Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

موقف غلاة الصوفية وتعاملهم مع العبادات

موقف غلاة الصوفية وتعاملهم مع العبادات بقلم يحيي البوليني  عبادة الله هي الغاية التي خلق الله الإنسان لها وهي وظيفة الإنسا...


موقف غلاة الصوفية وتعاملهم مع العبادات

بقلم يحيي البوليني 




عبادة الله هي الغاية التي خلق الله الإنسان لها وهي وظيفة الإنسان في هذه الحياة فقال سبحانه وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ " وهي العلاقة التي يجب ان يكون عليها المؤمن طيلة يومه وليلته وطيلة بقائه في الدنيا حتى يلقى ربه سبحانه .

وللعبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل , فحياة المسلم كلها - كما أرادها الله - عبادة خالصة له سبحانه في جميع جوانبها الخاصة والعامة ، والاعتقادية والعملية , فالمسلم عبد الله في كل تحرك وسكون " قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " .

وقد عرف الإمام ابن تيمية - رحمه الله - العبادة بأنها : " اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، كالصلاة والزكاة ، والصيام والحج ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحام ، والوفاء بالعهود ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد للكفار والمنافقين ، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم ، والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة .

وهكذا أيضا فحب الله ورسوله ، وخشية المسلم لله والإنابة إليه ، وإخلاص الدين له ، والصبر لحكمه ، والشكر لنعمه ، والرضا بقضائه والتوكل عليه ، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه ,  كل ذلك من العبادة لله , وفي هذا  يقول صاحب الظلال رحمه الله : " ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة ، أو لا يطلب فيه تحقيق هذا الوصف ، والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولاً وأخيرًا  ".

ولكن كثيرا من أئمة الصوفية قد ابتدعوا في الدين بدعة سموها تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة اهتموا فيها بالجانب الثاني وأهملوا فيها فيه الجانب الأول تدريجيا , فقال الصوفية أنّ  " الدين شريعة وحقيقة، والشريعة هي الظاهر من الدين، وأنّها الباب الذي يدخل منه الجميع، والحقيقة هي الباطن الذي لا يصل إليه إلا المصطفون الأخيار , والتَّصوف في نظرهم طريقة وحقيقة معاً. فأهل الشريعة عندهم أهل الظاهر وهم العوام من الناس الذين يعتمدون على النصوص الشرعية، ومنهم فقهاء المذاهب وعامة العلماء، ويسمونهم بعلماء الرسوم. وأمّا أهل الباطن:فهم أهل الحقيقة والطريقة وهم الخاصة من الناس الذين يعتمدون على تأويل النصوص الشرعية، والتأويل هو صرف النص إلى معنى لا يحتمله إلا عن طريق الأحلام واستفتاء القلوب. ([1])

وانتقد ابن الجوزي هذا التقسيم الذي أدى إلى الانحراف الكبير عن الإسلام فقال:"هذا قبيح لأنّ الشريعة ما وضعه الحق لصالح الخلق, فما الحقيقة بعدها سوى ما وقع في النفوس من إلقاء الشياطين, وبغضهم الفقهاء أكبر الزندقة".([2])

وساهمت هذه التفرقة بين الشريعة والحقيقة إلى وجود ما سمي بالظاهر والباطن في القران الكريم أو في أداء سائر العبادات , فيعتقد أغلب أئمة الصوفية أن الصلاة والصوم والحج والزكاة هي عبادات للعوام، وأما هم فيسمون أنفسهم الخاصة، أو خاصة الخاصة ولذلك فإن لهم عبادات مخصوصة‏ يقدمونها على العبادات التكليفية التي أمر بها المسلمون , وبالفعل شرع كل قوم منهم شرائع خاصة بهم كأذكار مخصوصة بهيئات مخصوصة وقاموا باتخاذ خلوات مخصوصة بهيئات ثابتة لا يتغيرون عنها يتناولون فيها أطعمة مخصوصة وملابس المخصوصة في حلقات خاصة‏ يداومون عليها .

وينتج منها استهتار واضح بأحكام الشريعة , فالأحكام الشرعية لا تؤخذ من القرآن والسنة الصحيحة بل تؤخذ من فم الشيخ الذي يتلقى عن الله مباشرة أو يتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم الذي يلقاه معاينة ويسمع منه ويتعلم على يديه كما يدعي ذلك أئمتهم , وفي هذا يقول الدكتور صابر طعيمة في كتابه:"الصوفية معتقدا ومسلكا":أصبح الرقص الصوفي الحديث عند معظم الطرق الصوفية في مناسبات الاحتفال بموالد بعض كبارهم أن يجتمع الأتباع لسماع النوتة الموسيقية التي يكون صوتها أحياناً أكثر من مائتي عازف من الرجال والنساء، ومبار الأتباع يجلسون في هذه المناسبات يتناولون ألوانا من شرب الدخان، وكبار أئمة القوم وأتباعهم يقومون بمدارسة بعض الخرافات التي تنسب لمقبوريهم، وقد انتهى إلى علمنا من المطالعات أن الأداء الموسيقي لبعض الطرق الصوفية الحديثة مستمد مما يسمى كورال صلوات الآحاد المسيحية".([3])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الافتتان بحدوث بعض خوارق العادات على يد من ظاهره الفساد والابتعاد عن المنهج القويم " مثال ذلك أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة ، بل يكون ملابسا للنجاسات معاشرا للكلاب ، يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل ، رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية ولا يتنظف . إلى أن قال : فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان ، أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين ، أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير واذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان ، أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها أو يسجد إلى ناحية شيخه ، ولا يخلص الدين لرب العالمين ، أو يلابس الكلاب أو النيران أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة أو يأوي إلى المقابر ولا سيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ، أو يكره سماع القران وينفر عنه ، ويقدم عليه سماع الأغاني والأشعار ، ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن ، فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن "[4]  

