عرض وتلخيص لكتاب : الصوفية .. نشأتها وتطورها تأليف : د. محمد العبْده , أ/ طارق عبد الحليم نشر : دار الارقم يالكويت عرض وتلخيص : يحيي ...
عرض وتلخيص لكتاب : الصوفية .. نشأتها وتطورها
تأليف : د. محمد العبْده , أ/ طارق عبد الحليم
نشر : دار الارقم يالكويت
عرض وتلخيص : يحيي البوليني
لم يشأ الكاتبان الكريمان أن يكون كتابهما استقصاء لكل ما كتب عن الصوفية أو كل ما كتب الصوفية أو كل ما كتب الصوفية عن أنفسهم بل قصدا أن يعطيا فكرة مركزة موجزة عن الصوفية لأناس ينشدون الحق وتحصيله لا للغارقين في التصوف الذين قال السلف عنهم : "إن صاحب البدعة قل أن يرجع عنها " , وقصدا بالصوفية أصحاب المعنى الاصطلاحي لها الذين ابتعدوا عن المنهج الإسلامي الصحيح وانتهوا إلى أمور خطيرة مثل الإتحاد والحلول لا هؤلاء الذين لا يعرفون عن الصوفية إلا ترقيق القلوب والزهد في الدنيا وهو مالا ينطبق عليه مصطلح الصوفية لذا فهم مخطئون في تسمية هذه المفاهيم الإسلامية باسم الصوفية فأولى بهم ترك هذه الشبهات والتخلص من هذا الوصف المنزلق .
لذا لم يعتبر الكاتبان أن أعلام الزهاد والعبادة كالحسن البصري ومن قبله وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأمثالهم داخلين في الصوفية بهذا المعنى , فإدخال الصوفية لهؤلاء الأعلام كأئمة لهم نوع من التدليس كما فعل الشيعة تماما مع جعفر الصادق الذي جعلوه إماما لعقيدتهم الباطلة وهو بريء منها وهو من أئمة أهل السنة.
ولفت الكاتبان النظر إلى أن الصوفية يجب وأن تعامل على إنها فرقة من الفرق لا على إنها من أهل السنة كما ذكر غير واحد من أهل العلم ومنهم الرازي في كتابه (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) وعباس بن منصور الحنبلي في كتابه ( البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ) وحذر منهم الكثير من ائمة أهل العلم ومنهم ابن عقيل الذي نقل ابن الجوزي عنه في تلبيس إبليس قوله : " ما على الشريعة أضرمن المتكلمين والمتصوفين " .
وقسم الكاتبان كتابهما بعد هذه المقدمة إلى ثلاثة فصول وخاتمة
الفصل الأول : تطور الصوفية
عادة ما كانت الصوفية في التاريخ الإسلامي فرقة هلامية ليس لها شكل محدد مما يصعب دوما مهمة الباحث في أطوار الصوفية ويجعل من الصعوبة بمكان التحديد الدقيق لمراحلها المختلفة ولكن لها بعض المعالم الرئيسية التي تصلح أن يعتبرها الباحث مرحلة من المراحل , وكانت كما رجح الباحثان ثلاثة مراحل هامة وهي :
- مرحلة ظهور أوائل الصوفية الذين بدأ معهم التفرق
- مرحلة المصطلحات التي استقلت بها الفرقة
- مرحلة ظهور فكرة وحدة الوجود وتداخلها في فكر الصوفية مع امتزاجها بالفلسفة الغنوصية اليونانية .
