Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

مقال بعنوان " وطفق ينتظر " للكاتب الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله

  مقال بعنوان " وطفق ينتظر " للكاتب الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله  حقًا لا يعرف السبب ولا ما ألقى به هنا.. يشبه الأمر قصص الخي...

 

مقال بعنوان " وطفق ينتظر " للكاتب الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله 



حقًا لا يعرف السبب ولا ما ألقى به هنا.. يشبه الأمر قصص الخيال العلمي حينما تنفتح ثغرة في الأبعاد تلقي بمن يجتازها في زمن آخر ومكان آخر..

 إنه (الزمكان) كما يحلو لهم أن يقولوا.. هو ذا جالس في عيادة الطبيب ينتظر دوره، حيث التسلية الوحيدة المتاحة هي العبث بإصبعك في أنفك، أو تأمل وجوه الجالسين المصفرة، أو قراءة الأشعار الركيكة التي كتبها من شفاهم الطبيب من قبل.. دائمًا ينظمها مدير عام بالضرائب أو مفتش ري، وقد اعتنى بكلماته تلك فكتبها بلون الذهب واختار لها إطارًا غالي الثمن.. 

يسمع اسمه تصيح به الممرضة فينهض قائلاً لنفسه: لا بأس.. هذه ليست حياتي . إنه كابوس..


الكاهن الأكبر يجلس إلى مكتبه راضيًا عن حصيلة اليوم.. يقول له في عجلة إن ما يعانيه هو الفيروس (سي) الذي قرر أن يتخذ كبده بيتًا بوضع اليد.. يمكن أن نعطيك حقن الانترفيرون لكن لابد من أن تجد طريقة للحصول عليه لأنه علاج باهظ التكلفة.. لا يوجد حل آخر.. لا تتعاط الحبة الصفراء ولا كل هذا الهراء.. إياك أن تجرب الحمام ولا الأوزون ولا الأشعة فوق البنفسجية، فكل من ابتكروا هذه الأشياء جمعوا المليارات من أمل البؤساء مثلك..


وماذا لو لم تتعاط العلاج؟


“لا تفزع.. سوف يعبث الفيروس في كبدك ليحوله إلى كتلة من الليف.. سوف تصفر عيناك وتضمر قواك.. لا تدع هذه الفكرة المخيفة تؤرقك..سوف تفرغ دمك عن طريق الفم، فإن لم يحدث هذا تذكرت تلك الخلية الشقية في كبدك أن عليها أن تنقسم بجنون وبلا توقف..

 ورم سرطاني جميل الشكل سوف يتكون هناك، وسوف يحتفظ كل طبيب أشعة بصورة منه ليعرضها في المؤتمر الثامن عشر للأشعة التشخيصية.. لا أقول هذا لأثير رعبك..”


“تغادر العيادة وأنت تهمس لنفسك ألا تقلق.. هذا كابوس.. هذه ليست حياتك..


ذات مرة رأى في الكابوس أنه متهم في قضية أمن دولة وقد قبض عليه.. تعرض للتعذيب فعلاً وكهربوا جسده فعلاً.. شعر بهذا كله.. وعندما أوشكوا على دس عصا المكنسة في جسده نهض من نومه، ولشد ما شعر بالنشوة وهو يدرك أنه في فراشه المبلل بالعرق..


ليست لديه سيارة في هذا الكابوس.. هذا غريب.. إن عنده في عالم الواقع سيارة (فور باي فور) ثمنها مليون ونصف.. لا بأس.. فليتعامل مع الكابوس بقواعده..”


“يقف على محطة الميكروباص وسط الوجوه المرهقة التي أفعمت حزنًا وكآبة.. تصل السيارة التي يتدلى (التباع) منها بقوة فيزيائية لا يعرف كنهها إلا الله . تركب.. سائق الميكروباص لا يكف عن الكلام عن لجان المرور وسحب الرخص والأقساط التي يجب أن يدفعها.. ثم يلقونك في مكان ما من العاصمة المرهقة المتربة..


سحابة التراب تغزو رئتيك وتزرع علمها هناك.. يختلف الأمر كثيرًا في الساحل الشمالي حيث تقيم أكثر العام.. لكن لا بأس.. هذه ليست حياتك.. فلتتحمل..”


“يجتاز مدخل الشارع الضيق متجهًا لبيته الآيل للسقوط.. يجتاز بركة الماء القذر التي سكبتها (باتعة) على الباب ممزوجة بعمل سحري ما تكيد به لزوجته.. يصعد في الدرج..


