درر مختارة من بعض كتب العلامة ابن القيم جمع فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ حقوق الطبع والنشر لك...
درر
مختارة من بعض كتب العلامة ابن القيم
جمع
فهد
بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
حقوق
الطبع والنشر لكل مسلم
بسم
الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:
فكتب العلامة ابن القيم رحمة الله التي طُبعت له تزيد على الثلاثين
كتابًا، منها الكتب التالية:
1- تهذيب
سنن أبي داود.
2- المنار
المنيف في الصحيح والضعيف.
3- الكافية
الشافعية في الانتصار للفرقة الناجية [القصيدة النونية].
4- رفع
اليدين في الصلاة.
5- أحكام
أهل الذمة.
6- إغاثة
اللهفان في حكم طلاق الغضبان.
7- الطرق
الحكمية في السياسة الشرعية.
8- جلاء
الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم.
9- هداية
الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى.
10-الصلاة
11- تحفة المودود بأحكام المولود
12-رسالة ابن القيم إلى أحد أخوانه
13- التبيان في أيمان القرآن
14- اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو حرب المعطلة والجهمية
15- الرسالة التبوكية
ــــ(3)
16- الفروسية المحمدية
17- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
18- أعلام الموقعين عن رب العالمين
19- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة
وقد احتوت هذه الكتب على مباحث في فنون عديدة، في العقيدة، والحديث،
والفقه، وغيرها، وسال قلم العلامة ابن القيم رحمه الله كعادته في مصنفاته، فاحتوت
تلك الكتب على العديد من الدرر، وقد يسَّر الله الكريم لي فاخترتُ شيئًا منها،
أسأل الله أن ينفع بها، ويبارك فيها.
ــــ(4)
كتاب
تهذيب سنن أبي داود
سر من أسرار التوحيد:
قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: (أسعد الناس بشفاعتي من
قال: لا إله إلا الله)، سِر من أسرار التوحيد، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد،
فمن كان أكمل توحيدًا، كان أحرى بالشفاعة، لا أنها تنال بالشرك الشفيع كما عليه
أكثر المشركين؛
سر افتتاح الصلاة بلفظ "الله أكبر":
وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ - المقصود منه: استحضار هذا المعنى،
وتصوره - سرٌّ عظيم يعرفه أهل الحضور، المصلون بقلوبهم وأبدانهم، فإن العبد إذا
وقف بين يدي الله عز وجل، وقد علم أنه لا شيء أكبر منه، وتحقق قلبُه ذلك، وأُشربه
سرَّه، استحيى من الله، ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره، وما لم يستحضر
هذا المعنى فهو واقف بين يديه بجسمه، وقلبُه يهيم في أودية الوساوس والخطرات.
فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلب هذا، لما اشتغل عنه، وصرَف
كُلِّيَّةَ قلبه إلى غيره، كما أن الواقف بين يدي الملك المخلوق لما لم يكن في
قلبه أعظم منه، لم يشغل قلبه بغيره ولم يصرفه عنه.
مواضيع يتمنى العلامة ابن القيم أن يصنف فيها إن مدَّ الله في عمره:
• وقد
نظرت في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية والمجوسية، فإذا هي تقارب خمسمائة
دليل، وإن قدر الله تعالى أفردت لها مصنفًا مستقلًّا، وبالله عز وجل التوفيق.
ــــ(5)
حسن الخلق مع الناس يقوم على أركان خمسة:
حسن الخلق مع الناس جماعه أمران بذل المعروف قولًا وفعلًا وكف الأذى
قولًا وفعلًا....وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطيب
العود، وصحة الإسلام.
أما العلم فلأنه به يعرف معالي الأخلاق وسفسافها، فيمكنه أن يتصف
بهذا ويتحلى به، ويترك هذا ويتخلى عنه، وأما الجود فسماحة نفسه وبذلُها وانقيادها
لذلك إذا أراده منها، وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام
بأعبائه، لم يتهيأ له، وأما طيب العود فإن يكون الله تعالى خَلَقه على طبيعة
منقادة سهلة القيادة، سريعة الاستجابة لداعي الخيرات، والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية
صُلبة قاسية، لا تلين، ولا تنقاد، وطبيعة مائية هوائية سريعةُ الانقياد، مستجيبة
لكل داع، كالغصن أي نسيم يعطفه - وهاتان منحرفتان، الأولى لا تقبل، والثانية لا
تحفظ - وطبيعة قد جمعت بين اللين والصلابة والصفاء، فهي تقبل بلينها، وتحفظ
بصلابتها، وتدرك حقائق الأمور بصفائها فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل
خُلُق صحيح
وأما صحة الإسلام فهو جِماع ذلك والمصحح لكل خلق حسن فإنه بحسب قوة
إيمانه وتصديقه بالجزاء وحسن موعود الله وثوابه يسهل عليه تحمُّل ذلك والله الموفق
فوائد متفرقة:
• كثير
من الباطولية الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين، ليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم
فيها راحة، بل يصليها أحدُهم استراحةً منها لا بها.
• الإنصاف:
أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك، فإن في كل شيء وفاءً وتطفيفًا.
ــــ(6)
قواعد عظيمة اشتملت عليها كلمات التلبية:
قد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة.
إحداها: أن
قولك: "لبيك" يتضمَّن إجابة داع دعاك ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغةٍ ولا
عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو.
الثانية: أنها
تتضمن المحبة، ولا يقال: "لبيك" إلا لمن تحبه وتعظِّمه.
الثالثة: أنها تتضمن التزام
العبودية؛ أي: أنا مقيم على طاعتك.
الرابعة: أنها
تتضمن الخضوع والذل؛ أي: خضوعًا لك بعد خضوع.
الخامسة: أنها
تتضمن الإخلاص.
السادسة: أنها
تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى.
السابعة: أنها
تتضمن التقرب من الله، ولهذا قيل: من الإلباب، وهو التقرب.
الثامنة: أنها
جعلت في الإحرام شعار الانتقال من حال إلى حال، ومن منسك إلى منسك، كما جعل التكبير
في الصلاة شعار الانتقال من ركن إلى ركن.
التاسعة: أنها
شعار التوحيد، وملة إبراهيم، الذي هو روح الحج ومقصده.
العاشرة: أنها
متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يُدخل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص والشهادة
لله بأنه لا شريك له.
الحادية عشرة: أنها
مشتملة على الحمد الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله، وأول من يُدعى إلى
الجنة أهله، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها.
الثانية عشرة: أنها
مشتملة على الاعتراف بالنعمة كلها؛ أي: النعم كلها لك ومنك.
الثالثة عشرة: أنها
مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده.
ــــ(7)
كتاب
المنار المنيف في الصحيح والضعيف
لا يلزم من كثرة الثواب العمل أن يكون أحب إلى الله من العمل الذي أقل
منه:
لا يلزم من كثرة الثواب أن يكون العمل الأكثر ثوابًا أحب إلى الله
تعالى من العمل الذي هو أقل منه، بل قد يكون العمل الأقل أحب إلى الله تعالى، وإن
كان الأكثر أكثر ثوابًا ... فقراءة سُورة بتدبُّر ومعرفة وتفهُّم، وجمع القلب
عليها، أحب إلى الله تعالى من قراءة ختمة سردًا وهذًّا، وإن كثُر ثواب هذه
القراءة، وكذلك صلاة ركعتين يُقبل العبد فيهما على الله تعالى بقلبه وجوارحه،
ويُفرغ قلبه كله لله تعالى فيهما، أحب إلى الله تعالى من مائتي ركعةٍ خالية عن
ذلك، وإن كثُر ثوابها عددًا.
ولهذا قال الصحابة رضي الله عنهم: إن اقتصادًا في سبيل وسنة، خير من
اجتهاد في خلاف سبيل وسُنة...فالعمل اليسير الموافق لمرضاة الرب وسنة رسوله، أحب
إلى الله تعالى من العمل الكثير إذا خلا عن ذلك أو عن بعضه، ولهذا قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ
الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]، وقال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا
عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7].
فهو سبحانه وتعالى إنما خلق السماوات والأرض والموت والحياة، وزيَّن
الأرض بما عليها ليبلو عباده أيهم أحسن عملًا لا أكثر عملًا، والأحسن هو الأخلص
والأصوب، وهو الموافق لمرضاته ومحبته، دون الأكثر الخالي من ذلك، فهو سبحانه
وتعالى يُحب أن يُتعبد له بالأرضى له، وإن كان قليلًا، دون الأكثر الذي لا يرضيه
والأكثر الذي غيره أرضى له منه.
ــــ(8)
قبول الأعمال ثلاثة أنواع:
القبول ثلاثة أنواع:
قبول رضا ومحبةٍ، واعتدادٍ ومباهاةٍ، وثناءٍ على العامل به بين الملأ
الأعلى.
وقبول جزاء وثواب، وإن لم يقع موقع الأول،
وقبول إسقاط للعقاب فقط، وإن لم يترتب عليه ثواب وجزاء؛ كقبول صلاة
من لم يحضر قلبه في شيء منها، فإنه ليس له من صلاته إلا ما عقل منها، فإنها تسقط
الفرض، ولا يُثابُ عليها.
الأعمال تتفاضل بما في القلوب وبمتابعة الرسول وكون العمل أحب إلى
الله:
والأعمالُ تتفاضلُ بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة، والتعظيم
والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيءٍ من الحظوظ سواه؛ حتى تكون صورة العملين
واحدة، وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة، فبين العملين من الفضل بحسب ما
يتفاضلان به في المتابعة، فتتفاضل الأعمالُ بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا
لا يحصيه إلا الله تعالى، وينضاف هذا إلى كون أحد العملين أحب إلى الله في نفسه.
الأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة:
الأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة، ومجازفات باردة تنادي على
وضعها واختلافها على رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل حديث: (من صلى الضحى كذا
وكذا ركعة، أُعطي ثواب سبعين نبيًّا)، وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير
النبي صلى الله عليه وسلم، لو صلى عمر نوح عليه السلام، لم يعط ثواب نبي واحد.
ــــ(9)
كتاب
الكافية الشافعية في الانتصار للفرقة الناجية
مفارقة أهل الأهواء والبدع في الدنيا أسهل من مرافقتهم في الآخرة.
فوالله لمفارقة أهل الأهواء والبدع في هذه الدار أسهل من مرافقتهم
إذا قيل: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ
ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:22] قال أمير المؤمنين عمر
بن الخطاب رضي الله عنه وبعده الإمام أحمد رحمه الله:أزواجهم أشباههم ونظراؤهم
حاجة الأرواح الشديدة إلى معرفة خالقها وفاطرها ومحبته وذكره:
ليست حاجة الأرواح قط إلى شيء أعظم منها إلى معرفة بارئها وفاطرها،
ومحبته، وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه، والزلفى عنده، ولا سبيل إلى هذا
إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف، وله أطلب،
وإليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل، وإليه أكره، ومنه أبعد، والله
تعالى ينزل العبد من نفسه حيث يُنزله العبد من نفسه.
فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا، وعنها مُعرضًا نافرًا ومُنفرًا،
فالله له أشد بغضًا، وعنه أعظمُ إعراضًا، وله أكبر مقتًا، حتى تعود القلوب على
قلبين:
قلب ذكرُ
الأسماء والصفات قوته وحياتهُ، ونعيمُه وقُرةُ عينه، لو فارقه ذكرها ومحبتها ساعة
لاستغاث: يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك.
والقلب الثاني: قلب
مضروب بسياط الجهالة، فهو عن معرفة ربه ومحبته مصدود، وطريق معرفة أسمائه وصفاته
كما أُنزلت عليه مسدود، قد قمَشَ شُبهًا من الكلام الباطل، وارتوى من ماءٍ آجن غير
طائل، تعجُّ منه آياتُ الصفات وأحاديثها إلى الله عجيجًا وتضجُّ منه إلى مُنزلها
ضجيجًا مما يسمونه تحريفًا وتعطيلًا,مُزجي البضاعة من العلم النافع المورث عن خاتم
الرسل والأنبياء لكنه مليء بالشكوك والشُّبَه والجدال
ــــ(10)
كتاب
رفع اليدين في الصلاة
تلقى السنة بالسمع والطاعة، وعدم ردها بدعوى عدم ظهور الحكمة:
تُتلقى السنة بالسمع والطاعة والإذعان، سواء ظهر لنا وجه حُكمه أو لم
يظهر.
ولو رُدت السنن بعدم ظهور الحكمة والمناسبة، لكان ذلك ردًّا على
الرسول صلى الله عليه وسلم، وخروجًا عن المتابعة، وخلعًا لربقة العبودية من العنق،
ولو ساغ للعبد ألا يقبل من السنة إلا ما رأى فيه الحكمة والمناسبة، لبطل الدين
وتلاعب به المبطلون، وصار عُرضة لرد الرادين، وعياذًا بالله من هذا الرأي الباطل.
فوائد متفرقة:
• الشريعة
لا ترد حقًّا، ولا تكذب دليلًا، ولا تبطل أمارة صحيحة، وقد أمر الله سبحانه
بالتثبت والتبين في خبر الفاسق، ولم يأمر برده جمله.
• البينة
في الشرع: اسم لما يبن الحق ويظهره، فقوله صلى الله عليه وسلم: (البيِّنة على
المُدعي)؛ أي: عليه أن يظهر ما يُبين صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطرق من الطرق حكم
له.
• الكتب
المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، وهي أَولى بذلك من إتلاف آلات
اللهو والمعازف، وإتلاف آنية الخمر، فإن ضررها أعظم من ضرر هذه، ولا ضمان فيها.
• التعصب
واتباع الهوى يصدان عن الحق، ويحرمان الأجر، ويبعدان عن الله ورسوله، ويوجبان مقته،
ويخرجان صاحبهما عن درجة الوراثة النبوية، ويدخلانه في أهل الأهواء والعصبية.
ــــ(11)
كتاب
أحكام أهل الذمة
حضور أعياد الكفار:
لا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم
باتفاق أهل العلم الذين هم أهله، وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في
كتبهم.
فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن منصور الطبري الفقيه الشافعي:
ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم؛ لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف
أهل المنكر بغير الإنكار عليهم، كانوا كالراضين به المؤثرين له، فنخشى من نزول سخط
الله على جماعتهم، فيعم الجميع، نعوذ بالله من سخطه؛
عوض الله عباده المؤمنين بأنواع من العبادات التي فيها الخير والنفع
لهم:
قد أبطل الله سبحانه بالأذان ناقوس النصارى، وبوق اليهود، فإنه دعوة
إلى الله سبحانه وتوحيده وعبوديته، ورفع الصوت به إعلاءً لكلمة الإسلام، وإظهارًا
لدعوة الحق، وإخمادًا لدعوة الكفر، فعوَّض عباده عن المؤمنين بالأذان عن الناقوس
والطنبور، وعوَّضهم دعاء الاستخارة عن الاستقسام بالأزلام، وعوَّضهم بالقرآن
وسماعه عن قرآن الشيطان وسماعه، وهو: الغناء والمعازف، وعوَّضهم بالجهاد عن السياحة
والرهبانية، وعوَّضهم بأنواع من المكاسب الحلال عن الربا، وعوَّضهم بعيد الفطر
والنحر عن أعياد المشركين، وعوَّضهم بالاعتكاف والصيام وقيام الليل عن رياضات أهل
الباطل من الجوع والسهر والخلوة التي يعطل فيها دين الله، وعوَّضه بما سنه لهم على
لسان رسوله عن كل بدعة وضلالة.
فائدة:
• ما
سلبت النعم إلا بترك تقوى الله، والإساءة إلى الناس
ــــ(12)
كتاب
إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان
الغضب:
• قوى
الناس متفاوتة تفاوتًا عظيمًا في ملك قواهم عند الغضب، والطمع، والحزن، والخوف،
والشهوة، فمنهم من يملك ذلك، ويتصرف فيه، ومنهم من يملكه ذلك ويتصرف فيه.
• الغضب
مرض من الأمراض، وداء من الأدواء، فهو في أمراض القلوب نظير الحُمى والوسواس
والصرع في أمراض الأبدان.
• من
الغضب ما يُمكنُ صاحبه أن يملك نفسه عنده، وهو الغضب في مبادئه، فإذا استحكم وتمكن
منه لم يملك نفسه عند ذلك، وكذلك الحُزنُ الحامل على الجزع، يُمكنُ صاحبه أن يملك
نفسه في أوله، فإذا استحكم وقهر لم يملِك نفسه، وكذلك الغضب، فهو اختياري في أوله،
اضطراري في نهايته.
• العاقل
لا يستدعي الغضب ولا يريده، بل هو أكره شيء إليه، وهو كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم من احمرار عينيه وانتفاخ أوداجه؟)، والعاقل
لا يقصد إلقاء الجمرة في قلبه.
• الغضبان
إذا اشتد به الغضب يألَمُ بحمله، فيقول ما يقول، ويفعل ما يفعل، ليدفع عن نفسه
حرارة الغضب، فيستريح بذلك، وكذلك يلطم وجهه، ويصيح صياحًا قويًّا، ويشق ثوبه،
ويُلقي ما في يده، دفعًا لألم الغضب، وإلقاءً لحمله عنه، وكذلك يدعو على نفسه وأحب
الناس إليه.
ــــ(13)
• يحصل
للغضبان إغماء وغشي، وهو في هذه الحال غير مكلف قطعًا، كما يحصل للمريض، وقد ينكر
كثير من الناس أن الغضب يُزيل العقل، ويبلغ بصاحبه إلى هذه الحال، فإنه لا يعرف من
الغضب إلا ما يجد من نفسه، وهو لم يعلم غضبًا انتهى إلى هذه الحال، وهذا غلط فإن
الناس متفاوتون في الغضب تفاوتًا عظيمًا.
• ما
يتكلم به الغضبان في حال شدة غضبه من طلاق أو شتم، ونحو ذلك، من نزعات الشيطان
.... والغضب من الشيطان، وأثرُه منه، كما في الصحيح أن رجلين استبا عند النبي صلى
الله عليه وسلم حتى احمرَّ وجه أحدهما، وانتفخت أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)،
وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان من
النار، وإنما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)، وهذا يدل على أن
الشيطان يُغضبه ليحمله بغضبه على فعل ما يحبه الشيطان.
ــــ(14)
كتاب
الطرُق الحكمية في السياسة الشرعية
منزلة السنة مع كتاب الله تعالى:
الذي يجب على كل مسلم اعتقاده أنه ليس في سنن رسول الله صلى الله
عليه وسلم الصحيحة سنة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله تعالى على
ثلاث منازل:
المنزلة الأولى: سنة
موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل.
المنزلة الثانية: سنة
تفسر الكتاب، وتبيِّن مراد الله منه، وتقيِّد مطلقه.
المنزلة الثالثة: سنة
متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب، فتبينه بيانًا مبتدأً.
ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله
منزلة رابعة.