وجاءت النقلة بين الزهد المشروع وبين التصوف بعد دعوة مالك بن دينار رحمة الله إلى أمور لم يدع لها الزهاد السابقون ومنها – مثالا - ترك الزواج للتفرغ للعبادة , فكان يقول: " لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب "
وبعد ظهور بعض المصطلحات الأخرى على لسان عبد الواحد بن زيد ورابعة العدوية وبعد استحداث كلمة العشق للتعبير عن المحبة بين العبد والرب وترديدهم لأحاديث باطلة في ذلك وظهور الكلام حول العبادة لا طمعاً في الجنة ولا خوفاً من النار وغير ذلك من المفاهيم التي تعتبر من الغلو المنهي عنه وهذا ما أكده ابن تيمية بقوله " في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء الرأي والكلام والتصوف " إلى أن تم بناء دار صغيرة للصوفية التي بناها أحمد بن علي الهجيمي – ت سنة 200 هـ - كانت الدار الأولى غير المسجد التي تبنى للعبادة والتي تطورت فيما بعد للخلوات والزوايا التي انتشرت في العالم الإسلامي كله
وثمة ملاحظة أيضا هامة يذكرها الكاتبان وهي أن هذه المراحل لم تكن منفصلة ولا محددة بزمن معين تبدأ وتنتهي بوضوح لكن كل مرحلة كانت تسلم إلى التي تليها , فكان الغالب في بدايات التصوف عدم الغلو ثم اشتد الغلو والانحراف والتباعد عن المنهج الإسلامي شيئا فشيئا حتى بلغ التصوف قمة الانحراف في القرن السابع على يد ابن عربي وابن الفارض وغيرهما .
المرحلة الأولى : مرحلة ظهور أوائل الصوفية
بدا أوائل الصوفية طريقهم برياضات نفسية ومجاهدات للطباع وكسر لشهوات النفوس وتعذيب للجسد – في مخالفة لمنهج الإسلام - ويدعون أن هذا هو طريق الوصول لصفاء الروح , واستحدثوا السماع لقصائد الغزل ويقولون يقصدون بالمتغزل به الرسول صلى الله عليه وسلم مستعملين في ذلك الألحان المطربة وينتشون بسماعها ويتمايلون , وبدأ الكلام في هذه الفترة عن تمايز للقوم عن الناس فكثرت كلمات في أدبياتهم لتلك الفترة مثل "طريقتنا ومذهبنا وعلمنا وغير ذلك " وكثرت مؤلفاتهم التي جمعت أخبار الزهد والزهاد وخلطت الصحيح بالسقيم .
ورغم كل هذا إلا أن حسن الظن بأهل هذه الطبقة من الصوفية أنهم صادقون في زهدهم وابتعادهم عن الدنيا مع تشدد لم يأمر به الشرع بل الشرع ينهى عن كثير مما فعلوه مع التسليم بوجود أعداء للإسلام في كل عصر ومكان رأوا في ظهور هذه الأفكار بيئة مناسبة لزرع أفكار أخرى هادمة للدين ومخرجة منه , وهذا ما سيحدث في المراحل التالية .
المرحلة الثانية : مرحلة ظهور المصطلحات الغامضة
في نهاية القرن الثالث الهجري ظهرت في الصوفية مشكلة المصطلحات الغامضة المبهمة التي يختلف تفسيرها بحال قارئها فالمبتدئ يفهمها بمعنى بريء بينما المريد والعارف قد يقصدان بها معان مختلفة ليس لها من البراءة نصيب , فظهرت مصطلحات الفناء والبقاء والصحو والمحو والتجريد والتفريد والحال والمقام والعطش والدهش وجمع الجمع وغير ذلك الكثير .
- فعلى سبيل المثال مصطلح الفناء فله عدة معان أخطرها كفري واقلها منهي عنه , فأخطرها " الفناء عن وجود السوي" وهو أن كل الموجودات في الكون هي الله سبحانه وهذه عقيدة وحدة الوجود الكفرية , وثانيها الفناء عن الخلق التي يقع صاحبها في غيبوبة بحيث يتوهم أنه أصبح هو والإله شيئا واحدا وهي عقيدة الحلول والاتحاد الكفرية أيضا , والثالثة " الفناء عن إرادة السوى " وهي فناء النفس عن التشاغل بما سوى الله , وقد أمرنا الله بالنظر إلى المخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها فقال سبحانه " قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ " , والحقيقة أن فكرة الفناء بمعناها الصوفي هي بعينها عقيدة النرفانا المنقولة من الديانة البوذية .
