Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

آفة البر مَوْسَمُتُه

مقال بعنوان : آفة البر مَوْسَمُتُه بقلم : يحيي البوليني  وكأن حياتهم تنقصها الوحشة والوحدة القاتلة التي تثقل قلوبهم وأنفسهم وتملؤها ...

مقال بعنوان : آفة البر مَوْسَمُتُه
بقلم : يحيي البوليني 



وكأن حياتهم تنقصها الوحشة والوحدة القاتلة التي تثقل قلوبهم وأنفسهم وتملؤها بالاكتئاب فتم إيداع الآباء والأمهات المسنين في دار تسمى بدار المسنين في أبعد مكان في أطراف بلدي , فعندما ينتصف النهار تنقطع أرجل الموظفين عنهم ويشعرون بغروب حياتهم , فالملل والاكتئاب يملئان المكان وخاصة أنه يجاور دارا أخرى للأيتام , فجمع المكان الغريبين معا , وكأنهم يقضون عقوبة مفروضة عليهم دون ذنب جنوه .

لكن اليوم بدا الأمر مختلفا جدا بصورة غير طبيعية ولا معتادة , فلقد مررت على المكان الموحش فوجدت فيه حركة جديدة وغريبة , وجدت ازدحاما كبيرا , شبابا صغيرا في السن يتحرك على هيئة مجموعات , سيارات تملا المكان تنبئ عن زيارات لهؤلاء المسنين محملة بالهدايا .

فما أسعد هؤلاء الآباء والأمهات في أيام معاناتهم الأخيرة بمثل هذه الزيارات , لكن فرحتهم لا تدوم ولن تدوم , فابتساماتهم باهتة بحجم الألم الذي يعتصر قلوبهم , لأنهم يعلمون ويوقنون بأن هذا الاهتمام اهتمام مؤقت لمدة يوم أو يومين على الأكثر وسيعود بعدهما الأمر كمان , وحدة ووحشة وليل طويل مطبق على الصدور , فهذه الزيارة هي إحدى الاحتفالات بالعيد البدعي المسمى بعيد الأم الذي استشرى في امتنا العربية والإسلامية .

وزيارة هؤلاء المسنين – في كل أيام العام - عمل صالح يدخل السرور على قلوب أعطت كثيرا ولم تحصد إلا القليل , بل منها من لم تحصد سوى الإهمال والتجاهل والعقوق من فلذات الأكباد , فلم تجد أربعة جدران تأوي إليها في ختام أيامها بعد عمل مضن وشاق طيلة العمر إلا مثل هذه الدور , فرضيت بها وهي تعلم إنها آخر بيوتها في الدنيا , وكل منهم يعلم أن بيته القادم الذي سيسكنه هو قبره , فيتعجل الأيام ليصل إلى بيته الأخير في الدنيا حيث لن يكون فيه عبئا على أحد.

وإدخال السرور على مثل هذه القلوب الواهنة من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله , فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً" [1] , وعنه صلى الله عليه وسلم " وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً " [2] .

لكن أعظم آفة في هذا البر تكمن في موسمته , أي بجعل البر متعلقا بمواسم معينة في العام , ففي اليوم المسمى بعيد الأم – على بدعيته – يحرص الأبناء على بر الآباء والأمهات ويبالغون في ذلك , حتى إذا ما انقضى ذلك اليوم رجع الكثيرون – إلا من رحم الله – إلى سابق عهدهم من الترك والإهمال , فيظن الابن انه أدى ما عليه من بر والديه للعام كله ببر يوم منه , ويظن أن الأمر لا يكلفه سوى إحضار هدية لهما أو لمن يعيش منهما , ويعلم الأب والأم أن اجتماع أبنائهم هذا اجتماع استثنائي أجبرتهم عليه العادة التي درجوا عليها كعمل موسمي فقط.

وتعتبر فكرة البر الموسمي فكرة تتم محاولة ترسيخها عاما بعد عام في الشخصية العربية والمسلمة , ففي يوم بدعي آخر يدعى بيوم اليتيم , يتم فيه الانتقال بالاهتمام للأيتام , فتكثر زيارة ملاجئ الأيتام ويتبارى الناس في تقديم الهدايا والعطايا لهم , بينما يخلو عامهم كله من الاهتمام أو التفقد لحال يتيم حتى لو كان في قعر بيوتهم , وهكذا تتحول أعمال البر كلها إلى أعمال موسمية بحسب المواسم لا بحسب السلوك النفسي الذي تنطبع عليه النفس من الداخل .

