نظرية الاتصال عند الصوفية في ضوء الإسلام الأميرة ا.د سارة بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود نشر : دار المنارة – جدة عرض وتلخي...
نظرية الاتصال عند الصوفية في ضوء الإسلام
الأميرة ا.د سارة بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود
نشر : دار المنارة – جدة
عرض وتلخيص : يحيي البوليني
واصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدمت بها الباحثة لنيل درجة الماجستير وذلك عام 1411 / 1991 , ويقول عنها وعن الكتاب المشرف على الرسالة ا.د رفقي على زاهر أستاذ العقيدة الإسلامية بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بالدمام :" إن هذا الكتاب من الشريحة النادرة التي تلتزم بالموضوعية دون تعصب للتصوف أو تعصب عليه ويمثل إضافة هامة إلى المكتبة الإسلامية " .
والكتاب يتناول موضوعاً مهماً وصعباً في ذات الوقت إذ إنه يعرض لدراسة نظرية الاتصال بين العبد والرب عند الصوفية وهو موضوع معقد وحساس ويحتاج لفهم عقائدي وتاريخي وفلسفي للوقوف على حيثياته , فمفهوم الاتصال عند الصوفية يختلف عنه عند عموم التوجهات الأخرى فقد تعرض الكتاب لشرح مفهوم الاتصال عند الصوفية سواء من حيث اتصال الخالق بالمخلوق،أم من حيث اتصال المخلوق بالخالق الذي يستلزم المواظبة على الاجتهاد والإمعان في الزهد والتقشف إلى أن يصل إلى الفناء .
وبعد مقدمة تمهيدية بينت فيها معنى الاتصال وأنماطه حيث كان مفهوم الصوفية للاتصال يتفق مع أهل السنة في التصنيف ويختلف في المعنى , حيث هناك اتصال من جانب الرب بالأمر والنهي وغيره , واتصال من جانب العبد بالدعاء والإنابة والوصول لكن الصوفية يفهمون الاتصال من جانب الرب بالإفاضة على البعد بالاتحادية والحلول وهو ما يسمى بالاتحاد الكوني العام , والنوع الثاني الاتصال من جانب العبد ومنها ما يبدأ به العبد البداية الشرعية بالعبادات والذكر , إلى أن تلوح بوادر المنزلة العظمى للوصول وما يترتب عليها من انس وسكر وفناء وهو ما يطلق عليه الاتصال الإنساني الخاص .
ولهذا جعلت الكاتبة كتابها فيما بعد في أربعة فصول:
الفصل الأول : الاتصال الكوني العام وهو بحسب تعريف الصوفية : ما لا كسب للإنسان فيه أي انه اتصال بين العبد وربه يختاره الله ببعض المزايا في الأرواح الكاملة .
المبحث الأول : الاتحاد والحلول
بالرغم من خلط الكثيرين حتى من أهل الصوفية أنفسهم بين مفهومي الحلول والاتحاد , وبالرغم من وجود الكثير من الآراء والتعريفات إلا أن المتتبع للفكر الصوفي يجد أن اغلب الصوفية يعنون بالحلول بمعنى أن يحل الله – تعالى عما يقولون – في أجساد بعض الخاصة كالأنبياء والأولياء مما يكسبهم بعض الصفات الإلهية , أما تعبير الاتحاد فيعنون به أن تتحد الذات الإلهية بالذات الإنسانية دول أن تحل بها , وبها يوسعون الدائرة لمن هم اقل من الأنبياء والأولياء , وكلاهما مرفوض من وجهة النظر الشرعية إلا أن قولهم بالحلول اشد من قولهم بالاتحاد
ورغم ذلك ظهر اتجاهان احدهما خلط بين الحلول والاتحاد وجعلهما مترادفين والفارق لفظي فقط , والثاني اختلافهما بحيث يحتفظ كل من الرب والعبد باستقلالية ذاتيتهما ويكون الاتحاد هنا معنويا روحيا لا حقيقيا جسديا "وكلاهما زندقة "
المبحث الثاني : وحدة الوجود
وكانت هذه الفكرة تطورا طبيعيا لفكرتي الاتحاد والحلول , حيث ان العقيدة عندهم تحملت أن يتحد الخالق سبحانه أو يحل في بعض مخلوقاته فما الذي يمنع ان يقبل عقلهم وفطرتهم وعقيدتهم أن يحل في باقي مخلوقاته ولهذا تطورت الفكرة إلى فكرة وحدة الوجود .