الفصل الثاني : البدع العلمية للصوفية
ابتدع الصوفية بدعا لم يسمع بها أهل الإسلام واعتقدوها اعتقادا جازما وصنفوا الناس من خلالها واعتبروا أنفسهم خواص أهل الإسلام وان من دونهم هم العوام ومنها :
- تقسيمهم للدين إلى شريعة وحقيقة , فالشريعة في نظرهم هي علم الظاهر وهي الأحكام التكليفية المستقاة من أدلتها الشرعية وهي مهمة الفقهاء الذين لا يزيدون في نظرهم عن عوام الناس أما الحقيقة فهي ما وراء هذه الأحكام من إشارات وأسرار خفية لا يدركها إلا خواص الناس وهم الصوفية , وهم لا يحتاجون فيها إلى المصادر الشريعة فمصادرهم مصادر أخرى مثل الكشف والإلهام والرؤى والخواطر وادعاء الالتقاء بالخضر عليه السلام أو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم مناما أو يقظة كما يدعون والأخذ عنه مباشرة , وبهذا ظهر أيضا تفسير جديد للقرآن الكريم وسمي بالتفسير الإشاري الذين يؤلون فيه معان كثيرة في القرآن تأويلا باطنيا بعيد كل البعد عن التفسير الذي تعلمه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم .
- إطلاق فكرة الحقيقة المحمدية : وهي من الغلو المذموم في النبي صلى الله عليه وسلم فأضفوا عليه صفات الربوبية تأثرا بالنصارى الذين أضفوا على عيسى عليه السلام صفات الربوبية
- إطلاق فكرة وحدة الأديان : وهذه ناتجة عن فكرة وحدة الوجود الكفرية التي تقول أن كل شئ في الكون من مخلوقات إنما هي صور لله سبحانه , وبالتالي في زعمهم أنه من عبد بقرة فلا يكفر لأنه لم يعبد غير الله في صورة البقرة – حاش لله - ومن عبد صنما فلم يكفر لأنه ما عبد سوى الله في صورة الصنم , ولهذا فلا كافر على الأرض وكل الخلق سيدخلون الجنة وان عذاب جهنم المذكور في القرآن هو من العذوبة لا من التعذيب .
- تلاعبهم في فكرة الأولياء والكرامات : فضيقوا ما وسعه الله في قوله سبحانه " الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " الذي جاء في وصف أولياء الله فحصروهم في مشايخهم وسموهم بالأولياء واعتقدوا فيهم بالعصمة من المعاصي والمخالفات وسموها بالحفظ , أما بالنسبة للكرامات التي يهبها الله عز وجل لبعض من عباده المؤمنين بغير تكلف ولا طلب فقد جعلوها دليل الولاية للولي , فتلاعب بهم الجن والشياطين وجعلوا ظهور الأمر الخارق للعادة حتى على يد فاسد ظاهر الفساد دليل ولاية .
- إدخالهم فكرة الأقطاب والأوتاد والأبدال لأهل الإسلام : فالقطبانية هي الخلافة عن الحق مطلقاً , فلا يصل إلى الخلق شيء من الله إلا بحكم القطب !! , والأوتاد أربع رجال يحرسون العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا , والأبدال سبعة من يسافر منهم من موضع يترك جسدا على صورته يحيا بحياته !!
- إدخالهم في سير شيوخهم ضروبا من المستحيلات العقلية والشرعية ويسمونها بالكرامات وينقلون عن شيوخهم الكلمات والمواقف المخزية فان ناقشهم فيها احد قالوا بمصطلح غريب عن الإسلام وهو الشطح ويعتبرون ان مجرد وصف هراء أصحابهم وشيوخهم هذا بالشطحات يعفيهم من أي مسئولية عنها ويلزمون من يناقشهم بالصمت والتسليم .
الفصل الثالث : البدع العمليَة للصوفية .
إلى جانب البدع النظرية والاعتقادية التي اعتقدها الصوفية إلا أنهم أضافوا إليها بدعا عملية أخرى لا تقل خطورة عنا وهي :
- التربية المذلة لأتباعهم وتظهر آثارها في قواعدهم في تعامل المريد مع شيخه مثل " - كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل , لا تعترض فتنطرد , من قال لشيخه لِمَ ؟ لا يفلح , من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان " فظهر الغلو الشديد في المشايخ .
