الآخر بين القبول والرفض في العقيدة الإسلامية دراسة وصفية تحليلية د. خالد حسين حمدان كلیَّة أصول الدين – قسم العقيدة والمذاهب المعا...
الآخر بين القبول والرفض في العقيدة الإسلامية دراسة وصفية تحليلية
د. خالد حسين حمدان
كلیَّة أصول الدين – قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة – الجامعة الإسلامية – غزة
نشر في مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الإسلامية، المجلد الثاني والعشرون، العدد الأول - يناير 2014
عرض وتلخيص يحيي البوليني
في هذا الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة العداء للإسلام والمسلمين تطرح الحضارة الغربية عددا من مفاهيمها بغرض حمل امة الإسلام على الأخذ بها والتسليم لها دون النظر في معانيها أو مضامينها , وربما تمررها بتفسيرات أو توضيحات غامضة يتسم الكثير منها بأنها من معسول الكلام إلا أن كثيرا منها يعتبر مناقشة صريحة للعقيدة الإسلامية .
ويعتبر مصطلح "الآخر" بما يتفرع عنه من مصطلحات فرعية مثل " قبول الآخر " وغيرها من المصطلحات شديدة الإبهام رغم أنها كثيرة الشيوع والانتشار , فالتعامل مع هذا المصطلح دون إبراز للمعاني التي ینطوي علیها قد يؤدي إلى منزلقات خطيرة جدا ربما تنعكس سلبا على العقيدة الإسلامية ولضمان عدم الانزلاق إلى هذه المنزلقات لا بد من معرفة معنى كلمة قبول وكذلك معنى كلمة الآخر معرفة صحيحة
فكان هذا البحث ليبين هذا المصطلح لتجلية الأمر فما كان موافقا لعقيدتنا قبلناه وما كان مخالفا لها تركناه ولفظناه
وجعل الباحث بحثه هذا في تمهيد وعدة فصول ومباحث :
ففي التمهيد عرج على أسباب اختياره للموضوع وأهداف بحثه ومنهجه وخطة سيره في البحث وهي المقدمة الشائعة الروتينية الضرورية .
الفصل الأول : قبول الآخر في العقيدة الإسلامية :
بدأ الباحث البداية التقليدية للأبحاث العلمية بالتعريف بالمصطلح الأساس في البحث , وهل مصطلح "قبول الآخر " بتعريف الكلمتين , فعرض معني كلمة قبول لغة واصطلاحا
ويعرج إلي معان أخرى وتساؤلات كثيرة مثل , ما معنى قبول الآخر ؟ أهو قبول السماع منه والمحاورة ؟ أم قبول التعامل معه ؟ أم قبول التعايش معه بسلام ؟ أم قبول التآخي والتحاب على أي صورة ؟ أم قبول التساوي , أم أخيرا قبول دينه وأفكاره وأخلاقه مهما كانت وعلى أية صفة كانت وقبول اعتقاد صحتها , وهي أسئلة في غاية الأهمية فكل منها له إجابة تخصه وإدماجهم في بعضهم كمصطلح واحد ينبئ بالخطر الشديد .
واستطرد منها للمبحث الأول من هذا الفصل وهو:
التأصيل الإسلامي لفلسفة " قبول الآخر "
فتناول الباحث أخلاقية الدولة الإسلامية في التعامل مع الآخر حتى ولو كان
عدواً وهو ما يعرف بوحدة القيم في الإسلام , فالأصل الإنساني واحد لجميع البشر والعلاقة بين الناس في القران الكريم محكومة بقيود أخلاقية وحدود لا يجوز انتهاكها حيث كرمت الإنسان غاية التكريم , والدولة الإسلامية دولة أخلاقية في تعاملها مع المخالف والمنتمي على حد سواء , فالحضارة الإسلامية لا تعرف الازدواجية في سلوكها فتتعامل مع الخصم بنفس القواعد التي تتعامل بها مع أبنائها , وهذه القواعد ليست اختيارية بل إجبارية ملزمة , فالعدل والإنصاف والوفاء بالعهد ونبذ الظلم وعدم الغدر وغير ذلك من القواعد لا يمكن تجاوزها بحال
المبحث الثاني : قبول السماع من الآخر ، ومحاورته ، ومجادلته بالتي هي أحسن.
هناك منهجية دائمة في المنهج الإسلامي في التعامل مع الآخر في الحوار وفق قواعد حوارية رائعة , فوضح الباحث بعض المجادلات والمحاورات مع بعض النماذج ومنها:
- الحوار مع المشركين: بتوضيح أحوال من سبقوهم من الأمم وبالكثير من الحجج والبراهين العقلية والحياتية .
