مقال : المحافظة على البيوت .. فن يجب إتقانه بقلم يحيي البوليني لا يعتبر فخرا لأحدنا أن يضغط بقدمه ضغطة بسيطة فتتحرك ل...
مقال : المحافظة على البيوت .. فن يجب إتقانه
بقلم يحيي البوليني
لا يعتبر فخرا لأحدنا أن يضغط بقدمه ضغطة بسيطة فتتحرك لها سيارته , ولا يمكن كذلك أن تكون بطولة أن يعطي الربان إشارة البدء فتتحرك السفينة الضخمة وتفارق الشاطئ لتخوض عباب البحر الهائج , فمجرد البدء في شئ ليس بطولة ولا فخرا .
ولكن الفخر الحقيقي والبطولة الرائعة أن يحافظ قائد السيارة عليها في مواجهة عقبات الطريق وأن يصل الربان بالسفينة إلى غايتها دول أن تفقد الطريق ولا تصاب بالأذى , فهذا هو محل الفخر والبطولة .
وفي العلاقات الزوجية والحياة الأسرية ليس صعبا لأي إنسان أن يبدأ حياة زوجية , فتعتبر أسهل المراحل بالنسبة لشاب في مقتبل حياته يبلغ مبلغ الرجال أن يذهب إلى بيت من بيوت المسلمين ليتقدم لهم طالبا الزواج من ابنتهم , وما أسهل على أهل الفتاة كذلك المفاضلة بين خاطب وغيره , فالعقبات التي توجد في هذا التوقيت غالبيتها مالية أو مادية , لكن البطولة في ما سيأتي بعد , وهي التي تحتاج منهما إلى الجهد الأكبر والعمل الأصعب والتضحية الأعظم في المحافظة على هذا البيت من التصدع والانهيار وبلوغ أهدافه .
والتصدعات التي تصاب بها البيوت وربما الانهيارات كذلك قد لا تكون مرئية ملموسة للجميع بوقوع الهجر أو الطلاق , فعلى الرغم من كثرة نسب الطلاق التي ابتليت بها أممنا إلا أن هناك تصدعات أكبر وأشد وأخطر ولها جذور أعمق , ألا وهي التصدعات غير المرئية التي تصل في بعض الأحيان إلى وجود حالة من الطلاق المعنوي بمفارقة كل زوج لزوجته واقعا وشعورا حتى وإن بدا للناس غير ذلك بأن البيت متماسك ومستمر .
إن النظم العالمية الحالية الآن تحارب الزواج والأسرة , فالأسرة هي ضمان أمن المجتمعات , وبتماسكها يتماسك المجتمع وبانهيارها ينهار , وعلى قدر الأخطار التي تتعرض لها الأسرة يكون الخطر الذي يتهدد كل مجتمع .
فالقرارات الأممية تحارب الزواج الشرعي بين رجل وامرأة , واعتمدت نماذج أخرى للعلاقات غير الشرعية بين رجلين أو امرأتين واعتبرتها أنواعا مقبولة من الأسر وسموها بالأسر غير النمطية في حين أطلقوا على الزواج الشرعي أنه علاقة نمطية , ولا يخفى مدلول هذه التعريفات في هدم الكيان الأسري .
والعالم كله بما فيه من ثورة مستعرة تشعل كل ما يتعلق بالغرائز من جهة وتحارب الزواج من جهة أخرى ليؤكد أن العالم – كغالبية - يتضافر في منظومة واحدة حول محاربة الفضيلة المتمثلة في الزواج والعفاف .
إذن فبطولة الرجل كقائد لسفينة بيته في العبور بهذه الأسرة إلى بر الأمان وأن يصل بها إلى غايتها وان يتجاوز عقباتها وينتصر عليها , وبطولة الزوجة كذلك أن تتعاون من زوجها على أداء تلك المهمة , وربما يفرض الواقع على الكثيرات منهن أن تحاول كل واحدة منهن إيقاظ زوجها لو غفل أو تذكيره لو نسي بمهمته الأساسية لكي ينقذا أسرتهما من الغرق .
ومن أشد الأخطار التي تواجهها الأسرة والذي يضرب أصولها في الصميم خطر التفريق بين الزوجين , وهو الخطر الذي يجتمع عليه شياطين الإنس والجن معا , ففي الحديث الذي رواه الإِمام مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي النَّاسِ فَأَقْرَبُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدَهُمْ فَيَقُولُ مَا زِلْتُ بِفُلاَنٍ حَتَّى تَرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولَ إِبْلِيسُ لاَ وَاللَّهِ مَا صَنَعْتُ شَيْئاً. وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَـيْنَهُ وَبَـيْنَ أَهْلِهِ. قَالَ فَيُقَرِّبُهُ وَيُدْنِيهِ (ويلتزمه) وَيَقُولُ نِعَمَ أَنْتَ" .
وبالمثل لا تهدأ شياطين الإنس عن نفس الهدف فتحاول التفرقة بين الزوجين بكل ما أوتيت من قوة , فوسائل الإعلام بأنواعها - على سبيل المثال - لا تسلط الضوء على الفضائل لتحث الناس عليها بل تصنع المشكلات وتعمقها وتزيد النار إذكاء , وتنشر الرذائل بأنواعها حتى يسخط كل زوج على زوجته وتزهد كل زوجة زوجها فتحل البغضاء محل الحب في البيوت فيفترق الزوجان ماديا أو معنويا .