ــــ(15)
كتاب
جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم
تفسير قول أُبي بن كعب رضي الله عنه: أجعل لك صلاتي كلها:
عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إني أكثر
الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: (ما شئت)، قلت: الرُّبع؟ قال: (ما شئت،
وإن زدت فهم خير)، قلت: النصف؟ قال: (ما شئت، وإن زدت فهو خير)، قال: أجعل لك صلاتي
كلها، قال: (إذًا تُكفى همَّك، ويُغفر لك ذنبُك)؛ أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن
صحيح، وسئل شيخنا أبو العباس عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان لأُبي بن كعب دعاء
يدعو به لنفسه، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يجعل له منه ربعه صلاة عليه صلى
الله عليه وسلم؟ فقال: (إن زدت فهو خير لك)، فقال له: النصف؟ فقال: (إن زدت فهو
خير لك) إلى أن قال: أجعل لك صلاتي كلها؛ أي: أجعل دعائي كله صلاةً عليك، قال:
(إذًا تُكفى همَّك، ويُغفَر لك ذنبُك)؛ لأن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم
صلاةً، صلى الله عليه بها عشرًا ومن صلى الله عليه كفاه هماه، وغفر له ذنبه، هذا
معنى كلامه رضي الله عنه
مواضيع يتمنى العلامة ابن القيم أن يصنف فيها إن مدَّ الله في عمره:
• إن
مد الله عز وجل في العمر وضعت فيه كتابًا مستقلًّا إن شاء الله تعالى؛ [ يقصد رحمه
الله: المناسبة بين اللفظ والمعنى].
• وإن
مد الله في العمر أفردنا كتابًا في ذلك يكون قطرة في بحر فضائله أو أقل، جعلنا
الله ممن ائتم به، ولا جعلنا ممن عدل عن ملته بمنِّه وكرمه؛ [يقصد رحمه الله: نبي
الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
ــــ(16)
فوائد متفرقة:
• مفتاح
الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
• من
تأمَّل تسليط الله سبحانه مَن سلطه على البلاد والعباد من الأعداء، علِم أن ذلك
بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه، فسلَّط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم.
• ينبغي
للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيمًا، وهو عند الله حقير.
• نبي
الله إبراهيم كان صلى الله عليه وسلم كما قيل: قلبُهُ للرحمن، وولده للقربان،
وبدنه للنيران، وماله للضيفان.
ــــ(17)
كتاب
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
تحريف التوراة والإنجيل:
التوراة التي بأيدي النصارى تُخالف التوراة التي في أيدي اليهود،
والتي بأيدي السامرة تخالف هذه وهذه ... والتوراة التي بأيدي اليهود فيها من
الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهو يعلمون قطعًا أن
ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى ولا في الإنجيل الذي أنزله على
المسيح، والأناجيل عندهم أربعة يخالف بعضها بعضًا، وبينها من التفاوت والزيادة
والنقص ما يعلمه الواقف عليها، وفيها ذكر القول ونقيضه
أسباب عدم قبول الحق:
الأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدًّا:
فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل
شيئًا عاداه وعادى أهله، فإن انضاف إلى هذا السبب بُغضُ من أمره بالحق ومعاداته له
وحسده، كان المانع من القبول أقوى، فإن انضاف إلى ذلك إلفه وعادته ومرباه على ما
كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظِّمه، قوِي المانع، فإن انضاف إلى ذلك توهُّمُه أن
الحق الذي دُعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعزه وشهواته وأغراضه، قوِي المانع من القبول
جدًّا، فإن انضاف إلى ذلك خوفهُ من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه،
زاد المانع من قبول الحق قوة.
ومن أعظم هذه الأسباب الحسد فإنه داء كامن في النفس، ويرى الحاسدُ
المحسودَ قد فُضل عليه وأُوتي ما لم يؤت نظيره فلا يدعه الحسدُ أن ينقاد له ويكون
من أتباعه
ــــ(18)
فوائد متفرقة:
• كثرة
الضحك من خفة الروح، ونقصان العقل، بخلاف التبسم فإنه من حسن الخُلُق، وكمال
الإدراك.
• العلوم
بين علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة، وبين علم نفعه في العاجلة وليس من زاد المعاد
... وعلم سعادة النفوس وشقاوتها، وعلم صلاح القلوب وأمراضها.
ــــ(19)
كتاب
الصلاة
قد اختصت الصلاة من سائر الأعمال بخصائص ليست لغيرها، فقد افترضها
الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم في السماء ليلة المعراج، وهي أول ما
يحاسب عليها العبد من أعماله يوم القيامة، وهي أول فروض الإسلام، وآخر ما يُفقَد
من الدين، ولا حظَّ في الإسلام لمن تركها عمدًا، قال عبدالله بن شفيق: "كان
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئًا تركُه كفرٌ إلا الصلاة.
ولأهمية الصلاة فقد خصَّها أئمة الإسلام بالتصنيف، فصنَّفوا في جميع
الأمور والأحكام المتعلقة بها، وممن خصَّها بالتصنيف العلامة ابن القيم رحمه الله،
فله في ذلك كتابان، الأول: "حكم
رفع اليدين في الصلاة"، خصَّصه لمناقشة
هذه المسألة، والثاني: كتاب الصلاة، ناقش فيه عددًا من المسائل المتعلقة بالصلاة
وأشبعها بحثًا كما هي عادته رحمه الله، من تلك المسائل: هل ينفع قضاء الصلاة إذا
تركها العبد عمدًا حتى خرَج وقتُها، وقد قال العلامة الألباني رحمه الله عن هذا
البحث أثناء كلامه عن الحديث رقم (1257) من السلسة الضعيفة، "ولابن القيم
رحمه الله تعالى بحث هام ممتع في رسالة "الصلاة"، فليراجعها من شاء، فإن
فيها علمًا غزيرًا، وتحقيقًا بالغًا لا تجده في موضعٍ آخرَ.
وحيث يوجد في كتابه (الصلاة)،
الكثير من الفوائد المتعلقة بالصلاة، فقد اخترتُ شيئًا منها، أسأل الله الكريم أن
ينفع بها ويبارك فيها، ومنها:
ــــ(20)
ترك الصلاة من أعظم الذنوب:
لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذنُوب،
وأكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومن إثم
الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وأنه متعرِّض لعقوبة الله وسَخَطِه وخِزيه في الدنيا
والآخرة، وقال: المصلون في الناس قليل، ومقيمو الصلاة منهم أقل القليل؛ كما قال
عمر رضي الله عنه: الحاج قليل، والركب كثير.
من خلَت قلوبهم من محبة الله، فالصلاة كبيرة عليهم:
ليس من كانت الصلاة ربيعًا لقلبه، وحياةً له وراحةً، وقرةً لعينه،
وجلاءً لحزنه، وذهابًا لهمِّه وغمِّه، ومَفزعًا له يلجأ إليه في نوائبه ونوازله
كمن هي سُحت لقلبه، وقيد لجوارحه، وتكليف له، وثِقَلٌ عليه، فهي كبيرة على هذا،
وقرة عين وراحة لذلك؛ قال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة45، 46]
فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلوِّ قلوبهم من محبة الله تعالى وتكبيره
وتعظيمه والخشوع له، وقلة رغبتهم فيه، فإن حضور العبد في الصلاة، وخشوعه فيها،
وتكميله لها، واستفراغه وسعه في إقامتها وإتمامها على قدر رغبته في الله.
وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه وإجلاله وتعظيمه
من الصلاة، كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك، فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في
الصلاة، وقف هذا بقلبٍ مُخبتٍ له، خاشع له، قريب منه، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة،
فاجتمع همُّه على الله، وقرَّت عينه به، وأحسَّه بقُربه من الله قربًا لا نظير له،
ففرَّغ قلبه له، وأقبل عليه بكُليته.
ــــ(21)
المصلون في الناس قليل:
المصلون في الناس قليل, ومقيمو الصلاة منهم أقل القليل, كما قال عمر
رضي الله عنه: الحاج قليل, والرَّكب كثير.
تفقُّه المصلي في معاني الأسماء والصفات:
وها هنا أمرٌ عجيب يحصل لمن تفقَّه في معاني الأسماء والصفات، وخالطه
بشاشة الإيمان بها قلبه، بحيث يرى لكل اسمٍ وصفةٍ موضعًا من صلاته، ومحلًّا منها،
فحمدُه يتضمنُ وصفه بكل كمال، وذلك يستلزم براءته من كل نقصٍ، تبارك اسمه، فلا
يذكر على قليلٍ إلا كثَّره، وعلى خيرٍ إلا أنماه وبارك، ولا على آفة إلا أذهبها،
ولا على شيطانٍ إلا ردَّه خاسئًا داحرًا، وتعالى جدُّه؛ أي: ارتفعت عظمتُه، وجلْت
فوق كُل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن، وقهر سلطانه على كل سلطان، فتعالى جده أن
يكون معه شريك في ملكه وربوبيته، أو في إلهيته، أو في أفعاله، أو في صفاته.
فإذا قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد آوى إلى ركنه الشديد،
واعتصم بحوله وقوته من عدوِّه الذي يريد أن يقطعه عن ربه, ويباعده عن قُربه, ليكون
أسوأَ حالًا
فإذا قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، وقف
هنيئةً يسيرة ينتظر جواب ربه له، بقوله: "حمِدني عبدي"، فإذا قال: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 1]، انتظر
الجواب بقوله: "أثنى عليَّ عبدي"، فإذا قال: ﴿مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، انتظر جوابه:
"يُمجدني عبدي".
فيا لذة قلبه، وقُرة عينه، وسرور نفسه بقوله ربه: (عبدي) ثلاث مرات،
فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات، وغيم النفوس لا ستُطيرت فرحًا بقول
ربها وفاطرها ومعبودها: "حمِدني عبدي"، و"أثنى عليَّ عبدي"،
و"مجَّدني عبدي".
ــــ(22)
فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ففيهما سرُّ
الخلق والأمر، والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجل الغايات، وأفضل الوسائل، فأجلُّ
الغايات عبوديته، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين
على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجل الوسائل.
ثم يشهد الداعي بقوله: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، شدة فاقته
وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيءٍ أشد فاقة وحاجة منه إليها البتة،
فإنه محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين، ولما كان العبد مفتقرًا في كل حالٍ إلى هذه
الهداية، في جميع ما يأتيه ويذَره من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج
إلى التوبة منها، وأمورٍ قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هُدي إليها من وجه دون
وجهٍ، فهو يحتاج إلى تمام الهداية فيها ليزداد هُدى، وأمورٍ هو يحتاج إلى أن يحصل
له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمورٍ هو خالٍ عن اعتقاد
فيها، فهو يحتاج إلى الهداية فيها، فهو يحتاج إلى الهداية فيها، وأمورٍ لم يفعلها
فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية، وأمورٍ قد هُدي إلى الاعتقاد الحق والعمل
الصواب فيها، فهو محتاج إلى الثبات عليها.
السجود سر الصلاة وركنها الأعظم:
السجود سر الصلاة، وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة، وما قبله من
الأركان كالمقدمات له، ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأفضل أحواله
حال يكون فيها أقرب إلى الله، ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة.
ـــــ(23)
ومن كماله: أن
يكون على هيئاتٍ، يأخذ كل عضو من البدن بحظه من الخضوع، فيقل البطن عن فخذيه،
وفخذيه عن ساقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ولا يفرشهما على الأرض ليستقل كل عضو منه
بالعبودية، ولذلك إذا رأى الشيطان ابن آدم ساجدًا لله اعتزل ناحية يبكي، ويقول:
"يا ويله أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلي
النار).
ولما علمت السحرة صدق موسى وكذب فرعون خرُّوا سُجَّدًا لربهم، فكانت
تلك السجدة أول سعادتهم، وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السحر.
إذا فرغ المصلي من صلاته:
جعلت كلمات التحيات في آخر الصلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها، فإن
المصلى إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الراغب الراهب، يستعطي من ربه ما لا غنى به عنه،
فشُرع له أمام استعطائه كلمات التحيات، مقدمةً بين يدي سؤاله، ثم يتبعها بالصلاة
على من نالت أُمته هذه النعمة على يده وبسفارته.
فكأن المصلي توسَّل إلى الله سبحانه بعبوديته، ثم الثناء عليه،
والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، ثم بالصلاة على رسوله، ثم قيل له:
تخيَّر من الدعاء أحبَّه إليك، فذاك الحق الذي عليك، وهذا الحق الذي لك.
وقال: في المسند والسنن من حديث عبدالرحمن بن شبل قال: (نهى رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن نَقرة الغراب، وافتراش السَّبُع، وأن يوطِّن الرجل
المكان في المسجد كما يوطن البعير)، وفي حديث آخر: (نهى عن التفات كالتفات الثعلب،
وإقعاء كإقعاء الكلب، ورفع الأيدي كأذناب الخيل)؛ أخرجه أحمد، فهذه ست حيوانات نهى
عن التشبه بها.
ــــ(24)
فوائد متفرقة:
♦ قد اتخذ كثير من الناس
دعوى النسخ والإجماع سُلمًا إلى إبطال كثير من السنن الثابتة عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وهذا ليس بالهين، ولا تتركُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم سُنة
صحيحة أبدًا بدعوى إجماع ولا دعوى نسخ، إلا أن يوجد ناسخ صحيح صريح متأخر، نقلته
الأُمةُ وحفِظته؛ إذ محال على الأمة أن تضيع الناسخ الذي يلزمها حفظه، وتحفظ
المنسوخ الذي قد بطَل العمل به، ولم يبق من الدين، وكثير من المقلدة المتعصبين إذا
رأوا حديثًا يخالف مذهبهم يتلقونه بالتأويل، وحمله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه
سبيلًا، فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم، فزِعوا إلى دعوى الإجماع على خلافه، فإن
رأوا من الخلاف ما لا يُمكنهم معه دعوى الإجماع، فزِعُوا إلى القول بأنه منسوخ،
وليست هذه طريق أئمة الإسلام، بل أئمة الإسلام كلهم على خلاف هذه الطريق، وأنهم
إذا وجدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم سُنة صحيحة صريحة لم يبطلوها بتأويل، ولا
دعوى إجماع، ولا نسخٍ.
♦ أخطأ على الشافعي من نسب
إليه القول بأن صلاة الجمعة فرض على الكفاية، إذا قام بها قوم سقَطت عن الباقين،
فلم يقل الشافعي هذا قط، وإنما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة
العيدين: إنها تجب على مَن تجب عليه صلاة الجمعة، بل هذا نص من الشافعي أن صلاة العيد
واجبة على الأعيان.
* لا يكون إماماً في
العلم من أخذ بالشاذِّ من العلم.
ــــ(25)
كتاب
تحفة المودود بأحكام المولود
العلامة ابن القيم رحمه الله من العلماء الذين تنوعت مصنفاتهم
ومؤلفاتهم؛ فمؤلفاته لم تقتصر على فن واحد، بل كان له إسهام في مختلف الفنون، ومن
ذلك التصنيف في مجال "التربية" من خلال كتابه الموسوم بـ"تحفة
المودود بأحكام المولود"؛ فقد تكلم عن الأحكام والأمور المتعلقة بالمولود،
وسال قلمه بكثير من الفوائد في مجال تربية الأولاد وفي غيرها، وقد اخترت شيئًا من
تلك الفوائد وجعلتها في ثلاثة أقسام:
• فوائد
تتعلق بالمولود.• وفوائد تتعلق بتربية
الأولاد.• وفوائد متفرقة.
أسأل الله الكريم أن ينفع بها ويبارك فيها.
فوائد تتعلق بالمولود:
تسلية من رُزق بالبنات:
قال يعقوب بن بختان: "وُلد لي سبع بنات، فكنت كلما وُلد لي
ابنة، دخلت على أحمد بن حنبل فيقول لي: يا أبا يوسف، الأنبياءُ آباءُ بناتٍ، فكان
يُذهب قوله همِّي".
سرُّ التأذين في أذن المولود:
عن أبي رافع قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذَّن في أُذن
الحسن بن علي حين ولدته فاطمة))؛ [رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث صحيح]،
وسرُّ التأذين والله أعلم أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة
لكبرياء الربِّ وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك
كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يُلقن كلمة التوحيد عند خروجه
منها.
ــــ(26)
وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر، مع ما
في ذلك من فائدة أخرى وهي: هروب الشيطان من كلمات الأذان.
وفيه معنى آخر وهو: أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى
عبادته سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله التي فُطِر عليها سابقة على
تغيير الشيطان لها ونقله عنها، ولغير ذلك من الحِكم، والله أعلم.
تسمية المولود بأحسن الأسماء؛ فإن للأسماء تأثيرًا في مسمياتها:
قال البيهقي في سننه: باب تسمية المولود حين يولد.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم؛ فأحسنوا أسماءكم))؛ رواه
أبو داود بإسناد حسن.
وبين الاسم والمُسمَّى علاقة ورابطة تناسبه وقلَّما يتخلف ذلك؛
فالألفاظ قوالب المعاني، والأسماء قوالب المسميات.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل: عبدالله وعبدالرحمن))؛ رواه مسلم في صحيحه.
وقبح الاسم عنوان قبح المسمى؛ قال أبو داود في السنن: "وغيَّر
النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وشهاب".
وعن ابن عمر أن النبي صلى
الله عليه وسلم غيَّر اسم عاصية وقال: ((أنت جميلة))، وهذا باب عجيب من أبواب
الدين، وهو العدول عن الاسم الذي تستقبحه العقول وتنفر منه النفوس إلى الاسم الذي
هو أحسن منه والنفوس إليه أميل.
ــــ(27)
ومَن تأمل السنة وجد معاني الأسماء مرتبطة بها حتى كأن معانيها
مأخوذة منها وكأن الأسماء مشتقة من معانيها فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم:(أسلمُ
سالمها الله، وغِفار غفر الله لها وعصية عصت الله) وقوله لما جاء سهيل بن عمرو
قال: ((سهُل أمركم)
وإذا أردت أن تعرف تأثير الأسماء في مسمياتها، فتأمل حديث سعيد بن
المسيب عن أبيه عن جده قال: ((أتيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك؟
قلت: حَزن، فقال: أنت سهل، قال: لا أغيِّر اسمًا سمَّانيه أبي، قال ابن المسيب:
فما زالت تلك الحُزُونة فينا بعدُ))؛ رواه البخاري في صحيحه، والحزونة: الغلظة.
سنية العقيقة وفوائدها وأنها أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد:
قال الخلال: باب ما يستحب من العقيقة وفضلها على الصدقة: سُئل أبو
عبدالله - وأنا أسمع - عن العقيقة: أحب إليك أو تدفع ثمنها في المساكين؟ قال:
العقيقة.
قال صالح: قلت لأبي: "يولد للرجل وليس عنده ما يعقُّ، أحب إليك
أن يستقرض ويعق عنه، أم يؤخر ذلك حتى يُوسر؟ فقال: أشد ما سمعت في العقيقة حديث
الحسن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل غلام رهينة بعقيقته))، وإني
لأرجو إن استقرض أن يعجل الله له الخلف؛ لأنه أحيا سنة من سنن رسول الله صلى الله
عليه وسلم واتبع ما جاء به.
وهذا؛ لأنه سنة ونسيكة مشروعة؛ بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين،
وفيها سر بديع مورث عن فداء إسماعيل بالكبش الذي ذُبح عنه وفداه الله به، فصار سنة
في أولاده بعده أن يفدي أحدهم عند ولادته بذبحٍ يُذبحُ عنه.