وفرقت الكاتبة بين وحدة الوجود ووحدة الشهود ويعبرون عنها بحالة تستولي على الصوفي عند استغراقه في الذكر مع إخلاء القلب من سوى الله وهي ما وضعها الغزالي في المرتبة الرابعة من توحيد الصديقين .
ويمكن تحديد الآثار المترتبة على فكرة وحدة الوجود وهي وحدة الأديان والجبر وروحانية الجزاء والحقيقة المحمدية وكل منها تمثل طامة كبرى قائمة بذاتها .
الفصل الثاني : الاتصال الإنساني الخاص وهو العلاقة أو الاتصال بين العبد وربه
المبحث الأول : وسائل الاتصال ويقصد بها وسائل تقرب العبد من الله سبحانه
مثل التوبة ضرورة صحبة الشيخ والمجاهدة , فالتوبة سواء كانت بزجر أو توفيق هي أول مراحل التحول في حياة العبد ولكن الصوفية قسموها لأقسام وأنواع فقسمها الحسن المغازلي إلى توبة الإنابة وتوبة الاستجابة وقسمها أبو علي الدقاق إلى التوبة والإنابة والأوبة , ويقسمها غيرهم كالتقسيم الشائع عن الصوفية توبة العوام وتوبة الخواص وتوبة خواص الخواص
المبحث الثاني : مقدمات الاتصال
ومقدمات الاتصال أولها الحب وأكثر الصوفية الكلام في المحبة وهي ميل القلب أو الميل الدائم بالقلب الهائم ويلاحظ أن للصوفية بعض المصطلحات مثل العشق الذي يعتبرونه أعلى من الحب , ففسره عبد المجيد الشرنوبي بأنه "ألفة رحمانية أوجبها كرم الله على كل ذي روح لتحصل بها اللذة العظمى وهي موجودة في كل إنسان بحسب استعداده ومرتبته " , وظهرت ألفاظ أخرى مثل الهوى والوجد والشوق وغيرها وهي عبارة عن حالات نفسية يعيشها الصوفي
المبحث الثالث : حالات الاتصال
يقول الصوفية انه بعد أن يصفي الحب قلبه ويصهر الشوق مشاعره ويهذب الخوف جوانبه يبدأ في الوصول وتتساقط أستار الحجب عن قلبه فيأنس بذكر ربه وتستلذ روحه بقربه فيغيب الواصل عن عالمه ودنياه بل عن نفسه بلحظات سكر قد تطول وتمتد , فذكرت الكاتبة حالة الأنس , والسكر , والفناء , وشرحت كل منها على حدة عند الصوفية .
المبحث الرابع : نتائج الاتصال
فإذا كان الاتصال – كما يراه الصوفية - يمثل جوهر السعادة الخالصة وقمة الشرف المتاح فعندها تهطل سحائب المعرفة على قلب الصوفي وتجري ينابيع الحكمة على لسانه لأنه كما يعتقدون يستمد مباشرة ممن يعلم السر وأخفى ولهذا بعد أن يتحقق الاتصال الكامل كما يقولون , يصل بهم الأمر إلى إسقاط التكاليف تماما .