- إعراضهم عن علم الحديث وتسميته بعلم الورق وفضلوا عليه علمهم الذي سموه بعلم الخرق فكثرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبهم مثل إحياء الغزالي ورسالة القشيري وحقائق التفسير للسلمي
- كثر فيهم البطالة والانحِلاَل , فكانوا لا يعلمون أي عمل دنيوي يتكسبون منه بل صاروا أعباء على الأمة منقطعين في التكايا والزوايا فأهدروا الجهود وعطلوا إمكانيات الأمة بدعوى الذكر والمجاهدة , وعاشوا حياة يختلط فيها الرجال بالنساء وصاروا اقرب إلى الانحلال الخلقي والإباحية الجنسية من زنا ولواط .
- الحرص الشديد على إقامة حفلات السماع واللهو بالدف والعود والمغنيات ذوات الحسن ويكثر التمايل والتراقص والطرب واللغو .
- ترك الجهاد فلم يذكر أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين الذي كتب في فترة تغلب الصليبين على بلاد الشام شيئا عن فضل الجهاد وما حرك الأمة له بتمسكهم بتقسيم للجهاد بحديث ضعيف إلى قسمين الأصغر وهو قتال الأعداء والأكبر وهو جهاد النفس ولهذا اعتنى كل محتل لبلاد الإسلام بالصوفية لشغل الناس عن الجهاد بالحث على الانشغال بالنفس دون الانشغال بجهاد العدو .
واختتم الكاتبان بحديث عن صوفية اليوم الذين لم يختلفوا عن سابقيهم ففيهم عوامهم الذين لا يعرفون عن الصوفية سوى الذكر والزهد ومنهم أصحاب العقائد الفاسدة وذوي الخرافات غير المعقولة ولهذا أحسن الكاتبان استخلاص ربط بين عمل الاستشراق لاستخراج كل كتب الصوفية والعناية بها وتحقيقها ونشرها وترجمتها لعدة لغات
وهذا الكتاب القيم الذي جاء مختصرا في صفحاته غنيا في موضوعاته وتناوله والذي يضع قدما راسخة واعية لكل طالب علم ولكل باحث عن حقيقة الصوفية وخطرها على العقيدة الإسلامية ودورها البارز في إفساد المجتمعات الإسلامية , فجزى الله كاتبي الكتاب وجعله في صالح ميزانيهما .
للتحميل
تأليف : د. محمد العبْده , أ/ طارق عبد الحليم
نشر : دار الارقم يالكويت
عرض وتلخيص : يحيي البوليني
لم يشأ الكاتبان الكريمان أن يكون كتابهما استقصاء لكل ما كتب عن الصوفية أو كل ما كتب الصوفية أو كل ما كتب الصوفية عن أنفسهم بل قصدا أن يعطيا فكرة مركزة موجزة عن الصوفية لأناس ينشدون الحق وتحصيله لا للغارقين في التصوف الذين قال السلف عنهم : "إن صاحب البدعة قل أن يرجع عنها " , وقصدا بالصوفية أصحاب المعنى الاصطلاحي لها الذين ابتعدوا عن المنهج الإسلامي الصحيح وانتهوا إلى أمور خطيرة مثل الإتحاد والحلول لا هؤلاء الذين لا يعرفون عن الصوفية إلا ترقيق القلوب والزهد في الدنيا وهو مالا ينطبق عليه مصطلح الصوفية لذا فهم مخطئون في تسمية هذه المفاهيم الإسلامية باسم الصوفية فأولى بهم ترك هذه الشبهات والتخلص من هذا الوصف المنزلق .
لذا لم يعتبر الكاتبان أن أعلام الزهاد والعبادة كالحسن البصري ومن قبله وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأمثالهم داخلين في الصوفية بهذا المعنى , فإدخال الصوفية لهؤلاء الأعلام كأئمة لهم نوع من التدليس كما فعل الشيعة تماما مع جعفر الصادق الذي جعلوه إماما لعقيدتهم الباطلة وهو بريء منها وهو من أئمة أهل السنة.
ولفت الكاتبان النظر إلى أن الصوفية يجب وأن تعامل على إنها فرقة من الفرق لا على إنها من أهل السنة كما ذكر غير واحد من أهل العلم ومنهم الرازي في كتابه (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ) وعباس بن منصور الحنبلي في كتابه ( البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ) وحذر منهم الكثير من ائمة أهل العلم ومنهم ابن عقيل الذي نقل ابن الجوزي عنه في تلبيس إبليس قوله : " ما على الشريعة أضرمن المتكلمين والمتصوفين " .