هل هذه هي زوجته؟.. تلك المرأة البدينة المترهلة الضخمة التي تجلس القرفصاء على كرسي المطبخ، وقد ثنت عنق إوزة من تحت فخذها كأنها (هرقل) وقد استطاع أن يجندل (أطلس).. تدس بين منقاريها تلك الحبوب المبتلة بالماء.. هل حقًا اشتهى هذا الجسد في لحظة ما؟.. 

مستحيل.. وحمد الله على (لمياء) الرقيقة زوجته في عالم الواقع التي ما زالت تدير الرءوس برغم أنها تجاوزت الأربعين..”


“تخبره أن الواد (يوسف) قد نال صفرًا في امتحان الرياضيات ولابد من درس خصوصي.. تخبره أن البت شيماء مزقت حذاءها للمرة الثالثة.. تخبره أن لوزتي أكرم التهبتا ويبدو أنه لابد من الجراحة وإلا هبطت الحمى الروماتزمية على قلبه.. تخبره أن فاتورة النور جاءت لكنها لم تدفعها لأنها مرتفعة جدًا ولا يوجد قرش أحمر في البيت.. تخبره أن بالوعة المطبخ مسدودة.. تخبره أن سليمان جارهم وقف في نافذة المنور واختلس لها عدة نظرات وهي في الحمام.. يجب أن يتشاجر معه..


لا بأس... الكابوس شنيع لهذا تكون لحظة الاستيقاظ عذبة..


سوف يتحمل..


“في التلفزيون هناك عبارة غرقت بمن فيها، وقد زعم الزاعمون أن صاحب الشركة تعمد ذلك للحصول على الـتأمين.. هناك سفاح في الصعيد يمزق أعضاء ضحاياه.... هناك إنفلونزا طيور.. من المؤكد أن أسعار اللحم والسمك سوف ترتفع ارتفاعًا قياسيًا لأن هذه هي اللحظة المناسبة التي ينتظرها مصاصو الدماء.. الضباع لا تأكل الضباع لكن هؤلاء يفعلون..


ـ"ألن تتشاجر مع (سليمان)؟"


هز رأسه بما يفيد بلى أو نعم.. إنها من طراز النساء اللاتي يردن أن يتشاجر زوجهن طيلة الوقت، فإذا ما فتح (سليمان) رأسه – وهذا أكيد - ملأت الدنيا صراخًا على سبعها وجملها..


“هؤلاء الأطفال الأوغاد الذين يشبهون قراصنة الكاريبي.. لا يمكن أن يكون شخص بهذه الخسة والوقاحة إلا إذا كان طفلاً.. في عالم الواقع هو بلا أطفال ولعل هذه مزية إن كان الأطفال يشبهون هؤلاء..


هذا ليس واقعك.. هذه ليست حياتك.. اصبر قليلاً..


يدخل الفراش القذر والغرفة كريهة الرائحة التي تناثرت الخرق والثياب المكومة في كل ركن منها..يأمل في أن يظفر بساعات من النوم.. سوف ينهض ليجد نفسه في فيلا الساحل الشمالي و(لمياء) تحضر له كوب عصير البرتقال وتدغدغ أنفه بأنفها..


“هنا تدخل زوجته الغرفة.. إنها تنزع ثوبها القذر لترتدي أبشع قميص نوم رآه في حياته . ثم تندس جواره فيئن الفراش البائس ويتأوه ويعوي.. إنها ما زالت تتكلم.. تتكلم عن ارتفاع سعر الخضار وعن جارتها الوقحة (باتعة) وعن آلام الظهر وعن حاجتها لغسالة (فول أوتوماتيك).. يقول لها وهو ينظر للسقف حيث يمشي برص صغير:


ـ"كنت عند الطبيب.. أنا مصاب بفيروس (سي).. والحالة متقدمة"


ـ"هذا هو ما تجيده.. المرض.. منذ عرفتك وأنت مريض بشكل 

ما..”


“وتنهال على رأسه بالسباب والإهانات والشتائم.. هؤلاء لم يعودوا رجالاً.. هؤلاء مسوخ صنعتها هرمونات الفراخ البيضاء ولن تندهش لو نما له مبيضان ورحم، وهي البائسة التي تغسل وتمسح وتطبخ.. فلو كانت خادمة لوجد في عروقه بعض القوة.. الفارق هو أن الخادمة تتقاضى مالاً أم هي فتُضرب بالحذاء، والله يرحمك يا أمه..


ينام وهو يدعو الله أن يفيق أو يموت..