ولهذا فنتائج الاتصال ثلاثة :
1- تحقق العلم اللدني الذي يسميه ابن عربي علم الأسرار ويسميه الغزالي المعرفة الإشراقية وصوره بالوحي والإلهام وتلقي الفيض الرباني كما يقول الصوفية
2- التحقق بالكرامات ويتفق عدد من الصوفية مع التعريف الشرعي للكرامة في حين يختلف البعض الآخر في تعريفها المشهور فيقولون أن : " الغالب أن أهل الباطن كرامتهم باطنية , ككشف الحجب ومزيد الإيمان ومعرفة الشهود والعيان وعقوبة من يؤذيهم وغير ذلك " بينما يعتبر بعضهم أن من الكرامات العصمة عن المعاصي والمخالفات
3- إسقاط التكاليف
على الرغم من عدم اتفاقهم في إسقاط التكاليف إلا انه على وارد بكثرة في تصانيفهم , فيروي الشعراني عن احد أصحاب الكشف عندهم كان يأكل في نهار رمضان ويقول انه معتوق غير مكلف , وأخفى ابن عربي الأمر فصرح بان هذا سر بين العبد وربه , ويذكر الغزالي معنى جديدا في إسقاط التكاليف حيث يقول ان الصوفي متى وصل لا يشعر بثقل التكاليف فتصير العبادة قرة عينه , ثم يقول " والتكليف بهذا المعنى مرتفع عن الولي فلا يصوم ولا يصلي ويشرب ويزني "
والطائفة الأخرى من الصوفية تقرر أن التكاليف لا تسقط عن المكلف بأي حال
المبحث الخامس : مواقف الصوفية في التعبير عن الاتصال
هناك اتجاهات ثلاثة أمام الصوفية في التعبير عن الاتصال فمنها البوح وهو مكاشفة الواصل مريديه بتفاصيل ما يحدث له , ومنها الستر لان البوح كلف أصحابه حياتهم كالحلاج , وأخيرا توسطوا فرمزوا واستخدموا لغة خاصة من الرموز والإشارات ومنهم ابن عربي وابن الفارض
الفصل الثالث : موقف الإسلام من نظرية الاتصال
ذكرت الكاتبة موقف الإسلام من نظرية الاتصال فكان هناك عدة اتجاهات في النظر إليها , فالاتجاه الأول يرفضها بالكلية والثاني يقبلها بالكلية اما الاتجاه الثالث فيرى فيها جوانب مقبولة وجوانب مرفوضة وهو ما تبنته الكاتبة .
الجوانب المقبولة :
منها ما جاء في التوبة ولكن بعدم شرط وجود الزاجر كما حدد السهروردي وبعدم شرط التوفيق لان في هذا تسويف للتوبة والإصرار على المعصية وفيها إلغاء لإرادة العبد في التوبة فهذا لم يقل به احد من العلماء .
وكذلك كلامهم في المجاهدة مقبول لكن يؤخذ عليهم أنهم يرتقون بالمجاهدة من مستوى الوسيلة إلى الغاية بحيث أصبح تعذيب النفس غاية وهو مرفوض شرعا .
وناقشت الباحثة وسائل الاتصال لبيان ما هو مشروع منه وفصلت دقائقه في جوانبه الثلاثة الحب والشوق والخوف .
ثم ذكرت الكاتبة المرفوض قطعا من هذه النظرية جملة وتفصيلا وهي :
- الاتصال الكوني العام
- الشيخ
- حالات الاتصال
- العلم اللدني
- إسقاط التكاليف
وفي الفصل الرابع : ذكرت الكاتبة التأثير الأجنبي في نظرية الاتصال وذكرت عدة مصادر استقت منها الصوفية هذه النظرية , فذكرت خمسة مصادر :
المصدر اليهودي : على الرغم من المادية اليهودية الشديدة إلا أن الصوفية تأثرت بهم في فكرة التأويل عن طريق وسيط وهو الفكر الشيعي فكان سلفهم مخالطين للإسماعيليين المتأخرين من الرافضة الدائنين بالحلول وإلهية الأئمة فاشرب كل واحد مذهب الآخر واختلط كلامهم .