وقسم الكاتبان كتابهما بعد هذه المقدمة إلى ثلاثة فصول وخاتمة
الفصل الأول : تطور الصوفية
عادة ما كانت الصوفية في التاريخ الإسلامي فرقة هلامية ليس لها شكل محدد مما يصعب دوما مهمة الباحث في أطوار الصوفية ويجعل من الصعوبة بمكان التحديد الدقيق لمراحلها المختلفة ولكن لها بعض المعالم الرئيسية التي تصلح أن يعتبرها الباحث مرحلة من المراحل , وكانت كما رجح الباحثان ثلاثة مراحل هامة وهي :
- مرحلة ظهور أوائل الصوفية الذين بدأ معهم التفرق
- مرحلة المصطلحات التي استقلت بها الفرقة
- مرحلة ظهور فكرة وحدة الوجود وتداخلها في فكر الصوفية مع امتزاجها بالفلسفة الغنوصية اليونانية .
وجاءت النقلة بين الزهد المشروع وبين التصوف بعد دعوة مالك بن دينار رحمة الله إلى أمور لم يدع لها الزهاد السابقون ومنها – مثالا - ترك الزواج للتفرغ للعبادة , فكان يقول: " لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويأوي إلى مزابل الكلاب "
وبعد ظهور بعض المصطلحات الأخرى على لسان عبد الواحد بن زيد ورابعة العدوية وبعد استحداث كلمة العشق للتعبير عن المحبة بين العبد والرب وترديدهم لأحاديث باطلة في ذلك وظهور الكلام حول العبادة لا طمعاً في الجنة ولا خوفاً من النار وغير ذلك من المفاهيم التي تعتبر من الغلو المنهي عنه وهذا ما أكده ابن تيمية بقوله " في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء الرأي والكلام والتصوف " إلى أن تم بناء دار صغيرة للصوفية التي بناها أحمد بن علي الهجيمي – ت سنة 200 هـ - كانت الدار الأولى غير المسجد التي تبنى للعبادة والتي تطورت فيما بعد للخلوات والزوايا التي انتشرت في العالم الإسلامي كله
وثمة ملاحظة أيضا هامة يذكرها الكاتبان وهي أن هذه المراحل لم تكن منفصلة ولا محددة بزمن معين تبدأ وتنتهي بوضوح لكن كل مرحلة كانت تسلم إلى التي تليها , فكان الغالب في بدايات التصوف عدم الغلو ثم اشتد الغلو والانحراف والتباعد عن المنهج الإسلامي شيئا فشيئا حتى بلغ التصوف قمة الانحراف في القرن السابع على يد ابن عربي وابن الفارض وغيرهما .
المرحلة الأولى : مرحلة ظهور أوائل الصوفية
بدا أوائل الصوفية طريقهم برياضات نفسية ومجاهدات للطباع وكسر لشهوات النفوس وتعذيب للجسد – في مخالفة لمنهج الإسلام - ويدعون أن هذا هو طريق الوصول لصفاء الروح , واستحدثوا السماع لقصائد الغزل ويقولون يقصدون بالمتغزل به الرسول صلى الله عليه وسلم مستعملين في ذلك الألحان المطربة وينتشون بسماعها ويتمايلون , وبدأ الكلام في هذه الفترة عن تمايز للقوم عن الناس فكثرت كلمات في أدبياتهم لتلك الفترة مثل "طريقتنا ومذهبنا وعلمنا وغير ذلك " وكثرت مؤلفاتهم التي جمعت أخبار الزهد والزهاد وخلطت الصحيح بالسقيم .
ورغم كل هذا إلا أن حسن الظن بأهل هذه الطبقة من الصوفية أنهم صادقون في زهدهم وابتعادهم عن الدنيا مع تشدد لم يأمر به الشرع بل الشرع ينهى عن كثير مما فعلوه مع التسليم بوجود أعداء للإسلام في كل عصر ومكان رأوا في ظهور هذه الأفكار بيئة مناسبة لزرع أفكار أخرى هادمة للدين ومخرجة منه , وهذا ما سيحدث في المراحل التالية .