ولا يستنكر أن يكون هذا حرزًا له من ضرر الشيطان بعد ولادته، كما كان
ذكر اسم الله عند وضعه في الرحم حرزًا له من ضرر الشيطان.
ــــ(28)
فوائد في تربية الأبناء:
تأديب الأولاد وتعليمهم:
قال الله تعالى: ﴿ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾
[التحريم: 6]؛ قال علي رضي الله عنه: "علموهم وأدبوهم"، وقال الحسن:
"مُرُوهم بطاعة الله وعلموهم الخير".
وفي المسند وسنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مُرُوا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها
لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))؛ ففي هذا الحديث ثلاثة آداب: أمرهم بها، وضربهم
عليها لعشر، والتفريق بينهم في المضاجع.
وقال عبدالله بن عمر: "أدَّب ابنك؛ فإنك مسؤول عنه: ماذا أدبته؟
وماذا علمته؟ وهو مسؤول عن برك وطواعيته لك".
فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدًى، فقد أساء إليه غاية
الإساءة.
وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك
تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا؛ فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا
آباءهم كبارًا؛ كما عاتب بعضهم ولده على العقوق فقال: "يا أبت إنك عققتني
صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتك شيخًا كبيرًا"، فمما يحتاج إليه
الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلُقه؛ فإنه ينشأ على ما عوده المربي في صغره
... فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك ... وكذلك يجب أن يجنب الصبيُّ إذا عقل مجالس
اللهو والباطل، والغناء وسماع الفحش والبدع ومنطق السُّوء؛ فإنه إذا علق بسمعه عسر
عليه مفارقته في الكبر.
ــــ(29)
وينبغي لوليه أن يجنبه الأخذ من غيره غاية التجنب؛ فإنه متى اعتاد
الأخذ صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يعطي، ويعوده البذل والإعطاء.
ويجنبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع؛ فإنه متى سهل له
سبيل الكذب والخيانة، أفسد عليه سعادة الدنيا والآخرة وحرمه كل خير.
ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة بل يأخذ بأضدادها ... فإن
للكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة ندم، وللجد والتعب عواقب حميدة؛ إما في الدنيا،
وإما في العقبى، وإما فيهما، ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية
التجنب؛ فإن تمكينه من أسبابها والفسح له فيها يفسده فسادًا يعز عليه بعده صلاحه.
والحذر كل الحذر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله من مسكر وغيره، أو
عشرة من يخشى فساده أو كلامه له ... فإن ذلك الهلاك كله.
وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك
تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه
وحرمه؛ ففاته انتفاعه بولده، وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد
في الأولاد رأيت عامته من قِبل الآباء ... فما أفسد الأبناء مثل تغفل الآباء
وإهمالهم.
العدل بينهم في العطاء والمنع:
وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير: ((أن أباه أتى به النبي صلى الله
عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أكلَّ ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال: أرجعه))، وفي رواية لمسلم:
((فقال: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، قال:
فرجع أبي في تلك الصدقة) وكان السلف يستحبون أن يعدلوا بين الأولاد في القُبلة
ــــ(30)
ملاحظة ما هم مهيأون له من أعمال واستثمار ذلك:
ومما ينبغي أن يُعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له
منها، فيعلم أنه مخلوق له فلا يحمله على غير ما كان مأذونًا فيه شرعًا؛ فإنه إن
حمله على غير ما هو مستعد له، لم يفلح فيه وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن
الفهم صحيح الإدراك جيد الحفظ واعيًا، فهذه من علامات قبوله وتهيئه للعلم، فلينقشه
في لوح قلبه ما دام خاليًا فإنه يتمكن فيه ويستقر ... وإن رآه بخلاف ذلك ... وهو
مستعد للفروسية وأسبابها ... مكنه من ... التمرن عليها ... وإن رآه بخلاف ذلك ...
ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعدًّا لها قابلًا لها، وهي صناعة مباحة
نافعة للناس، فليمكنه منها، هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه، فإن ذلك
ميسر على كل أحد.
عدم تمكينهم من كثرة الطعام والشراب:
من سوء التدبير للأطفال أن يُمكَّنوا من الامتلاء من الطعام، وكثرة
الأكل والشرب، ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم؛ ليجود هضمهم وتعتدل
أخلاطهم، وتقل الفضول في أبدانهم، وتصح أجسادهم وتقل أمراضهم؛ لقلة الفضلات في
المواد الغذائية.
ــــ(31)
فوائد متفرقة:
القزع حكمه وأنواعه:
القزع: حلق بعض رأس الصبي وتركُ بعضه ... في الصحيحين ... عن ابن عمر
قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع)).
والقزع أربعة أنواع:
أحدها: أن
يحلق من رأسه مواضع من ها هنا وها هنا، مأخوذ من تقزع السحاب وهو تقطعه.
الثاني: أن
يحلق وسطه ويترك جوانبه.الثالث: أن يحلق جوانبه ويترك
وسطه.
الرابع: أن
يحلق مقدمه ويترك مؤخره وهذا كلُّه من القزع، والله أعلم.
القزع ظلم للرأس:
قال شيخنا (يقصد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله): "وهذا من
كمال محبة الله ورسوله للعدل، فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن
يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنه ظلم للرأس؛ حيث ترك بعضه كاسيًا وبعضه
عاريًا".
الشريعة فاضلت بين الذكر والأنثى:
وهذه
قاعدة الشريعة, فإن الله سبحانه فاضل بين الذكر والأنثى, وجعل الأنثى على النصف من
الذَّكر في المواريث, والدِّيات, والشَّهادات, والعتق, والعقيقة.
حفظ اللسان فالبلاء موكل بالقول:
من البلاء الحاصل بالقول: قول الشيخ البائس الذي عاده النبي صلى الله
عليه وسلم فرأى عليه حمى، فقال: ((لا بأس، طهور إن شاء الله))، فقال: بل حمى تفور
على شيخ كبير، تزيره القبور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فنعم إذًا)).
ــــ(32)
وقد رأينا من هذا عبرًا فينا وفي غيرنا، والذي رأيناه كقطرة من بحر؛
قال الشاعر:
شَفَّ المؤمل
يوم النقلة النظرُ *** ليت المؤملَ لم يُخلق له
البصرُ
فلم يلبث أن عمي، فحفظ المنطق وتخيُّر الأسماء من توفيق الله للعبد.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت:
احذر لسانك أن يقول
فتُبتلى *** إن البلاء مُـوكل
بالمنطـق
أخذ ما جاوز الحد من الشعر وما طال من الأظفار فإن الشيطان يختبئ تحت
ذلك:
أي زينة أحسن من أخذ ما طال وجاوز الحد من...شعر العانة وشعر الإبط
وشعر الشارب وما طال من الظفر فإن الشيطان يختبئ تحت ذلك كله، ويألفه ويقطن فيها
النعيم والعذاب في البرزخ:
ينعم المؤمن في البرزخ على حسب أعماله ويُعذب الفاجر فيه على حسب
أعماله، ويختص كل عضو بعذاب يليق بجناية ذلك العضو؛ فتُقرض شفاهُ المغتابين الذين
يمزقون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم بمقاريض من نار، وتُسجر بطون أكلة أموال
اليتامى بالنار، ويُلقم أكلة الربا بالحجارة، ويسبحون في أنهار الدم كما سبحوا في
الكسب الخبيث، وتُرضُّ رؤوس النائمين عن الصلاة المكتوبة بالحجر العظيم، ويُشقُّ
شدق الكذاب الكذبة العظيمة بكلاليب الحديد قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه،
كما شقت كذبته النواحي، وتُعلق النساء الزواني بثديهن، وتحبس الزناة والزواني في
التنور المحمى عليه، فيعذب محل المعصية منهم وهو الأسافل، وتُسلط الهموم والغموم
والأحزان والآلام النفسانية على النفوس البطالة، التي كانت مشغولة باللهو واللعب
والبطالة، فتصنع الآلام في نفوسهم كما يصنع الهوام والديدان في لحومهم، حتى يأذن
الله سبحانه بانقضاء أجل العالم وطيِّ الدنيا.
ــــ(33)
رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه
فمن مصنفات العلامة ابن القيم رحمه الله الرسالة المسماة بـ"رسالة
ابن القيم إلى أحد إخوانه"، وهي رسالة
أرسلها إلى أخ له يدعى "علاء الدين"، حثَّ فيها على تعليم الناس الخير
حيث حلَّ، والنصح لكل من اجتمع به، وأن ذلك من بركة الرجل، وأن من خلا من ذلك فقد
خلا من البركة، ومُحقت بركة لقائه والاجتماع به.
وقد زخرت الرسالة بنفائس من الفوائد المتنوعة، وقد انتقيتُ منها ما
يلي:
الفرح والسرور، وطيب العيش، والنعيم، إنما هو في معرفة الله وتوحيده:
اللذة التامة والفرح والسرور، وطيب العيش، والنعيم، إنما هو في معرفة
الله، وتوحيده والأُنس به، والشوق إلى لقائه، واجتماع القلب والهمِّ عليه، فإن
أنكد العيش عيش من قلبه مُشتت، وهمه مفرَّق؛ فاحرص أن يكون همُّك واحدًا، وأن يكون
هو الله وحده، فهذا غاية سعادة العبد، وصاحب هذه الحال في جنة معجلة قبل جنة
الآخرة وفي نعيم عاجل.
الحذر من مخالطة من تُضيع مخالطته الوقت، وتفسد القلب:
كل آفة تدخل على العبد فسببها ضياع الوقت، وفساد القلب، وتعود بضياع
حظه من الله، ونقصان درجته ومنزلته عنده، ولهذا وصى بعض الشيوخ، فقال: احذروا
مخالطة من تُضيع مخالطته الوقت، وتفسد القلب، فإنه متى ضاع الوقت وفسد القلب،
انفرطت على العبد أموره كلها، وكان ممن قال الله فيه: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].
ــــ(34)
العبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظةٍ ونفسٍ:
العبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونفس، في جميع ما يأتيه ويذره،
فإنه بين أمور لا ينفك عنها:
أحدها أمور قد أتاها على غير وجه الهداية جهلًا، فهو محتاج إلى أن
يطلب الهداية إلى الحق فيها،
أو يكون عارفًا بالهداية فيها، فأتاها على غير وجهها عمدًا، فهو
محتاج إلى التوبة منها، أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علمًا ولا عملًا، ففاتته
الهداية إلى علمها ومعرفتها، وإلى قصدها وإرادتها وعملها، أو أمور قد هُدي إليها
من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها، أو أمور قد هُدي إلى أصلها دون
تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل.
وكذلك أيضًا ثمَّ أمور هو محتاج إلى أن يحصل له فيها من الهداية في
المستقبل مثل ما حصل له في الماضي، وأمور هو خال عن اعتقاد حق أو باطل فيها، فهو
محتاج إلى هداية الصواب فيها، وأمور يعتقد أنه فيها على هُدى وهو على ضلالة ولا
يشعر، فهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية من الله.
وأمور قد فعلها على وجه الهداية، وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها
ويرشده وينصحه ... فهدايته للغير وتعليمه ونُصحه، يفتح له باب الهداية، فإن الجزاء
من جنس العمل، فكلما هدى غيره وعلَّمه، هداه الله وعلمه، فيصير هاديًا مهديًّا.
ــــ(35)
مقايسة العاقل بين اللذة المنغصة المنكدة، وبين اللذة التي لا تزول
ولا تنقطع:
أين عقل من آثر لذة عاجلة منغصة منكدة - إنما هي كأضعاث أحلام، أو
كطيف تمتَّع به زائره في المنام - على لذة هي من أعظم اللذات، وفرحة ومسرة هي من
أعظم المسرات، دائمة لا تزول ولا تفنى ولا تنقطع، فباعها بهذه اللذة الفانية
المضمحلة التي حُشيت بالآلام، وإنما حصلت بالآلام، وعاقبتها الآلام؟ فلو قايس
العاقل بين لذتها وألمها، ومضرتها ومنفعتها، لاستحيا من نفسه وعقله، كيف يسعى في
طلبها؟ ويُضيع زمانه في اشتغاله بها؟ فضلًا عن إيثارها على (ما لا عين رأت، ولا
أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
وقد اشترى سبحانه من المؤمنين أنفسهم وجعل ثمنها جنته، وأجرى هذا
العقد على يد رسوله وخليله وخيرته من خلقه، فسلعة ربُّ السماوات الأرض مشتريها،
والتمتع بالنظر إلى وجهه الكريم وسماع كلامه منه في دار ثمنها، ومن جرى على يده
العقد رسوله، كيف يليق بالعاقل أن يضيعها ويهملها ويبيعها بثمن بخس، في دار زائلة
مضمحلة فانية! وهل هذا إلا من أعظم الغبن؟ وإنما يظهر له هذا الغبن الفاحش يوم
التغابن، إذا ثقلت موازين المتقين وخفَّت موازين المبطلين.
من ائتمَّ بأهل السنة قبله ائتمَّ به مَن بعده ومن معه:
أثنى الله سبحانه على عباده المؤمنين الذين يسألونه أن يجعلهم أئمة
يُهتدي بهم، فقال تعالى في صفات عباده: ﴿وَالَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]، قال
مجاهد: اجعلنا مؤتمين بالمتقين، مقتدين بهم، وهذا من تمام فهم مجاهد رحمه الله،
فإنه لا يكون الرجل إمامًا للمتقين حتى يأتم بالمتقين، فمن ائتمَّ بأهل السنة
قبله، ائتم به من بعده ومن معه.
ــــ(36)
ستة أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح حاله إلا باستكمالها:
مما ينبغي الاعتناء به علمًا ومعرفة وقصدًا وإرادةً: العلم بأن كل
إنسان، بل كل حيوان، إنما يسعى فيما يُحصلُ له اللذة والنعيم وطيب العيش، ويندفع
به عنه أضداد ذلك، وهذا مطلوب صحيح يتضمن ستة أمورٍ:
أحدها: معرفة
الشيء النافع للعبد، الملائم له، الذي بحصوله لذته وفرحه وسروره وطيب عيشه.
الثاني: معرفة
الطريق الموصلة إلى ذلك.الثالث: سلوك تلك الطريق.
الرابع: معرفة
الضار المؤذي المنافر الذي ينكِّد عليه حياته.
الخامس: معرفة
الطريق التي إذا سلكها أفضت به إلى ذلك
السادس: تجنُّب سلوكها
فهذه ستة أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح حاله إلا
باستكمالها، وما نقص منها عاد بسوء حاله، وتنكيد حياته.
الصلاة التي تَقَرُّ بها العين ويستريح بها القلب:
الصلاة التي تقرُّ بها العين ويستريح بها القلب هي التي تجمع ستة
مشاهد:
المشهد الأول: الإخلاص
وهو أن يكون الحامل عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب
مرضاته، والقرب منه، والتودد إليه، وامتثال أمره، وخوفًا من عقابه، ورجاءً لمغفرته
وثوابه.
المشهد الثاني: مشهد
الصدق والنصح، وهو أن يفرغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله،
وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه ظاهرًا وباطنًا
المشهد الثالث: مشهد
المتابعة والاقتداء، وهو أن يحرِص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي صلى الله
عليه وسلم، ويصلي كما كان يصلي.
ــــ(37)
المشهد الرابع: مشهد
الإحسان، أن يعبد الله كأنه يراه، وهو أصل أعمال القلب كلها، فإنه يوجب الحياء،
والإجلال، والتعظيم، والخشية، والمحبة، والإنابة، والتوكل، والخضوع لله سبحانه،
والذل له، ويقطع الوساوس وحديث النفس، ويجمع القلب والهم على الله.
المشهد الخامس: مشهد
المنة، وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه، كونه أقامه في هذا المقام وأهله له،
ووفَّقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، وهذا
المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلما كان العبد أعظم توحيدًا، كان حظه من
هذا المشهد أتم، وفيه من الفوائد أنه يحول بين القلب وبين العُجب بالعمل ورؤيته،
ومن فوائد أنه يضيف الحمد إلى وليِّه ومستحقه، فلا يشهد لنفسه حمدًا، بل يشهده كله
لله.
المشهد السادس: مشهد
التقصير، وهو أن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعَه فهو
مقصِّر، وحقُّ الله سبحانه عليه أعظم.
وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوفَّ ربه في عبوديته حقَّه، ولا
قريبًا من حقه، علِم تقصيره، ولم يَسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار من تقصيره
وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه.
أكثر الخلق ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله:
من
تأمل حال هذا الخلق, وجدهم كلهم – إلا أقل القليل – ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله
تعالى, واتبعوا أهواءهم, وصارت أمورهم ومصالحهم
] فرطاً [
أي: فرَّطوا فيما ينفعهم ويعود بصلاحهم, واشتغلوا بما لا ينفعهم, بل يعود بضررهم
عاجلاً وآجلاً.
ــــ(38)
كتاب
التبيان في أيمان القرآن
من مصنفات العلامة ابن القيم رحمه الله كتابه الموسوم بـ(التبيان في
أيمان القرآن)، تكلم فيه عن الأيمان والأقسام الواردة في القرآن الكريم؛ قال رحمه
الله في مقدمة كتابه: "فهذا كتاب صغير الحجم كبير النفع فيما وقع في القرآن
العزيز من الأيمان والأقسام، والكلام عليها يمينًا، وارتباطها بالمقسم عليه، وذكر
أجوبة القسم المذكورة والمقدرة، وأسرار هذه الأقسام؛ فإن لها شأنًا عظيمًا يعرفه
الواقف عليه في هذا الكتاب".
وكما هي عادة العلامة ابن القيم رحمه الله، فقد سال قلمه بالكثير
الكثير من الكنوز والفوائد في مواضيع شتى، وقد يسر الله الكريم فاخترت شيئًا من
تلك الفوائد، أسأل الله أن ينفع بها ويبارك فيها.
اقتران اسم "الودود" بـ"الرحيم"
وبـ"الغفور":
"الودود": المتودد إلى عباده
بنعمه، الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه وهو "الودود"
أيضًا؛ أي: المحبوب؛ قال البخاري في صحيحه: "الودود:
الحبيب".
والتحقيق: أن
اللفظ يدل على الأمرين؛ على كونه وادًّا لأوليائه مودودًا لهم... فهو الحبيب المحب
لأوليائه، يحبهم ويحبونه.
وما ألطف اقتران اسم "الودود"
بـ"الرحيم"
وبـ"الغفور"؛
فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولا يحبه، وكذلك قد يرحم من لا يحبه، والرب تعالى
يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك، فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه
عبده أحبه، ولو كان منه ما كان.
ــــ(39)
النفس اللوامة:
كل نفس لوامة؛ فالنفس السعيدة تلوم على فعل الشر وترك الخير فتبادر
إلى التوبة، والنفس الشقية بالضد من ذلك.
ونبَّه سبحانه بكونها لوامة على شدة حاجتها وفاقتها وضرورتها إلى مَن
يعرفها الخير والشر، ويرشدها إليه ويلهمها إياه، فيجعلها مريدة للخير مؤثرة له،
كارهة للشر مجانبة له.