وبين –رحمه الله - وقت حدوث هذا. وموقف الأئمة منه، ومن الذي أحدثه:"اعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة، لا بالحجاز ولا بالشام، ولا باليمن، ولا مصر، ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية، لا بدف ولا بكف، ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية. فلما رآه الأئمة أنكروه

فقال: الشافعي رضي الله عنه:خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه "التغبير" يصدون به الناس عن القرآن،

وقال يزيد بن هارون:ما يغبر إلا فاسق، ومتى كان التغبير؟

وسئل الإمام أحمد فقال: أكرهه هو محدث، قيل: أتجلس معهم، قال،لا.

وكذلك سائر أئمة الدين كرهوه، وأكابر الشيوخ الصالحين لم يحضروه، فلم يحضره إبراهيم بن أدهم ولا الفضيل بن عياض، ولا معروف الكرخي، ولا أبو سليمان الدارني، ولا أحمد بن أبي الحواري، والسري السقطي وأمثالهم , والذين حضروه من الشيوخ المحمودين تركوه في آخر أمرهم، وأعيان المشايخ عابوا أهله، كما فعل ذلك عبد القادر والشيخ أبو البيان، وغيرهما من المشايخ، وما ذكره الشافعي من أنه من إحداث الزنادقة، كلام إمام خبير بأصول الإسلام، فإنّ هذا السماع لم يرغب فيه ويدع إليه في الأصل إلا من هو متهم بالزندقة، كابن الراوندي والفارابي وابن سينا وأمثالهم .

وأما الحنفاء أهل ملة إبراهيم الخليل، الذي جعله الله إماما، وأهل دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره، المتبعون لشريعة خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم فليس فيهم من يرغب في ذلك ولا يدعو إليه، وهؤلاء هم أهل القران والإيمان والهدى والسعد والرشاد والنور والفلاح وأهل المعرفة والعلم واليقين والإخلاص لله والمحبة له والتوكل عليه والخشية له والإنابة إليه.

ومن كان له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة:إلا وفي ضمن ذلك من الضرر والمفسدة ما هو أعظم منه فهو للروح كالخمر للجسد، ولهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر فيجدون لذة بلا تمييز، كما يجد شارب الخمر بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر، ويصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما يصدهم الخمر ويوقع بينهم العداوة والبغضاء أعظم من الخمر. " [5] .

ولهذا لا نجد من كثير منهم أدنى اهتمام بالعلوم الشرعية بل ورد عن بعضهم نهي لأتباعهم عن سلوك سبيل العلم الشرعي وهذه بعض عباراتهم في ذلك‏:‏ -

- قال أبو يزيد البسطامي ناعيًا على علماء الشريعة مفاخرًا لهم‏:"‏أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون‏:‏ حدثني فلان، وأين هو‏؟‏ قالوا‏:‏ مات، عن فلان وأين هو‏؟‏ قالوا‏:‏ مات‏"‏.([6])

- يقول الجنيد:‏‏"‏ما أخذنا التَّصوف عن القيل والقال‏".([7]) , ويقول أيضا‏:‏‏"‏أحب للمبتدئ ألا يشغل قلبه بهذه الثلاث، وإلا تغيرت حاله‏:‏التكسب وطلب الحديث والتزوج، وأحب للصوفي أن لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمع لهمه‏".‏ (‏[8])

- وقال أبو سليمان الداراني‏:‏‏"‏إذا طلب الرجل الحديث، أو سافر في طلب المعاش، أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا‏"‏.([9])

ولهذا فللمتصوفة حكمهم الخاص على إسناد الحديث، فعن طريق الكشف , فيتصلون رأسًا بالنبي ويصححون الحديث أو يضعفونه‏ , ولم يكتفوا بالنهي عن العلم، بل جعلوا العلم عورة يجب أن تستر وتغطى، حتى إن شيخًا يرى مريدًا له، وقد سقطت منه محبرة، فيقول له‏:‏اخف سوأتك‏!‏‏!(‏[10]) ‏

وهذا مجمل في علاقة غلاة الصوفية بالعبادات الشرعية فالتكاليف الشرعية لا تعدو كونها مرحلة في حياتهم سرعان ما يتخلصون منها تحدت دعوى الولاية والوصول ويفتنون أتباعهم بمثل هذه الأفكار وهم يعلمون كما يعلم كل مسلم أن ما يقولونه باطل في دين الله سبحانه .




[1]- الصوفية نشأتها وتطورها:محمد العبْده-طارق عبد الحليم، الطبعة الرابعة، 1422 هـ-2001م ص 31.

[2]- تلبيس إبليس ص337.

[3]- الصوفية معتقدا ومسلكا: صابر طعيمة ص.

[4] مجموع الفتاوى ( 11 ، 210 ، 216 )

[5] مجموع الفتاوى (11 ، 569 ، 574 ) .

[6]- الفتوحات المكية 1/365‏.‏

[7]- طبقات السلمي 158‏‏‏.‏

[8]- قوت القلوب‏:‏3/135‏‏‏.‏

[9]- الفتوحات المكية 1/37‏‏‏.‏

[10]- تلبيس إبليس لابن الجوزي ص370‏.

ليست هناك تعليقات