المصدر النصراني : كان تأثر الصوفية أعمق بالنصرانية حيث تزداد الروحانية في النصرانية عنها في اليهودية ووضح هذا التأثر لدرجة رجح فيها كثير من الباحثين القول بان أصل التصوف الإسلامي نصراني صرف بكل دقائقه وتفصيلاته .
المصدر اليوناني : حفلت الثقافة اليونانية بالأبحاث الفلسفية والإلهية والأخلاقية والسياسية فنقلت عنها الصوفية هذه المباحث , فتسربت وحدة الوجود والمعرفة بالفيض ونزعات الزهد والتقشف إلى الفكر الصوفي .
المصدر الهندي : في الفكر الهندي أصول لفكرة وحدة الوجود أيضا ففكرة الهندوس عن حقيقة العالم واصله وفكرة وجود عدد من الآلهة تؤول إلى اله واحد زرعت بذرة وحدة الوجود في الصوفية .
المصدر الفارسي وخصوصا الفكر الشيعي : فكرة شيخ الطريقة وعصمته وفرض طاعته وكفر وفسوق الخارج عليه ومشيئة شريعته كل هذا مستمد من فكرة الإمام الشيعي ومن قبله الحاكم الإله الكسروي , والفرس الذين تشبعوا بالفكرة ابتداء وجعلوها دينا للشيعة الفرس ونقلت عن طريقهم إلى الصوفية
وختمت الباحثة كتابها بخاتمة تضمنت عددا من النتائج التي وصلت لها في بحثها القيم وكتابها الرائع الغني الثري بكل تفاصيله .
جزى الله الباحثة خير الجزاء والكتاب حقيقة يستحق المطالعة والتوقف والدراسة ويستحق التلخيص والعرض على كثير من طلاب العلم ويستحق وجوده كمنهج دراسي على الطلاب في أقسام العقيدة .
للتحميل
الأميرة ا.د سارة بنت عبد المحسن بن عبد الله بن جلوي آل سعود
نشر : دار المنارة – جدة
عرض وتلخيص : يحيي البوليني
واصل هذا الكتاب رسالة علمية تقدمت بها الباحثة لنيل درجة الماجستير وذلك عام 1411 / 1991 , ويقول عنها وعن الكتاب المشرف على الرسالة ا.د رفقي على زاهر أستاذ العقيدة الإسلامية بقسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بالدمام :" إن هذا الكتاب من الشريحة النادرة التي تلتزم بالموضوعية دون تعصب للتصوف أو تعصب عليه ويمثل إضافة هامة إلى المكتبة الإسلامية " .
والكتاب يتناول موضوعاً مهماً وصعباً في ذات الوقت إذ إنه يعرض لدراسة نظرية الاتصال بين العبد والرب عند الصوفية وهو موضوع معقد وحساس ويحتاج لفهم عقائدي وتاريخي وفلسفي للوقوف على حيثياته , فمفهوم الاتصال عند الصوفية يختلف عنه عند عموم التوجهات الأخرى فقد تعرض الكتاب لشرح مفهوم الاتصال عند الصوفية سواء من حيث اتصال الخالق بالمخلوق،أم من حيث اتصال المخلوق بالخالق الذي يستلزم المواظبة على الاجتهاد والإمعان في الزهد والتقشف إلى أن يصل إلى الفناء .
وبعد مقدمة تمهيدية بينت فيها معنى الاتصال وأنماطه حيث كان مفهوم الصوفية للاتصال يتفق مع أهل السنة في التصنيف ويختلف في المعنى , حيث هناك اتصال من جانب الرب بالأمر والنهي وغيره , واتصال من جانب العبد بالدعاء والإنابة والوصول لكن الصوفية يفهمون الاتصال من جانب الرب بالإفاضة على البعد بالاتحادية والحلول وهو ما يسمى بالاتحاد الكوني العام , والنوع الثاني الاتصال من جانب العبد ومنها ما يبدأ به العبد البداية الشرعية بالعبادات والذكر , إلى أن تلوح بوادر المنزلة العظمى للوصول وما يترتب عليها من انس وسكر وفناء وهو ما يطلق عليه الاتصال الإنساني الخاص .
