Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

المنتقى من لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب

المنتقى من لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب جمع فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ ...


المنتقى من لطائف المعارف
فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب



جمع
فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ









حقوق الطبع والنشر لكل مسلم


بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فمن العلماء المتقدين الذين كان لهم نصيب وافر من التصنيف: الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى, فله مؤلفات كثيرة في مختلف فنون الشريعة وعلومها, وصفت بأنها مفيدة, قال ابن مفلح: له تصانيف مفيدة. وقال ابن فهد: له المؤلفات السديد.
ومن تلك المؤلفات النافعة المفيدة كتابه الموسوم بـ " لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف " تكلم فيه عن شهور العام, وما فيها من مواسم للطاعات, قال رحمه الله في مقدمة الكتاب: المواسم الفاضلة...لله فيه لطيفة من لطائف نفحاته بصيب بها من يشاء بفضله ورحمته, فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات, فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.
وقد أثنى على الكتاب عدد من العلماء, قال الحافظ ابن حجر: فيه درر.وقال ابن قاضي شهبة: كتاب حسن.وقال الشيخ على بن عبدالعزيز الشبل: كتاب ماتع في أسلوبه حوى فصولا نافعة, وفوائد مهمة.
وقد منَّ الله الكريم عليَّ فجمعت بعضاً من تلك الفوائد, أسأل الله عز وجل أن ينفع بها, ويبارك فيها.

