البداية تغيير مفاهيم الناس و تغيير البيئة من بيئة جاهلة الى بيئة علمية بقلم يحيي البوليني ففي جهود ه صلى الله عليه وسلم ...
البداية
تغيير مفاهيم الناس
وتغيير البيئة من بيئة جاهلة الى بيئة علمية
بقلم يحيي البوليني
ففي جهوده صلى الله عليه وسلم لنشر الثقافة العلمية وجعلها ميدان سباق لأمته
أنزلت عليه آيات ظل يعلمها ويفقهها للناس مثل الآية الكريمة "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" وفيها بيان لعظيم فضل العلم والعلماء واختلافهم
في المنزلة عن الذين لا يعلمون ليدفع الناس إلى طلب العلم ويذكر لهم قول الله
عز وجل " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ"
وظل يردد عليهم كلمات في فضل العلم وطلبه فقال صلى الله عليه وسلم من سلك
طريقًا يبتغي فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها
رضاءً لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى
الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء
ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذ
به أخذ بحظ وافرٍ([1].
وظل صلى الله عليه وسلم يحرك هممهم لطلب العلم وأنه خير من طلب المال فقال عقبة
بن عامرٍ رضي الله عنه :- خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال أيكم يحب أن يغدو كل يومٍ
إلى بطحان أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثمٍ ولا قطع رحمٍ
فقلنا يا رسول الله نحب ذلك قال أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين
من كتاب الله عز وجل خيرٌ له من ناقتين وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ وأربعٌ خيرٌ له من
أربعٍ ومن أعدادهن من الإبل([2].
ويقول معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنهما سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول من يرد الله به خيرًا يفقهه في
الدين وإنما أنا قاسمٌ والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمةً على أمر الله لا
يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله([3].
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن الفضل العظيم للعلم مع المال
إذا اجتمعا أما إذا افترقا فالفضل للعلم يقينا عن جمع المال
, فالمال بلا
علم ضار لأهله فلا يجلب لهم خيرا ولا يدفع عنهم شرا فيقول صلى الله عليه وسلم وهو
يقسم كما يروي أبو كبشة الأنماري رضي
الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:- ثلاثةٌ أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا
فاحفظوه قال ما نقص مال عبدٍ من صدقةٍ ولا ظلم عبدٌ مظلمةً فصبر عليها إلا زاده
الله عزا ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقرٍ أو كلمةً نحوها
وأحدثكم حديثًا فاحفظوه قال إنما الدنيا لأربعة نفرٍ عبدٍ رزقه الله مالًا وعلمًا
فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبدٍ رزقه
الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلانٍ
فهو بنيته فأجرهما سواءٌ وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله
بغير علمٍ لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث
المنازل وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول لو أن لي مالًا لعملت فيه
بعمل فلانٍ فهو بنيته فوزرهما سواءٌ ([4].
وجعل العلم من الباقيات الصالحات للإنسان بعد موته فأخبر أبو هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من
ثلاثةٍ إلا من صدقةٍ جاريةٍ أو علمٍ ينتفع به أو ولدٍ صالحٍ يدعو له([5].
ولم يرغب سيدنا محمد في تعلم العلم للرجال فقط بل وللنساء أيضا ووصل به
إلى حد الموالي أو العبيد فرغب فيه لتعلو قيمة العلم ببذله للجميع فقال أبو بردة عن أبيه رضي
الله عنهما قال
: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثةٌ لهم أجران رجلٌ من أهل
الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه
ورجلٌ كانت عنده أمةٌ فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها
فتزوجها فله أجران) ([6].