النفس المعطية:
النفس المعطية: هي النفاعة المحسنة التي طبعها الإحسان وإعطاء الخير
اللازم والمتعدي، فتعطي خيرها لنفسها ولغيرها، فهي بمنزلة "العين"
التي ينتفع الناس بشربهم منها، وسقي دوابهم وأنعامهم وزروعهم، فهم ينتفعون بها كيف
شاؤوا فهي ميسرة لذلك، وهكذا الرجل المبارك ميسر للنفع حيث حلَّ، فجزاء هذا أن
ييسره الله لليسرى كما كانت نفسه ميسرةً للعطاء.
المتقي ميسر عليه أمور دنياه وآخرته:
المتقي ميسر عليه أمور دنياه وآخرته، وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض
أمور دنياه، تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى، وأما تيسير ما تيسر
عليه من أمور الدنيا، فلو اتقى الله تعالى لكان تيسيرها عليه أتم، ولو قُدِّر أنها
لم تُيسر له، فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقوى؛ فإن
طيب العيش ونعيم القلب، ولذة الروح وفرحها وابتهاجها - من أعظم نعيم الدنيا، وهو أجلُّ
من نعيم أرباب الدنيا بالشهوات واللذات، ونعيم أهل التقوى بالطاعات والقربات أعظم
وأجل.
ــــ(40)
لطيفة في التعبير عن الأعمال بالسرِّ:
قال تعالى: ﴿ يَوْمَ
تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾
[الطارق: 9]؛ أي: تختبر السرائر؛ قال مقاتل: تظهر وتبدو.
وفي التعبير عن الأعمال بـ" السر"
لطيفة وهي: أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرته صالحة كان عمله
صالحًا؛ فتبدو سريرته على وجهه نورًا وإشراقًا وحسنًا، ومن كانت سريرته فاسدة كان
عمله تابعًا لسريرته - لا باعتبار صورته - فتبدو سريرته على وجهه سوادًا وظلمة وشينًا.
انتشار الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل والأرواح الإنسانية عند
إقبال النهار:
شرع عند إقبال الليل وإدبار النهار ذكر الرب تعالى بصلاة المغرب...
كما شرع ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النهار.
ولما كان الرب تبارك وتعالى يحدث عند كل واحد من طرفي إقبال الليل
والنهار وإدبارهما ما يحدثه، ويبث من خلقه ما يشاء فينشر الأرواح الشيطانية عند
إقبال الليل، وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النهار، فيحدث هذا الانتشار في
العالم أثره - شرع سبحانه في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين.
جمال الظاهر والباطن:
قال تعالى: ﴿ لَا
أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ
بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾
[القيامة: 1، 2].
من أسرار هذه السورة أنه سبحانه جمع فيها لأوليائه بين جمال الظاهر
والباطن، فزين وجوههم بالنضرة، وبواطنهم بالنظر إليه، فلا أجمل لبواطنهم ولا أنعم
ولا أحلى من النظر إليه، ولا أجمل لظواهرهم من نضرة الوجه وهي إشراقه وتحسينه
وبهجته؛ وهذا كما قال في موضع آخر: ﴿ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً
وَسُرُورًا﴾[الإنسان:11]
ــــ(41)
حكمة الشريعة في تحريم الأغذية الخبيثة:
جرت حكمته في شرعه وأمره حيث حرم الأغذية الخبيثة على عباده؛ لأنهم
إذا اغتذوا بها صارت جزءًا منهم، فصارت أجزاؤهم مشابهة لأغذيتهم؛ إذ الغاذي شبيه
بالمغتذي، بل يستحيل إلى جوهره.
الاغتذاء بالدم ولحوم السباع يورث المغتذي بها قوة شيطانية سبعية
عادية على الناس؛ فمن محاسن الشريعة تحريم هذه الأغذية وأشباهها، إلا إذا عارضها
مصلحة أرجح منها كحالِ الضرورة؛ ولهذا أكلت النصارى لحوم الخنازير فأورثها نوعًا
من الغلظة والقسوة، وكذلك من أكل لحوم السباع والكلاب صار فيهم قوةً منها... ولما
كانت القوة الشيطانية عارضة في الإبل أمر بكسرها بالوضوء لمن أكل منها.
قلم الرد على المبطلين:
القلم الثاني عشر: القلم
الجامع وهو قلم الرد على المبطلين، ورفع سنة المحقين، وكشف أباطيل المبطلين على
اختلاف أنواعها وأجناسها، وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق، ودخولهم في
الباطل.
وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام، وأصحابه أهل الحجة
الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم، وهم الداعون إلى الله بالحكمة
والموعظة الحسنة، المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال، وأصحاب هذا القلم حرب
لكل مبطل عدو لكل مخالف للرسل.
ــــ(42)
الرياح من أعظم آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته:
في الرياح من العبر: هبوبها وسكونها، ولينها
وشدتها، واختلاف طبائعها وصفاتها ومهابها، وتصريفها وتنوع منافعها، وشدة الحاجة
إليها.
فللمطر خمس رياح: ريح
تنشر سحابه، وريح تؤلف بينه، وريح تلقحه، وريح تسوقه حيث يريد الله، وريح تذرو
ماءه وتفرقه.
وللنبات ريح، وللسفن ريح، وللرحمة ريح، وللعذاب ريح إلى غير ذلك من
أنواع الرياح، وذلك يقضي بوجود خالق مصرف لها مدبر لها ويصرفها كيف يشاء، ويجعلها
رخاءً تارةً، وعاصفةً تارةً، ورحمةً تارةً، وعذابًا تارةً.
وهي - مع غاية قوتها - ألطف شيء، وأقبل المخلوقات لكل كيفية، سريعة
التأثر والتأثير، لطيفة المسارب، بحر بين السماء والأرض.
تحمل الأصوات إلى الآذان، والرائحة إلى الأنف، والسحاب إلى الأرض
الجرز.
وهي من روح الله تأتي بالرحمة، ومن عقوبته تأتي بالعذاب، وهي أقوى
خلق الله... والمقصود أن الرياح من أعظم آيات الرب الدالة على عظمته وربوبيته وقدرته.
خطورة اللسان:
جعل سبحانه على اللسان غلقين؛ أحدهما: الأسنان، والثاني: الفم...
وجعل على العين غطاءً واحدًا، ولم يجعل على الأذن غطاءً؛ وذلك لخطر اللسان وشرفه
وخطر حركاته.
وفي ذلك من اللطائف؛ فإن آفة الكلام أكثر من آفة النظر، وآفة النظر
أكثر من آفة السمع؛ فجعل للأكثر آفات طبقتين، وللمتوسط طبقًا واحدًا، وجعل الأقل
آفةً بلا طبق.
ــــ(43)
الغذاء الإيماني:
ولما كان الكافر ليس في قلبه شيء من الإيمان والخير يتغذي به، انصرفت
قواه ونهمته كلها إلى الغذاء الحيواني البهيمي... أما المؤمن فإنه إنما يأكل العلقة؛
ليتقوى بها على ما أمر به... فإذا أخذ ما يغذيه ويقيم صلبه، استغنى قلبه ونفسه
وروحه بالغذاء الإيماني عن الاستكثار من الغذاء الحيواني... فإذا قويت مواد
الإيمان ومعرفة الله وأسمائه وصفاته، ومحبته ورجائه والشوق إلى لقائه في القلب -
استغنى بها العبد عن كثير من الغذاء، ووجد لها قوة تزيد على قوة الغذاء
الحيواني... وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: ((إني أظل عند
ربي يطعمني ويسقيني))، وصدق الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، فإن المقصود
من الطعام والشراب التغذية الممسكة، فإذا حصل له أعلى الغذاءين وأشرفهما وأنفعهما،
فكيف لا يغينه ذلك عن الغذاء المشترك؟ وإذا كنا نشاهد أن الغذاء الحيواني يغلب على
الغذاء القلبي الروحي، حتى يصير الحكم له ويضمحل غذاء القلب والروح بالكلية - فكيف لا يضمحل غذاء
البدن عن استيلاء غذاء القلب والروح ويصير الحكم له؟
حقيقة اليسرى:
وحقيقة اليسرى: أنها الخلة والحالة السهلة النافعة الواقعة له وهي ضد
العسرى، وذلك يتضمن تيسيره للخير وأسبابه، فيُجري الخير وييسره على قلبه ونيته،
ولسانه وجوارحه؛ فتصير خصال الخير وأسبابه ميسرة عليه مذللة له منقادة، لا تستعصي
عليه ولا تستصعب؛ لأنه مهيأ لها ميسر لفعلها، يسلك سبلها ذللًا، وتنقاد له علمًا
وعملًا.
ــــ(44)
صرف القوى الموجودة في الإنسان فيما ينفعه في دينه ودنياه:
ما ابتلي بصفة من الصفات إلا وجعل له مصرفًا ومحلًّا ينفذها فيه:
فجعل لقوة الحسد: فيه
مصرف المنافسة في فعل الخير، والغبطة عليه، والمسابقة إليه.
ولقوة الكبر: التكبر
على أعداء تعالى وإهانتهم.
وجعل لقوة الحرص مصرفًا: وهو الحرص على ما ينفع؛
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك)).
ولقوة الشهوة مصرفًا: وهو التزوج بأربع
والتسري بما شاء.
ولقوة حب المال مصرفًا: وهو إنفاقه في مرضاته
والتزود منه لمعاده.
ولمحبة الجاه مصرفًا: وهو استعماله في تنفيذ
أوامره، وإقامة دينه، ونصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، وقمع أعداء
الله، فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة.
وجعل لقوة اللعب واللهو مصرفًا: وهو لهوه مع امرأته، أو
بقوسه وسهمه، أو تأديبه فرسه.
وجعل لقوة التحيل والمكر فيه مصرفًا: وهو التحيل على عدوه
وعدو الله تعالى بأنواع الحيل حتى يراغمه، ويرده خاسئًا.
وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه، فإنها لا تزول ولا يطلب إعدامها،
وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته، فلا يطلب تعطيلها، وإنما تصرف في
مجاريها من محل إلى محل، ومن موضع إلى موضع، ومن تأمل هذا الموضع وتفقه فيه، علم
شدة الحاجة إليه وعظم الانتفاع به.
ــــ(45)
حال القلب مع الملك والشيطان:
إذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب؛ فهذا يلم
به مرةً، وهذا يلم به مرةً، فإذا ألمَّ به الملَكُ حدث من لمته الانفساح
والانشراح، والنور والرحمة، والإخلاص والإنابة، ومحبة الله وإيثاره على ما سواه،
وقصر الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور، فلو دامت له تلك الحالة،
لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه، ولكن تأتيه لَمَّة الشيطان، فتحدث له من الضيق
والظلمة، والهم والغم والخوف، والسخط على المقدور، والشك في الحق، والحرص على
الدنيا وعاجلها، والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب.
ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله عز وجل:فمنهم من
تكون لمة الملك أغلب عليه من لمة الشيطان وأقوى، فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم
والضيق والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب، فيبادر إلى محو تلك اللمة
ولا يدعها تستحكم؛ فيصعب تداركها.ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه من لمة
الملك وأقوى...فيموت القلب فلا يحس بما ناله الشيطان، مع أنه غاية العذاب والألم
والضيق والحصر ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك المؤلم
العين مرآة للقلب:
جعل سبحانه العينين... مرآتين للقلب؛ يظهر فيهما ما هو مودع فيه من
الحب والبغض، والخير والشر، والبلادة والفطنة، والزيغ والاستقامة.
فيُستدل بأحوال العين على أحوال القلب, وهو أحد أنواع الفراسة
الثلاثة, وهي: فراسة العين والأذن والقلب.فهما أي: العينان مرآة لما في القلب...ولذلك
يستدل بأحوال العين على أحوال القلب من رضاه وغضبه وحبه وبغضه ونفرته وقُربِه.
ــــ(46)
جماع الطرق التي يصاب منها القلب وجنوده:
جماع الطرق والأبواب التي يصاب منها القلب وجنوده أربعة، فمن ضبطها
وعدلها، وأصلح مجاريها، وصرفها في محالها اللائقة بها - ضبطت وحفظت جوارحه ولم
يشمت به عدوه؛ وهي: الحرص والشهوة والغضب والحسد.
فهذه الأربعة هي أصول مجامع طرق الشر والخير، وكما هي طرق إلى العذاب
السرمدي فهي طريق إلى النعيم الأبدي.
النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون:
كان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم؛ فعذب عادًا بالريح الشديدة
العاتية التي لا يقوم لها شيء.
وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم، فجمع لهم بين
الهلاك، والرجم بالحجارة من السماء، وطمس الأبصار، وقلب ديارهم عليهم بأن جعل
عاليها سافلها، والخسف بهم إلى أسفل سافلين.
وعذب قوم شعيب بالنار التي أحرقتهم، وأحرقت تلك الأموال التي
اكتسبوها بالظلم والعدوان.
وأما ثمود فأهلكهم بالصيحة، فماتوا في الحال.
ومن اعتبر أحوال العالم قديمًا وحديثًا، وما يعاقب به مَن سعى في
الأرض بالفساد، وسفك الدماء بغير الحق، وأقام الفتن، واستهان بحرمات الله - علم أن
النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون.
ــــ(47)
دفع مبادئ الداء أسهل بكثير من طلب الدواء:
أول ما يطرق القلب: الخطرة، فإن دفعها استراح
مما بعدها، وإن لم يدفعها قويت فصارت: وسوسة، فكان دفعها أصعب، فإن بادر ودفعها
وإلا قويت فصارت: شهوة، فإن عالجها وإلا صارت: إرادة، فإن عالجها وإلا صارت:
عزيمة.
ومتى وصلت إلى هذه الحال، لم يمكنه دفعها واقترن بها الفعل، ولا بد
وما يقدر عليه من مقدماته، وحينئذٍ ينتقل العلاج من مقدماته إلى أقوى الأدوية،
وهو: الاستفراغ التام بالتوبة النصوح.
ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء أولًا أسهل بكثير من طلب الدواء،
وإذا وازن العبد بين دفع هذا الداء من أوله وبين استفراغ بعد حصوله، وساعد القدرُ
وأعان التوفيقُ - رأى أن الدفع أولى به.
وإذا تألمت النفس بمفارقة المحبوب، فليوازن بين فوات هذا المحبوب
الأخس، المنقطع النكد، المشوب بالآلام والهموم، وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم،
الذي لا نسبة لهذا المحبوب إليه ألبتة، لا في قدره، ولا في دوامه وبقائه.
وليوازن بين لذة الإنابة والإقبال على الله تعالى، والتنعم بحبه
وذكره وطاعته، ولذة الإقبال على الرذائل والأنتان والقبائح.
وليوازن بين لذة الذنب ولذة العفة، ولذة الذنب ولذة القوة وقهر
الهوى، وبين لذة الذنب ولذة إرغام عدوه وردِّه خاسئًا ذليلًا، وبين لذة الذنب ولذة
الطاعة التي تحول بينه وبينه، وبين مرارة فوته، ومرارة فوت ثناء الله تعالى
وملائكته عليه، وفوت حسن جزائه وجزيل ثوابه، وبين فرحة إدراكه وفرحة تركه لله
تعالى عاجلًا، وفرحة ما يثيبه عليه في دنياه وآخرته.
ــــ(48)
الخلق والغفلة:
أكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار،
ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها، ولا أين
يرحلون وأين يستقرون، قد... شملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني التي هي كالسراب،
وخدعهم طول الأمل، فكأن المقيم لا يرحل، وكأن أحدهم لا يُبعَث ولا يُسأل، وكأن مع
كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه، والفوز بجزيل ثوابه.
يسعون لما لا يدركون، ويتركون ما هم به مطالبون، ويعمرون ما هم عنه
منتقلون، ويخربون ما هم إليه صائرون.
والعجب كل العجب من غفلة من تُعد لحظاته، وتُحصى عليه أنفاسه، ومطايا
الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يُحمل، ولا أي منزل يُنقل.
وإذا نزل بأحدهم الموت قلِق لخراب ذاته وذهاب لذاته، لا لما سبق من
جناياته، ولا لسوء منقلبه بعد مماته، فإن خطرت على قلب أحدهم خطرة من ذلك، اعتمد
على العفو والرحمة، كأنه يتقين أن ذلك نصيبه ولا بد.
فلو أن العاقل أحضر ذهنه، واستحضر عقله، وسار بفكره، وأنعم النظر
وتأمل الآيات - لفهِم المراد من إيجاده، ولنظرت عين الراحل إلى الطريق، ولأخذ
المسافر في التزود، والمريض في التداوي.
والحازم يعد لما يجوز أن يأتي، فما الظن بأمر متيقن؟
ــــ(49)
فوائد متفرقة:
♦ إن المردودين إلى أرذل
العمر بالنسبة إلى نوع الإنسان قليل جدًّا، فأكثرهم يموت ولا يرد إلى أرذل العمر.
♦ من قل يقينه قل صبره،
ومن قل صبره خف واستخف.
♦ من لا يقين له ولا صبر
خفيف طائش، تلعب به الأهواء والشهوات، كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف.
♦ المجد: السعة وكثرة
الخير، وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به.
♦ من عرف الله خافه، ومن
لم يعرفه لم يخفه؛ فخشيته تعالى مقرونة بمعرفته، وعلى قدر المعرفة تكون الخشية.
♦ القلم بريد القلب ورسوله
وترجمانه ولسانه الصامت.
♦ قوله تعالى: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا
الْمُطَهَّرُونَ ﴾
[الواقعة: 79]: دلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا
القلوب الطاهرة، وحرام على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيه،
وأن يفهمه كما ينبغي.
♦ يستحيل على الحكيم أن
يحرم الشيء ويتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات، ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع
التحيلات.
♦ الغضب غول العقل، يغتاله
كما يغتال الذئب الشاة، وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته.
♦ القلوب ممتلئة بالأخلاط
الرديئة، والعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط.
ــــ(50)
كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية
من مصنفات العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كتابه الموسوم بـ"اجتماع
الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية"،
وهو اسم على مسمى، فقد أغار على المعطلة الجهمية الذين ضلُّوا في مسألة عُلو الله
جل جلاله على خلقه، واستوائه على عرشه سبحانه، فأقام الأدلة من الكتاب، وأقوال
الرسل عليه السلام، ومن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأقوال الصحابة رضي
الله عنهم، وأقوال التابعين وتابعيهم، وأقوال الأئمة والعلماء رحمهم الله، الدالة
على علو الله جل جلاله على خلقه واستوائه على عرشه سبحانه.
والكتاب قسمان:
القسم الأول: تحدث
فيه عن بعض المسائل التي جعلها كالمقدمة للكتاب،
والقسم الثاني: وهو
صلب الكتاب، وهو مسألة علو الله عز وجل.