المرحلة الثانية : مرحلة ظهور المصطلحات الغامضة
في نهاية القرن الثالث الهجري ظهرت في الصوفية مشكلة المصطلحات الغامضة المبهمة التي يختلف تفسيرها بحال قارئها فالمبتدئ يفهمها بمعنى بريء بينما المريد والعارف قد يقصدان بها معان مختلفة ليس لها من البراءة نصيب , فظهرت مصطلحات الفناء والبقاء والصحو والمحو والتجريد والتفريد والحال والمقام والعطش والدهش وجمع الجمع وغير ذلك الكثير .
- فعلى سبيل المثال مصطلح الفناء فله عدة معان أخطرها كفري واقلها منهي عنه , فأخطرها " الفناء عن وجود السوي" وهو أن كل الموجودات في الكون هي الله سبحانه وهذه عقيدة وحدة الوجود الكفرية , وثانيها الفناء عن الخلق التي يقع صاحبها في غيبوبة بحيث يتوهم أنه أصبح هو والإله شيئا واحدا وهي عقيدة الحلول والاتحاد الكفرية أيضا , والثالثة " الفناء عن إرادة السوى " وهي فناء النفس عن التشاغل بما سوى الله , وقد أمرنا الله بالنظر إلى المخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها فقال سبحانه " قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ " , والحقيقة أن فكرة الفناء بمعناها الصوفي هي بعينها عقيدة النرفانا المنقولة من الديانة البوذية .
الفصل الثاني : البدع العلمية للصوفية
ابتدع الصوفية بدعا لم يسمع بها أهل الإسلام واعتقدوها اعتقادا جازما وصنفوا الناس من خلالها واعتبروا أنفسهم خواص أهل الإسلام وان من دونهم هم العوام ومنها :
- تقسيمهم للدين إلى شريعة وحقيقة , فالشريعة في نظرهم هي علم الظاهر وهي الأحكام التكليفية المستقاة من أدلتها الشرعية وهي مهمة الفقهاء الذين لا يزيدون في نظرهم عن عوام الناس أما الحقيقة فهي ما وراء هذه الأحكام من إشارات وأسرار خفية لا يدركها إلا خواص الناس وهم الصوفية , وهم لا يحتاجون فيها إلى المصادر الشريعة فمصادرهم مصادر أخرى مثل الكشف والإلهام والرؤى والخواطر وادعاء الالتقاء بالخضر عليه السلام أو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم مناما أو يقظة كما يدعون والأخذ عنه مباشرة , وبهذا ظهر أيضا تفسير جديد للقرآن الكريم وسمي بالتفسير الإشاري الذين يؤلون فيه معان كثيرة في القرآن تأويلا باطنيا بعيد كل البعد عن التفسير الذي تعلمه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم .
- إطلاق فكرة الحقيقة المحمدية : وهي من الغلو المذموم في النبي صلى الله عليه وسلم فأضفوا عليه صفات الربوبية تأثرا بالنصارى الذين أضفوا على عيسى عليه السلام صفات الربوبية
- إطلاق فكرة وحدة الأديان : وهذه ناتجة عن فكرة وحدة الوجود الكفرية التي تقول أن كل شئ في الكون من مخلوقات إنما هي صور لله سبحانه , وبالتالي في زعمهم أنه من عبد بقرة فلا يكفر لأنه لم يعبد غير الله في صورة البقرة – حاش لله - ومن عبد صنما فلم يكفر لأنه ما عبد سوى الله في صورة الصنم , ولهذا فلا كافر على الأرض وكل الخلق سيدخلون الجنة وان عذاب جهنم المذكور في القرآن هو من العذوبة لا من التعذيب .
- تلاعبهم في فكرة الأولياء والكرامات : فضيقوا ما وسعه الله في قوله سبحانه " الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " الذي جاء في وصف أولياء الله فحصروهم في مشايخهم وسموهم بالأولياء واعتقدوا فيهم بالعصمة من المعاصي والمخالفات وسموها بالحفظ , أما بالنسبة للكرامات التي يهبها الله عز وجل لبعض من عباده المؤمنين بغير تكلف ولا طلب فقد جعلوها دليل الولاية للولي , فتلاعب بهم الجن والشياطين وجعلوا ظهور الأمر الخارق للعادة حتى على يد فاسد ظاهر الفساد دليل ولاية .
