الطائفة – يقصد الصوفية ـ انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا من هذا من الطائفة إلا أثرهم , حصلت الفترة في هذه الطريقة، لا بل اندرست الطريقة بالحقيقة، مضى الشيوخ كانوا بهم اهتداء وقلّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ,  ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال وادعوا أنهم تحرروا عن رقّ الأغلال وتحققوا بحقائق الوصال وأنهم قائمون بالحق تجري عليهم أحكامه , وزال الورع واشتد الطمع وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة ، فعدوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييز بين الحرام والحلال ، واستخفوا بأداء العبادات ، واستهانوا بالصوم والصلاة ، وركضوا في ميدان الغفلات ، وركنوا إلي إتباع الشهوات ، وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات ، والارتزاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان ، ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الفعال ، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادعوا أنهم تحرروا  عن رق الأغلال ، وتحققوا بحقائق الوصال ، وأنهم قائمون بالحق ، تجرى عليهم أحكامه وهم محو،وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يزرونه عتب ولا لوم  وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ،واختطفوا عنهم بالكلية ، وزالت عنهم أحكام البشرية ، وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية ، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا . وأشفقتُ على القلوب أن تحسب هذا الأمر-على هذه الحالة- علقتُ هذه الرسالة إليكم" [6]

ومن هذا يتبين أن الصوفية لم يكونوا جادين في النقد الذاتي , فالنقد الذاتي الصوفي كان يتسم بسمات ثلاث :

الأولى انه ذم للتصرفات الشخصية ولم يكن مناقشا لأصل الفكرة الصوفية فبالتالي هي ليست نقدا منهجيا بل مجرد امتصاص لغضب المخالفين وتبرؤ من تصرفات صوفية لا يمكنهم تبريرها ولا إنكارها .

الثانية : أنها ذم لتصرفات البعض وليس الكل ممن يسمونهم بالأدعياء وهم أول من يضحي بهم الصوفية عند انكشاف حقيقة تصرفاتهم واجترائهم على الشريعة .

الثالثة : أنهم لم يرجعوا أسباب هذه المنكرات والأباطيل إلى المنهج الصوفي ولا العقائد الفكرية الخاطئة بل أرجعوها إلى الممارسات البشرية التقصيرية فحسب وهو الأمر الذي ينسف فكرة النقد الذاتي الصوفي .

الثالثة : أنهم ذموا معاصريهم في كل عصر بينما كرموا السابقين عليهم , وما وصل إليه الصوفية من انحلال عن الشريعة إلا نتيجة لما زرعه السابقون فيهم فلم يكن هناك أي منهج علمي للنقد الذاتي .

الرابعة : لم ينقوا كتبهم ومراجعهم الفكرية من هذه الضلالات بل تركوها لتفسد المسلمين جيلا بعد جيل .

فهل يمكن ان توضع كتابات هؤلاء الذامين في بعض التصرفات الصوفية في مقام النقد الذاتي للصوفية أم مجرد كلمات ليس لها صدى ؟




[1] أبو نصر السراج (المتوفى سنة ۳۷۸هـ/ ۹۸۸م)

[2] اللمع في التصوف (ص ٤۰۹ – ٤۳٥) نشرة نيكلسون، ليدن سنة ۱۹۱٤.

[3] أبو حامد الغزالي (المتوفى سنة ٥۰٥هـ/ ۱۱۱۱م)

[4] أبو حامد الغزالي: ‹‹المنقذ من الضلال›› ص ٥۰، القاهرة بدون تاريخ، مكتبة الجندي.

[5] أبو حفص عمر بن محمد السهروردي  (المتوفى سنة ٦۳۲هـ/ ۱۲۳٤م)

[6] من مقدمة كتاب: الرسالة القشيرية , للقشيري تحقيق: الإمام الدكتور عبد الحليم محمود، الدكتور محمود بن الشريف -  دار المعارف، القاهرة

ليست هناك تعليقات