أدهم صبري أفضل من جيمس بوند. لاشكّ أنّ الرّاحل نبيل فاروق نهل من أدب الجاسوسيّة عبر العالم وخصوصا مؤلّفات إيان فليمنغ. لكنّه عبر مغامرات أ...
أدهم صبري أفضل من جيمس بوند.
لاشكّ أنّ الرّاحل نبيل فاروق نهل من أدب الجاسوسيّة عبر العالم وخصوصا مؤلّفات إيان فليمنغ.
لكنّه عبر مغامرات أدهم صبري تجاوز حتما مستوى قصص العميل 007 كما قدّمتها هوليود.
من غرائب الصدف الحزينة، أن غادرنا في العام نفسه أشهر من أدّى دور العميل البريطانيّ، وأعني شين كونري، وصانع شخصية أدهم صبري، نبيل فاروق.
بدأت شخصيّة أدهم صبري كنسخة عربيّة محافظة لجيمس بوند، أو ربما هي نسخة لمن هم دون الـ18 عاما. لكنّها نسخة موفّقة جدا.
ولا يظهرُ ذلك في المرات الّتي رفض فيها شرب الكحول، في مقابل بوند يفضّله "مهتزّا لا مخلوطا" فحسب. بل يظهر جوهريّا في اختلاف طريقة عملِهما:
فبينما يعتمد بوند على مدّ تقنيّ وماليّ لا ينضبان من المكتب السادس MI6، ويتمتّع بأفضل أنواع السيّارات والتقنيات المذهلة، يعتمد ضابط المخابرات المصريُّ على مهاراتِه الفرديّة بالأساس، والّتي لا تكلّف الدّولةَ الكثير:
براعته في التنكّر، قدرته على تقليد الأصوات، مهاراته في القيادة، وإجادته للغات. وحتّى رجال المكتب الّذي يعتمد عليهم، لا يمدّونه بالتقنيات بقدر ما يمدّونه بمعجزات يدويّة كما يفعل صديقه قدري خبير التزوير.
بمعنى آخر، يعكس أدهم صبري ببراعة طبيعة الاستراتيجية الّتي تنشدُها الدولة العربية الحديثة للتطوّر ومواجهة العالم:
تكوين الفرد العربيّ وصقل مهاراته الخاصّة من أجل التعويل عليها في ما بعد. تنطبع هذه الحقيقة سريعا في أذهان قرّاء أدهم صبري، ويبدو لهم أنّ البطولة الحقيقيّة هي التميّز في تخصّص ما.
ولقد سهّل الكاتب هذه الفكرة من خلال شقيق أدهم صبري الجرّاح العبقريّ.
لم يكن أدهم صبري إذا مجرّد تقليد سطحيّ لجيمس بوند، وإنّما كان رؤية عربية أصيلة للبطل الّذي يحتاج أن ينظر إليه الشباب العربيّ في سياقٍ ليس في صالحهم.
أما النقطة الأهمّ في علاقة أدهم صبري وجيمس بوند، فهي ولا شكّ النّساء.
يسخر الكثيرون من خصلة التعفّف عند أدهم صبري وزهده في النساء الجميلات اللاتي يلاحقنه، على عكس بوند الّذي يتمّ الإيقاع به بشكل شبه دوريّ باستعمال النّساء.
ولكن، أيّا كانت تفضيلات القارئ، فلا يمكننا أن ننكر أنّ هذا التعفف "المتصنّع" لا يلغي الحضور الطاغي للإغراء في رجل المستحيل تماما مثلما هو الحال في جيمس بوند! أيضا، لا يمكننا أن ننكر أنّ هذا "التعفف" يمكن أن يميّز شخصية عربية حديثة تماما كما يتميّز البطل اليابانيُّ بتلك "البراءة" المصطنعة مع النساء.
كأنّ تلك البراءة الّتي تتنصّل من كلّ شعور جنسيّ أو تتخذ موضعا سلبيّا تجاه الإغراء الأنثويّ، هي بحدّ ذاتها عامل جذب وإغراء.
هذا ما يحصل تماما مع أدهم صبري، على طريقته. فكلّما أبدى تعقّلا أكبر وتعفّفا أشدّ، كلّما وجد نفسه في مواضع أكثر إغراءً حتّى بلغ الأمر ذروته في "الرّجل الآخر"، كما سأعود لاحقا.
تقتصر النساء في قصص بوند على ما يمكن أن نجده في السينما النّوار Noir (الفلم الأسود بالفرنسية) وهو ذلك النّمط من أفلام الجريمة الّذي ظهر تقريبا في نهاية الثلاثينات، ويعتبر "الرجل الثالث" (The third man) أحد أهمّ تمثّلاته.
في هذه القصص، توجد غالبا امرأتان: الأولى هي تلك الفتاة الفاتنة الغامضة الّتي يقع البطلُ في شراكها قبل أن يدرك أنّها تستدرجه إلى هلاكه. وتعاقب هذه المرأة بالموت، مقابل نجاة امرأة أخرى أقل إغراء وتمرّدا.
هناك كتابات نسوية لا تنتهي عن هذه المسألة وعلاقتها بنهايات الحرب العالمية الثانية، وخوف الرجل من امرأة ما بعد الحرب الّتي عاد فوجدها تأخذ المسؤوليات الجسام وتفتك عمله.
ولكنّ هذا ليس موضوعنا. ما يهمّنا أن رجل المستحيل استعادت بأصالة هذه الصّورة، من خلال شخصيات عدّة أبرزها ثنائية منى توفيق، وجيهان فريد.