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم أن العلم ليس ترفا من كماليات المسلم بل هو من الأساسيات
لكل قادر عليه فقال صلى الله عليه وسلم " طلب العلم فريضة على كل مسلم "
[7] والمسلم هنا تعني الذكر
والأنثى وليس الذكر فقط
ورغب صلى الله عليه وسلم في نشر العلم بعد تعلمه لأن زكاة العلم إنفاقه
وتعليمه للناس وأن كتمان العلم مهلك لصاحبه فقال أبو أمامة y قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم إن
الله عز و جل و ملائكته و أهل السماوات و الأرض حتى النملة في جحرها و حتى الحوت
ليصلون على معلم الناس الخير [8]
وروى عثمان بن عفان رضي الله عنه -
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خيركم من
تعلم القرآن وعلمه([9]
وكان يأمر أصحابه وكل من يأتيه ليتعلم أن يذهب ويعلم قومه من ذلك العلم فيقول
مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال لنا
النبي صلى الله عليه وسلم ( ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ) [10]
ويدعو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لرجل سمع منه علما فحفظه ثم أبلغه لمن
بعده كما هو فيقول زيد بن ثابت رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو
أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه
[11]
وحذر من كتمان العلم وتوعد من يفعل ذلك فيقول عبد الله بن عمرو رضي
الله عنهما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة
بلجام من نار " [12]
وعلمهم أن يطلبوا العلم النافع وأخبرهم أن العلم نوعان علم نافع وعلم ضار
فالعلم النافع هو الذي يضيء للناس طريقهم ويستفيد منه معظم الناس سواء في العلم
الدنيوي أو في العلم الشرعي فلا تفرقة في الإسلام بينهما ولهذه كان يعلم صحابته أن
يدعوا الله كثيرا أن يوجههم ويعينهم على سلوك طريق العلم النافع فيقول جابرٍ قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم سلوا الله
علمًا نافعًا وتعوذوا بالله من علمٍ لا ينفع([13].
والعلم الضار كأي علم يؤدي إلى هلاك البشرية أو الضرر بها في أمنها
وسلامتها فهذا علم يمنعه الإسلام ويجرمه حتى لو كان فيه أذى لرجل واحد أو امرأة
واحدة كما قال الله سبحانه " فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ
بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ
عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا
شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"
فإذا كان الإسلام ينهى عن تعلم علم يتسبب فقط في التفريق بين الرجل وزوجته
ويعتبر صاحبه أنه ليس له في الآخرة نصيب مطلقا
فكيف بالعلم الذي يتسبب في إبادة
شعوب بأسرها ؟!
وحرص رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم على أن يربط في أذهان
صحابته بين
قلة العلم وقيام الساعة إذ أخبرهم أن من أماراتها قلة العلم فقال أنس بن مالكٍ:(
لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحدٌ بعدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل
ويظهر الزنا وتكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأةً القيم الواحد) [14].
ويقول أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:- يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر
الهرج قيل يا رسول الله وما الهرج فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل( ([15].
وبهذه الأوامر والنواهي وبهذا الجهد الجهيد الذي قام به رسول
الله صلى الله عليه وسلم نشأت
هناك بيئة علمية ثقافية في هذا المجتمع الأمي حتى برزت ظاهرة صحية أن يكون حديث
الناس وخلافهم حول المسائل العلمية فيذكر ابن عباس ويقول أنه تمارى هو والحر بن قيس
بن حصنٍ الفزاري في صاحب موسى قال ابن عباسٍ هو خضرٌ فمر بهما أبي بن كعبٍ فدعاه
ابن عباسٍ فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى
لقيه هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول بينما موسى في ملإٍ من بني
إسرائيل جاءه رجلٌ فقال هل تعلم أحدًا أعلم منك قال موسى لا فأوحى الله عز وجل إلى
موسى بلى عبدنا خضرٌ فسأل موسى السبيل إليه فجعل الله له الحوت آيةً وقيل له إذا
فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه وكان يتبع أثر الحوت في البحر فقال لموسى لفتاه { أرأيت إذ أوينا إلى
الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره } { قال ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما
قصصًا } فوجدا خضرًا فكان من شأنهما الذي قص الله عز وجل في كتابه ( ([16].
وهذا التطور الخطير ما كان ليرى في
هذا المجتمع إلا بجهود عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم المعلم
[7] صحيح ابن ماجة للالباني
183
[8] صحيح الجامع 4213
[10] صحيح البخاري 602 في باب
الحث على طلب العلم
[11] رواه أصحاب السنن وذكره
الألباني في السلسلة الصحيحة ( صحيح ) التعليق الرغيب 64 / 1 : الروض النضير 276
تخريج مساجلة علمية ص 32 : سلسلة الصحيحة 403 . ( 18 ) باب من بلغ علما
[12] رواه ابن حبان في صحيحه
والحاكم وقال صحيح
لا غبار عليه وفي صحيح الترغيب والترهيب 121

ليست هناك تعليقات