ومن النقاط التي يتم استغلالها كثغرات في العلاقة الزوجية والتي يتم منها التسلل للبيوت نقطتان في غاية الأهمية وهما :
أولا بالنسبة للرجل : فتنته في جمال المرأة وزينتها
فبعد الزواج يحدث أن يقل اهتمام كثير من الزوجات بجمالهن وبجمال بيوتهن , وربما تختفي اللمسة الجمالية فيهن أو في البيوت , وبالطبع فبعضهن معذورات في ذلك لضغوط البيت والأسرة والأبناء , لكن في غالب الأحوال تغفل الزوجة أو تنسى أن للرجل عيونا تنطلق في كل مكان تحتاج إلى إعفاف من زوجته وصيانة له ليعف نفسه عن الحرام في النظر وما يمكن أن يستتبعه .
ولا يمكن تعليق الأمر على الزوجة وحدها , فعلى الرجل أن يغض بصره فهو مأمور بذلك وهو مسئول عن نفسه وعليه أن يعد أجوبته قبل لقائه بربه , فكل منا سيحاسب وحده عن نفسه , ولكن الزواج إعفاف ووجاء كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم , وكما وضح عليه الصلاة والسلام أن نظر الزوج لزوجته وسروره بها أول كنوز الزواج , فقال : " ألا أخبرك بخير ما يكتنز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته. [1]
فعلى كل زوجة أن تعلم أن كل ما حولها يسعى أن يجمل كل النساء في عين زوجها إلا هي , فعليها بعد أن تدرك ذلك أن تحاول أن تجمل نفسها بكل ما أحل الله لها من وسائل , وعليها أن تجعل بيتها جميلا هادئا يحب كل إنسان أن يتواجد فيه لا على أن يفر منه .
ثانيا بالنسبة للمرأة : فتنتها في اهتمام الرجل وحسن كلماته ورقته.
بعد الزواج يقل اهتمام كثير من الرجال بزوجاتهم , فيعتبرها الكثيرون أضحت ملكا مضمونا له , أسيرة في بيته قد أغلقه عليها , فلا خشية عليها ولا قلق , وبالتالي فلا اهتمام منه ولا سؤال ولا تفقد , ولا لكلمة حانية ولا رقيقة , ولا لفعل يسعدها إلا في لحظات معينة يعود بعدها كل شئ إلى ما كان عليه .
ويخطئ من يقول الآن أو يظن أنه هناك مكانا مغلقا يأمن فيه الإنسان على من عنده , فالانترنت والهواتف ومواقع التواصل وبرامج المحادثات ما تركت خدرا مغلقا ولا سترا محفوظا إلا – من رحم الله – عندما تكون المراقبة لله ذاتية من الإنسان نفسه بخشيته لربه في السر والعلن , أما غير ذلك فكل من يظن أن بإمكانه السيطرة والعزل فهو واهم أو مخدوع .
ولذا فقد ترى الزوجة نماذج من الرجال التي لا تجد أمثالهم في البيوت , تأتيهن من المسلسلات اللاتي يرين أبطالها وهم في أعلى درجات الاهتمام بالمرأة , أو يرينها في أناس واقعيين على مواقع التواصل حيث تنتشر الذئاب بكل وقاحة فلا يتركوا واحدة منهن دون أن يلقوا شباكهم حولها , ولا يملون منها أبدا حتى لجأت كثيرات من العفيفات لتغيير الصفة واختيار أسماء رجال طردا لهؤلاء الذئاب .
وقد يأتي النموذج ممن لا يفترض بهم اني يأتي منهم التخوف والضرر , فقد تأتي الفتنة في الشيخ الذي يحاضر الناس ويعلمهم , أو المنشد الذي يتغنى بكلمات تسمى بالأناشيد , فيكثرون من وضع الصور الفاتنة لهم وخاصة إن كانوا ممن أنعم الله عليهم بوسامة الوجه أو بحسن الابتسامة أو بلطف كلمات , فلا يراعون أن هناك نساء يشاهدنهم وربما تكون فتنتهن في صور من سمتهم الصلاح , فلا يعين هؤلاء الكرام النساء على غض البصر وربما تفسد بيوت بسببهم .
وكم قرأنا عن ملتزمات ابتعدن كثيرا عن الالتزام والاحتشام وساءت علاقتهن الأسرية بسبب الاهتمام الذي أعطاه أحدهم لها وهي تفتقد الاهتمام في بيتها من زوجها الذي لا يسال ولا يهتم ويتفقد .
فعلى الزوج أن يهتم بزوجته ويرعاها ويخصص لها وقتا ليسمع منها , فقدوته وقدوتنا رسولنا عليه الصلاة والسلام الذي استمع لأمنا عائشة وهي تسرد قصة طويلة تعرفي بحديث أم زرع لا لشيئ إلا ليقوم بحقها كزوجة في الاستماع إليها حتى لو لم تكن هناك فائدة مما ستقوله , وكان يتفقدها في مرضها ويظهر لها اهتمامه بها وغير ذلك من التصرفات التي كان يتصرف فيها خير زوج صلى الله عليه وسلم .
هذان الخطران هما أول الأخطار التي تترض لها الأسرة المسلمة والحياة الزوجية , اهتمام المرأة بجمالها المادي والمعنوي وبجمال بيتها واهتمام الرجل وتخصيصه لوقت لزوجته للاهتمام بها وتفقدها ومؤانستها وتخليه عن كل شئ في الوقت الذي يخصصه لها ويبتعد فيه عن كل شئ بحيث لا يظهر وكأن اهتمامه بها له وقت مخصوص لطلب مخصوص وبعده لاشئ .

ليست هناك تعليقات