لقد كانت الثانية أكثر تحرّرا وعنادا، في مقابل منى الانطوائيّة قليلا والمطيعة. حتّى من الناحية الجسدية كانت منى سمراء ذات قوام اجتهد الكاتب في عدم إضفاء طابع جنسيّ عليه Dessexualized.
أما جيهان فهي الشقراء المغرية. يرمز اللون الأشقر إلى الإغراء الأنثويّ بشكل صارخ عند نبيل فاروق.
في النهاية، كان مصير الثانية مروّعا، بينما استطاعت منى توفيق أن تواصل الرحلة إلى جانب البطل. لم تكن جيهان إلا تنويعا أكثر دقّة من سلسلة المرأة الجميلة المغرية الّتي واجهت أدهم مرارا، من دونا ماريا، إلى دونا كارولينا، إلى ملائكة الجحيم، وعلى رأسهنّ بلا شكّ أعظم شخصيات رجل المستحيل:
سونيا غراهام.
تتفوّق سلسلة رجل المستحيل على أفلام بوند بأنّ الثانية لا تملك سونيا غراهام! إنّها شيء مركّب ومثير ومعجون بشكل عبقريّ منسجم.
تظهر سونيا في البداية كعدوّ تقليديّ تنتمي إيديولوجيّا ودمويّا إلى الغريم الأبديّ (والدها كان من المتورّطين في اغتيال والد أدهم) ثمّ لا تلبث أن تأخذ استقلالها الّذاتيّ كأنما تخلّص علاقتها بأدهم من الصراع الجماعيّ "مصر ضد إسرائيل" لتبقيَهُ صراعا فرديّا "امرأة ضد رجل"، أو لعلّه أيضا "اجنبيّة ضدّ عربيّ"...
هكذا تتحوّل سونيا إلى شقراء أخرى مغرية. بل إنّها تحوّلت فعليا إلى شقراء إذ لم تكن توصف كذلك في الأعداد الأولى! يحدث الإغراء توازيا، مع الرجال الآخرين لا مع أدهم، لأنّه منيع ومتعفف، ولأنّ هناك حاجزا محرّما "تابو" بينهما كمصريٍّ وإسرائيليّة، ولكن القارئ الّذي يتماهى مع البطل، لا يعيش الإغراء والتمنّع كقسمين منفصليْن بل هما يحدثان في نفس المغامرة، وعلى نفس الصفحات بشكل تتهاوى فيه الحواجز ذهنيا. ومع العدد الأول بعد الثمانين، انهار ما بقيَ من الحواجز، وحملت سونيا رمزية جديدة ومفاجئة.
إذ تتحوّل العلاقة بينها وبين أدهم إلى تلك العلاقة المعقّدة الّتي تربط الشرق بالغرب، والعربيّ بالأوروبيّة، ربما على طريقة الطيّب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال.
تطفو على السطح مشكلة الهويّة كإشكال جوهريّ في العلاقة، ويستمرّ مع الإبن الّذي يحضر بغيابه.
نقلت قصّة الرّجل الآخر (المغامرة 81) سلسلة رجل المستحيل إلى مستوى دراميّ آخر تماما، كانت عناصرُها الرمزية شديدة الذكاء (فقدان الذاكرة، استرجاعها عبر الهوية، الإبن، الخ) ومنحتها نفسا جديدا سمح لها باستقبال القرن الجديد بالكثير من الطموح. للأسف، كان التحدّي الحقيقيُّ أمام نبيل فاروق هو التعامل مع عالم رقميّ جديد شديد التعقيد بعدما بدأ السلسلة بمغامرات في الاتحاد السوفييتيّ.
وبدا أنه عاجز على مجاراة هذا التحوّل كأنّما يعكس أيضا عجز الدولة العربية على مجاراة تحوّلات هذا العالم. لذلك، ورغم محاولاته الكثيرة للتصالح مع هذا العالم في أعداد ما بعد المائة، كان واضحا أن أدهم لا يزال يحارب بأساليبه البدائية القديمة. في إحدى أجمل مغامرات السلسلة، كان هناك تناقض صارخ وجميل بين هدف الصّراع (القنبلة النووية) وطبيعة الصراع (البرازيل، الأمازون، ريو دي جانييرو، اوومو بيليجروسو...)
لكنّه مع نهاية صراعه مع السينيورا، بدأ يفقد سحره. لقد فشل أدهم فعلا في صراعه في عملية النيل (125-126). ليس لانه لم يوقف انطلاق الصّاروخ (فأوقفه طيار فدائي)، ولكن لأنه اقتحم بالفعل عالما رقميّا تماما لا يجيد التعامل معه.
يحتاج هذا العالم إلى رجل مستحيل جديد يأخذ المشعل. ويواصل تحدّي جيمس بوند بمهاراته الخاصّة.
لكنّ أدهم على الأقلّ، منحنا فضاء عظيما للتعرّف المبكّر على عالمنا المخيفِ والقاسي علينا نحن العرب، دون أن يجعلنا نشعر بالفزع أو القلق الدائم. فقد قدّمه لنا في رفقة رجلٍ أشعرنا بالأمان والأمل، وجعلنا نحفظ عن ظهر قلب تلك المقدّمة المسلّية الّتي تصف الرجل..
رجل المستحيل...
فاروق فرشاشي
=======
-------------
الصّورة الشهيرة على ظهر أغلفة السلسلة، تقف فيها منى توفيق خلف ظهر أدهم صبري محتمية به.

ليست هناك تعليقات