ولهذا جعلت الكاتبة كتابها فيما بعد في أربعة فصول:
الفصل الأول : الاتصال الكوني العام وهو بحسب تعريف الصوفية : ما لا كسب للإنسان فيه أي انه اتصال بين العبد وربه يختاره الله ببعض المزايا في الأرواح الكاملة .
المبحث الأول : الاتحاد والحلول
بالرغم من خلط الكثيرين حتى من أهل الصوفية أنفسهم بين مفهومي الحلول والاتحاد , وبالرغم من وجود الكثير من الآراء والتعريفات إلا أن المتتبع للفكر الصوفي يجد أن اغلب الصوفية يعنون بالحلول بمعنى أن يحل الله – تعالى عما يقولون – في أجساد بعض الخاصة كالأنبياء والأولياء مما يكسبهم بعض الصفات الإلهية , أما تعبير الاتحاد فيعنون به أن تتحد الذات الإلهية بالذات الإنسانية دول أن تحل بها , وبها يوسعون الدائرة لمن هم اقل من الأنبياء والأولياء , وكلاهما مرفوض من وجهة النظر الشرعية إلا أن قولهم بالحلول اشد من قولهم بالاتحاد
ورغم ذلك ظهر اتجاهان احدهما خلط بين الحلول والاتحاد وجعلهما مترادفين والفارق لفظي فقط , والثاني اختلافهما بحيث يحتفظ كل من الرب والعبد باستقلالية ذاتيتهما ويكون الاتحاد هنا معنويا روحيا لا حقيقيا جسديا "وكلاهما زندقة "
المبحث الثاني : وحدة الوجود
وكانت هذه الفكرة تطورا طبيعيا لفكرتي الاتحاد والحلول , حيث ان العقيدة عندهم تحملت أن يتحد الخالق سبحانه أو يحل في بعض مخلوقاته فما الذي يمنع ان يقبل عقلهم وفطرتهم وعقيدتهم أن يحل في باقي مخلوقاته ولهذا تطورت الفكرة إلى فكرة وحدة الوجود .
وفرقت الكاتبة بين وحدة الوجود ووحدة الشهود ويعبرون عنها بحالة تستولي على الصوفي عند استغراقه في الذكر مع إخلاء القلب من سوى الله وهي ما وضعها الغزالي في المرتبة الرابعة من توحيد الصديقين .
ويمكن تحديد الآثار المترتبة على فكرة وحدة الوجود وهي وحدة الأديان والجبر وروحانية الجزاء والحقيقة المحمدية وكل منها تمثل طامة كبرى قائمة بذاتها .