إنه الصباح.. شعور عام بالقلق يغزوه وهو يرى ذات معالم الحجرة وذات الفيل البشري الذي يسيل لعابه على الوسادة.. هذا هو أول كابوس ينام فيه ويفيق ليرى نور الصباح..


“هذه الجدران تخنقه.. هآآآآه!.. اخذ شهيقًا عميقًا.. يتمنى الخروج من جدران هذا الكابوس.. هناك فتحة ما لكن أين هي؟


لم يجد الفتحة.. لم يجدها وهو يراقب زوجته تعد الإفطار للأطفال.. تلبسهم ثيابهم وهي تصفع هذا وتلكز هذه.. لم يجدها وهي تضع حذاء البنت في وجهه ليصدق أنه ممزق.. ثم نزل الأوغاد إلى مدارسهم وعرف أن عليه أن يلبس ثيابه ليذهب للعمل..


لو كنت في كابوس فعليك أن تلعب بقواعده..


“إنه يجلس الآن في تلك المصلحة التي أكل الدهر على جدرانها وشرب.. حاولوا أن يداروا ثقوب الجدار بأفرخ الجلاد المدرسي فزاد الأمر قبحًا.. هناك من كتب بعض الأحاديث القدسية بخط قبيح، وأخطأ عدة مرات في نص الأحاديث نفسها..


هل هؤلاء زملاء العمل؟.. هذه الوجوه المرتشية الجشعة التي لا تتكلم إلا عن الجنس والدين.. وجوه لا تفكر إلا في طريقة لتأخير القذف وأرخص مكان يمكن شراء البانجو منه..


تذكر عالم الواقع حيث يعمل في شركة استثمارية نصف من فيها أجانب.. جو نظيف.. وجوه جميلة.. أناقة في كل شيء.. عمل مرهق، لكن من قال إن العمل ليس سلوى؟.. مشكلة هذا المكان إنه لا يوجد عمل تقريبًا.. وبالتالي لا أجر تقريبًا...


“يرى كومة صحف أمامه فيطالع العناوين.. هذا الكابوس محكم متقن الصنع، فلابد أن معدته كانت مليئة بالسمن عندما دخل فراشه.. لابد أن عقله الباطن كان منقوعًا في مياه المجاري عدة أيام قبل أن يخرج منه هذا الحلم اللعين.. في هذا الكابوس لا دور لمصر في العالم تقريبًا إلا أن تقنع كل الأطراف على طريقة بائع الجبن.. لا شيء يتغير فيها مهما كتبت الصحافة وزأرت المعارضة.. يفر اللصوص بما سرقوه معززين مكرمين، والشرفاء يُخطفون إلى الصحراء حيث يجردون من ثيابهم ويضربون علقة ساخنة، والصحفيات الشابات تمزق ثيابهن في الشارع بأيدي عصابة من البلطجية بينما الشرطة تراقب هذا.. الغلاء يطحن كل شيء وكل جنيه في جيب الناس تحول إلى ثلاثين قرشًا، والشركات الكبرى تباع بتراب المال...


“حمد الله على أن مصر في عالم الواقع بلد ديمقراطي محترم يعتبر في طليعة دول العالم الثالث، وقد حققت معدلات نمو مذهل فاقت معدلات ماليزيا التي كانت تزهو بها..


إنه كابوس.. هذه ليست حياتك.. هذا ليس بيتك.. هذا ليس بلدك..


حمدًا لله!.. سوف تفيق بعد قليل لتجد نفسك في فراشك الوثير المبلل بالعرق، من ثم تنهض للحمام لتفرغ مثانتك وتشرب كوبًا من الماء المثلج وتعود للنوم..


لا يدري متى بدأ يشعر بالرعب.. ربما عندما عاد للدار عصرًا فوجد كل شيء كما هو.. عندها بدأ احتمال واه يتضخم.. ماذا لو لم يكن هذا كابوسًا؟.. ماذا لو كانت هذه حياتك فعلاً؟ ماذا لو كانت هذه زوجتك فعلاً؟.. ماذا لو كان هذا بلدك فعلاً؟.. إن رعب هذه الفكرة ليفوق أي رعب مر بك في حياتك..


“مستحيل.. إنه كابوس.. والكابوس حالة عابرة سرعان ما تزول.. فقط انتظر قليلاً ولسوف ينتهي هذا كله.. هآآآآه!.. أريد أن أخرج من هذا.. أريد أن أرى السماء..


وطفق ينتظر لحظة الاستيقاظ.. ويقال إنه ما زال ينتظر حتى لحظة كتابة هذه السطور.


د. أحمد خالد توفيق

وطفق ينتظر 

ليست هناك تعليقات