ــــ(3) 
فصل: في فضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ
* رقة القلب تنشأ عن الذكر, فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب بالغفلة عنه...القلوب الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر.
* المواعظ سياط تضرب بها القلوب, فتؤثر في القلوب كتأثير السياط في البدن, والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثيره في حال وجوده, لكن يبقى أثر التألم بحسب قوته وضعفه, فكلما قوى الضرب كانت مدة بقاء الألم أكثر.وكان كثير من السلف إذا خرجوا من مجلس سماع الذكر خرجوا وعليهم السكينة والوقار.
* قال بعضهم: لا تنفع الموعظة إلا إذا خرجت من القلب فإنها تصل إلى القلب, فأما إذا خرجت من اللسان فإنها تدخل من الأذن ثم تخرج من الأخرى.
* قال بعض السلف: إن العالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا.
* المواعظ درياق الذنوب: فلا ينبغي أن يسقي الدرياق إلا طبيب حاذق معافى, فأما لديغ الهوى فهو إلى شرب الدرياق أحوج من أن يسقيه لغيره.
وفي بعض الكتب السالفة: إذا أردت أن تعظ الناس فعظ نفسك فإن اتعظت وإلا فاستحي مني.
لما حاسب المتقون أنفسهم خافوا من عاقبة الوعظ والتذكير.
ومع هذا كله فلا بد للإنسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والوعظ والتذكير, ولو لم يعظ الناس إلا معصوم من الزلل لم يعظ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد, لأنه لا عصمة لأحد بعده:
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب     فمن يعظ العاصين بعـد محمـد
ــــ(4)
قيل للحسن: إن فلانا لا يعظ, ويقول: أخاف أن أقول  ما لا أفعل. فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول ؟ ودَّ الشيطان أنه فد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر
خطب عمر بن عبدالعزيز رحمه الله يوماً, فقال في موعظته: إني أقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي, فأستغفر الله وأتوب إليه.
* قال مطرف: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا نعيماً لا موت فيه.
* كانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة الصرف في إنفاق المال..فما مضى إلا قليا حتى رؤيت في سوق من أسواق بغداد وهي تسأل الناس
* عجبأً لمن رأى الدنيا وسرعة تقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها.
* أهلك إبليس العجب بنفسه ولذلك قال:) أَنا خَيرٌ مِنهُ [[الأعراف:12] وكملت فضائل آدم باعترافه على نفسه ] قالا رَبَّنا ظَلَمنا أَنفُسَنا[[الأعراف:23]
* قال بعض السلف: آدم أخرج من الجنة بذنب واحد. وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها وتريدون أن تدخلوا بها الجنة. 
* العجب ممن عرف رباه ثم عصاه, وعرف الشيطان ثم أطاعه, ] أَفَتَتَّخِذونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَولِياءَ مِن دوني وَهُم لَكُم عَدُوٌّ بِئسَ لِلظّالِمينَ بَدَلًا [[الكهف:50]   
* علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها, وعلامة ردها أن توصل بمعصية. ما أحسن الحسنة بعد الحسنة وأقبح السيئة بعد الحسنة.ما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة.سلوا الله الثبات إلى الممات, وتعوذوا من الحور بعد الكور. كان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم أعزني بطاعتك, ولا تذلني بمعصيتك.
ــــ(5)
* قال بعض الملوك لأبي حازم: كيف القدوم على الله تعالى؟ فقال أبو حازم: أما قدوم الطائع على الله تعالى فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه, وأما قدوم العاصي فكقدوم العبد الآبق على سيده الغضبان.
* ما قدَّم أحد حق الله على هوى نفسه وراحتها إلا رأى سعادة الدنيا والآخرة, ولا عكس ذلك فقدم حظ نفسه على حق ربه إلا ورأى الشقاوة في الدنيا والآخرة.
* قال أبو حازم: كل ما يشغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو عليك مشؤوم
فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله.
* العدوى التي تهلك من قربها هي المعاصي, فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك, وكذلك مخالطة أهل المعاصي, ومن يحسن المعصية ويزينها ويدعو إليها من شياطين الإنس, وهو أضر من شياطين الجن. قال بعض السلف: شياطين الجن نستعيذ بالله منه فينصرف, وشيطان الإنس لا يبرح حتى يوقعك في المعصية.فالعاصي مشؤوم على نفسه, وعلى غيره, فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس, خصوصاً من لم ينكر عليه عمله.فالبعد عنه متعين. وكذلك أماكن المعاصي وعقوباتها يتعين البعد عنها والهرب منها خشية نزول العذاب 
* احذروا الذنوب فإنها مشؤومه, عواقبها ذميمة, وعقوباتها أليمة, والقلوب المحبة لها سقيمة, السلامة منها غنيمة, والعافية منها ليس لها قيمة, والبلية بها لا سيما بعد نزول الشيب داهية عظيمة.
* الأعمال كلها يفرغ منها, والذكر لا فرغ له ولا انقضاء, والأعمال تنقطع بانقطاع الدنيا ولا يبقى منها شيء في الآخرة, والذكر لا ينقطع. المؤمن يعيش على الذكر ويموت عليه, وعليه يبعث.
ــــ(6)
فصل: في ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
* مفارقة الجسد للروح لا تقع إلا بعد ألم عظيم تذوقه الروح والجسد جميعاً, فإن الروح قد تعلقت بهذا الجسد وألفته, واشتدت ألفتها له وامتزاجها به ودخوله فيه حتى صارا كالشيء الواحد, فلا يتفارقان إلا بجهد شديد وألم عظيم, ولم يذق ابن آدم في حياته ألماً مثله, وإلى ذلك الإشارة بقول الله عز وجل: ] كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [[آل عمران:185]  
قال الربيع بن خثيم: أكثروا ذكر هذا الموت فإنكم لم تذوقوا قبله مثله.
ويتزايد الألم بمعرفة المحتضر بأن جسده إذا فارقته الروح صار جيفة مستقذره يأكله الهوام ويبليه التراب حتى يعود تراباً, وأن الروح المفارقة له لا تدري أين مستقرها هل هو في الجنة أو النار, فإن كان مصراً على المعصية إلى الموت فربما غلب على ظنه أن روحه تصير إلى النار فتتضاعف بذلك حسرته وألمه, وربما كشف له مع ذلك عن مقعده من النار فيراه, أو يبشر بذلك فيجتمع له مع كرب الموت وألمه العظيم معرفته بسوء مصيره, وهذا هو المراد بقول الله عز وجل: ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [ [القيامة:29] على ما فسر به كثير من السلف, فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت, فلا تسأل عن سوء حاله, وقد سمى الله تعالى ذلك سكرة لأن ألم الموت مع ما ينضم إليه يسكر صاحبه فيغيب عقله غالباً, قال الله تعالى:  ]وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [[ق:19]
ألا للموت كاس أي كاس        وأنت لكأسه لا بد حاسي
إلى كم والممات إلى قريب        تُذكرُ بالموت وأنت ناسي
ــــ(7)
* قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة ذكر الموت.فقال: ( أكثروا ذكر هادم اللذات) يعني: الموت. وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد منها:
أنه يحث على الاستعداد له قبل نزوله, ويقصر الأمل, ويرضي بالقليل من الرزق, ويزهد في الدنيا, ويرغب في الآخرة, ويهون مصائب الدنيا, ويمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا
قال أبو الدرداء: كفى بالموت واعظاً, وكفى بالدهر مفرقاً, اليوم في الدور وغداً في القبور.
غفلة الإنسان عن الموت مع أنه لا بد له من العجب, والموجب لها طول الأمل.
* أول ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة: ] إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ [ [النصر:1] يعني فتح مكة
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل موته: "سبحان الله وبحمده, أستغفر الله, وأتوب إليه " فقلت له: إنك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم؟ قال: ( إن ربي أخبرني أنني سأرى علماً في أمتي إذا رأيته أن أسبح بحمده وأستغفره, وقد رأيته ) ثم تلا هذه السورة. إذا كان سيد المحسنين يؤمر بأن يختم أعماله بالحسنى فكيف يكون حال المذنب المسيء المتلوث بالذنوب المحتاج إلى التطهير؟
من لم ينذره باقتراب أجله وحي, أنذره الشيب وسلب أقرانه بالموت.
عن وهب قال: ينادي مناد: أبناء الستين: عدوا أنفسكم في الموتى.
قال سفيان الثوري: من بلغ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتخذ نفسه كفناً
وإن امرأ قد سار ستين حجة          إلى منهل من ورده لـقريب
ــــ(8)
* قال الفيضل لرجل: كم أتى عليك ؟ قال: ستون سنة.
قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ.
فقال له الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقال الفيضل: من علم أنه لله عبد, وأنه إليه راجع, فليعلم أنه موقوف وأنه مسؤول, فليعد للمسألة جواباً.
فقال له الرجل: فما الحيلة؟
قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى, فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقى.
* في المسند وصحيح أبن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه, وهو معصوب الرأس, فقام على المنبر فقال: ( إن عبداً عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة ) قال: فلم يفطن لها أحد من القوم إلا أبو بكر.فقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا.قال: ثم هبط عن المنبر فما رؤي عليه حتى الساعة.
لما قويت معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم بربه ازداد حبه له وشوقه إلى لقائه, فلما خير بين البقاء في الدنيا وبين لقاء ربه اختار لقاءه على خزائن الدنيا والبقاء فيها.
* قالت عائشة: كان عنده سبعة دنانير فكان يأمرهم بالصدقة بها ثم يغمى عليه, فيشتغلون بوجعه, فدعا بها فوضعها في كفه وقال: ( ما ظن محمد بربه لو لقي الله وعنده هذه) ثم تصدق بها كلها.فكيف حال من لقي الله وعنده دماء المسلمين وأموالهم المحترمة؟! وما ظنه بربه.
ــــ(9)
* كانت الجمادات تتصدع من ألم مفارقة الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بقلوب المؤمنين؟! لما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حنَّ إليه وصاح كما يصيح الصبي, فنزل إليه فاعتنقه فجعل يُهدي كما يُهدي الصبي الذي يسكن عند بكائه, فقال: ( لو لم أعتنقه لحنّ إلى يوم القيامة ) كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى. وقال: هذه خشبة تحنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسم فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
ما أمرَّ عيش من فارق الأحباب, خصوصاً من كانت رؤيته حياة الألباب.
* يا أبناء العشرين! كم مات من أقرانكم وتخلفتم
  يا أبناء الثلاثين ! أصبتم بالشباب على قرب من العهد فما تأسفتم
  يا أبناء الأربعين ! ذهب الصبا وأنتم على اللهو قد عكفتم
  يا أبناء الخمسين! تنصفتم المائة وما أنصفتم
  يا أبناء الستين! أنتم على معترك المنايا قد أشرفتم, أتلهون وتلعبون, لقد أسرفتم.
يا من كلما طال عمره زاد ذنبه, يا من كلما ابيض شعره بمرور الأيام اسود بالآثام قلبه.
* يا من تمر عليه سنة بعد سنة وهو مستثقل في نوم الغفلة والسنة, يا من يأتي عليه عام بعد عام وقد غرق في بحر الخطايا, يا من يشاهد الآيات والعبر كلما توالت عليه الأعوام والشهور, ويسمع الآيات والسور ولا ينتفع بما يسمع ولا بما يرى من عظائم الأمور, ما الحلية فيمن سبق عليه الشقاء في الكتاب المسطور: ] فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[ [الحج:46] ) وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّـهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ[ [النور:40]
ــــ(10)
فصل: المنافسة فيما يقرب من الآخرة 
* قال تعالى: ) لَيسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى المَرضى وَلا عَلَى الَّذينَ لا يَجِدونَ ما يُنفِقونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحوا لِلَّـهِ وَرَسولِهِ ما عَلَى المُحسِنينَ مِن سَبيلٍ وَاللَّـهُ غَفورٌ رَحيمٌ * وَلا عَلَى الَّذينَ إِذا ما أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعيُنُهُم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدوا ما يُنفِقونَ [ [التوبة:91-92] نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء المسلمين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى غزوة تبوك, فطلبوا منه أن يحملهم, فقال لهم: ( لا أجد ما أحملكم عليه ) فرجعوا وهم يبكون حزناً على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال, بكوا على فقدهم رواحل يتحملون عليها إلى الموت في مواطن تراق فيها الدماء في سبيل الله, وتنزع فيها رؤوس الرجال عن كواهلها بالسيوف, فأما من بكى على فقد حظه من الدنيا وشهواته العاجلة فذلك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة.
* لما سمع الصحابة رضي الله عنهم قول الله عز وجل: ] فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [ [البقرة:148] )  سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [  [الحديد:21] فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة, والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية, فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملاً يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له, فيحزن لفوات سبقه, فكان تنافسهم في درجات الآخرة كما قال تعالى: )وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ[ [المطففين:26] ثم جاء من بعدهم فعكس الأمر, فصار تنافسهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية.
ــــ(11)
* قال الحسن: إذا رأيت من ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة.وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل.قال عمر بن عبدالعزيز في حجة حجها عند دفع الناس من عرفها: ليس السابق اليوم من سبق به بعيره, إنما السابق من غفر له.
* كان رأس السابقين إلى الخيرات من هذه الأمة أبو بكر الصديق رضي الله عنه, قال عمر: ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقنا أبو بكر.وكان سباقاً إلى بالخيرات, ثم كان السابق بعده إلى الخيرات عمر.
* صاحب الهمة العالية والنفس الشريفة التواقة لا يرضي بالأشياء الدنية الفانية, وإنما همته المسابقة إلى الدرجات الباقية الزكية التي لا تفنى, ولا يرجع عن مطلوبة, ولو تلفت نفسه في طلبه, ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه, قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: كرامته أريد.
وإذا كانت  النفوس كباراً         تعبت في مرادها الأجسام
* قيمة كل إنسان ما يطلب, فمن كان يطلب الدنيا فلا أدنى منها, فإن الدنيا دنية, وأدنى منها من يطلبها, وهي خسيسة, وأخس منها من يخطبها, قال بعضهم: القلوب جوالة فقلب يجول حول العرش وقلب يجول حول الحش, الدنيا كلها حش وكل ما فيها من مطعم يؤول إلى الحش, وما فيها من أجسام ولباس يصير تراباً
العالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبة ويبذل وسعه في الوصول إلى رضى محبوبة, فأما خسيس الهمة فاجتهاده في متابعة هواه, ويتكل على مجرد العفو, فيفوته إن حصل له العفو منازل السابقين.قال بعض السلف: هب أن المسيء عُفي عنه, أليس قد فاته ثواب المحسنين.
ــــ(12)
* العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علو الدرجات, والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات قال الله تعالي حاكياً عن قارون: ]فخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّـهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [[القصص:79-80]إلى قوله:)تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ [القصص:83]
* من فاته الليل أن يكابده, وبخل بالمال أن ينفقه, وجبن عن عدو أن يقاتله, فليكثر من " سبحان الله وبحمده "...واعلم أن من عجز عن عمل خير, وتأسف عليه, وتمنى حصوله, كان شريكاً لفاعله في الأجر.
* لما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه, كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه, وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه, إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء.
* أفضل الأعمال: سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها, وأفضلها السلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطعن على سلف الأمة وبغضهم والحقد عليهم واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم. ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين.وإرادة الخير لهم ونصيحتهم. وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وقد وصف الله تعالى المؤمنين عموماً بأنهم يقولون ]رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [ [الحشر:10] قال بعض السلف: أفضل الأعمال سلامة الصدور, وسخاوة النفوس والنصيحة للأمة وبهذا الخصال بلغ من بلغ, لا بكثرة الاجتهاد في الصوم والصلاة.
ــــ(13)
فصل: في فضل قيام الليل
* قال ابن مسعود رضي الله عنه: فضل صلاة الليل على صلاة النهار كفضل صدقة السر على صلاة العلانية.
* فضلت صلاة الليل على صلاة النهار لأنها أبلغ في الإسرار, وأقرب إلى الإخلاص
* كان السلف يجتهدون على إخفاء تهجدهم.قال الحسن: كانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت.
* القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر فإنه تنقطع الشواغل بالليل, ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم.
* قد مدح الله تعالى المستيقظين بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته, فقال الله تعالى: ) تَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [[السجدة:16-17] وقال الله تعالى: ) وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [  [آل عمران:17] وقال الله تعالى: ] كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ [  [الذاريات:16-17]
* وقت التهجد من الليل أفضل أوقات التطوع بالصلاة, وأقرب ما يكون العبد من ربه, وهو وقت فتح أبواب السماء واستجابة الدعاء واستعراض حوائج السائلين.
* قال ثابت: كابدت قيام الليل عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة أخرى
* كان أبو ذر رضي الله عنه يقول: صلوا ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور.
* كما أن قيام الليل يكفر السيئات, فهو يرفع الدرجات, وقد ذكرنا أن أهله من السابقين إلى الجنة بغير حساب.
ــــ(14)
* ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم, هو شفاء قلوبهم, ونهاية مطلوبهم...من لم يشاركهم في هواهم وذوق حلاوة نجواهم, لم يدر ما الذي أبكاهم
* كان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم
* من عجز عن مسابقة المحبين في ميدان مضمارهم, فلا يعجز عن مشاركة المذنبين في استغفارهم واعتذارهم
* صحائف التائبين خدودهم, ومدادهم دموعهم.
* يا قوام الليل اشفعوا في النُّوام, يا أحياء القلوب ترحموا على الأموات.
* قيل لابن مسعود رضي الله عنه: ما نستطيع قيام الليل.قال: أقعدتكم ذنوبكم.
* قال بعض السلف: أذنبت ذنباً فحرمت به قيام الليل ستة أشهر.
*  كان النبي صلى الله عليه وسلم, يطرق باب فاطمة وعلي, ويقول: ألا تصليان ؟ وفي الحديث: ( إذا استيقظ الرجل وأيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين كثيراً والذاكرات)
كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل وبين أيدين طريق بعيد. وزادنا قليل, وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.
* كم من قائم بالليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته, وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه.عندما يرى من كرامة الله عز وجل للعابدين غداً, فاغتنموا ممرّ الساعات والليالي والأيام رحمكم الله.