الفصل الثاني : الاتصال الإنساني الخاص وهو العلاقة أو الاتصال بين العبد وربه
المبحث الأول : وسائل الاتصال ويقصد بها وسائل تقرب العبد من الله سبحانه
مثل التوبة ضرورة صحبة الشيخ والمجاهدة , فالتوبة سواء كانت بزجر أو توفيق هي أول مراحل التحول في حياة العبد ولكن الصوفية قسموها لأقسام وأنواع فقسمها الحسن المغازلي إلى توبة الإنابة وتوبة الاستجابة وقسمها أبو علي الدقاق إلى التوبة والإنابة والأوبة , ويقسمها غيرهم كالتقسيم الشائع عن الصوفية توبة العوام وتوبة الخواص وتوبة خواص الخواص
المبحث الثاني : مقدمات الاتصال
ومقدمات الاتصال أولها الحب وأكثر الصوفية الكلام في المحبة وهي ميل القلب أو الميل الدائم بالقلب الهائم ويلاحظ أن للصوفية بعض المصطلحات مثل العشق الذي يعتبرونه أعلى من الحب , ففسره عبد المجيد الشرنوبي بأنه "ألفة رحمانية أوجبها كرم الله على كل ذي روح لتحصل بها اللذة العظمى وهي موجودة في كل إنسان بحسب استعداده ومرتبته " , وظهرت ألفاظ أخرى مثل الهوى والوجد والشوق وغيرها وهي عبارة عن حالات نفسية يعيشها الصوفي
المبحث الثالث : حالات الاتصال
يقول الصوفية انه بعد أن يصفي الحب قلبه ويصهر الشوق مشاعره ويهذب الخوف جوانبه يبدأ في الوصول وتتساقط أستار الحجب عن قلبه فيأنس بذكر ربه وتستلذ روحه بقربه فيغيب الواصل عن عالمه ودنياه بل عن نفسه بلحظات سكر قد تطول وتمتد , فذكرت الكاتبة حالة الأنس , والسكر , والفناء , وشرحت كل منها على حدة عند الصوفية .
المبحث الرابع : نتائج الاتصال
فإذا كان الاتصال – كما يراه الصوفية - يمثل جوهر السعادة الخالصة وقمة الشرف المتاح فعندها تهطل سحائب المعرفة على قلب الصوفي وتجري ينابيع الحكمة على لسانه لأنه كما يعتقدون يستمد مباشرة ممن يعلم السر وأخفى ولهذا بعد أن يتحقق الاتصال الكامل كما يقولون , يصل بهم الأمر إلى إسقاط التكاليف تماما .
ولهذا فنتائج الاتصال ثلاثة :
1- تحقق العلم اللدني الذي يسميه ابن عربي علم الأسرار ويسميه الغزالي المعرفة الإشراقية وصوره بالوحي والإلهام وتلقي الفيض الرباني كما يقول الصوفية
2- التحقق بالكرامات ويتفق عدد من الصوفية مع التعريف الشرعي للكرامة في حين يختلف البعض الآخر في تعريفها المشهور فيقولون أن : " الغالب أن أهل الباطن كرامتهم باطنية , ككشف الحجب ومزيد الإيمان ومعرفة الشهود والعيان وعقوبة من يؤذيهم وغير ذلك " بينما يعتبر بعضهم أن من الكرامات العصمة عن المعاصي والمخالفات
3- إسقاط التكاليف
على الرغم من عدم اتفاقهم في إسقاط التكاليف إلا انه على وارد بكثرة في تصانيفهم , فيروي الشعراني عن احد أصحاب الكشف عندهم كان يأكل في نهار رمضان ويقول انه معتوق غير مكلف , وأخفى ابن عربي الأمر فصرح بان هذا سر بين العبد وربه , ويذكر الغزالي معنى جديدا في إسقاط التكاليف حيث يقول ان الصوفي متى وصل لا يشعر بثقل التكاليف فتصير العبادة قرة عينه , ثم يقول " والتكليف بهذا المعنى مرتفع عن الولي فلا يصوم ولا يصلي ويشرب ويزني "
والطائفة الأخرى من الصوفية تقرر أن التكاليف لا تسقط عن المكلف بأي حال
المبحث الخامس : مواقف الصوفية في التعبير عن الاتصال
هناك اتجاهات ثلاثة أمام الصوفية في التعبير عن الاتصال فمنها البوح وهو مكاشفة الواصل مريديه بتفاصيل ما يحدث له , ومنها الستر لان البوح كلف أصحابه حياتهم كالحلاج , وأخيرا توسطوا فرمزوا واستخدموا لغة خاصة من الرموز والإشارات ومنهم ابن عربي وابن الفارض
الفصل الثالث : موقف الإسلام من نظرية الاتصال
ذكرت الكاتبة موقف الإسلام من نظرية الاتصال فكان هناك عدة اتجاهات في النظر إليها , فالاتجاه الأول يرفضها بالكلية والثاني يقبلها بالكلية اما الاتجاه الثالث فيرى فيها جوانب مقبولة وجوانب مرفوضة وهو ما تبنته الكاتبة .
