Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

الفكر الطوراني ودور الفكر اليهودي في ازدهاره

الفكر الطوراني ودور الفكر اليهودي في ازدهاره بقلم يحيي البوليني  حوربت الأمة الإسلامية قرونا طويلة من قبل أعدائها بكافة الأس...


الفكر الطوراني ودور الفكر اليهودي في ازدهاره

بقلم يحيي البوليني 



حوربت الأمة الإسلامية قرونا طويلة من قبل أعدائها بكافة الأسلحة فلم تفت في عزمها ولم تستطع أن تنال منها , ولكنها حينما حوربت بالغزو الفكري لها من الداخل كان المصاب به كبيرا في امة الإسلام .

والناظر المدقق لمرحلة إسقاط الخلافة العثمانية آخر خلافة للمسلمين ليجد أنها لم تكن حرب سلاح بالبنادق والبارود بقدر ما كانت حربا فكرية تغلغلت بين أبناء الأمة واستطاعت أن تفت في عضد المسلمين حتى عادى بعضهم بعضا , وظن أكثر من سلب عقله منهم يظن أن نصرة الإسلام تتمثل في إسقاط الخلافة , وقد كان .

ولهذا كان من أهم وسائل جمعية الاتحاد والترقي التي أسقطت الخلافة على يد كمال أتاتورك الوسيلة الفكرية المتمثلة في الفكر الطوراني أو الدعوة للقومية الطورانية , وسنضع مزيدا من التفاصيل حول هذه الفكرة ومن أنشاها ومن ساهم بجهد كبير في نموها لندرك أن إسقاط الخلافة كان عملا مشتركا بين عدة أطراف من أهمها وأكثرها اليهود الذين ساهموا بشكل كبير في نمو هذا الفكر وازدهاره ونشره .

مفهوم الفكر الطوراني : 
الطورانية كمصطلح جغرافي تنسب إلى هضبة طوران الواقعة في آسيا الوسطي، حيث كانت تعيش الأقوام التركية قبل نزوحها غربا إلى خراسان وما وراء النهر ,

لكنها كمصطلح فكري نشأت حينما أريد تقسيم الأمة الإسلامية إلى عصبيات عرقية , فنشأت بالتزامن مع بروز ما سمي بالقومية العربية , وذلك بقيام " ضيا كوك آلب"[1] - الذي يعتبر الأب الروحي للقوميين الأتراك والذي أصبح فيما بعد عضوا بارزا في الاتحاد والترقي - بنشر منظومته الشهيرة (طوران) في عام 1911م ,  والتي طرح فيها فكرة الوحدة الطورانية , والتي تعني حسبما قال " أن وطن الترك ليس الدولة العثمانية أو الأناضول وإنما هو (طوران) , ثم دعا إلى الاهتمام برقى العنصر التركي أولا , إذ إن وحدة العنصر هي الباقية " فالدين – في نظره - لم يقض على الفوارق العنصرية" .

وتزامن نمو هذه الفكرة مع الهزائم السياسية والعسكرية التي كانت تتلقاها الدولة العثمانية وخاصة حرب طرابلس سنة 1911م وحرب البلقان سنة 1912م , فراجت مثل هذه الدعاوى العنصرية وتبناها السياسيون ، فصور الإسلامُ على ألسنة الكثير من السياسيين على أنه مصدر من مصادر الهزيمة وأن العودة للقومية التركية كبديل يجمع الأتراك هو الحل لعودة رفعة شأن البلاد مرة أخرى .