ــــ(15)
فصل: الصيام
* أفضل الصيام أن لا يضعف البدن حتى يعجز عما هو أفضل منه من القيام بحقوق الله تعالى أو حقوق عبادة اللازمة, فإن أضعف عن شيء من ذلك مما هو أفضل منه كان تركه أفضل
فالأول: مثل أن يضعف الصيام عن الصلاة أو الذكر أو عن العلم..وقد نص الأئمة الأربعة على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة, والصلاة أفضل من الصيام المتطوع به, فيكون العلم أفضل من الصيام بطريق الأولى.فإن العلم مصباح يستضاء به في ظلمة الجهل والهوى, فمن سار في طريق على غير مصباح لم يأمن أن يقع في بئر بوار فيعطب قال ابن سيرين:إن قوماً تركوا العلم واتخذوا محاريب فصلوا وصاموا بغير علم, والله ما عمل أحد بغير علم إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح
الثاني: مثل أن يضعف الصيام عن الكسب للعيال أو القيام بحقوق الزوجات فيكون تركه أفضل.
* باع قوم من السلف جارية, فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها, فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان, فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان ؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان, ردوني عليهم.
* من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته, ومن تعجل ما حرم الله عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته, وشاهد ذلك قوله تعالى:] أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا [ [الأحقاف:20] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة, ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة )
ــــ(16)
* الصيام لا يعلم منتهى مضاعفته إلا الله عز وجل, وكلما قوي الإخلاص فيه وإخفاؤه وتنزيهه من المحرمات والمكروهات كثرت مضاعفته, فلا يستنكر أن يصوم الرجل يوماً من الشهر فيضاعف له بثواب ثلاثين يوماً فيكتب له صيام الشهر كله, وكذلك إذا صام يومين من الشهر, وأما إذا صام منه ثلاثة أيام فهو ظاهر لأن الحسنة بعشر أمثالها.
* إذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه ثم تركته لله عز وجل في موضع لا يطلع عليه إلا الله, كان ذلك دليلاً على صحة الإيمان, فإن الصائم يعلم أن له رباً يطلع عليه في خلوته, وقد حرم عليه أن يتناول شهوته المجبول على الميل إليها في الخلوة, فأطاع ربه وامتثل أمره واجتنب نهيه خوفاً من عقابه ورغبة في ثوابه, فشكر الله تعالى له ذلك واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله.
* قال بعض السلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.
* الصائم تقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح, وهذه أعظم شهوات النفس...واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حاله الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال
فال بعض السلف: أهو الصيام ترك الشراب والطعام. قال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم...وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك, ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
* يا معشر التائبين ! صوموا اليوم عن شهوات الهوى لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء, لا يطولن عليكم الأمل باستبطاء الأجل, فإن معظم نهار الصيام قد ذهب, وعيد اللقاء قد اقترب.
ــــ(17)
فصل: شهر رجب
* لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به. والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح, وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء. وأول ما ظهرت بعد الأربعمائة.
* وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه
* وقد روى أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة ولم يصح شيء من ذلك, فروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في أول ليلة منه, وأنه بعث في السابع والعشرين منه, وقيل: في الخامس والعشرين, ولا يصح شيء من ذلك. وروى بإسناد لا يصح عن القاسم بن محمد أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان في سابع وعشرين من رجب. 









ــــ(18)
فصل: صيام شعبان
* خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامه بن زيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسرد حتى نقول لا يفطر, ويفطر الأيام حتى لا يكاد يصوم إلا يومين من الجمعة, إن كانا في صيامه وإلا صامهما, ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان) فقلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما, قال: ( أي يومين ؟) قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: ( ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين, وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) قلت: ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان, قال: ( ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان, وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)
* قوله صلى الله عليه وسلم (يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان) فيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة. وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد: منها: أن المنفرد بالطاعة عن أهل المعاصي والغفلة قد يُدفعُ به البلاء عن الناس كلهم فكأنه يحميهم ويدافع عنهم.
قال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة, ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ] وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ [ [البقرة:251] أنه يدخل فيها دفعُهُ عن العصاة بأهل الطاعة. وجاء في الآثار: أن الله يدفع بالرجل الصالح عن أهله وولده وذريته ومن حوله.
ــــ(19)
 ومنها: أنه أشق على النفوس: وأفضل الأعمال أشقها على النفوس, وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس, فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم, فسهلت الطاعات, وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس, فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم, لقلة من يقتدون بهم فيها.ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( للعامل منهم أجر خمسين منكم, إنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) وفي رواية: قيل: ومن الغرباء؟ قال: ( الذين يصلحون إذا فسد الناس)
وفي صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العبادة في الهرج كالهجرة إلي) وخرجه الإمام أحمد ولفظه: (العبادة في الفتنة كالهجرة إلي) وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتنة يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين, فيكون حالهم شبيهاً بحال الجاهلية, فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به متبعاً لأوامره مجتنباً لنواهيه.
ومنها: أنه يكون أخفى, وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل, لا سيما الصيام, فإنه سر بين العبد وربه, ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء.