الجوانب المقبولة :
منها ما جاء في التوبة ولكن بعدم شرط وجود الزاجر كما حدد السهروردي وبعدم شرط التوفيق لان في هذا تسويف للتوبة والإصرار على المعصية وفيها إلغاء لإرادة العبد في التوبة فهذا لم يقل به احد من العلماء .
وكذلك كلامهم في المجاهدة مقبول لكن يؤخذ عليهم أنهم يرتقون بالمجاهدة من مستوى الوسيلة إلى الغاية بحيث أصبح تعذيب النفس غاية وهو مرفوض شرعا .
وناقشت الباحثة وسائل الاتصال لبيان ما هو مشروع منه وفصلت دقائقه في جوانبه الثلاثة الحب والشوق والخوف .
ثم ذكرت الكاتبة المرفوض قطعا من هذه النظرية جملة وتفصيلا وهي :
- الاتصال الكوني العام
- الشيخ
- حالات الاتصال
- العلم اللدني
- إسقاط التكاليف
وفي الفصل الرابع : ذكرت الكاتبة التأثير الأجنبي في نظرية الاتصال وذكرت عدة مصادر استقت منها الصوفية هذه النظرية , فذكرت خمسة مصادر :
المصدر اليهودي : على الرغم من المادية اليهودية الشديدة إلا أن الصوفية تأثرت بهم في فكرة التأويل عن طريق وسيط وهو الفكر الشيعي فكان سلفهم مخالطين للإسماعيليين المتأخرين من الرافضة الدائنين بالحلول وإلهية الأئمة فاشرب كل واحد مذهب الآخر واختلط كلامهم .
المصدر النصراني : كان تأثر الصوفية أعمق بالنصرانية حيث تزداد الروحانية في النصرانية عنها في اليهودية ووضح هذا التأثر لدرجة رجح فيها كثير من الباحثين القول بان أصل التصوف الإسلامي نصراني صرف بكل دقائقه وتفصيلاته .
المصدر اليوناني : حفلت الثقافة اليونانية بالأبحاث الفلسفية والإلهية والأخلاقية والسياسية فنقلت عنها الصوفية هذه المباحث , فتسربت وحدة الوجود والمعرفة بالفيض ونزعات الزهد والتقشف إلى الفكر الصوفي .
المصدر الهندي : في الفكر الهندي أصول لفكرة وحدة الوجود أيضا ففكرة الهندوس عن حقيقة العالم واصله وفكرة وجود عدد من الآلهة تؤول إلى اله واحد زرعت بذرة وحدة الوجود في الصوفية .
المصدر الفارسي وخصوصا الفكر الشيعي : فكرة شيخ الطريقة وعصمته وفرض طاعته وكفر وفسوق الخارج عليه ومشيئة شريعته كل هذا مستمد من فكرة الإمام الشيعي ومن قبله الحاكم الإله الكسروي , والفرس الذين تشبعوا بالفكرة ابتداء وجعلوها دينا للشيعة الفرس ونقلت عن طريقهم إلى الصوفية
وختمت الباحثة كتابها بخاتمة تضمنت عددا من النتائج التي وصلت لها في بحثها القيم وكتابها الرائع الغني الثري بكل تفاصيله .
جزى الله الباحثة خير الجزاء والكتاب حقيقة يستحق المطالعة والتوقف والدراسة ويستحق التلخيص والعرض على كثير من طلاب العلم ويستحق وجوده كمنهج دراسي على الطلاب في أقسام العقيدة .
للتحميل

ليست هناك تعليقات