ويوجد في القسم الأول فوائد نفسية، ينبغي للعبد المسلم أن يتأمَّلها،
وأن يوقن أن ما يعمله في هذه الدنيا، سوف يجد مثله في آخرته، في قبره، وفي عرصات
القيامة، عند وزن الأعمال، والمشي على الصراط، وعند قسمة الأنوار، وعند ورود حوض
النبي صلى الله عليه وسلم وقد اخترت شيئًا منها أسأل الله الكريم أن ينفع بها ومنها
حال من كان مستوحشًا مع الله، ومن كان قرير العين به:
من كان مستوحشًا مع الله بمعصيته إياه في هذه الدار، فوحشته معه في
البرزخ، ويوم المعاد أعظم وأشدُّ، ومن قرَّت عينُه به في هذه الحياة الدنيا، قرَّت
عينه به يوم لقائه عند الموت ويوم البعث، فموت العبد على ما عاش عليه، ويبعث على
ما مات عليه، ويعود عليه عمله بعينه، فينعم به ظاهرًا وباطنًا، أو يعذب به ظاهرًا
وباطنًا.
ــــ(51)
القلب الحي والقلب الميت:
القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وفهِم عنه، وأذعن وانقاد
لتوحيده ومتابعة ما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، والقلب الميت المظلم الذي لم
يعقل عن الله ولا انقاد لما بُعث به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يصف سبحانه
هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها،
ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم من جميع جهاتهم، فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة
الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها
مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.
الخارجون عن طاعة الرسل عليهم السلام يتقلبون في عشر ظلمات:
الخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلبون
في عشر ظلمات:
ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل،
وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار،
فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.
الظلمة نوعان:
الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور،
وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه، وظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمُثلت
حاله بحال المستوقد للنار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في
الظلمات لم يخرج منها قط.
ــــ(52)
الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر، وأهل الجهل والظلم:
الناس قسمان:
أهل الهدى والبصائر الذين عرَفوا أن الحق
فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله، وأن كل ما عارَضه فشُبهات يُشتبه
على مَن قلَّ نصيبُه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئًا له حاصل ينتفع به وهي: ﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ
اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي
بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ [النور: 39، 40].
وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح
الذين صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره ولم يعارضوها بالشبهات،
وأطاعوه في أوامره، ولم يضيعوها بالشهوات، فلا هم في علمهم من أهل الخوض الخراصين
الذين هم في غمرة ساهون، ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم الذين حبطتْ
أعمالُهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون.
أضاء لهم نور الوحي المبين، فرأوا في نوره أهل الظلمات في ظلمات
آرائهم يعمهون، وفي ضلالتهم يتهوَّكون، وفي ريبهم يترددون، مغترين بظاهر السراب،
ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله من الحكمة وفصل الخطاب.
ــــ(53)
القسم الثاني: أهل
الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به، والظلم باتباع أهوائهم، الذين قال
الله تعالى فيهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا
أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ
سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ
جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم: 23]، وهؤلاء
قسمان:
أحدهما: الذين
يَحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل جهل وضلال، فهؤلاء أهل الجهل المركب الذين
يجهلون الحق ويعادونه ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالونه ويوالون أهله، وهم
يحسبون أنهم على شيء ألا أنهم هم الكاذبون، فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو
عليه بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا،
فهكذا هؤلاء أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هم إليه ...
وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علومًا نافعة كذلك هباءً منثورًا، فصارت
أعماله وعلومه حسرات عليه.
القسم الثاني من
هذا الصنف: أصحاب الظلمات، وهم المنغمسون في الجهل بحيث قد أحاط بهم من كل وجهٍ،
فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلًا، فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة،
بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نور من الله.
﴿ كَظُلُماتٍ ﴾ جمع ظُلمة، وهي ظلمة
الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة الظلم واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض
عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم، والنور الذي أنزله
معهم ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فإن المعرض عما بعث الله تعالى به محمد
صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق يتقلب في خمس ظلمات: قوله ظُلمة، وعمله
ظُلمة، ومدخله ظُلمه ومصيره إلى الظُّلمة، فقلبه مظلم ووجهه مظلم، وكلامه مظلم،
وحاله مظلم.
ــــ(54)
فهم المعاد وتفاوت الناس في أحواله:
هذا الباب يفتح لك أبوابًا عظيمة، مِن فَهْمِ المعاد، وتفاوت الناس
في أحواله، وما يجري فيه من الأمور المتنوعة:
فمنها: خفَّة
حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره، فإنه بحسب خِفَّة وزره وثقله، إن خفَّ
خف، وإن ثقلَ ثقل.
ومنها: استظلاله
بظل العرش، أو ضحاؤه للحر والشمس، إن كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان
ما يظله في هذه الدار من حرِّ الشرك والمعاصي والظلم استظل هناك في ظل أعماله تحت
عرش الرحمن، وإن كان ضاحيًا هنا للمناهي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك
للحرَّ الشديد.
ومنها: طول
وقوفه في الموقف ومشقته عليه وتهوينه، إن طال وقوفه في الصلاة ليلًا أو نهارًا
لله، وتحمَّل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته، خفَّ عليه الوقوف ذلك اليوم وسهل
عليه، وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة، طال عليه الوقوف هناك ذلك
اليوم، واشتدت مشقته عليه.
ومنها: أن
ورود الناس في الحوض وشربهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وشربهم منها، فمن وردها في هذه الدار وشرب منها وتضلع، وَرَدَ
هناك حوضه وشرب منه وتضلَّع، فله صلى الله عليه وسلم حوضان عظيمان، حوض في الدنيا
وهو سنته وما جاء به، وحوض في الآخرة، فالشاربون من هذا الحوض في الدنيا هم
الشاربون من حوضه يوم القيامة، فشارب ومحروم، ومستقل مستكثر، فمن ظمئ من سنته في
هذه الدنيا ولو يكن له منها شرب، فهو في الآخرة أشدُّ ظمأً وأحرُّ كبدًا.
ــــ(55)
ومنها: أن
ثقل ميزانه هناك بحسب تحمُّل ثقل الحق في هذه الدار، لا بحسب مجرد كثرة الأعمال،
وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه، وبذله إذا سُئل وأخذه إذا بُذل.
ومنها: قسمة
الأنوار في الظلمة دون الجسر، فإن العبد يُعطى من النور هناك بحسب قوة إيمانه
ويقينه، وإخلاصه ومتابعته للرسول صلى الله عليه وسلم في دار الدنيا.
فمنهم: من
يكون نوره كالشمس، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشد كوكب في السماء إضاءة، ومنهم من يكون نوره كالسراج في
قوته وضَعفه، وما بين ذلك.
ومنهم: من
يُعطى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أُخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان
في دار الدنيا، فهذا هو النور بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يُرى
عيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه، إن كان له
نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نور أصلًا لم ينفعه نور غيره.
ومنها: أن
مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم
في الدنيا، فأسرعهم سيرًا هنا أسرعهم هناك، وأبطؤهم هنا أبطؤهم هناك.
وأشدهم ثباتًا على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته
كلاليب الشهوات والشبهات والبدع المضلة هنا، خطفته الكلاليب التي كأنها شوك
السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات
والشبهات والبدع فيه ها هنا، فناجٍ مسلَّمٌ، ومخدوشٌ مُسلَّمٌ، ومخزول؛ أي: مقطع
بالكلاليب مكردس في النار كما أثرت فيهم تلك الكلاليب في الدنيا، جزاءً وفاقًا،
وما ربك بظلام للعبيد.
ــــ(56)
الرسالة التبوكية
من مصنفات العلامة ابن القيم رحمه الله: "الرسالة
التبوكية"، سُميت بذلك؛ لأنه كتبها بتبوك سنة 733 هجرية، وهي رسالة أرسلها
إلى أصحابه في بلاد الشام، فسَّر فيها قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى
الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]، ذكر
فيها أن من أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على سفر الهجرة إلى الله
ورسوله.
وقد زخرت الرسالة بنفائسَ من الفوائد المتنوعة، وقد انتقيتُ ما يسَّر
الله الكريم من هذه الفوائد، أسأل الله أن ينفع بها، ويبارك فيها.
ــــ(57)
الهجرة إلى الله ورسوله:
الهجرة إلى الله ورسوله فرض عين على كل أحد في كل وقت، ولا انفكاك
لأحد من وجوبها، وهي مطلوب الله ومراده من العباد؛ إذ الهجرة هجرتان:
هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المراد
الكلام فيها.
والهجرة الثانية: هجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة
هنا، وهذه هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها، وهي هجرة تتضمن
(من) و(إلى)، فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى
عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن
دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذُّلِّ له والاستكانة له إلى دعاء ربه وسؤاله
والخضوع له والذل والاستكانة له.
وهذا هو بعينه معنى الفرار إليه؛ قال تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾ [الذاريات: 50]،
فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.
وهذه الهجرة تقوى وتضعف بحسب قوة داعي المحبة وضعفه، فكلما كان داعي
المحبة في قلب العبد أقوى، كانت هذه الهجرة أقوى وأتم وأكمل، وإذا ضعف الداعي ضعفت
الهجرة، حتى إنه لا يكاد يشعر بها علمًا، ولا يتحرك بها إرادة.
وعن هاتين الهجرتين يُسأل كلُّ عبد يوم القيامة وفي البرزخ، ويُطالب
بهما في الدنيا، فهو مطالب بهما في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار
القرار.
ــــ(58)
وجوب الانقياد والتسليم لحكم الرسول في جميع مسائل النزاع:
قال تعالى: ﴿ فَلَا
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]، فأقسم
سبحانه بأجلِّ مُقسم به - وهو نفسه عز وجل - على أنهم لا يثبت لهم الإيمان، ولا
يكونون من أهله، حتى يُحكِّموا رسوله في جميع موارد النزاع، وهو كل ما شجر بينهم
من مسائل النزاع في جميع أبواب الدين، فإن لفظة (ما) من صيغ العموم، فإنها موصلة
تقتضي نفي الإيمان إذا لم يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم.
ولم يقتصر على هذا حتى ضمَّ إليه انشراح الصدر بحكمه؛ حيث لا يجدوا
في أنفسهم حرجًا - وهو الضِّيقُ والحصر - من حُكمه، بل يتلقوا حكمه بالانشراح،
ويقابلوه بالقبول، لا أنهم يأخذونه على إغماض، ويشربونه على قذًى، فإن هذا منافٍ
للإيمان، بل لا بدَّ أن يكون أخذه بقبول ورضًا وانشراح صدر.
ومتى أراد العبدُ أن يعلَمَ منزلته من هذا، فلينظر في حاله وليطالع
قلبه عند ورود حُكمه على خلاف هواه وغرضه، أو خلاف ما قلَّد أسلافه من المسائل
الكبار وما دونها، ﴿ بَلِ
الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [القيامة: 14، 15]...
ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله: ﴿ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا ﴾،
فذكر الفعل مُؤكدًا له بمصدره القائم مقام ذكره مرتين، وهو الخضوع له والانقياد
لما حكم به طوعًا ورضًا وتسليمًا لا قهر ومصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره
كرهًا، بل تسليم عبد محب مطيع لمولاه وسيده الذي هو أحب شيء إليه، يعلم أن سعادته
وفلاحه في تسليمه إليه، ويعلم أنه أولى به من نفسه، وأبرُّ به منها، وأرحمُ به منها،
وأنصحُ له منها، وأعلم بمصالحه منها، وأقدرُ على تحصيلها.
ــــ(59)
أولى الأمر هم العلماء والأمراء:
قال
تعالى: } يا أيها الذين آمنوا أطيعوا
الله وأطيعوا رسوله وأولى الأمر بينكم فإن تنازعتكم في شيءٍ فردوه إلى الله
والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسنُ تأويلاً [ [النساء:59] فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله...
وأما
أولو الأمر فلا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول, لا طاعة مفردة
مستقلة, كما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( على المرء السمع والطاعة
فيما أحب كره, ما لم يؤمر بمعصية الله, فإن أُمِرَ بمعصية الله, فلا سمع ولا طاعة
)
وقد
اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في أولي الأمر, فعنه فيه روايتان:
إحداهما: أنهم العلماء.
والثانية: أنهم الأمراء.
والقولان
ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية, والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعاً, فإن العلماء
والأمراء هم ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله.
فالعلماء
ولاتُه حفظاً وبياناً, وبلاغاً, وذباً عنه, ورداً على من ألحد فيه وزاغ عنه, وقد
وكلهم الله بذلك, فقال تعالى: } فإن يكفر بها هؤلاء فقد
وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكفرين [
[الأنعام:809] فيا لها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم, وكون الناس
تبعاً لهم.
والأمراءُ
وُلاتهُ قياماً, ورعايةً, وجهاداً, وإلزاماً للناس به, وأخذهم على يد من خرج عنه.
وهذان
الصنفان هم الناس, وسائر النوع الإنساني تبع لهم ورعية.
ــــ(60)
طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا:
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾
[النساء: 59]؛ أي: هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولي الأمر، وردِّ ما
تنازعتم فيه إليَّ وإلى رسولي - خير لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في
الدارين، فهو خير لكم وأحسن عاقبة...فدلَّ هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم
الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا
الشرور العامة والشر والألم والغم الذي يصيب العبد بسبب مخالفة
الرسول:
ومَن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه، علم أن كل شر في العالم فسببه
مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنما هو بسبب طاعة الرسول،
وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول وما يترتب
عليه، فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط.
وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض،
فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه، فإنما هو بسبب مخالفة
الرسول؛ وإلا فطاعته هي الحصن الذي من دخله فهو من الآمنين، والكهف الذي من لجأ
إليه فهو من الناجين.
فلا نجاة للعبد ولا سعادة إلا باجتهاده في معرفة ما جاء به الرسول
صلى الله عليه وسلم علمًا، والقيام به عملًا.
وكمال هذه السعادة بأمرين آخرين:
أحدهما: دعوة
الخلق إليه.
والثاني: صبره
وجهاده على تلك الدعوة.
ــــ(61)
أقسام الخلائق بالنسبة لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام وما بعثه الله
به من الهدى:
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقسام الخلائق بالنسبة إلى دعوته وما
بعثه الله به من الهدى في قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثلُ ما بعثني الله به من
الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت
الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الأرض، فسقى الماء وزرعوا، وأصاب طائفة
أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه
ما بعثني الله به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت
به)).
فشبه صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به بالغيث؛ لأن كلًّا منهما
سبب الحياة، فالغيث سبب حياة الأبدان، والعلم سبب حياة القلوب.
وشبَّه القلوب القابلة للعلم بالأرض القابلة للغيث، كما شبه سبحانه
القلوب بالأودية في قوله تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ [الرعد: 17].
وكما أن الأرضين ثلاثة بالنسبة إلى قبول الغيث:
إحداها: أرض
زكية قابلة للشرب والنبات، فإذا أصابها الغيث ارتوت ثم أنبتت من كل زوج بهيج.
فهذا مثل القلب الزكي الذكي، فهو يقبل العلم بذكائه، ويثمر فيه وجوه
الحكم ودين الحق بزكائه، فهو قابل للعلم، مثمر لموجبه وفقهه وأسرار معادنه.
والثانية: أرض
صلبة قابلة لثبوت الماء فيها وحفظه، فهذه ينتفع الناس بورودها والسقي منها
والازدراع.
ــــ(62)
وهذا مثل القلب الحافظ للعلم الذي يحفظه كما سمعه، ولا تصرف له فيه
ولا استنباط، بل له الحفظ المجرد، فهو يؤدي كما سمع، وهو من القسم الذين قال فيهم
النبي صلى الله عليه وسلم: ((فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه
غير فقيه)).
والأرض الثالثة: أرض
قاع، وهو المستوى الذي لا يقبل النبات ولا يمسك الماء، فلو أصابها من المطر ما
أصابها لم تنتفع بشيء منها.
فهذا مثل القلب الذي لا يقبل العلم ولا الفقه والدراية فيه، وإنما هو
بمنزلة الأرض البوار التي لا تنبت ولا تحفظ الماء، وهو مثل الفقير الذي لا مال له،
ولا يحسن يمسك مالًا.
فالأول: عالم
معلم، داعٍ إلى الله على بصيرة، فهذا من ورثة الرسل.
والثاني: حافظ
مؤدٍّ لما سمعه، فهذا يحمل إلى غيره ما يتجر به المحمول إليه ويستثمر.
والثالث: لا
هذا ولا هذا، فهو الذي لم يقبل هدى الله، ولا رفع به رأسًا.
فاستوعب هذا الحديث أقسام الخلق في الدعوة النبوية ومنازلهم؛ منها
قسمان سعيدان، وقسم شقي.
فعلى العاقل الناصح لنفسه أن ينظر من أي الأقسام هو، ولا يغتر
بالعادة ويخلد إلى البطالة.
فإن كان من قسم سعيد انتقل منه إلى ما هو فوقه وبذل جهده، والله ولي
التوفيق والنجاح.
وإن كان من قسم شقي انتقل منه إلى منه إلى القسم السعيد في زمن
الإمكان، قبل أن يقول: ﴿ يَا
لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 27].
ــــ(63)
من أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على سفر الهجرة إلى الله
ورسوله:
من أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على سفر الهجرة إلى الله
ورسوله، باليد واللسان والقلب: مساعدةً، ونصيحةً وتعليمًا وإرشادًا، ومودةً.
ومن كان هكذا مع عباد الله كان الله بكل خير إليه أسرع، وأقبل الله
إليه بقلوب عباده، وفتح على قلبه أبواب العلم، ويسَّره لليسرى، ومن كان بالضد
فبالضد، ﴿ وَمَا
رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[فصلت: 46].
زاد هذا السفر وطريقه ومركبه:
فإن قلت: قد أشرت إلى سفر عظيم ... فما زاد هذا السفر وما طريقه وما
مركبه؟
قلت: زاده العلم المورث عن خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، ولا
زاد له سواه.
وأما طريقه: فهو بذل الجهد، واستفراغ الوسع؛ فلا يُنال بالمنى، ولن
يُدرك بالهوينا.
وأما مركبه: فصدق اللجأ إلى الله، والانقطاع إليه بكليته، وتحقيق
الافتقار إليه من كل وجه والضراعة إليه، وصدق التوكل عليه والاستعانة به.
ورأس مال الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات
القرآن، بحيث يستولي على الفكر ويشغل القلب، فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر
من قلبه وهي الغالبة عليه، بحيث يصير إليها مفزعه وملجؤه - تمكن حينئذٍ الإيمان من
قلبه، وجلس على كرسيه.
ومن أراد هذا السفر، فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم
أحياء؛ فإنه يبلغ بمرافقتهم إلى مقصده، وليحذر من مرافقة الأحياء الذين في الناس
أموات؛ فإنهم يقطعون عليه طريقه ... قال بعض مَن سلف: "شتان بين أقوام موتى
تحيا القلوب بذكرهم، وبين أقوام أحياء تموت القلوب بمخالطتهم".
ــــ(64)
فوائد متفرقة:
• البر
كلمة جامعة لجميع أنواع الخير والكمال المطلوب من العبد.
• للإيمان
فرحة وحلاوة ولذاذة في القلب، من لم يجدها فهو فاقد للإيمان أو ناقصه.
• قال
طلق بن حبيب: "إذا وقعت الفتنة فادفعوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن
تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور
الله، تخاف عقاب الله".