ــــ(20)
فصل: شهر رمضان
* لما سُلسل الشيطان في شهر رمضان, وخمدت نيران الشهوات بالصيام...لم يبق للعاصي عذر. يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي, يا شموس التقوى والإيمان اطلعي, يا قلوب الصائمين اخشعي, يا أقدام المجتهدين اسجدي لربك واركعي, يا عيون المتهجدين لا تهجعي, يا ذنوب التائبين لا ترجعي.
* اعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام, وجهاد بالليل على القيام, فمن جمع بين هذين الجهادين ووفي بحقوقهما وصبر عليهما وُفِّي أجره بغير حساب
* رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش, وقائم حظه من قيامه السهر, كل قيام لا ينهى عن الفحشاء والمنكر لا يزيد صاحبه إلا بعداً, وكل صيام لا يصان عن قول الزور والعمل به لا يورث صاحبه إلا مقتاً ورداً.
* كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة, وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة: لا الشباب منا ينتهي عن الصبوة, ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصبوة, أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة, وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة, وإذا صاموا صامت منه الألسنة والأسماع والأبصار, أفمنا لنا فيهم أسوة؟ كم بيننا وبين حال الصفا أبعد مما بيننا وبين الصفا والمروة.
* حقيقة الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق, وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية.
ــــ(21)
* أبشروا يا معاشر المسلمين, فهذه أبواب الجنة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم فتحت, ونسماتها على قلوب المؤمنين قد نفحت, وأبواب الجحيم كلها لأجلكم مغلقة, وأقدام إبليس وذريته من أجلكم موثقة, ففي هذا الشهر يؤخذ من إبليس بالثار, وتستخلص العصاة من أسره فما يبقي لهم عنده آثار, كانوا أفراخه, قد غذاهم بالشهوات في أوكاره, فهجروا اليوم تلك الأوكار, نقضوا معاقل حصونه بمعاول التوبة والاستغفار, خرجوا من سجنه إلى حصن التقوى والإيمان, فأمنوا من عذاب النار, قصموا ظهره بكلمة التوحيد فهو يشكو ألم الانكسار
في كل موسم من مواسم الفضل يحزن, ففي هذا الشهر يدعو بالويل, لما يرى من تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار, غلب حزب الرحمن وهرب حزب الشيطان, فما بقي له سلطان إلا على الكفار.
* عباد الله شهر رمضان قد انتصف, فمن منكم حاسب نفسه فيه وانتصف, من منكم قام في هذا الشهر بحقه الذي عرف؟ من منكم عزم قبل غلق أبواب الجنة أن يبني له فيها غرفاً من فوقها غرق؟ ألا إن شهركم قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم في العمل, فكأنكم به وقد انصرف, فكل شهر فعسى أن يكون منه خلف, وأما شهر رمضان فمن أين لكم منه خلف؟
* لا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن, بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها, فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا يغني شيئاً, قال الله تعالى: ] يا بَني آدَمَ قَد أَنزَلنا عَلَيكُم لِباسًا يُواري سَوآتِكُم وَريشًا وَلِباسُ التَّقوى ذلِكَ خَيرٌ [ [الأعراف:26] لا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه وطهرهما, خصوصاً ملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى.
ــــ(22)
* بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمه على من أقدره الله عليه..فمن رحم في رمضان فهو المرحوم, ومن حُرِمَ خيره فهو المحروم, ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم
* الدنيا كلها شهر صيام المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات, فإذا جاءهم الموت, فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم.
* يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجبٍ    حتى عصى ربهُ في شهـر  شعبـان 
  لقد أظلك شهر الصوم بعـدهمـا      فلا تصيره أيضاً شهـر  عصـيان
* من يحفظ الرأس وما حوى, ويحفظ البطن وما حوى, ويذكر الموت والبلى, ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا, فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته
* إخواني اجتنبوا الذنوب التي تحرم العبد مغفرة مولاه الغفار في مواسم الرحمة والتوبة والاستغفار.
قال بعض السلف: كم من يستقبل يوماً لا يستكمله, ومن مؤمل غداً لا يدركه.
كم ممن راح في طلب الدنيا أو غدا, أصبح من سكان القبور غداً.







ــــ(23)
فصل: في فضل الجود في رمضان
* في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان...
الجود: هو سعة العطاء وكثرته. والله تعالى يوصف بالجود.
كان جوده صلى الله عليه وسلم يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور, كما أن جود ربه يتضاعف فيه أيضاً, فإن الله جلبه على ما يحبه من الأخلاق الكريمة, وكان على ذلك قبل البعثة.
* في تضاعف جوده صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعاتهم, فستوجب المعين لهم مثل أجرهم, كما أن من جهز غازياً فقد غزا, ومن خلفه في أهله فقد غزا, وفي حديث زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من فطر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئاً)
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة, كما في حديث على رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن في الجنة غرفاً يرى ظهورها من بطونها, وبطونها من ظهورها ) قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: ( لمن طيب الكلام, وأطعم الطعام, وأدام الصيام, وصلى بالليل والناس نيام) وهذه لخصال كلها تكون في رمضان, فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام, فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث.

ــــ(24)
ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها, وخصوصاً إن ضم إلى ذلك قيام الليل.
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار, لا سيما في ليلة القدر, والله تعالى يرحم من عباده الرحماء...فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل, والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أن الصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص, وتكفير الصيام لذنوب مشروط بالتحفظ مما ينبغي التحفظ منه....وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي...فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل.
* قال الشافعي رضي الله عنه: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم, ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم, ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.









ــــ(25)
فصل: ليلة القدر
يا من ضاع عمره في لا شيء, استدرك ما فاتك في ليلة القدر فإنها تحسب بالعمر...فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر, فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر...رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين وأنفاس المحبين وقصص التائبين.
قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن وافقت ليلة القدر, ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني) العفو من أسماء الله تعالى, وهو يتجاوز عن سيئات عباده, الماحي لآثارها عنهم, وهو يحب العفو, فيحب أن يعفو من عباده, ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض, وإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه, وعفوه أحب إليه من عقوبته, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( أعوذ برضاك من سخطك, وعفوك من عقوبتك) لما عرف العارفون بجلاله خضعوا, ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا, ما ثم إلا عفو الله أو النار.
وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملاً صالحاً ولا حالاً ولا مقالاً, فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر..من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو, ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة.



ــــ(26)  
فصل: في وداع رمضان
كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه, ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله, ويخافون من رده وهؤلاء الذين: ] يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [[المؤمنون:60]روى عن علي رضي الله عنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل, ألم تسمعوا الله عز وجل يقول: )إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ [المائدة:27] وقال عبدالعزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح, فإذا فعلوه وقع عليهم الهمُّ أيقبل منهم أم لا.
قال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان, ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبله منهم.
وروى عن على رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري! من هذا المقبول فنهنيه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه؟
وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول منها فنهنيه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه؟ أيها المقبول هنيئاً لك. أيها المردود جبر الله مصيبتك.
متى يصلح من لا يصلح في رمضان ؟ متى يصح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان ؟ كل ما لا يثمر من الأشجار في أوان الثمار, فإنه يقطع, ثم يوقد في النار, من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسارة.
يا من أعتقه مولاه من النار, إياك أن تعود بعد أن صرت حراً إلى رق الأوزار, أيبعدك مولاك من النار وتتقرب منها؟ وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها.
ــــ(27)
إن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها, وإن تكون المغفرة مكتوبة للمتقين فالظالم لنفسه غير محجوب عنها. فيا أيها العاصي_وكلنا ذلك_ لا تقنط من رحمة الله لسوء أعمالك, فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك, فأحسن الظن بمولاك, وتب إليه إنه لا يهلك على الله إلا هالك.
ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار, أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار, وهي متيسرة في هذا الشهر, وكان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار.
كلمة التوحيد..تهدم الذنوب وتمحوها محواً ولا تبقى ذنباً, ولا يسبقها عمل, وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار...ومن قالها مخلصاً من قلبه حرمه الله على النار.
الاستغفار..من أعظم أسباب المغفرة, فإن الاستغفار دعاء بالمغفرة, ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره.قال الحسن: أكثروا الاستغفار فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة. وقال لقمان لابنه: عود نفسك الاستغفار, فإن لله ساعات لا يُردُّ فيهن سائلاً.   
وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى:) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا اللَّـهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ [[محمد:19] وفي بعض الآثار أن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب, وأهلكوني بلا إله إلا الله, والاستغفار.
والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها, فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل ويختم به المجالس فإن كانت ذكراً كان كالطابع عليها وإن كانت لغواً كان كفارة لها فكذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار.
ــــ(28)
كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر, فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث, والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث.
ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: الغيبة تخرق الصيام, والاستغفار يرقعه, فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل.
صيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع, وعمل صالح له شافع, كم نخرق صيامنا بسهام الكلام ثم نرقعه, وقد اتسع الخرق على الراقع.
كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه.إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم, ارحموا من حسناته كلها سيئات, وطاعاته كلها غفلات.
أنفع الاستغفار ما قارنته التوبة وهي حل عقدة الإصرار, فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقوده, وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود, فصومه مردود وباب القبول عنه مسدود.
في الحديث: ( تعرضوا لنفحات رحمة ربكم, فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده, وسلوا الله أن يستر عوراتكم, وأن يؤمن روعاتكم ) فمن أصبته سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً. فإن أعظم نفحاته مصادفة ساعة إجابة الإجابة يسأل العبد فيها الجنة والنجاة من النار فيجاب سؤاله فيفوز بسعادة الأبد. قال الله تعالى: ] فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [[آل عمران:185]
وقال: } فَأَمَّا الَّذينَ شَقوا فَفِي النّارِ لَهُم فيها زَفيرٌ وَشَهيقٌ [  [هود:106] إلى قوله: ] وَأَمَّا الَّذينَ سُعِدوا فَفِي الجَنَّةِ [[هود:108]
ــــ(29)  
فصل: العيد
* العيد هو موسم الفرح والسرور, وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم, إذا فازوا بإكمال طاعته, وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته, كما قال تعالى: ) قُل بِفَضلِ اللَّـهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذلِكَ فَليَفرَحوا هُوَ خَيرٌ مِمّا يَجمَعونَ [   [يونس:58] قال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلا بغفلته عن الله, فالغافل يفرح بلهوه وهواه, والعاقل يفرح بمولاه.
* ليس العيد لمن لبس الجديد, إنما العيد لمن طاعاته تزيد.ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب إنما العيد لمن غفرت له الذنوب.
* أعياد الناس تنقضي, فأما أعياد العارفين دائمة, قال الحسن: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد, كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد.
* كل يوم كان للمسلمين عيداً في الدنيا, فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلي لهم فيه.
* كل ما في الدنيا يذكر بالآخرة, فمواسمها وأعيادها وأفراحها تذكر بمواسم الآخرة وأعيادها وأفراحها.
* أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربهم عز وجل, فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة, ويتجلى لهم وينظرون إليه, فما أعطاهم شيئاً هو أحب إليهم من ذلك, وهو الزيادة التي قال الله تعالى فيها: ) لِلَّذينَ أَحسَنُوا الحُسنى وَزِيادَةٌ [[يونس:26] ليس للمحب عيد سوى قرب محبوبة.