فسنة إطعام الطعام لها مكانة كبرى في الإسلام حيث جعلها الله بابا للوقاية من أهوال يوم القيامة , فقال " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورً " , وأجاب نبيه صلى الله عليه وسلم حيث سئل أي الإسلام خير؟ قال : " تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" [3] , فعلى الرغم من هذا الفضل الشديد إلا أن الكثير من الناس لا يطبق هذه السنة ولا يتذكرها إلا في عيد الأضحى أو في شهر رمضان , فترتبط هنا أيضا بموسم للبر يدور صاحبه مع الموسم حيث دار لا مع الخلق الكريم والسلوك الأصيل .

وعلى المستوى الجماعي أيضا نجد الكثير من أعمال البر ترتبط بالموسم لا بالمنهج المستمر , فالأعمال التطوعية الإغاثية التي تقدمها غالبية المنظمات الإسلامية ترتبط كثيرا بالموسم لا بالفعل الدائم المستمر , فترسل الأطعمة لفقراء المسلمين من لحوم الأضاحي في كل عام بعد أداء فريضة الحج , وترسل المعونات ويهتم بها في مواسم الخير , لتصطبغ صبغة الكثير من الأعمال الجماعية أيضا بالصفة الموسمية لا بالمنهجية المستمرة .

ومن المثير للعجب والدافع الكبير للتدبر أن الحكمة الربانية البالغة في فريضة الزكاة أنها اختلفت عن كل أركان الإسلام في سمة من السمات ألا وهي سمة جمع المسلمين على وقت أداء واحد , فاركان الإسلام العملية كلها مؤقتة بوقت محدد , يشترك فيه المسلمون جميعا , لا يجوز للجميع تقديمه ولا تأخيره عن موعده المحدد , فالصلاة والصيام والحج لابد وأن يؤديها المكلفون بها في وقت مخصوص واحد ومتفق ما عدا الزكاة , فهي الركن الذي يحفظ الأمن الاجتماعي بين المسلمين , فلم يجعل لها موعدا واحدا متفقا يجب فيه أداء الركن على المكلفين جميعا في وقت واحد , بل جعل الله عز وجل توقيت الحول فقط لأداء الركن في أي وقت فيه , وبالتالي يمكن توزيع ما هو مفروض على المالكين للنصاب على فقراء المسلمين في كل أوقات العام , فلم يجعل أداءها في وقت موحد فتحدث السعة والإسراف فيه في وقت بينما يكون التضييق والتقطير في باقي العام .

ولم يكن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في فعل الخيرات – كلها – موسميا , فلم يكن قيامه بالليل بالصلاة في تراويح رمضان فقط كما يفعل الكثير منا , ولم يكن صيام تطوعه في رجب وشعبان فقط بل كان سائر العام , فعندما سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئا ؟ , قالت :لا , كان عمله ديمة , وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق " [4] , فعلق ابن حجر وقال : "ديمة : أي كان عمله كان مستداما مستمرا ".

وبين النبي صلى الله عليه وسلم صفة أحب الأعمال إلى الله , فلم يقل أكثرها ولا أشدها بل قال أدومها , فعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " سددوا وقاربوا واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " [5]

إن فكرة موسمة البر آفة كبرى , فهي تشعر صاحبها بأن البر عبئ يجب التخلص منه فيمنحه جملة في يوم أو في موسم , بينما تؤذي الآخذ أيضا فتحصره في صورة الجشع النهم الذي يريد أن يحصل على كل ما يستطيع الحصول عليه في وقت واحد ليقينه أن هذه هبَّة سوف تنطفئ سريعا , فتتأذى نفسه وتفسد بحرصها على الشره في النوال , وما أكثر ما يتهم المعطون الآخذين بالنهم والشره والجشع والطمع , ولا يدرون أن هذا السلوك المعيب لم يوجده إلا إحساس يقترب من اليقين من أصحاب اليد السفلى بان أصحاب اليد العليا الممتدة لهم اليوم ستتذكرهم يوما أو موسما ثم ستنساهم بعدها .

إن هذه ليست دعوة لترك البر في مواسم الخير , فهي عمل صالح إذا أحسنت النية فيه , ولكن هذه دعوة لجعل البر منهجا وسلوكا مستمرا ودائما , فالعطاء الدائم حتى لو كان قليلا أعظم أثرا – في نفس المعطي والأخذ على السواء - من العطاء المنقطع حتى لو كان كثيرا .

فليس البر عبئا ليُتخلص منه جملة واحدة , فكل من المعطي والآخذ منتفعان , ولئن كان نفع الآخذ ماديا دنيويا فالنفع الأخروي الأكبر يتحصل عليه المعطي , حيث اختص الله سبحانه المعطين بذكر انتفاعهم هم بصدقاتهم فقال " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا " .


[1] صحيح الجامع (1107)، والصحيحة رقم (2715).

[2] السلسلة الصحيحة(906)

[3] البخاري ومسلم

[4] صحيح البخاري 1868

[5] صحيح البخاري 6099 

ليست هناك تعليقات