• المقصود
من اجتماع الناس وتعاشرهم التعاون على البر والتقوى، فيعين كل واحد صاحبه على ذلك
علمًا وعملًا.
• الهدية
النافعة كلمة من الحكمة يهديها الرجل إلى أخيه المسلم.
• ثلاث
كلمات كان يكتب بها بعض السلف إلى بعض، فلو نقشها العبد في لوح قلبه يقرؤها على
عدد الأنفاس، لكان ذلك بعض ما يستحقه، وهي: "من أصلح سريرته أصلح الله
علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل
لآخرته كفاه الله مؤونة دنياه".
• ما على العبد أضرُّ من عشرائه
وأبناء جنسه, فإن نظره قاصر, وهمتُه واقفة عند التشبه بهم, ومباهاتهم والسلوك أيّة
سلكوا, حتى لو دخلوا جحر ضب لأحبَّ أن يدخل معهم.
ــــ(65)
كتاب الفروسية المحمدية
من مصنفات العلامة ابن القيم رحمة الله كتابه الموسوم بـ: "الفروسية
المحمدية"، تكلم فيه عن أنواع الفروسية وأحكامها،
وأنها فروسيتان:
فروسية العلم والبيان. وفروسية الرمي والطعان.
وذكر رحمه الله أنها حاملة لأهلها على نصرة الرحمن، وسائقة لهم إلى
أعلى غُرف الجنان.
ويوجد في الكتاب الكثير من الفوائد في مواضيع شتى، وقد يسَّر الله
الكريم، فاخترتُ شيئًا منها، أسأل الله أن ينفع بها، ويبارك فيها.
الفروسية: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان:
الفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان.
ولما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق في الفروسيتين،
فتحوا القلوب بالحجة والبرهان، والبلاد بالسيف والبنان، وما الناس إلا هؤلاء
الفريقان، ومن عداهما، فإن لم يكن رِدءًا وعونًا لهما، فهو كَلٌّ على نوع الإنسان.
المناظرة في العلم: للتمرين والتدرب، ولنصر الحق وكسر الباطل:
المسابقة والمناضلة هي من باب الاستعداد للجهاد، فإذا تعلم الناس
أسبابه وتدربوا فيها، وتمرنوا عليها قبل لقاء العدو، ألفاهم ذلك عند اللقاء قادرين
على عدوهم، مستعدين للقائه.
وهذا كجدل المتناظرين في العلم، فإن أحدهما يورد على صاحبه من
الممانعات والمعارضات، وأنواع الأسئلة ما يرد الآخر جوابه؛ ليعرف الحق في المسألة،
فإذا جادله مبطل كان مستعدًّا لمجادلته بما تقدم له من المناظرة مع صاحبة.
ــــ(66)
فالمناظرة في العلم نوعان:
أحدهما: للتمرين
والتدرُّب على إقامة الحجج ودفع الشبهات.
والثاني: لنصر
الحق، وكسر الباطل.
شجاعة الصديق رضي الله عنه:
كثير من الناس تشتبه عليه الشجاعة بالقوة، وهما متغايران، فإن
الشجاعة هي: ثبات القلب عند النوازل، وإن كان ضعيف البطش.
وكان الصديق رضي الله عنه أشجع الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وكان عمر وغيره أقوى منه، ولو لم يكن له إلا ثبات قلبه يوم الغار وليلته،
وثبات قلبه يوم بدر، وثبات قلبه يوم أحد، وثبات قلبه يوم الخندق، وثبت قلبه يوم
الحديبية، وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب، حتى إن الصديق ليثبته ويُسكنه
ويُطمئنه.
وثبات قلبه حين النازلة التي اعتزت لها الدنيا أجمع، وأنكرت الصحابة
بها قلوبهم، كيف وقد فقدوا رسولهم من بين أظهرهم وحبيبهم.
مراتب الشجاعة والشجعان:
أول مراتبهم: الهمام:
وسُمي بذلك لهمته وعزمه.
الثاني: المقدام:
وسُمِّي بذلك من الإقدام، وهو ضد الإحجام.
الثالث: الباسل:
وهو اسم فاعل من بسل يبسل، والبسالة: الشجاعة والشدة.
الرابع: البطل:
وفي تسميته قولان:
أحدهما: لأنه
يُبطل فعل الأقران، فتبطل عنده شجاعة الشجعان.
والثاني: لأنه
هو الذي يُبطل شجاعة خيره.
ــــ(67)
الخامس: الصِّندِيد:
بكسر الصاد، والعامة تلحن فيه فيقولون: صَنديد، بفتحها، والصِّنديد: الذي لا يقوم
له شيء.
مظاهر الشجاعة:
لَمَّا كانت الشجاعة خُلُقًا كريمًا من أخلاق النفس، ترتب عليها
أربعة أمور، وهي مظهرها وثمرتها:
الإقدام في موضع الإقدام.
والإحجام في موضع الإحجام.
والثبات في مواضع الثبات.
والزوال في موضع الزوال.
وضدُّ ذلك مُخل بالشجاعة، وهو إما جُبن، وإما تهور، وإما خفة وطيش.
من يصلح لتدبير الجيش:
إذا اجتمع في الرجل الرأي والشجاعة، فهو الذي يصلح لتدبير الجيش،
وسياسة أمر الحرب.
الرجال ثلاثة:
الناس ثلاثة: رجل، ونصف رجل، ولا شيء.
فالرجل من اجتمع له إصابة الرأي والشجاعة، فهذا الرجل الكامل.
ونصف الرجل: وهو من انفرد بأحد الوصفين دون الآخر.
والذي هو لا شيء: من عري من الوصفين جميعًا.
ــــ(68)
أمور ما اجتمعت في فئة قط إلا نُصرت وإن قلت وكثر عدوها؛
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].
فأمر المجاهدين فيها بخمسة أشياء، ما اجتمعت في فئة قط إلا نُصرت،
وإن قلت وكثُر عدوُّها:
أحدها: الثبات.
الثاني: كثرة
ذكر الله:
الثالث: طاعته
وطاعة رسوله
الرابع: اتفاق
الكلمة، وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جُند يقوي به المتنازعون عدوهم
عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام، لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها
وصار كل منهم وحده، كسرها كلها.
الخامس: ملاك
ذلك كله وقوامه وأساسه، وهو الصبر.
فهذه خمسة أشياء تبتني عليها قبة النصر، ومتى زالت أو بعضها، زال من
النصر ما نقص منها، وإذا اجتمعت قوَّى بعضها بعضًا، وصار لها أثر عظيم في النصر،
ولما اجتمعت في الصحابة لم تقُم لهم أمة من الأمم، وفتحوا الدنيا، ودانت لهم
العباد والبلاد.
ــــ(69)
اللعب بالنرد والشطرنج:
المغالبات ثلاثة أقسام:
قسم محبوب مرضي لله تعالى ورسوله, معين على تحصي محابه, كالسباق
بالخيل والإبل والرمي بالنشاب.
وقسم مبغوض مخسوط لله ورسوله, موصل إلى ما يكرهه الله تعالى ورسوله,
كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء, وتصدُّ عن ذكر الله تعالى وعن
الصلاة, كالنرد والشطرنج وما أشبههما.
وقسم ليس بمحبوب لله ولا مسخوط, بل هو مباح لعدم المضرة الراجحة,
كالسباق على الأقدام, والسباحة, وشيل الأحجار, والصراع, ونحو ذلك.
....فالنوع الثاني: محرم وحده, ومع الرهن, وأكل المال به ميسر وقمار
كيف كان, سواء كان من أحدهما, أو من كليهما, أو من ثالث, وهذا باتفاق المسلمين.
فأما إن خلا عن الرهن, فهو أيضاً حرام عند الجمهور, نرداً كان أو
شطرنجاً.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسم أنه قال: ( من لعب
بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه )
وقد سمى علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه, الشطرنج
تماثيل, فمرّ بقوم يلعبون بها, فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ وقلب
الرقعة عليهم.
ولا يعلم أحد من الصحابة أحلَّها, ولا لعب بها, وقد أعاذهم الله
تعالى من ذلك, وكل ما نُسب إلى أحد منهم من أنه لعب بها – كأبي هريرة – فافتراء
وبُهت على الصحابة, ينكره كل عالم بأحوال الصحابة, كل عارف بالآثار.
ــــ(70)
وكيف يُبيحُ خير القرون وخير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
اللعب بشيءٍ صدّه عن ذكر الله تعالى, وعن الصلاة أعظم من صدِّ الخمر إذا استغرق
فيه لاعبه ؟! والواقع شاهد بذلك.
وإذا كان اللاعب بالنرد كغامس يده في لحم خنزير ودمه, فكيف بحال
اللاعب بالشطرنج ؟ ! وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
وإذا كان من لعب بالنرد عاصياً لله ورسوله مع خفة مفسدة النرد, فكيف
يُسلب اسم المعصية لله تعالى ولرسوله عن صاحب الشطرنج مع عظم مفسدتها, وصدها عن ما
يحب الله تعالى ورسوله, وأخذها بفكر لاعبها, واشتغال قلبه وجوارحه, وضياع عمره,
ودعاء قليلها إلى كثيرها, مثل دعاء قليل الخمر إلى كثيرها.
وكيف يُظنُّ بالشريعة أنها تبيح ما يُلهي القلب, ويُشغله أعظم شغل عن
مصالح دينه ودنياه, ويورث العداوة والبغضاء بين أربابها, وقليلها يدعو إلى كثيرها,
ويفعل بالعقل والفكر, كما يفعل المسكر وأعظم, ولهذا يصير صاحبها عاكفاً عليها عكوف
شارب الخمر على خمره, أو أشدّ, فإنه لا يستحي ولا يخاف كما يستحي شارب الخمر,
وكلاهما مُشبه بالعاكف على الأصنام
فوائد متفرقة:
♦ المشابهة في الزي الظاهر
تدعو إلى الموافقة في الهدي الباطن، كما دلَّ عليه الشرع والعقل والحس، ولهذا جاءت
الشريعة بالمنع من التشبه بالكفار والحيوانات والشياطين.
♦ الأمور إذا افتتحت
بالصلاة، كانت جديرة بالنُّجح.
♦ من ضحِك من الناس ضُحِك
منه. ♦ من عيَّر أخاه بعمل،
ابتُلي به ولا بد.
ــــ(71)
شفاء
العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
من مصنفات العلامة ابن القيم رحمه الله كتابه الموسوم بـ"شفاء
العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل"،
وهو كتاب يبحث في موضوع مهم من موضوعات العقيدة؛ وهو موضوع: القضاء والقدر، وقد
أشبعه بحثًا على وفق منهج أهل السنة والجماعة، فجزاه الله عما قدم للإسلام
والمسلمين خيرًا.
وفي ثنايا البحث في أبواب الكتاب التي بلغت ثلاثين بابًا، سال قلم
العلامة ابن القيم رحمه الله بالعديد من الفوائد المتنوعة، يسر الله الكريم لي
فجمعتُ شيئًا منها، أسأل الله أن ينفع بها، ويبارك فيها.
ــــ(72)
حكم ومنافع الطهارة والوضوء:
كم في الطهارة من حكمة ومنفعة للقلب والبدن، وتفريح للقلب، وتنشيط
للجوارح، وتخفيف من أحمال ما أوجبته الطبيعة وألقاه عز النفس من دَرَنِ المخالفات،
فهي منظفة للقلب والروح والبدن ... وتأمل كون الوضوء في الأطراف التي هي محل الكسب
والعمل، فجُعل في الوجه الذي فيه السمع والبصر والكلام والشم والذوق، وهذه الأبواب
هي أبواب المعاصي والذنوب كلها، منها يدخل إليها، ثم جُعل في اليدين وهما طرفاه
وجناحاه اللذان بهما يبطش ويأخذ ويعطى، ثم في الرجلين اللتين بهما يمشي ويسعى،
ولما كان غسل الرأس مما فيه أعظم حرجًا ومشقة جعل مكانه المسح، وجعل ذلك مخرجًا
للخطايا من هذه المواضع ... ففي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت
أظفاره))، فهذا من أجلِّ حِكم الوضوء وفوائده.ولو لم يكن فيه من المصلحة والحكمة
إلا أن المتوضئ يطهر يديه بالماء وقلبه بالتوبة ليستعد للدخول على ربه ومناجاته
والوقوف بين يديه طاهر البدن والثوب والقلب - فأي حكمة ورحمة ومصلحة فوق هذا؟
الجزاء من جنس العمل:
قال تعالى: ﴿ سَيَذَّكَّرُ
مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا
الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى
النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لَا يَمُوتُ
فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴾
[الأعلى: 10 - 13]، فإن الجزاء من جنس العمل، فإنه في الدنيا لما لم يحي الحياة
النافعة الحقيقة التي خُلق لها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتًا
عديم الإحساس - كانت حياته في الآخرة كذلك.
ــــ(73)
من توفيق الله لعبده أن يستخير قبل وقوع المقدور ويرضى بعد وقوعه:
في المسند من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم:
((من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله،
ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله عز وجل، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى
الله))، فالمقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبله، والرضا بعده، فمن توفيق الله
لعبده وإسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه، ويرضى بعد وقوعه، ومن خذلان الله له ألَّا
يستخيره قبل وقوعه، ولا يرضى به بعد وقوعه.
تلاوة القرآن ربيع للقلوب وشفاء للصدور ونور للبصائر وحياة للأرواح:
ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلب، وشفاء الصدور، ونور البصائر،
وحياة الأرواح، وهو كلام رب العالمين، فيحل به فيما شاء من روضات مونقات، وحدائق
معجبات، زاهية أزهارها، مونقة ثمارها، قد ذُلِّلت قطوفها تذليلًا، وسُهلت
لمتناولها تسهيلًا، فهو يجتني من تلك الثمار خيرًا يُؤمر به، وشرًّا يُنهى عنه،
وحكمة وموعظة، وتبصرة وتذكرة، وعبرة ... وإزالة لشبهة، وجوابًا عن مسألة، وإيضاحًا
لمشكل، وترغيبًا في أسباب فلاح وسعادة، وتحذيرًا من أسباب خسران وشقاوة، ودعوة إلى
هدًى.
ــــ(74)
النعم فتنة:
قال تعالى: ﴿ بَلْ
هِيَ فِتْنَةٌ ﴾؛
أي: النعم التي أوتيها فتنة نختبره فيها، ومحنة نمتحنه بها، لا يدل على اصطفائه
واجتبائه، وأنه محبوب لنا مقرب عندنا؛ ولهذا قال في قصة قارون: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ
قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [القصص: 78]، فلو كان
إعطاء المال والقوة والجاه يدل على رضاء الله سبحانه عمن آتاه ذلك، وشرف قدره وعلو
منزلته عنده - لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون، فلما أهلكهم مع سعة
هذا العطاء وبسطته، عُلم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة لا محبة ولا ورضًا
واصطفاءً لهم على غيرهم؛ أي: النعمة فتنة لا كرامة، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[الزمر: 49].
اللذة والألم:
لا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له
الألم في الدنيا أشد ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة، والكافر يحصل له اللذة والسرور
ابتداءً ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة، وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات
فيلتذون بها ابتداءً، ثم تعقبها الآلام بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عليها
يألمون بفقدها ابتداءً، ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنه
وتركوا منها، فالألم واللذة أمر ضروري لكل إنسان، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير،
والآجل الدائم العظيم بون.
ــــ(75)
من وافق الناس على ما يريدون ليتخلص من أذاهم أصابته الآلام والمشقة:
الإنسان ... مدني بالطبع، لا يمكنه أن يعيش وحده، بل لا يعيش إلا
معهم - المقصود: الناس - وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة لا يمكن الجمع
بينها، بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء، فهو يريد منهم أن يوافقوه على مطالبه
وإرادته، وهم يريدون منه ذلك، فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من
إرادته، وإن لم يوافقهم آذَوه وعذبوه وسعَوا في تعطيل مراداته كما لم يوافقهم على
مراداتهم؛ فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك؛ فهو في ألم ومشقة وعناء وافقهم أو
خالفهم، ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة وإرادات فاسدة
وأعمال تضره في عواقبها، ففي موافقتهم أعظم الألم، وفي مخالفتهم حصول الألم،
فالعقل والدين والمروءة تأمره باحتمال أخف الألمين؛ تخلصًا من أشدهما، وبإيثار
المنقطع منهما؛ لينجو من الدائم المستمر ... وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم،
أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة، وسنة الله في
خلقه أن يرفعه عليهم ويذلهم له، بحسب صبره وتقواه وتوكله وإخلاصه، وإذا كان لا بد
من الألم والعذاب، فذلك في الله وفي مرضاته ومتابعة رسله أولى وأنفع منه في الناس
ورضائهم وتحصيل مراداتهم ... فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء
المبتلي سبحانه - هان عليه ما هو فيه وخف عليه حمله.
ــــ(76)
دواء لإزالة الهموم والغموم والأحزان:
الهم يكون على مكروه يُتوقع في المستقبل يهتم به القلب، والحزن على
مكروه ماضٍ من فوات محبوب، أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزنًا، والغم يكون على
مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغم، فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب
وأدوائه، وقد تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها، وتباينت طرقهم في ذلك
تباينًا لا يحصيه إلا الله، بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه
يخلصه منها، وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها
إلا شدة لمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها، وكمن
يتداوى منها باللغو واللعب، والغناء وسماع الأصوات المطربة، ونحو ذلك، فأكثر سعي
بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها، وكلهم قد أخطأ الطريق إلا
من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها، وهو دواء مركب من مجموع أمور
متى نقص منها جزء، نقص من الشفاء بقدره، وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد
والاستغفار.
قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾
[محمد: 19]، وفي الحديث: ((فإن الشيطان يقول: أهلكتُ بني آدم بالذنوب، وأهلكوني
بالاستغفار وبلا إله إلا الله ...)) ... فالتوحيد يُدخل العبد على الله،
والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه،
فإذا وصل القلب إليه زال عنه همه وغمه وحزنه، وإذا انقطع عنه حضرته الهموم والغموم
والأحزان، وأتته من كل طريق، ودخلت عليه من كل باب.
ــــ(77)
فوائد متفرقة:
• الهداية: معرفة الحق، والعمل به.
• إذا
تدبر العبد ... أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فيشكر ربه على ذلك، فزاده من
فضله عملًا صالحًا ونعمًا يفيضها عليه، وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه
وبذنوبه استغفر ربه وتاب، فزال عنه سبب الشر؛ فيكون دائمًا شاكرًا مستغفرًا.
• لما
كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه ... كان أكثر الحيوان أعداء لها، وكان أعداؤها
من أقل الحيوان منفعة وبركة، وهذه سنة الله في خلقه، وهو العزيز الحكيم.
• تأمل
أبواب الشريعة ووسائلها وغاياتها، كيف تجدها مشحونة بالحكم المقصودة، والغايات
الحميدة التي شُرعت لأجلها، التي لولاها لكان الناس كالبهائم بل أسوأ حالًا.
• استقرت
حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة
والتعب، ولا يدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حفَّ الجنة
بالمكاره، والنار بالشهوات.