ــــ(30)
فصل: صيام ستة أيام من شوال
خرج مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كصيام الدهر)
وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:
منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله.
ومنها: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها, فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص, فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة.
ومنها: أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان, فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده, كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
ومنها: أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب, كما سبق ذكره, وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم يوم الفطر وهو يوم الجوائز, فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكراً لهذه النعمة, فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب
ومنها: أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان, بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حياً.
من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها, فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى, وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية. ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها, وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها, وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها.
ــــ(31)
فصل: ذكر الحج وفضله والحث عليه
في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الأعمال: إيمان بالله ورسوله, ثم جهاد في سبيل الله, ثم حج مبرور)
إذا ذاق العبد حلاوة الإيمان, ووجد طعمه وحلاوته, ظهر ثمر ذلك على لسانه وجوارحه, فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه, وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله, فحينئذ يدخل حب الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حره للظمآن الشديد عطشه, ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمرَّ عليها من الصبر.
فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللسان, ثم يتبعهما عمل الجوارح, وأفضلها الجهاد في سبيل الله, وهو نوعان:
أفضلهما: جهاد المؤمن لعدوه الكافر وقتاله في سبيل الله.
والنوع الثاني من الجهاد: جهاد النفس في طاعة الله, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المجاهد من جاهد نفسه في سبيل الله ) وأعظم مجاهدة النفس على طاعة الله عمارة بيوته بالذكر والطاعة, قال الله تعالى: } إِنَّما يَعمُرُ مَساجِدَ اللَّـهِ مَن آمَنَ بِاللَّـهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَم يَخشَ إِلَّا اللَّـهَ[[التوبة:18]
وقد دل حديث أبي هريرة رضي الله عنه على أن أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله جنس عمارة المساجد بذكر الله وطاعته, فيدخل في ذلك: الصلاة, والذكر, والتلاوة, والاعتكاف, وتعليم النافع واستماعه, وأفضل من ذلك عمارة أفضل المساجد وأشرفها, وهو المسجد الحرام بالزيارة والطواف, فلهذا خصه بالذكر وجعل قصده للحج أفضل الأعمال بعد الجهاد.
ــــ(32)
* الحاج يحتاج إلى مخالطة الناس, والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم..والإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة, لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه.قال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه, فكان يخدمني, وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناماً لأجر ذلك.
* خصال البر, من أهمها للحاج: إقام الصلاة. فمن حج من غير إقام الصلاة لا سيما إن كان حجه تطوعاً, كان بمنزلة من سعى في ربح درهم وضيع رأس ماله وهو ألوف كثيرة, وقد كان السلف يواظبون في الحج على نوافل الصلاة.وكان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب على قيام الليل على راحلته في أسفاره كلها ويوترُ عليها.
* من أعظم أنواع بر الحج كثرة ذكر الله تعالى فيه, وقد أمر الله تعالى بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى.
* ومن أعظم ما يجب على الحاج اتقاؤه من الحرام أن يطيب نفقته في الحج وأن لا يجعلها من كسب حرام.
* مما يكمل ببر الحج: اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصي, قال الله تعالى: ] فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ  [ [البقرة:197] وفي الحديث الصحيح: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) فما تزود حاج ولا غيره أفضل من زاد التقوى, ودعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى.قال بعض السلف لمن ودعه: اتق الله, فمن اتقى الله فلا وحشة عليه.
ــــ(33)
* مما يجب اجتنابه على الحاج وبه يتم حجه: أن لا يقصد بحجه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخراً ولا خيلاً, ولا يقصد به إلا وجه الله ورضوانه, ويتواضع في حجه ويستكين ويخشع لربه.قال شريح: الحاج قليل والركبان كثيرون.
* سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمناً, يترددون إليه ويرجعون عنه, ولا يرون أنهم قضوا منه وطراً, لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه بقوله عز وجل لخليله: ) وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [[الحج:26] تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم, فكلما ذكر لهم ذلك البيت حنّوا, وكلما تذكروا بعدهم عنه أنوا.
* بهيم العجلي كان من العابدين البكائين..لما كان يوم خروجه للسفر بكى حتى قطرت دموعه على صدره, وقال: ذكرت بهذه الرحلة الرحلة إلى الله.
* رأى بعض الصالحين الحاج في وقت خروجهم, فوقف يبكي ويقول: واضعفاه! هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت, فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت ؟ يحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق, ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة وهو قاعد أن يحزن.
* لئن سار القوم وقعدنا, وقربوا وبعدنا, فما يؤمننا أن نكون ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم, وقيل: اقعدوا مع القاعدين.على أن المتخلف لعذر شريك للسائر, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك: ( إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم خلفهم العذر)* الحج المبرور يكفر السيئات ويوجب دخول الجنات.له علامات لا تخفى: قيل للحسن:الحج المبرور جزاؤه الجنة؟ قال: آية ذلك:أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة.وقيل له: جزاء الحج المغفرة؟ قال: آية ذلك: أن يدع سيئ ما كان عليه من العمل.
ــــ(34)
فصل: فيما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما
* لما كان الحج من أفضل الأعمال, والنفوس تتوق إليه, لما وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم, وكان كثير من الناس يعجز عنه, ولا سيما كل عام, شرع الله لعباده أعمالاً يبلغ أجرها الحج, فيتعوض بذلك العاجزون عن التطوع بالحج
ففي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى الصبح في جماعة, ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس, ثم صلى ركعتين, كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تامة, تامة, تامة ) 
* كف الجوارح عن المحرمات أفضل من التطوع بالحج وغيره, وهو أشق على النفوس.قال الفيضل بن عياض: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان
ليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح, وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها من الآثام. سفر الدنيا ينقطع بسير الأبدان, وسفر الآخرة ينقطع بسير القلوب.
* إخواني ! إن حبستم العام عن الحج فارجعوا إلى جهاد النفوس....ومن كان بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله, فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر, ومن عجز عن البيت أو البيت منه بعيد, فليقصد رب البيت فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد




ــــ(36)
فصل: يوم عرفة
* يوم عرفة هو يوم العتق من النار, فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين, فلذلك صار اليوم الذي يليه عيداً لجميع المسلمين في جميع أمصارهم, من شهد الموسم منهم, ومن لم يشهده, لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة.
* فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة, فليحافظ على الأسباب التي يرجى بها العتق والمغفرة.
فمنها: صيام ذلك اليوم.ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صيام يوم عرفه أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده)
ومنها: حفظ جوارحه عن المحرمات في ذلك اليوم.
ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق, فإنها أصل الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه. وفي المسند عن عبدالله بن عمرو قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفه: ( لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد, بيده الخير, وهو على كل شيءٍ قدير) وخرجه الترمذي ولفظه: ( خير الدعاء دعاء يوم عرفه, وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك, وله الحمد, وهو على كل شيء قدير)
ومنها: أن يعتق رقبة إن أمكنه, فإن من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار.
ومنها: كثرة الدعاء بالمغفرة والعتق فإنه يرجى إجابة الدعاء فيه.
ـــــ(36)   
* وليحذر من الذنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق..فيا من يطمع في العتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار, تالله ما نصحت نفسك ولا وقف في طريقك غيرك, توبق نفسك بالمعاصي, فإذ حرمت المغفرة. قلت: أنى هذا؟  ) قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ [ [آل عمران:165]
* إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من النار.] إِنَّ اللَّـهَ اشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ [[التوبة:111] من كرمت عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في افتكاكها من النار.
* عما قليل يقف إخوانكم بعرفه في ذلك الموقف, فهنيئا لمن رُزقه.يجأرون إلى الله بقلوب محترقة ودموع مستبقة...فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه, ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه.
* من فاته في هذا العام القيام بعرفه فليقم لله بحقه الذي عرفه, ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه, ومن يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف, ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا, ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.





ــــ(37)
فصل: أيام التشريق
أيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب, ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر, وبذلك تتم النعم, ولكلما أحدثوا شكراً على النعمة كان شكرهم نعمة أخرى, فيحتاج إلى شكر آخر, ولا ينتهي الشكر أبداً.
في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل) إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته, وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات, وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له, فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدلها كفراً, وهو جدير أن يسلبها
إذا كنت في نعمة فارعها         فإن المعاصي تزيل النعم 
ودوام عليها بشكر الإله         فشكر الإله يزيل النقم
وخصوصاً نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام كما في أيام التشريق, فإن هذه البهائم مطيعة لله لا تعصيه, وهي مسبحة له قانتة, كما قال تعالى: ] وَإِن مِن شَيءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ [[الإسراء:44] وإنها تسجد له, كما أخبر بذلك في سورة النحل وسورة الحج, وربما كانت أكثر ذكراً لله من بعض بني آدم...وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن كثيراً من الجن والإنس كالأنعام بل هم أضل.
فأباح الله عز وجل ذبح هذه البهائم المطيعة الذاكرة له لعباده المؤمنين حتى تتقوى بها أبدانهم وتكمل لذاتهم في أكلهم اللحوم, فإنها من أجلِّ الأغذية وألذها, مع أن الأبدان تقوم بغير اللحم من النبات وغيرها, ولكن لا تكمل القوة والعقل واللذة إلا باللحم.
ــــ(38)
فصل
* كان كثير من المتقدمين يحملون على أنفسهم من الأعمال ما يضر بأجسادهم, ويحتسبون أجر ذلك عند الله, وهؤلاء قوم أهل صدق وجد واجتهاد,..لكن لا يقتدى بهم, وإنما يقتدى بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن خير الهدى هديه, ومن أطاعه فقد اهتدى, ومن اقتدى به وسلك وراءه وصل إلى الله عز وجل
* لم يكن أكثر تطوع النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة, بل ببر القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلقها بالله, خشية له ومحبة وإجلالاً وتعظيماً, ورغبة فيما عنده, وزهداً فيما يفنى.قال ابن مسعود رضي الله عنه لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصياماً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, وهم كانوا خير منكم. قالوا: ولِمَ؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا, وأرغب في الآخرة.وقال بكر المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة, ولكن بشيء وقر في صدره. قال بعض العلماء المتقدمين: الذي وقر في صدره هو حب الله, والنصيحة لخلقه.وسئلت فاطمة بنت عبدالملك زوجة عمر بن عبدالعزيز بعد وفاته عن عمله, فقالت: والله ما كان بأكثر الناس صلاة ولا بأكثرهم صياماً, ولكن ما رأيت أحداً أخوف لله من عمر, لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاض العصفور من شدة الخوف, حتى نقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم.
قال بعض السلف: ما بلغ من بلغ عندنا بكثرة صلاة ولا صيام, ولكن بسخاوة النفوس وسلامة الصدور, والنصح للأمة, وزاد بعضهم: واحتقار أنفسهم.
فمن كان بالله أعرف, وله أخوف, وفيما عنده أرغب, فهو أفضل ممن دونه في ذلك, وإن كثر صومه وصلاته.
ــــ(39)
* نص كثير من الأئمة على أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة, وكذلك الاشتغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من الصوم والصلاة مع غش القلوب ودغلها, ومثل من يستكثر من الصوم والصلاة مع دغل القلب وغشه, كمثل من بذر بذراً في أرض دغله كثيرة الشوك, فلا يزكو ما ينبت فيها من الزرع, بل يمحقه دغل الأرض ويفسده, فإذا نظفت الأرض من دغلها زكا ما ينبت فيها ونما.
* من سار على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهاجه وإن اقتصد, فإنه يسبق من سار على غير طريقه وإن اجتهد.