- الحوار مع أهل الكتاب: فاختلف صيغة ونبرة الحوار قليلا حيث أن الخلاف معهم اقل عمقاً من المشركين ، لأنهم أعلم بالذي أنزل إليهم ، لذا وجبت مجادلتهم بالحسنى.
- الحوار مع المنافقين : فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم إسلامهم ولو ظاهرياً وحاورهم بالرغم من إنهم من ألد أعداء الإسلام.
المبحث الثالث: التعايش مع الآخر بسلام
فالأصل في علاقة المسلم بالآخر هي البر والعدل والصلة والتعاون فهي أساس كل علاقة في الإسلام ، فكان من أبرزها حسن الضيافة والاتجار والتزاور والإحسان إليهم والتزوج بنسائهم من أهل الكتاب سواء كان هذا التعامل داخل الدولة الإسلامية أو خارجها , وسواء كان المسلم في قوة ومنعة أو في ضعف , فلا فرق عند المسلم بين الأحوال التي يعيشها ولا تأثير لها البتة – حكما – على سلوكياته كمسلم .
المبحث الرابع : قبول الآخر في أداء شعائره ، دون إكراه علي الإسلام
فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه " فلا يصح كفر
المكره بغير حق ، ولا لإيمان المكره بغير حق" , وقال ابن قدامة رحمه الله " وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فاسلم لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا " , فالأساس في الإيمان هو حرية العقيدة وليس الوصاية أو الإكراه وذلك كله قبل أن يعلن إسلامه أما إذا أعلنه ودخل في الإسلام طواعية فتجري عليه الأحكام الخاصة بالمسلمين كلها .
الفصل الثاني : رفض الآخر في العقيدة الإسلامية :
هناك ثوابت في العقيدة لا يمكن ولا يسمح المساس بها , وعدم قبولها يلغي بالمثل
قبول الآخر ومنها التالي :
المبحث الأول : الاستهزاء بالدين : وعرض الباحث معني الاستهزاء لغة واصطلاحاً وتحدث عن عدم قبول الإسلام للمستهزئ بالدين , فلا يمكن لمصطلح قبول الآخر أن يتقبل مثل من يستهزئ بديننا أو يسخر من شعائرنا أو يرسم رسوما قذرة في حق نبينا , فلا يمكن هنا أن يسمى سكوتنا عن هذا عدم قبول للآخر , فقد اجمع أهل العلم أن من سب نبينا صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة أو عرض به أو وصفه بغير الوجه الذي نعت به فانه يقتل لأنه لم يعط الذمة والعهد على مثل هذا .
المبحث الثاني : نقص العهود والمواثيق : فوضح الباحث معني النقض في العهد والمواثيق لغة واصطلاحاً , وبين أيضا بان الناقض للعهد والميثاق لا تعتبر عقوبته هدما لمصطلح قبول الآخر المزعوم , فما قبول الآخر بالمعنى المتسع لكل غادر , فقال الطبري رحمه الله " في تفسيره لقوله تعالى " وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ " , قال " ان نكثوا عهدهم الذي عاهدوا أهل الإسلام عليه وطعنوا فيه فقاتلوهم " فليس هناك قبول للآخر بغدره ونقضه لعهده
المبحث الثالث: القتال في الدين والإخراج من الديار : وعرض الباحث التعريف لغة واصطلاحاً , وقال إن الواجب على المسلمين إظهار العداوة لمن قاتلهم في دينهم وأخرجهم من ديارهم , فلقد قاتل النبي صلى الله عليه وسلم قريشا التي قاتلته في دينه وأخرجته من دياره , فهل يمكن أن يقال لمسلم بل لأي احد من البشر لابد عليك من قبول الآخر الذي قاتلك في دينك واخرج من ديارك ؟!!
وفي الخاتمة أنهي الباحث بحثه بنتائج منها :
- إن قبول الآخر لا يعني بحال من الأحوال موالاته ، أو قبول دينه.
- والأصل في العلاقة بين الآخر هو نشر السلام ونبذ العنف
- قبول الآخر له حدود وتجاوز الحدود يكون في المساس بالدين والأخلاق العامة .
- ثقافة الرفض والقبول للآخر – بشكل مطلق - ليست عقلانية بل هي تحكمية تقوم على الغرور والأنانية .
- المسلم المتحضر بحضارة الإسلام یكون سهل التفاهم مع الآخر
- المريض بثقافة رفض الآخر لا يتحرج من الإساءة إلى أية قيمة مهما كانت قداستها
جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء على هذا البحث الذي يسير به في اتجاه عكس الاتجاه المتخاذل السائد الذي يضعف أمام التيارات الفكرية الوافدة وتداعياتها السياسية التي تؤثر فكريا على الأمة .

ليست هناك تعليقات