• شيخ الملحدين ابن سينا.
ــــ(78)
كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين
من أهم وأشهر كتب العلامة ابن القيم رحمه الله، كتابه الموسوم
بـ"أعلام الموقعين عن رب العالمين"، وقد أثنى عليه أهل العلم كثيرًا؛
قال سماحة الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله: من أفضل كتب ابن القيم
رحمه الله: له شأن عظيم، ولا سيما في حق القضاة والمفتين، وقال العلامة محمد بن
صالح العثيمين رحمه الله: ذلك الكتاب الذي قلَّ أن يوجد في كتب الإسلام مثله، وقال
السيد رشيد رضا رحمه الله: لم يؤلف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل
الاجتهاد والتقليد والفتوى، وما يتعلق بذلك.
وقد سال قلم العلامة ابن القيم، فزخر الكتاب بالكثير من الفوائد، وقد
يسَّر الله الكريم فاخترتُ شيئًا منها، أسأل الله أن ينفع بها، ويبارك فيها.
السعادة في العلم النافع والعمل الصالح:
العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا
نجاة له إلا بالتعلق بسبهما، فمن رُزِقهما فقد فاز وغَنِمَ، ومن حُرمهما فالخير
كلَّه حُرِمَ، وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البرُّ من
الفاجر، والتقيُّ من الغوي، والظالم من المظلوم.
التنازع في بعض مسائل الإحكام:
أهل الإيمان لا يُخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة
الإيمان، إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، كما شرطهم الله عليهم بقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى
اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [النساء: 59]، ولا ريب
أن الحكم المعلق على شرط ينتقى عند انتفائه.
ــــ(79)
الحذر من تقديم الآراء والعقول على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام:
قال تعالى: ﴿ يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ
تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2]، فإذا
كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم
وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أو ليس هذا أولى أن يكون
مُحبطًا لأعمالهم؟
شكر النعم المستمرة والمتجددة:
النعم نوعان: مستمرة
ومتجددة: فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شُرِع لها سجود الشكر،
شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها،
وذلك من أكبر أدوائها، فإن الله لا يحبُّ الفرحين ولا الأشرين، فكان دواء هذا
الدواء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا
المقصود ما ليس في غيره.
درجات إنكار المنكر:
إنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن
يزول ويخلُفه ضدُّه.
الثاني: أن
يقلً وإن لم يزل بجملته.
الثالث: أن
يخلفه ما هو مثله.
الرابع: أن
يخلفه ما هو شر منه.
فالدرجتان الأُوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة.
ــــ(80)
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عِصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه صلى الله
عليه وسلم، أبرُّ الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأحسنها بيانًا،
وأصدقها إيمانًا، وأعمُّها نصيحةً، وأقربها إلى الله وسيلةً..حازوا قصبات السباق،
واستولوا على الأمد، فلا مطمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من
اتَّبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم، والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات
اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال.
فأيُّ خصلةِ خيرٍ لم يسبقوا إليها؟ وأيُّ خُطةِ رشدٍ لم يستولوا
عليها؟
تالله لقد، وطَّدوا قواعد الإسلام، فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا،
فتحوا القلوب بالقرآن والإيمان، والقرى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى
التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا.
صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله على العبد:
صحةُ الفهم وحسنُ القصد من أعظم نِعم الله التي أنعم بها على عبده،
بل ما أُعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلَّ منهما، بل هما ساقا الإسلام،
فقيامه عليهما، وبهما باين العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدُهم، وطريق
الضالين الذين فسدت فهومُهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسُنت أفهامهم وقصودهم،
وهم أهل الصراط المستقيم.
صحة الفَهم نور يقذِفه الله في قلب العبد، يُميِّز به بين الصحيح
والفاسد، والحق والباطل، ويُمده حسن القصد، وتحرِّي الحق، وتَقوى الرب في السرِّ
والعلانية، ويقطع مادته اتباعُ الهوى، وإيثار الدنيا، وطلبُ محمدة الخلق، وترك
التقوى.
ــــ(81)
من صفات من يقوم بالتبليغ والفتيا:
لا تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق،
فيكون عالِمًا بما يبلغ، صادقًا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضيَّ السيرة،
عدلًا في أقواله وأفعاله، متشابه السرِّ والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا
كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من
أعلى المراتب السنيَّات، فكيف
بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟
فحقيق بمن أُقيم في هذا المنصب أن يُعدَّ له عُدته، وأن يتأهب له
أُهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق
والصدع به، فإن الله ناصره وهاديه، كيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه ربُّ الأرباب،
فقال تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ
فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَابِ ﴾
[النساء: 127]، وكفى بمن تولاه الله بنفسه تعالى شرفًا وجلالةً، إذ يقول في كتابه:
﴿ يَسْتَفْتُونَكَ
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ﴾ [النساء: 176]، وليعلم
المفتي عمن ينوب في فتواه، وليوقن أنه مسؤول غدًا، وموقوف بين يدي الله.
والجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ومن غزارته وسَعته، فإذا قلَّ
علمُه أفتى عن كلِّ ما يُسألُ عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتَّسعت فتياه.
الردُّ في كل تنازعٍ في مسائل الدين إلى كتاب الله وسنة رسوله:
قوله تعالى:﴿ فَإِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾[النساء:
59]نكرة في سياق الشرط تعُم كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقَّه
وجلَّه، جليَّه وخفيَّه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا
فيه ولم يكن كافيًا, لم يأمر بالرِّد عليه, إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرَّدِّ
عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع
ـــــ(82)
الكذب له تأثير عجيب في سواد الوجه:
شرُّ ما في المرء لسان كذوب، ولهذا يجعل الله سبحانه شعار الكاذب يوم
القيامة، وشعار الكاذب على رسوله سواد وجهه، والكذب له تأثير عجيب في سواد الوجه،
ويكسوه رقُعًا من المقت يراه كل صادق، فسيما الكذاب في وجهه ينادي عليه لمن له عينان،
والصادق يرزقه الله مهابةً وحلاوةً، فمن رآه هابه وأحبَّه والكاذب يرزقه مهانةً
ومقتًا، فمن رآه احتقره.
تثبيت الله لعبده منحة كبيرة وكنز عظيم:
تحت قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَفِي الْآخِرَةِ ﴾
[إبراهيم: 27]، كنز عظيم من وُفِّق لمظنَّته، وأحسن استخراجه واقتناه، وأنفق منه
فقد غنِم، ومن حُرمه فقد حُرِم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة
عين، فإن لم يثبته وإلا زالتْ سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما، وقد قال تعالى لأكرم
خلقه عليه عبده ورسوله: ﴿ وَلَوْلَا
أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 74]، فالخلق
كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت، ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من
القول الثابت، وفعل ما أُمر به العبد، فبهما يثبت الله عبده، فكلُّ من كان أثبت
قولًا وأحسن فعلًا، كان أعظم تثبيتًا؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ
فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ [النساء: 66]، فأثبتُ
الناس قلبًا أثبتهم قولًا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق.
فما مُنِح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول
الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم، كما في صحيح مسلم من
حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية نزلت في عذاب
القبر.
ــــ(83)
التحذير من الاختلاف:
قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا
كثيرًا)، هذا ذم للمختلفين، وتحذير من سلوك سبيلهم، وإنما كثُر الاختلاف وتفاقم
أمره بسبب التقليد، وأهلُه هم الذين فرَّقوا الدين وصيروا أهله شيعًا، كل فرقة
تنصر متبوعها وتدعو إليه، وتذمُّ من خالفها ولا يرون العمل بقولهم، حتى كأنهم ملة
أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبُهم وكتبنا، وأئمتهم
وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا، هذا والنبي واحد والقرآن واحد والدين والرب واحد،
فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم ألا يطيعوا إلا الرسول،
ولا يجعلوا معه من تكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله،
فلو اتفقت كلمتهم على ذلك، وانقاد كل منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله، وتحاكموا
كلُّهم إلى السنة وآثار الصحابة لقلَّ الاختلاف، وإن لم يعدم من الأرض، ولهذا تجد
أقل الناس اختلافًا أهل السنة والحديث، فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقًا
وأقل اختلافًا منهم لما بنوا على هذا الأصل، وكلما كانت الفرقةُ عن الحديث أبعد
كان اختلافهم في أنفسهم أشدَّ وأكثر، فإن من ردَّ الحق مرِجَ عليه أمرهُ واختلط
عليه، والتبس عليه وجه الصواب فلم يدر أين يذهب كما قال تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا
بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ [ق: 5]
ــــ(84)
باب سد الذرائع:
باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان:
أحدهما مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون
المنهيُّ عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سدُّ
الذرائع المفضية إلى المحرم أحد أرباع الدين.
تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص:
والمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم من
الآية حكمًا أو حكمين، ومنهم من يفهم عشرة أحكام وأكثر من ذلك، ومنهم من يقتصر في
الفهم على مجرد اللفظ، دون سياقه ودون إيمائه وتنبيه وإشارته واعتباره.
وأخصُّ من هذا وألطف ضمُّه إلى نصٍّ آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه
به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده، وهذا باب عجيب مِن فَهْم القرآن لا ينتبه له
إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذه بهذا وتعلُّقه به،
وهذا كما فهم ابن عباس من قوله: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ
ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾
[الأحقاف: 15]، مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ [البقرة: 233] أن
المرأة قد تلد لستة أشهر.
العلة في النهي أن يقول الإنسان: لو أني فعلت لكان كذا وكذا:
نهي الرجل بعد إصابة ما قُدِّر له أن يقول: لو أني فعلتُ لكان كذا
وكذا، فإنه لا يُجدي عليه إلا الحزن والندم وضيقة الصدر، والتسخط على المقدور
واعتقاده أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يُضعف رضاه وتسليمه وتفويضه
وتصديقه بالمقدور، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ــــ(85)
الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك كل ما خالفه:
الذي ندين الله به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى
الله عليه، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه،
وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان، لا راويه ولا
غيره؛ إذ من الممكن أن ينسي الراوي الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن
لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما
يعارضه، ولا يكون معرضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه
أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه.
ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله - ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه –
لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوط عدالته حتى تغلب سيئاته
حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك.
الإنصاف أفضل حلية تحلَّى بها الرجل:
الله تعالى يحبُّ الإنصاف، بل هو أفضل حِلية تحلَّى بها الرجل،
خصوصًا من نصب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى لرسوله: ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ
بَيْنَكُمُ ﴾
[الشورى: 15]، فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه
وذي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل الحق مطلوبه، يسير بسيره وينزل بنزوله، يدين بدين
العدل والإنصاف، ويُحكِّم الحجة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه، فهو العلم الذي قد شمَّر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، ولا يَثني
عِنانَه عنه عذلُ عاذلٍ، ولا تأخذه لومة لائم، ولا يصدُّه عنه قول قائل.
ــــ(86)
الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد:
الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد،
وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالحُ كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى
الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث،
فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدلُ الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظلُّه في أرضه،
وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله أتَم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر
المُبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل،
وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه، فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة
العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي لها الحياة والغذاء والدواء والنور
والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما مستفاد منها، وكل نقص في الوجود فسببُه
من إضاعتها.
شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرأة من كل نقص، مطهرة من كل
دنس، مسلمة لا شية فيها، مؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة قواعدها
ومبانيها، أمرت بكل صلاح ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب وحرمت كل خبيث، فأوامرها
غذاء دواء، ونواهيها حمية وصيانة، وظاهرها زينها لباطنها، وباطنها أجمل من ظاهرها،
شعارها الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل وحكمها الفصل.
ــــ(87)
الحذر من المكر والخداع والاحتيال:
حقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع
المكر والحيل، وأن يعلم أنه لا يخلصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال
والأفعال، وأن يعلم أن لله يومًا تكِعُّ فيه الرجال، وتُنسف فيه الجبال، وتترادف
فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتُبلي فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر،
ويصير الباطن فيه ظاهرًا، والسر علانية، والمستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا،
ويُحصل ويبدو ما في الصدور، كما يُبعثر ويخرج ما في القبور، وتجري أحكام الرب جلَّ
جلاله هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال
والحركات، يوم تبيضُّ وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة لله ورسوله وكتابه، وما
فيها من البر والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسود وجوه بما في قلوب أصحابها من
الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هناك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا
يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون.
العلة في عدم التحدث
بالرؤيا التي يكرهها الإنسان:
نهي من رأى رؤيا يكرهها أن يتحدث بها، فإنه ذريعة إلى انتقالها من
مرتبة الوجود اللفظي إلى الوجود الخارجي، كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي،
وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولًا، ثم تنتقل إلى الذكر، ثم تنتقل إلى الحس،
وهذا من ألطف سدِّ الذرائع وأنفعها، ومن تأمل عامة الشر رآه متنقلًا في درجات
الظهور طبقًا بعد طبقٍ من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج.
ــــ(88)
العلم والحلم:
قال بعض السلف: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم.
فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله، وضده الطيش والعجلة والحدة والتسرع
وعدم الثبات، فالحليم لا يستفزه البدوات، ولا يستخفه الذين لا يعلمون، ولا يُقلقله
أهل الطيش والخفة والجهل، بل هو وقور ثابت ذو أناة يملِك نفسه عند ورد أوائل
الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها، وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفه دواعي الغضب
والشهوة، فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وبالحلم يتمكن من
تثبيت نفسه عند الخير فيؤثره، وعند الشر فيصبر عنه.
السكينة:
السكينة فعلية من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره، وأصلها في
القلب، ويظهر أثرها على الجوارح.
وثمرة هذه السكينة: الطمأنينة للخير تصديقًا وإيقانًا، وللأمر
تسليمًا وإذعانًا، فلا تدع شبهةً تعارض الخير، ولا إرادةً تعارض الأمر، بل لا تمر
معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة مرور الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها
العبد؛ ليقوى إيمانه، ويعلو عند الله ميزانه، بمدافعتها وردِّها وعدم السكون
إليها، فلا يظن المؤمن أنها لنقص درجته عند الله.
وأسبابها الجالبة لها: استيلاء مراقبة العبد
لربه عز وجل حتى كأنه يراه، وكلما اشتدت هذه المراقبة أوجبت له من الحياء،
والسكينة، والمحبة، والخضوع، والخشوع، والخوف والرجاء ما لا يحصل بدونها،
فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلِّها، وعمودُها الذي قيامها به.
ــــ(89)
أصناف المتأولين:
والمتأولون أصنف عديدة، بحسب الباعث لهم على التأويل، وبحسب قصور
أفهامهم ووفورها، وأعظمهم توغُّلًا في التأويل الباطل من فسد قصده وفهمُه، فكلَّما
ساء قصده وقصر فهمه، كان تأويله أشدَّ انحرافًا، فمنهم من يكون تأويله لنوع هوى من
غير شُبهة، بل يكون على بصيرة من الحق، ومنهم من يكون تأويله لنوع شبهةٍ عرضت له
أخفت عليه الحق، ومنهم من يجتمع له الأمران: الهوى في القصد، والشبهة في العلم.
من أقوى أساب الإصابة في الفتوى دعاء المفتي عند الإفتاء:
حقيق بالمفتي أن يُكثر الدعاء بالحديث الصحيح: (اللهم ربَّ جبريل
وميكائيل وإسرافيل...الحديث)، وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك، وكان إذا أشكلت عليه
المسائل يقول: "يا معلم إبراهيم"، ويكثر الاستعانة بذلك، وكان بعض السلف
يقول عند الإفتاء: ﴿ سُبْحَانَكَ
لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]، وكان
مكحول يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكان مالك يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا
بالله، وكان بعضهم يقول: ﴿ رَبِّ
اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ
لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه: 25 - 28].
وكان بعضهم يقول: اللهم وفِّقني، واهدني، وسددني، واجمع لي بين
الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان.
وكان بعضهم يقرأ الفاتحة وجرَّبنا نحن ذلك، فرأيناه من أقوى أسباب
الإصابة.
ــــ(90)
الخروج على الملوك والولاة أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر:
النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاباً إنكار المنكر ليحصل
بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله, فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو
أنكرُ منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره, وإن كان الله يُبغضه ويمقُت
أهله, وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم, فإنه أساس كل شر وفتنة إلى
آخر الدهر, وقد استأذن الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال الأمراء
الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها, وقالوا: أفلا نقاتلهم ؟ فقال: (لا, ما أقاموا
الصلاة ) وقال: ( من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر, ولا ينزعن يداً من طاعته ) ومن
تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل وعدم
الصبر على منكر, فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه, فقد كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغيرها, بل لما فتح مكة وصارت
دار إسلام عزم على تغير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم, ومنعه من ذلك – مع قدرته
عليه – خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك, لقرب عهدهم بالإسلام
وكونهم حديثي عهدٍ بكفر, ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد, لما يترتب
عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء.
ــــ(91)
فوائد متفرقة:
♦ كلُّ من له مُسكة من عقل
يعلم أن فساد العالم وخرابه، إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على
العقل، وما استحكم هذان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، ولا في أمة إلا فسد
أمرها أتم فساد.
♦ شريعته سبحانه منَّزهة
أن تنهى عن شيء لمفسدةٍ فيه، ثم تُبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها، أو
أزيد منها، فمن جوز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها، ولا قدرها حقَّ قدرها.
♦ تصرف كثير من أسباب الشر
بالتوكل والدعاء والصدقة، والذكر والاستغفار، والعتق والصلة.
♦ الكاذب من أمهن الناس
وأجبنهم وأكثرهم تلونًا وأقلهم ثباتًا.
♦ ما مثل من وقف مع
الظواهر والألفاظ ولم يراعِ المقاصد والمعاني، إلا كمثل رجلٍ قيل له: لا تسلِّم
على صاحب بدعه، فقبَّل يده ورجله، ولم يسلِّم عليه.
♦ من المستحيل أن يشرع
الله ورسوله من الحيل ما يسقط به ما أوجبه، أو يبيح ما حرمه ولعن فاعله، وآذنه
بحربه وحرب رسوله، وشدَّد فيه الوعيد، لما تضمنه من المفسدة في الدنيا والدين. ثم
بعد ذلك يسوغ التحيل عليه بأدنى حيلة.
♦ قد جرت عادة الله التي
لا تبدل وسنته التي لا تحول أن يُلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب
الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويُلبس المرائي
اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة
والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء.
♦ الناس بزمانهم أشبه منهم
بآبائهم، ولكل زمان دولة ورجال.
ــــ(92)
♦ كلما قرُب القلب من الله
زالت عنه معارضات السوء، وكان نور كشفه للحقِّ، أتمَّ وأقوى، وكلما بعد من الله
كثُرت عليه المعارضات، وضعُف نورُ كشفه للصواب، فإن العلم نور يقذفه الله في
القلب، يفرق به العبد بين الخطأ والصواب.