ــــ(40)
فصل: تمني الموت
خرج الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم, قال: لا تتمنوا الموت, فإن هول المطلع الشديد, وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة ) تمنى الموت يقع على وجوه:
منها: تمنيه لضر دنيوي ينزل بالعبد, فيُنهى حينئذ عن تمنى الموت, وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به, فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي, وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)  
ووجه كراهته في هذه الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلاً للاستراحة من ضره, وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت, فلعله يصير إلى ضر أعظم من ضره, فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ومنها: تمنيه خوف الفتنة في الدين فيجوز حينئذ, وقد تمناه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام, وفي حديث المنام: ( وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون )
ومنها: تمنى الموت عند حضور أسباب ألشهادة اغتناماً لحصولها, فيجوز ذلك أيضاً, وسؤال الصحابة الشهادة وتعرضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهود
ومنها: تمنى الموت لمن وثق بعمله شوقاً إلى الله عز وجل, فهذا يجوز أيضاً, وقد فعله كثير من السلف.قال أبو الدرداء: أحبُّ الموت اشتياقاً إلى ربي.وقال أبو عنبسة الخولاني: كان من قبلكم: لقاء الله أحبَّ إليه من الشهد. وقال بعضهم: طال شوقي إليك فعجل قدومي إليك.
ــــ(41)
وقد دل على جواز ذلك قول الله عز وجل: ] قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّـهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [[البقرة:94] وقوله: ) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّـهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ[ [الجمعة:6] فدل ذلك على أن أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه, ثم أخبر أنهمْ: ] لَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [ [الجمعة:7] فدل ذلك على أنه إنما يكره الموت من له ذنوب يخاف القدوم عليها, كما قال بعض السلف: ما يكره الموت إلا مريب. وفي حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أسألك لذة النظر إلى وجهك وشوقاً إلى لقائك, في غير ضراء مضرة, ولا فتنة مضلة) فالشوق إلى لقاء الله تعالى إنما يكون بمحبة الموت.
ومنها: تمني الموت على غير الوجوه المتقدمة, فقد اختلف العلماء في كراهته واستحبابه, وقد رخص فيه جماعة من السلف, وكرهه آخرون.
وقد علل النهي عن تمنى الموت في حديث جابر بعلتين:
إحداهما: أن هول المطلع شديد,...وهو ما يكشف للميت عند حضور الموت من الأهوال التي لا عهد له بشيء منها في الدنيا, من رؤية الملائكة, ورؤية أعماله من خير أو شر, وما يبشر به عند ذلك من الجنة والنار, هذا مع ما يلقاه من شدة الموت وكربه وغصصه.في الحديث الصحيح: ( إذا حملت الجنازة وكانت صالحة قالت: قدموني قدموني, وإن كانت غير ذلك قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان, ولو سمعها لصعق) قال الحسن: لو علم ابن آدم أن له في الموت راحة وفرحاً لشق عليه أن يأتيه الموت لما يعلم من فظاعته وشدته وهوله, فكيف وهو لا يعلم ماله في الموت نعيم دائم أو عذاب مقيم.
ــــ(42)
بكى النخعي عند احتضاره وقال: انتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أو النار
فالمتمني للموت كأنه يستعجل حلول البلاء, وإنما أمرنا بسؤال العافية, وسمع ابن عمر رجلاً يتمنى الموت فقال: لا تتمن الموت فإنك ميت,ولكن سل الله العافية.قال إبراهيم بن أدهم: إن للموت كأساً لا يقوى عليها إلا خائف وجل مطيع لله كان يتوقعها.وبكى الحسن البصري عند موته وقال: نُفيسة ضعيفة وأمر مهول عظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: إني أريد أن أسافر سفراً ما سافرته قط, وأسلك طريقاً ما سلكته قط, وأشرف على أهوال ما شاهدتها قط.
فهذا كله من هول المطلع الذي قطع قلوب الخائفين.    
ومن هول المطلع ما يكشف للميت عند نزوله قبره من فتنة القبر, فإن الموتى يفتنون بالمسألة في قبورهم...وما يكشف لهم في قبورهم عن منازلهم من الجنة والنار, وما يلقون من ضمة القبر وضيقته وهوله وعذابه إن لم يعاف الله من ذلك.
والعلة الثانية: أن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيراً, فمن سعادته أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة إليه والتوبة من ذنوبه السالفة, والاجتهاد في العمل الصالح, فإذا تمنى الموت انقطع عمله الصالح, فلا ينبغي له ذلك.
في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يتمنين أحدكم الموت, إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً, وإما مسيئاً فلعله أن يستعاب) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يتمنين أحدكم الموت, ولا يدع به قبل أن يأتيه, إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله, إنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً)
ــــ(43)
فالمؤمن القائم بشروط الإيمان لا يزداد بطول عمره إلا خيراً, ومن كان كذلك فالحياة خير له من الموت, وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير, والموت راحة لي من كل شر) خرجه مسلم وفي الترمذي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الناس خير؟ قال: ( من طال عمره وحسن عمله ) قيل: فأي الناس شر ؟ قال: ( من طال عمره وساء عمله )
قيل لشيخ كبير: تحب الموت؟ قال:لا. قيل: ولِمَ؟ قال: ذهب الشباب وشره, وجاء الكبر وخيره, فإذا قمتُ قلت: بسم الله, وإذا قعدتُ قلتُ: الحمد لله, فأنا أحبُّ أن يبقي لي هذا.وقيل لشيخ آخر: ما بقي مما تحب له الحياة؟ قال: البكاء على الذنوب
ولهذا كان السلف الصالح يتأسفون عند موتهم على انقطاع أعمالهم عنهم بالموت, وبكى معاذ عند موته وقال: إنما أبكى على ظمأ الهواجر, وقيام ليل الشتاء, ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر, وبكى عبدالرحمن بن الأسود عند موته وقال: وأسفاه على الصوم والصلاة, ولم يزل يتلو القرآن حتى مات. وبكى يزيد الرقاشي عند موته وقال: أبكى على ما يفتوني من قيام الليل وصيام النهار. ثم بكى.
إذا كان المحسن يندم على ترك الزيادة فكيف يكون حال المسيء؟
قال بعض السلف: كل يوم يعيش فيه المؤمن غنيمة.





ــــ(44)
فصل: كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة
* ما رأى العارفون شيئاً من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية
كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار, فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة, ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة, وأهل النار في النار, قال ابن مسعود, وتلا قول الله تعالى: ] أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا  [ [الفرقان:24]
* الله تعالى خلق لعباده دارين يجزيهم فيها بأعمالهم, مع البقاء في الدارين من غير موت, وخلق داراً معجلة للأعمال وجعل فيها موتاً وحياةً, وابتلى عباده فيها بما أمرهم به ونهاهم عنه, وكلفهم فيها الإيمان بالغيب, ومنه الإيمان بالجزاء والدارين المخلوقتين له....وأقام علامات وأمارات تدل على وجود داري الجزاء, فإن إحدى الدارين المخلوقتين للجزاء دار نعيم محض لا يشوبه ألم, والأخرى دار عذاب محض لا يشوبه راحة.
وهذه الدار الفانية ممزوجة بالنعيم والألم, فما فيها من النعيم يذكر بنعيم الجنة, وما فيها من الألم يذكر بألم النار, وجعل الله تعالى في هذه الدار أشياء كثيرة تذكر بدار الغيب المؤجلة الباقية.
فمنها ما يذكر بالجنة من زمان ومكان:
أما الأماكن: فخلق الله بعض البلدان كالشام وغيرها, فيها من المطاعم والمشارب والملابس وغير ذلك من نعيم الدنيا ما يذكر بنعيم الجنة.
ــــ(45)
وأما الأزمان: فكزمن الربيع فإنه يذكر طيبه بنعيم الجنة وطيبها, وكأوقات الأسحار فإن بردها يذكر ببرد الجنة.
ومنها ما يذكر بالنار, فإن الله تعالى جعل في الدنيا أشياء كثيرة تذكر بالنار المعدة لمن عصاه, وبما فيها من الآلام والعقوبات من أماكن وأزمان وأجسام وغير ذلك.
أما الأماكن: فكثير من البلدان مفرطة الحر أو البرد, فبردها يذكر بزمهرير جهنم, وحرها يذكر بحر جهنم وسمومها, وبعض البقاع يذكر بالنار كالحمام.قال أبو هريرة: نعم البيت الحمام, يدخله المؤمن فيزيل به الدار, ويستعيذ بالله فيه من النار.
وأما الأزمان: فشدة الحر والبرد يذكر بما في جهنم من الحر والزمهرير.
أبواب النار مغلقة وتفتح أحياناً, فتفتح أبوابها كلها عند الظهيرة, ولذلك يشتد الحر حينئذ فيكون في ذلك تذكرة بنار جهنم.
وأما الأجسام المشاهدة في الدنيا المذكرة بالنار فكثيرة: منها: الشمس عند اشتداد حرها.
وينبغي لمن كان في حر الشمس أن يتذكر حرها في الموقف, فإن الشمس تدنو من رؤوس العباد يوم القيامة ويزداد في حرها, وينبغي لمن لا يصبر على حر الشمس في الدنيا أن يجتنب من الأعمال ما يستوجب صاحبه به دخول النار, فإنه لا قوة لأحد عليها ولا صبر.
وقد تحدث أحيانا حوادث غير معتادة تذكر بالنار, كالصواعق والريح الحارة المحرقة للزرع.قال الله تعالى: ] وَيُرسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصيبُ بِها مَن يَشاءُ [[الرعد:13]
ومما يدل على أيضاُ في الدنيا على وجود النار الحُمى التي تصيب بني آدم, وهي نار باطنة, فمنها نفحة من نفحات سمومها, ومن نفحة من نفحات زمهريرها.
ــــ(46)
ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا, قال الله تعالى: ) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ [ [الواقعة:73] يعني: أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم.مر ابن مسعود بالحدادين وقد أخرجوا حديداً من النار فوقف ينظر إليه ويبكى.كان ابن عمر وغيره من السلف إذا شربوا ماء بارداً بكوا, وذكروا أمنية أهل النار وأنهم يشتهون الماء البارد قد حيل بينهم وبين ما يشتهون, ويقولون لأهل الجنة:) أَفيضوا عَلَينا مِنَ الماءِ أَو مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّـهُ[ [الأعراف:50] فيقولون لهم: ] إِنَّ اللَّـهَ حَرَّمَهُما عَلَى الكافِرينَ [ [الأعراف:50]
* كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة, ودليل عليه, فنبات الأرض واخضرارها في الربيع بعد محولها ويبسها في الشتاء, وإيناع الأشجار واخضرارها بعد كونها خشباً يابساً يدل على بعث الموتى من الأرض, وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه في مواضع كثيرة, قال الله تعالى: ) وتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّـهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ  [ [الحج:5-7]
* تدقيق النظر والفكر في حال النبات يستدل به المؤمن على عظمة خالقه وكما قدرته ورحمته, فتزداد القلوب هيماناً في محبته, وإلى ذلك الإشارة بقوله: ) وَهُوَ الَّذي أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخرَجنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيءٍ فَأَخرَجنا مِنهُ خَضِرًا نُخرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخلِ مِن طَلعِها قِنوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِن أَعنابٍ وَالزَّيتونَ وَالرُّمّانَ مُشتَبِهًا وَغَيرَ مُتَشابِهٍ انظُروا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثمَرَ وَيَنعِهِ إِنَّ في ذلِكُم لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَ[  [الأنعام:99]
ــــ(47)
* الربيع أطيب فصول السنة, وهو يذكر بنعيم الجنة وطيب عيشها, فينبغي أن يحث المؤمن على الاستعداد لطلب الجنة بالأعمال الصالحة....وزمان الربيع كله واعظ يذكر بعظمة موجده, وكمال قدرته, ويشوق إلى طيب مجاورته في دار كرامته, كما قال ابن سمعون في وصف الربيع: أرضه حرير, وأنفاسه عبير, وأوقاته كلها وعظ وتذكير.
* ومن وجوه الاعتبار في النظر إلى الأرض التي أحياها الله بعد موتها في فصل الربيع بما ساق إليها من قطر السماء, أنه يرجى من كرمه أن يحيي القلوب الميتة بالذنوب وطول الغفلة, بسماع الذكر النازل من السماء, وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: )أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّـهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [ [الحديد:16] إلى قوله: ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا[ [الحديد:17] ففيه إشارة إلى أن من قدر على إحياء الأرض بعد موتها بوابل القطر, فهو قادر على إحياء الأرض القلوب الميتة القاسية بالذكر, عسى لمحة من لمحات عطفه, ونفحة نفحات لطفه, وقد صلح من القلوب كل ما فسد.
عسـى  فـرج يأتي به الله إنه      له كل يـوم في خليقته أمـر
إذا اشتد عسر فارج يسراً فإنه      قضى الله أن العسر يتبعه يسر
عسى من أحيا الأرض الميتة بالقطر أن يحيي القلوب الميتة بالذكر, عسى نفحة من نفحات رحمته تهب, فمن أصابته سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً.