وساهم العلماء المستشرقون - وغالبيتهم من اليهود أو ممن يمولهم اليهود - في تدعيم هذا الاتجاه وتنميته , فقاموا بدراسات تتتبع مواطن الأتراك الأوائل , فنقبوا في المصادر الصينية حتى استطاع المستشرق الدانماركى طومسون أن يقرأ كتابات آورخون [2]  , ثم جاء عالم مجرى يدعى (فامبرى) يرتدى زى الدراويش المتصوفة ويتحدث التركية ليجوب تركيا والتركستان , ويصل في رحلته إلى الصين ثم عاد إلى استانبول وأخذ يتحدث مع المثقفين الأتراك عن صفاء العنصر التركي في أقاصي آسيا وتعبيره لهم عن إعجابه به وذلك لإذكاء النزعة التركية ولتنمية إحساس الأتراك بقوميتهم وأن عليهم أن يفتخروا وينتموا لقوميتهم التركية قبل أن ينتسبوا للدولة العثمانية أو للديانة الإسلامية , وبهذا بدأ تعميق الإحساس بالتباين بين كلمة تركي وكلمة عثماني , وهما الوصفان الذي لم تسمح الخلافة الإسلامية بافتراقهما حتى عصر السلطان عبد الحميد الثاني , ولهذا لم تكتب كلمة تركي صراحة في كافة مؤلفاتهم حتى ذلك التوقيت .

والدولة العثمانية لم تكن مؤلفة من عنصر بشري وعرقي واحد , بل كانت تضم عناصر مختلفة كالعرب والأتراك والألبان والشركس وغيرهم , وكانت ذات أغلبية إسلامية و أقلية مسيحية , والكل متساوون في الحقوق والواجبات من حيث الأصل , وما كان بها من مشكلات اجتماعية أو اقتصادية لم يكن مرده للخلافة الإسلامية بقدر ما كان مرده إلى عوامل أخرى مشتركة بين كثير من الشعوب ، وأيضا لم تكن هذه المشاكل ذات بعد ديني أو قومي أو طائفي إلا في المراحل المتأخرة من تاريخ الدولة العثمانية عندما أصبحت تلك المشكلات مفتعلة بفعل فاعل يغذيها , فعندما قوي النفوذ الغربي وكثر النشاط المشبوه للقنصليات والسفارات الأجنبية صارت تطلب تمييزا لمنسوبيها , فأحدثت صورة جديدة للمشكلات لتصوير قيامها على أساس ديني أو قومي أو عرقي .

استفادات اليهود من وجود وازدهار الفكر الطوراني

طان لليهود عدة منافع في إيجاد هذه الفكرة ودعمها وتثبيتها ولم تكن بالطبع صلحة الشعب التركي تساوي شيئا في نظرهم , فكان من أهدافهم ما يلي :

-       إضعاف الخلافة العثمانية الإسلامية وإضعاف السلطان عبد الحميد بالتالي الذي وقف ضد أطماع اليهود في فلسطين برفضه إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ,ولهذا كانت الهدف الأساسي للجامعة الطورانية هو خلع الجذور الإسلامية للدولة العثمانية

-       إيجاد وصناعة صراع بين ركني الأمة الأساسيين وهما العرب والترك وذلك , فدعت جمعية الاتحاد والترقي إلى تتريك الكثير من المؤسسات واللغة وغير ذلك , وفي هذا فتح مجال كبير للخلاف لان العرب حتماً لن يقبلوا هذه الدعوة ، ووحتما سينشأ صراع بينهم وبين الترك وسؤدي ذلك إلى تمزيق الخلافة الإسلامية التي قامت على توحيد جميع المسلمين تحت راية الإسلام , وحينها يسهل عليهم تحقيق حلمهم الذي طلبوه من السلطان عبد الحميد

فتحقق ذلك كله بعد الحرب العالمية الأولى فانهارت الخلافة الإسلامية وانهارت معها بلاد العرب والمسلمين ووقعت تحت الاستعمار الأوروبي وتمكن اليهود من تأسيس وطن لهم في فلسطين .