♦ كم من باطل يُخرجه الرجل
بحُسن لفظة وتنميقه وإبرازه في صورة حقٍّ، وكم من حقٍّ يُخرجه بتهجينه وسوء تعبيره
في صورة باطل، ومن له أدنى فطنة وخبرة لا يخفى عليه ذلك، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر
جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم، فالغِرُّ ينظر إلى ظاهرها، ويقضى بجوازه، وذو
البصيرة ينفد مقصدها وباطنها.
ــــ(93)
كتاب
الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة
من الكتب المهمة للعلامة ابن القيم رحمه الله كتابه الموسوم بـ"الصواعق
المرسلة على الجهمية والمعطلة"،
وهو بحق يعتبر كالصواعق التي تُرسل عليهم، فأجزل الله له المثوبة، ورحمه رحمةً
واسعة.
والكتاب فيه فوائد متنوعة ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله، اجتهدت
فاخترتُ شيئًا منها، أسأل الله الكريم أن ينفع بها، ويبارك فيها.
ــــ(94)
الذين يعارضون الرسل بعقولهم بسبب جهلهم وضلالهم المركب والبسيط:
إذا علم الإنسان بعقله أن... الرسول... أخبر بشيء ووجد في عقله ما
ينافي خبره، كان الواجب عليه أن يسلم لما أخبر به الصادق الذي هو أعلم منه، وينقاد
له، ويتهم عقله، ويعلم أن عقله بالنسبة إليه أقل من عقل أجهل الخلق بالنسبة إليه
هو... فيا لله العجب، إذا كان عقله يوجب عليه أن ينقاد لطبيب... فيما يخبر به من
قوى الأدوية والأغذية والأشربة... وصفاتها وكمياتها ودرجاتها... لظنه أنه... أعلم
بهذا الشأن منه، وأنه إذا صدقه كان في تصديقه حصول الشفاء والعافية، مع علمه بأنه
يخطئ كثيرًا، وأن كثيرًا من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب، بل يكون استعماله لما
يصفه سببًا من أسباب هلاكه... وكيف لا يسلك هذا المسلك مع الرسل صلوات الله
وسلامهم عليه؟... والذين عارضوا أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال المركب
والبسيط ما لا يحصيه إلا من هو بكل شيء محيط.
علم الصحابة رضي الله عنهم:
كان الصحابة أعلم الأمة على الإطلاق، وبينهم وبين مَن بعدهم في العلم
واليقين كما بينهم وبينهم في الفضل والدين، ولهذا كان ما فهمه الصحابة من القرآن
أولى أن يُصار إليه مما فهمه من بعدهم، فانضاف حسن قصدهم إلى حسن فهمهم، فلم
يختلفوا في التأويل في باب معرفة الله وصفاته وأسمائه وأفعاله واليوم الآخر، ولا
يُحفظ عنهم في ذلك خلاف لا مشهور ولا شاذ.
فكانت نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلَّ في صدورهم وأعظم في
قلوبهم من أن يعارضوها بقول أحد من الناس كائنًا من كان، ولا يثبت قدم الإيمان إلا
على ذلك.
ــــ(95)
الاختلاف الذي لا يضر:
وقوع الخلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه؛ لتفاوت إرادتهم وأفهامهم
وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغيُ بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف
على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله -
لم يضرَّ ذلك الاختلاف، فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان
الأصل واحدًا، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف،
وإن وقع كان اختلافًا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة، فإن الأصل الذي بنوا
عليه هو كتاب الله وسنة ورسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد
وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول ورأي وقياس، وذوق، وسياسة.
العلم المزكِّي للنفوس:
فليس العلم في الحقيقة إلا ما أخبرت به الرسل عن الله عز وجل طلبًا
وخبرًا، فهو العلم المزكي للنفوس، المكمل للفطر، المصحح للعقول، الذي خصه الله
باسم العلم... وشهد لأهله أنهم أولو العلم؛ فقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى
يَوْمِ الْبَعْثِ ﴾
[الروم: 56]، وقال: ﴿ شَهِدَ
اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران:18] والمراد
أولو العلم بما أنزله على رسله ليس إلا، وليس المراد أولو العلم بالمنطق والفلسفة
وفروعهما.
وقال تعالى: ﴿ وَلَا
تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ
زِدْنِي عِلْمًا ﴾
[طه: 114]، فالعلم الذي أمره باستزادته هو علم الوحي، لا علم الكلام والفلسفة
والمنطق.
ــــ(96)
فساد القلب واللسان والعقل:
كل شيء عُصي الرب سبحانه به، فإنه يُفسده على صاحبه، فمن عصاه بماله
أفسده عليه، ومن عصاه بجاهه أفسده عليه، ومن عصاه بلسانه أو قلبه أو عضو من أعضائه
أفسده عليه، وإن لم يشعر بفساده، فأي فساد أعظم من فساد قلب خربٍ من محبة الله،
وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والإنس به، والفرح
بالإقبال عليه؟ وهل هذا القلب إلا قلب قد استحكم فساده، والمصاب لا يشعر؟ وأي فساد
أعظم من فساد لسان تعطل عن ذكره وما جاء به، وتلاوة كلامه، ونصيحة عباده وإرشادهم،
ودعوتهم إلى الله؟ وأي فساد أعظم من فساد جوارح تعطلت عن عبودية فاطرها وخالقها
وخدمته، والمبادرة إلى مرضاته؟
وبالجملة فما عُصي الله بشيء إلا أفسده على صاحبه، ومن أعظم معصية
العقل إعراضه عن كتابه ووحيه الذي هدى به رسوله وأتباعه، والمعارضة بينه وبين كلام
غيره، فأي فساد أعظم من فساد هذا العقل؟
تيسير الله عز وجل كتابه للذكر:
لا تجد كلامًا أحسن تفسيرًا، ولا أتم بيانًا من كلام الله سبحانه؛
ولهذا سماه سبحانه (بيانًا)، وأخبر أنه يسَّره للذكر، وتيسيره للذكر يتضمَّن
أنواعًا من التيسير:
إحداها: تيسير
ألفاظه للحفظ.
الثاني: تيسير
معانيه للفَهم.
الثالث: تيسير
أوامره ونواهيه للامتثال.
ــــ(97)
القرآن الكريم نور البصائر من عماها وجلاء القلوب من صداها
كتاب لم ينزل من السماء كتابٌ أهدى منه، خضعت له الرقاب، وسجدت له
عقول ذوي الألباب، وشهدت العقول والفِطَرُ بأن مثله ليس من كلام البشر، وأن فضله
على كل كلام كفضل المتكلم به على الأنام، وأنه نور البصائر من عماها، وجلاء القلوب
من صداها، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها، فهو حياتها الذي به حباها، ونورها الذي
انقشعت به عنها ظلماؤها، وغذاؤها الذي به قوام قوتها، ودواؤها الذي حفظ به صحتها،
وهو البرهان الذي زاد على برهان الشمس ضياء ونورًا، فلوِ ﴿...
اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ
لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88].
فوائد متفرقة:
♦ كلما كان الرجل عن
الرسول أبعد، كان عقله أقل وأفسد، فأكمل الناس عقولًا أتباع الرسل، وأفسدهم عقولًا
المعرض عنهم وعما جاؤوا به، ولهذا كان أهل السنة والحديث أعقل الأمة، وهم في
الطوائف كالصحابة في الناس.
♦ تسمية كفار قريش لرسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصَّبَأة، صار هذا ميراثًا منهم لكل مبطل وملحد
ومبتدع، يلقب الحق وأهله بالألقاب الشنيعة المنفرة.
♦ من أراد ترويج باطل،
فإنه لا يتم له ذلك إلا بتمويهه وزخرفته وإلقائه إلى جاهل بحقيقته.
ــــ(98)
الفهرس
الموضوع
|
الصفحة
|
المقدمة
|
3
|
كتاب تهذيب سنن أبي
داود
|
5
|
سر من أسرار التوحيد
|
5
|
سر افتتاح الصلاة بلفظ "الله أكبر "
|
5
|
مواضيع يتمنى العلامة ابن القيم أن يصنف فيها
إن مدَّ الله في عمره
|
5
|
حسن الخلق مع الناس يقوم على أركان خمسة
|
6
|
فوائد متفرقة
|
6
|
قواعد عظيمة اشتملت عليها كلمات التلبية
|
7
|
كتاب المنار المنيف في الصحيح والضعيف
|
8
|
لا يلزم من كثرة الثواب العمل أن يكون أحب إلى
الله من العمل الذي أقل منه
|
8
|
قبول الأعمال ثلاثة أنواع
|
9
|
الأعمال تتفاضل بما في القلوب وبمتابعة الرسول
وكون العمل أحب إلى الله
|
9
|
الأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة
|
9
|
كتاب الكافية الشافعية في الانتصار للفرقة
الناجية
|
10
|
مفارقة أهل الأهواء والبدع في الدنيا أسهل من
مرافقتهم في الآخرة.
|
10
|
ــــ(99)
حاجة الأرواح الشديدة إلى معرفة خالقها
وفاطرها ومحبته وذكره
|
10
|
كتاب رفع اليدين في الصلاة
|
11
|
تلقى السنة بالسمع والطاعة، وعدم ردها بدعوى
عدم ظهور الحكمة
|
11
|
فوائد متفرقة
|
11
|
كتاب أحكام أهل الذمة
|
12
|
حضور أعياد الكفار
|
12
|
كتاب إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان
|
13
|
الغضب
|
13
|
كتاب الطرُق الحكمية في السياسة الشرعية
|
15
|
منزلة السنة مع كتاب الله تعالى
|
15
|
كتاب جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام
على خير الأنام صلى الله عليه وسلم
|
16
|
تفسير قول أُبي بن كعب رضي الله عنه: أجعل لك
صلاتي كلها
|
16
|
مواضيع يتمنى العلامة ابن القيم أن يصنف فيها
إن مدَّ الله في عمره
|
16
|
فوائد متفرقة
|
17
|
كتاب هداية الحيارى في أجوبة اليهود
والنصارى
|
18
|
تحريف التوراة والإنجيل
|
18
|
أسباب عدم قبول الحق
|
18
|
فوائد متفرقة
|
19
|
ــــ(100)
كتاب الصلاة
|
20
|
ترك الصلاة من أعظم الذنوب
|
21
|
من خلَت قلوبهم من محبة الله، فالصلاة كبيرة
عليهم
|
21
|
المصلون في الناس قليل
|
22
|
تفقُّه المصلي في معاني الأسماء والصفات
|
22
|
السجود سر الصلاة وركنها الأعظم
|
23
|
إذا فرغ المصلي من صلاته
|
24
|
فوائد متفرقة
|
25
|
كتاب تحفة المودود بأحكام المولود
|
26
|
فوائد تتعلق بالمولود
|
26
|
تسلية من رُزق بالبنات
|
26
|
سرُّ التأذين في أذن المولود
|
26
|
تسمية المولود بأحسن الأسماء؛ فإن للأسماء
تأثيرًا في مسمياتها
|
27
|
سنية العقيقة وفوائدها وأنها أفضل من التصدق
بثمنها ولو زاد
|
28
|
فوائد في تربية الأبناء
|
29
|
تأديب الأولاد وتعليمهم
|
29
|
العدل بينهم في العطاء والمنع
|
30
|
ملاحظة ما هم مهيأون له من أعمال واستثمار ذلك
|
31
|
عدم تمكينهم من كثرة الطعام والشراب
|
31
|
ــــ(101)
فوائد متفرقة
|
32
|
القزع حكمه وأنواعه
|
32
|
القزع أربعة أنواع
|
32
|
القزع ظلم للرأس
|
32
|
الشريعة فاضلت بين الذكر والأنثى
|
32
|
حفظ اللسان فالبلاء موكل بالقول
|
32
|
أخذ ما جاوز الحد من الشعر وما طال من الأظفار
فإن الشيطان يختبئ تحت ذلك
|
33
|
النعيم والعذاب في البرزخ
|
33
|
رسالة ابن القيم إلى
أحد إخوانه
|
34
|
الفرح والسرور، وطيب العيش، والنعيم، إنما هو
في معرفة الله وتوحيده
|
34
|
الحذر من مخالطة من تُضيع مخالطته الوقت،
وتفسد القلب
|
34
|
العبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظةٍ ونفسٍ
|
35
|
مقايسة العاقل بين اللذة المنغصة المنكدة،
وبين اللذة التي لا تزول ولا تنقطع
|
36
|
من ائتمَّ بأهل السنة قبله ائتمَّ به مَن بعده
ومن معه
|
36
|
ستة أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح
حاله إلا باستكمالها
|
37
|
الصلاة التي تَقَرُّ بها العين ويستريح بها
القلب
|
37
|
أكثر الخلق ممن غفلت قلوبهم عن ذكر الله
|
38
|
ــــ(102)
كتاب التبيان في أيمان القرآن
|
39
|
اقتران اسم "الودود"
بـ"الرحيم" وبـ"الغفور"
|
39
|
النفس اللوامة
|
40
|
النفس المعطية
|
40
|
المتقي ميسر عليه أمور دنياه وآخرته
|
40
|
لطيفة في التعبير عن الأعمال بالسرِّ
|
41
|
انتشار الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل
والأرواح الإنسانية عند إقبال النهار
|
41
|
جمال الظاهر وجمال الباطن
|
41
|
النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا
يتقون
|
42
|
حكمة الشريعة في تحريم الأغذية الخبيثة
|
42
|
قلم الرد على المبطلين
|
42
|
الرياح من أعظم آيات الرب الدالة على عظمته
وربوبيته وقدرته
|
43
|
خطورة اللسان
|
43
|
الغذاء الإيماني
|
44
|
حقيقة اليسرى
|
44
|
صرف القوى الموجودة في الإنسان فيما ينفعه في
دينه ودنياه
|
45
|
حال القلب مع الملك والشيطان
|
46
|
العين مرآة للقلب
|
46
|
ــــ(103)
جماع الطرق التي يصاب منها القلب وجنوده
|
47
|
النجاة في الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا
يتقون
|
47
|
دفع مبادئ الداء أسهل بكثير من طلب الدواء
|
48
|
الخلق والغفلة
|
49
|
فوائد متفرقة
|
50
|
كتاب
اجتماع الجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية
|
51
|
حال من كان مستوحشًا مع الله، ومن كان قرير
العين به
|
51
|
القلب الحي والقلب الميت
|
52
|
الخارجون عن طاعة الرسل عليهم السلام يتقلبون
في عشر ظلمات:
|
52
|
الظلمة نوعان
|
52
|
الناس قسمان: أهل الهدى والبصائر، وأهل الجهل
والظلم
|
53
|
فهم المعاد وتفاوت الناس في أحواله
|
55
|
الرسالة التبوكية
|
57
|
الهجرة إلى الله ورسوله
|
58
|
وجوب الانقياد والتسليم لحكم الرسول في جميع
مسائل النزاع
|
59
|
أولى الأمر هم العلماء والأمراء
|
60
|
طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سبب
السعادة عاجلًا وآجلًا
|
61
|
الشرور العامة والشر والألم والغم الذي يصيب
العبد بسبب مخالفة الرسول
|
61
|
ــــ(104)
أقسام الخلائق بالنسبة لدعوة النبي عليه
الصلاة والسلام وما بعثه الله به من الهدى
|
62
|
من أعظم التعاون على البر والتقوى التعاون على
سفر الهجرة إلى الله ورسوله
|
64
|
زاد هذا السفر وطريقه ومركبه
|
64
|
فوائد متفرقة
|
65
|
كتاب الفروسية المحمدية
|
66
|
الفروسية: فروسية العلم والبيان، وفروسية
الرمي والطعان
|
66
|
المناظرة في العلم: للتمرين والتدرب، ولنصر
الحق وكسر الباطل
|
66
|
شجاعة الصديق رضي الله عنه
|
67
|
مراتب الشجاعة والشجعان
|
67
|
مظاهر الشجاعة
|
68
|
من يصلح لتدبير الجيش
|
68
|
الرجال ثلاثة
|
68
|
أمور ما اجتمعت في فئة قط إلا نُصرت وإن قلت
وكثر عدوها
|
69
|
اللعب بالنرد والشطرنج
|
70
|
فوائد متفرقة
|
71
|
كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر
والحكمة والتعليل
|
72
|
حكم ومنافع الطهارة والوضوء
|
73
|
ــــ(105)
الجزاء من جنس العمل
|
73
|
من توفيق الله لعبده أن يستخير قبل وقوع
المقدور ويرضى بعد وقوعه
|
74
|
تلاوة القرآن ربيع للقلوب وشفاء للصدور ونور
للبصائر وحياة للأرواح
|
74
|
النعم فتنة
|
75
|
اللذة والألم
|
75
|
من وافق الناس على ما يريدون ليتخلص من أذاهم
أصابته الآلام والمشقة
|
76
|
دواء لإزالة الهموم والغموم والأحزان
|
77
|
فوائد متفرقة
|
78
|
كتاب أعلام الموقعين
عن رب العالمين
|
79
|
السعادة في العلم النافع والعمل الصالح
|
79
|
التنازع في بعض مسائل الإحكام
|
79
|
الحذر من تقديم الآراء والعقول على سنة الرسول
عليه الصلاة والسلام
|
80
|
شكر النعم المستمرة والمتجددة
|
80
|
درجات إنكار المنكر
|
80
|
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
|
81
|
صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله على
العبد
|
81
|
من صفات من يقوم بالتبليغ والفتيا
|
82
|
الردُّ في كل تنازعٍ في مسائل الدين إلى كتاب
الله وسنة رسوله
|
82
|
الكذب له تأثير عجيب في سواد الوجه
|
83
|
ــــ(106)
تثبيت الله لعبده منحة كبيرة وكنز عظيم
|
83
|
التحذير من الاختلاف
|
84
|
باب سد الذرائع
|
85
|
تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص
|
85
|
العلة في النهي أن يقول الإنسان: لو أني فعلت
لكان كذا وكذا
|
85
|
الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
وترك كل ما خالفه
|
86
|
الإنصاف أفضل حلية تحلَّى بها الرجل
|
86
|
الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح
العباد في المعاش والمعاد
|
87
|
الحذر من المكر والخداع والاحتيال
|
88
|
العلة في عدم التحدث بالرؤيا التي يكرهها
الإنسان
|
88
|
العلم والحلم
|
89
|
السكينة
|
89
|
أصناف المتأولين
|
90
|
من أقوى أساب الإصابة في الفتوى دعاء المفتي
عند الإفتاء
|
90
|
الخروج على الملوك والولاة أساس كل شر وفتنة
إلى آخر الدهر
|
91
|
فوائد متفرقة
|
92
|
كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة
|
94
|
الذين يعارضون الرسل بعقولهم بسبب جهلهم
وضلالهم المركب والبسيط
|
95
|
ــــ(107)
علم الصحابة رضي الله عنهم
|
95
|
الاختلاف الذي لا يضر
|
96
|
العلم المزكِّي للنفوس
|
96
|
فساد القلب واللسان والعقل
|
97
|
تيسير الله عز وجل كتابه للذكر
|
97
|
القرآن الكريم نور البصائر من عماها وجلاء
القلوب من صداها
|
98
|
فوائد متفرقة
|
98
|
الفهرس
|
99
|
ــــ(108)

ليست هناك تعليقات