ــــ(48)
فصل: في ذكر التوبة والحث عليها قبل الموت وختم العمر بها
كل من عصى الله فهو جاهل, وكل من أطاعه فهو عالم, وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن من كان عالماً بالله تعالى وعظمته وكبريائه وجلاله فإنه يهابه ويخشاه, فلا يقع منه مع استحضار ذلك عصيانه, كما قال بعضهم: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه.
والثاني: أن من آثر المعصية على الطاعة فإنما حمله على ذلك جهله وظنه أنها تنفعه عاجلاً باستعجال لذتها, وإن كان عنده إيمان فهو يرجو التخلص من سوء عاقبتها بالتوبة في آخر عمره, وهذا جهل محض, فإنه يتعجل الإثم والخزي ويفوته عز التقوى وثوابها ولذة الطاعة, وقد يتمكن من التوبة بعد ذلك, وقد يعاجله الموت بغتة, فهو كجائع أكل طعاماً مسموماً لدفع جوعه الحاضر, ورجا أن يتخلص من ضرره بشرب الدرياق بعده, وهذا لا يفعله إلا جاهل.
روى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ] يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ [ [النساء:17] قال: قبل المرض والموت, وهذا إشارة إلى أن أفضل أوقات التوبة, وهو أن يبادر الإنسان بالتوبة في صحته قبل نزول المرض به حتى يتمكن حينئذٍ من العمل الصالح, ولذلك قرن الله تعالى التوبة بالعمل الصالح في مواضع كثيرة من القرآن.
مات كثير من المصرين على المعاصي على أقبح أحوالهم وهم مباشرون للمعاصي فكان ذلك خزياً لهم في الدنيا مع ما صاروا إليه من عذاب الآخرة, وكثيراً ما يقع هذا للمصرين على الخمر المدمنين لشربها.

ــــ(49)
الناس في التوبة أقسام:
فمنهم: من لا يوفق لتوبة نصوح بل ييسر له عمل السيئات من أول عمره إلى آخره حتى يموت مصراً عليها, وهذه حالة الأشقياء.
وأقبح من ذلك: من يسر له في أول عمره عمل الطاعات ثم ختم له بعمل سيء حتى مات عليه, ما أصعب الانتقال من البصر إلى العمى, وأصعب منه الضلالة بعد الهدى, والمعصية بعد التقى.
كم من شارف مركبه ساحل النجاة, فلما هم أن يرقى لعب به موج الهوى فغرق.
قال بعضهم: ما العجب ممن هلك كيف هلك, إنما العجب ممن نجا كيف نجا.
وقسم: يفنى عمره في الغفلة والبطالة, ثم يوفق لعمل صالح فيموت عليه
الأعمال بالخواتيم...وهؤلاء: منهم: من يوقظ قبل موته بمدة يتمكن فيها من التزود بعمل صالح يختم به عمره. ومنهم: من يوقظ عند حضور الموت فيوفق لتوبة نصوح يموت عليها
وبقي ههنا قسم آخر: وهو أشرف الأقسام وأرفعها: وهو من يفنى عمره في الطاعة ثم ينبه على قرب الأجل, ليجد في التزود ويتهيأ للرحيل بعمل يصلح للقاء, ويكون خاتمة للعمل. قال ابن عباس: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ] إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ [ نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه, فأخذ أشد ما كان اجتهاداً في أمر الآخرة.
من أصبح أو أمسى على غير توبة فهو على خطر, لأنه يخشى أن يلقى الله غير تائب فيحشر في زمرة الظالمين, قال الله تعالى: ) وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [
[الحجرات:11] تأخير التوبة في حال الشباب قبيح وفي حال المشيب أقبح وأقبح.
ــــ(50) 
التوبة التوبة قبل أن يصل إليكم من الموت النوبة, فيحصل المفرط على الندم والخيبة.
الإنابة الإنابة قبل غلق باب الإجابة, الإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة.ما أحسن قلق التواب, ما أحلى قدوم الغياب, ما أجمل وقوفهم بالباب!
من نزل به الشيب فهو بمنزلة الحامل التي تمت شهور حملها, فما تنتظر الولادة, كذلك صاحب الشيب لا ينتظر إلا الموت, فقبيح منه الإصرار على الذنب.
أيها العاصي...إذا خرجت من المجلس وأنت عازم على التوبة قالت له ملائكة الرحمة: مرحبا وسهلاً, فإن قال لك رفقاؤك في المعصية: هلم إلينا, فقل لهم: كلا, ذاك خمر الهوى الذي عهدتموه قد استحال خلاًّ.
يا من سود كتابه بالسيئات قد آن لك بالتوبة أن تمحو, يا سكران القلب بالشهوات أما آن لفؤادك أن يصحو.
* يا من لا يقلع عن ارتكاب الحرام لا في شهر حلال ولا في شهر حرام, يا من هو في الطاعات إلى وراء, وفي المعاصي إلى قدَّام, يا من هو في كل يوم من عمره شراً مما كان في قبله من الأيام, متى تستفيق من هذا المنام؟ متى تتوب من هذا الإجرام؟ * يا من أنذره الشيب بالموت وهو مقيم على الآثام, أما كفاك واعظ الشيب مع واعظ القرآن والإسلام؟...الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة...المبادرة المبادرة بالعمل, والعجل العجل قبل هجوم الأجل, قبل أن يندم المفرط على ما فعل, قبل أن يسأل الرجعة ليعمل صالحاً فلا يجاب إلى ما سأل, قبل أن يندم المفرط على ما فعل, قبل أن يصير المرء مرتهناً في حفرته بما قدم من عمل.

ــــ(51)
* يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين, يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين, يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين! ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين؟ يا من ذنوبه بعدد الشفع والوتر, أما تستحي من الكرام الكاتبين؟ أم أنت ممن يكذب بيوم الدين؟ يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسرى, أما آن لقلبك أن يستنير أو يلين؟















ــــ(52)
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
المقدمة
   3
فصل: في فضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ
   4  
فصل: في ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
   7
فصل: المنافسة فيما يقرب من الآخرة 
   11
فصل: في فضل قيام الليل
   14
فصل: الصيام
   16
فصل: شهر رجب
   18
فصل: صيام شعبان
   19
فصل: شهر رمضان
   21
فصل: في فضل الجود في رمضان
   24
فصل: ليلة القدر
   26
فصل: وداع رمضان
   27
فصل: العيد
   30
فصل: صيام ستة أيام من شوال
   31
فصل: ذكر الحج وفضله والحث عليه
   32
فصل: فيما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما
   35
فصل: يوم عرفة
   36
ــــ(53)
فصل: أيام التشريق
   38
فصل
   39
فصل: تمني الموت
   41
فصل: كل ما في الدنيا فهو مذكر بالآخرة
   45
فصل: في ذكر التوبة والحث عليها قبل الموت وختم العمر بها
   49
فهرس الموضوعات
   53













ــــ(54)

ليست هناك تعليقات