الخطوات التي قام بها اليهود في نشأة وازدهار الفكر الطوراني

قام اليهود وخاصة يهود الدونمة [3] بالعديد من الخطوات المتتالية في سبيل تنمية الفكر الطوراني , ومنها  :

-       وضع الكتب عن القومية التركية والتاريخ التركي

كتب اليهودي دافيد لومبلي كتابا عن قواعد اللغة التركية , وكتب المستشرق اليهودي فامبري كتابا عن التاريخ القومي للأتراك أصبح فيما بعد من أهم مصادر الفكر القومي التركي ، وكتب اليهودي ليون كوهن كتابا عن الأصول التركية ، وكذلك موسى كوهين كتابا عن الفكر التركي وعن الشخصية التركية المميزة , وكتب اليهودي الألماني ألب كتابا عن الأتراك والجامعة التركية , وغير ذلك الكثير . 
- تأسيس الاتحاد الطوراني

ساهم اليهود في تأسيس ما سمي بالاتحاد الطوراني الذي أعلن أهدافه التي تتمثل في توثيق الروابط بين الشعوب الناطقة باللغة التركية والذي يعني بالتبعية أن الدولة العثمانية ستتحول إلى إمبراطورية استعمارية مظهرًا وجوهرًا ,  وهذه الفكرة الخبيثة مستمدة من كتاب عالم فرنسي يهودي يدعى ليون كاهون حيث يقول:   " إن الطورانيين كانوا فيما مضى شعبًا ذكيًا ممتازًا لكنه أخذ بالتقهقر والانحلال عندما تخلى عن الخصائص التي كان يتميز بها في صحارى آسيا الوسطي واعتنق الإسلام دينًا وحضارة" .

-        زرع نظريات مفادها أن الأتراك ينتمون كعرق إلى الجنس الآري وهو - حسب ما قسموه من الأجناس – جنس راق , وقالوا أن انحطاط الأتراك الحالي – في زمنهم - سببه الإسلام ، وأنه لا خلاص للأتراك ولا تقدم إلا بفك ارتباطهم بالإسلام

-       وكما ساهموا في إنشاء جمعية الاتحاد والترقي وساهموا في اعتناقها للفكرة الطورانية ساهموا أيضا في صعودها للحكم عام 1909م , فلم تضم غير ناطقين باللغة التركية ورفضوا مطلقا فكرة توسيع القاعدة الجغرافية والعرقية والدينية لمنظمتهم , فأضحت الجمعية تركية قلبا و قالبا و لا تعبر مطلقا عن رأي العرب أو غيرهم من الأجناس الموجودة في تركيا .

وبعد استلام جمعية الاتحاد والترقي للحكم بدأت هي في تنفيذ باقي الخطوات بعدما اطمأن سادتها على سيرها وفق نهجهم , فقامت بما يلي :

 - التعامل مع الشرع الإسلامي باعتباره عائقاً أمام تطور المجتمع التركي فقابلته دعوات إسلامية مثل دعوة الشيخ محمد قاضى زاده، ودعوة الشيخ سعيد النورسى , لكن المد الخبيث كان أشد .

-       تأليف كتب تركية - مثل كتاب (تاريخ المستقبل) لجلال نوري بك - تنادي بتتريك ممتلكات الدولة العثمانية على أنها مستعمرات تركية , وبذلك زرعت الشقاق والخلاف بين الدولة العثمانية والبلاد الإسلامية التي تتبعها ليسهل انفصال الأمة .

-       قيام تحالف ظاهر ومعلن بين القومية اليهودية و القومية الطورانية ضد الدولة العثمانية , فتم إسقاط الدولة العثمانية دولة وكيانا

فتحقق لليهود مآربهم من هدم الخلافة وتعميق العلمانية في تركيا وابتعادها كثيرا عن الإسلام كحكومة وسياسات , وانفرط عقد المسلمين فاحتلتهم الدول الغربية واحدة تلو أخرى وأقيم كيان غاصب في فلسطين لم يستطع المسلمون التخلص نه حتى الآن .