- إدخالهم فكرة الأقطاب والأوتاد والأبدال لأهل الإسلام : فالقطبانية هي الخلافة عن الحق مطلقاً , فلا يصل إلى الخلق شيء من الله إلا بحكم القطب !! , والأوتاد أربع رجال يحرسون العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا , والأبدال سبعة من يسافر منهم من موضع يترك جسدا على صورته يحيا بحياته !!
- إدخالهم في سير شيوخهم ضروبا من المستحيلات العقلية والشرعية ويسمونها بالكرامات وينقلون عن شيوخهم الكلمات والمواقف المخزية فان ناقشهم فيها احد قالوا بمصطلح غريب عن الإسلام وهو الشطح ويعتبرون ان مجرد وصف هراء أصحابهم وشيوخهم هذا بالشطحات يعفيهم من أي مسئولية عنها ويلزمون من يناقشهم بالصمت والتسليم .
الفصل الثالث : البدع العمليَة للصوفية .
إلى جانب البدع النظرية والاعتقادية التي اعتقدها الصوفية إلا أنهم أضافوا إليها بدعا عملية أخرى لا تقل خطورة عنا وهي :
- التربية المذلة لأتباعهم وتظهر آثارها في قواعدهم في تعامل المريد مع شيخه مثل " - كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل , لا تعترض فتنطرد , من قال لشيخه لِمَ ؟ لا يفلح , من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان " فظهر الغلو الشديد في المشايخ .
- إعراضهم عن علم الحديث وتسميته بعلم الورق وفضلوا عليه علمهم الذي سموه بعلم الخرق فكثرت الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبهم مثل إحياء الغزالي ورسالة القشيري وحقائق التفسير للسلمي
- كثر فيهم البطالة والانحِلاَل , فكانوا لا يعلمون أي عمل دنيوي يتكسبون منه بل صاروا أعباء على الأمة منقطعين في التكايا والزوايا فأهدروا الجهود وعطلوا إمكانيات الأمة بدعوى الذكر والمجاهدة , وعاشوا حياة يختلط فيها الرجال بالنساء وصاروا اقرب إلى الانحلال الخلقي والإباحية الجنسية من زنا ولواط .
- الحرص الشديد على إقامة حفلات السماع واللهو بالدف والعود والمغنيات ذوات الحسن ويكثر التمايل والتراقص والطرب واللغو .
- ترك الجهاد فلم يذكر أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين الذي كتب في فترة تغلب الصليبين على بلاد الشام شيئا عن فضل الجهاد وما حرك الأمة له بتمسكهم بتقسيم للجهاد بحديث ضعيف إلى قسمين الأصغر وهو قتال الأعداء والأكبر وهو جهاد النفس ولهذا اعتنى كل محتل لبلاد الإسلام بالصوفية لشغل الناس عن الجهاد بالحث على الانشغال بالنفس دون الانشغال بجهاد العدو .
واختتم الكاتبان بحديث عن صوفية اليوم الذين لم يختلفوا عن سابقيهم ففيهم عوامهم الذين لا يعرفون عن الصوفية سوى الذكر والزهد ومنهم أصحاب العقائد الفاسدة وذوي الخرافات غير المعقولة ولهذا أحسن الكاتبان استخلاص ربط بين عمل الاستشراق لاستخراج كل كتب الصوفية والعناية بها وتحقيقها ونشرها وترجمتها لعدة لغات
وهذا الكتاب القيم الذي جاء مختصرا في صفحاته غنيا في موضوعاته وتناوله والذي يضع قدما راسخة واعية لكل طالب علم ولكل باحث عن حقيقة الصوفية وخطرها على العقيدة الإسلامية ودورها البارز في إفساد المجتمعات الإسلامية , فجزى الله كاتبي الكتاب وجعله في صالح ميزانيهما .
للتحميل

ليست هناك تعليقات