إن دعوى القومية – بكافة أطيافها - دعوى خبيثة لا يقصد بها تجمع أبدا , فكل راية ترفع لتجمع المسلمين بعيدا عن راية الإسلام هي راية تفرقة ليس من ورائها إلا ثمار خبيثة , وليس وراء كل راية تفرقة إلا أعدى أعداء الأمة الإسلامية وهم اليهود .

مراجع للاستفادة وللاستزادة

1 – العرب والفرات بين تركيا وإسرائيل. عائدة العلي سري الدين. دار الآفاق الجديدة – بيروت، ط 1، 1997.

2 – الطورانية التركية بين الأصولية والفاشية. جهاد صالح. دار الصداقة، بيروت. ط11987

3 – تركيا: بوابة استراتيجية  للإمبريالية  العالمية. نديم البدكين. الحقيقة برس. ط1 1987.

4 – الصراع السياسي في تركيا: الأحزاب السياسية والجيش. فلادمير دان لوف. ترجمة يوسف الجهماني. دار حوران. دمشق، ط1 1998.

5 – حزب الرفاه: الرهان على السلطة. الإسلام السياسي الجديد. يوسف الجهماني. دار حوران. دمشق. ط1 – 1997.

6 – سارة: المرأة التي هدمت الإمبراطورية العثمانية. لطفي اكدوهان. ترجمة دار طلاس. دمشق. ط1 1995.

7 – اليهود في البلدان الإسلامية (1850 – 1950). تحرير: صموئيل اتينجر. ترجمة: د. جمال احمد الرفاعي. عالم المعرفة، العدد 197، 1995.

8 – مصطفى كمال " الذئب الأغبر ". ه. س. ارمسترونغ. سلسلة دار الهلال المصرية. القاهرة، العدد 16 يوليو 1952.

9 – الشرق الأوسط الجديد / شمعون بريز. ترجمة: محمد حلمي عبد الحليم. الأهلية للنشر والتوزيع. عمان. ط1 1994.

10 – سجنجق الاسكندرون (هاتاي). دراسة في العلاقات الفرنسية – التركية – السورية. افاريس. ك. سانجيان. طبع باشراف مركز دراسات والابحاث العسكرية. دمشق. 1980.




[1] عين أستاذا أول لعلم الاجتماع بجامعة استنبول عام 1915م ثم عين عام 1922م رئيسا للجنة التأليف والترجمة ، وكان يؤيد مصطفى كمال بقوة وحماس ، وحمل لواء (علمنة تركيا) فكريا . ويقول عنه الأستاذ الندوى رحمه  الله : (إن ضياء كوك دعا بكل قوة وصراحة إلى سلخ تركيا من ماضيها القريب ، وتكوينها تكوينا قوميا خالصا ، وإيثار الحضارة الغربية على أساس أنها امتداد للحضارة القديمة التي ساهم الأتراك على زعمه في تكوينها وحراستها)

[2] هي تلك النقوش الثلاثة التي استطاع أن يفك رموزها العالم الدانمركي طومسون في الربع الأول من القرن العشرين، والتي كانت فتحًا كبيرًا في مجال الدراسات التركية في كافة المجالات. وهى في أهميتها تعادل حجر رشيد الذي في مجال الدراسات المصرية كان اكتشافه وقراءته على يد الفرنسي شامبليون.

[3] الدونمة  مجموعة من اليهود هربوا من ظلم محاكم التفتيش في "إسبانيا إلتجأوا إلى الدولة العثمانية، و استقروا في سالونيكا، ثم دخلوا ظاهريا في الإسلام، لكنهم لم يتقيدوا بأي قاعدة من قواعد الإسلام، فلا يصلون و لا يصومون و لا يخالطون المسلمين الأتراك، ولا يناكحونهم , اشتغل معظمهم بالتجارة، وكانوا على علاقة دائمة بأوروبا ومنهم اصل عائلة كمال أتاتورك

ليست هناك تعليقات