Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

وقفة تصحيحية لحديث علماني مغرض

وقفة تصحيحية لحديث علماني مغرض بقلم يحيي البوليني  على الرغم من أن بعض العلمانيين يطرحون قضايا يخالفون فيها المنهج العلمي الذي يدع...

وقفة تصحيحية لحديث علماني مغرض
بقلم يحيي البوليني 





على الرغم من أن بعض العلمانيين يطرحون قضايا يخالفون فيها المنهج العلمي الذي يدعونه إلا أنهم دوما يتهمون مخالفيهم من الإسلاميين بالجهل والابتعاد عن المناهج العلمية الصحيحة في التفكير والنقاش , وفي المقابل تتسم ردود بعض أبناء الفكر الإسلامي عليهم بانطلاقها من منطلقات عاطفية غير علمية لتستنكر فقط جرأتهم الكبيرة على إنكار الثوابت ومصادمة الحقائق , دون أن تهتم كثير من الردود بالنقد العلمي عليهم والمناقشة العلمية لتفنيد ما يطرحونه , ومن ثم توصف الردود الإسلامية بالضعف في مواجهتهم , فالحديث العاطفي لاشك محمود في كثير من المواضع ولكن ليس في هذا الميدان فلكل مقام مقال .

وربما تحمل الموضوعات التي يثيرونها أسئلة جديرة بالتوقف فعلا وربما تلقي الضوء حقيقة عن بعض الأخطاء التي تصدر من الإسلاميين , لكنها تحتاج إلى ردود لا يشترط أن يتوقف عندها – فقط-  عند سوء أدبهم أو سوء لغتهم في طرحها , وينبغي بالفعل تناولها بالرد العلمي الصحيح .

ولقد أثيرت في الأيام الماضية موجة غضب من كلمات طبيب علماني مصري بخصوص بعض القضايا والموضوعات الإسلامية المختلفة في الأهمية – وحق لهم هذا الغضب – فليست هذه المرة الأولى للطبيب خالد منتصر - رئيس قسم الجلدية والتناسلية بهيئة قناة السويس - الذي ينتهج نهجا مخالفا لعلمانيته , فيتحدث في الشأن الشرعي ويضرب في العلوم الشرعية بسيف الاجتراء لا العلم وهو غير مؤهل لذلك تأهيلا شرعيا علميا وأكاديميا , ليناقض نفسه إذ انه لا يسمح هو نفسه بوصفه طبيبا لأحد أن يتحدث في ميدان تخصصه الطبي دون أن يكون مؤهلا تأهيلا علميا لذلك , ليخالف بموقفه أولى قواعد علمانيته التي يتشدق معظمهم بأنها تعلي من قدر البحث العلمي وبالتخصص.

فقال الطبيب خالد منتصر في ندوة نظمتها حركة "علمانيون" بعنوان "وهم الإعجاز العلمي في الدين الإسلامي " , وهو موضوع لم يمكن لمثل طبيب ليس له حظ من العلم الشرعي ان يناقشه ولا يدلي بدلوه فيه إلا بصفته الطبية لا الشرعية , ولكن هكذا هو ديدن العلمانية ترمينا بدائها وتنسل , فتتهم الإسلاميين بالبعد عن المناهج العلمية والتخصص في حين تعطي لمنتسبيها الحق في الحديث في كل الموضوعات دون مخول لهم حتى في الموضوعات الشرعية التي لا يعلم أكثرهم شيئا عنها .

فكان مما خرج علينا به الطبيب العلماني أن قال :

-         " الصيام غير مفيد لصحة الإنسان كما يروج شيوخ الإسلام لذلك، بل تضر بالصحة وتؤثر على الكبد، كما اتهم الشيوخ والعلماء الذين يروجون لفائدة الصيام على صحة الإنسان بأنهم يروجون لـ«وهم».

-         ماء زمزم ماء مسمم ولا يشفي من الأمراض ويحتوي على عناصر ومعادن سامة تؤثر على الكلى أن الذي أثبت سمية ماء زمزم هو عالم سعودي لكنه لن يستطع الجهر بذلك خوفًا من محاربته، لأن ماء زمزم على حسب زعمه، قد تحول من شعيرة دينية إلى «بيزنس».

-         العلماء والشيوخ يعللون تحريم أكل لحم الخنزير بوجود الدودة الشريطية به فاستنكر ذلك وقال : "في أمريكا وأوربا الأماكن المخصصة لتربية الخنازير أفضل من الأماكن التي يعيش فيها الناس في مصر " ، ونفى أن تكون هناك أضرار يدعيها , وتساءل عن إصابة الأبقار بدودة تماثلها فلماذا لم تحرم الأبقار ؟ , وذكر أن الدجاج في القرى يتناول من أخبث الأطعمة ويؤكل لحمه بغير تحفظ "  [1]

ورغم أن الطبيب قد قدمت فيه شكاوى وحررت شكايات يحسمها القضاء إلا أن ما قاله يجب أو يرد عليه بردود علمية وتأصيلية لادعاءاته التي ادعاها على الشرائع الإسلامية لأن العلمانيين سيجعلون منه شهيدا من شهداء حرية الرأي وان "أهل العلم لم يجرؤوا على مواجهته إلا بسيف القضاء ليكمموا فاه " وأن هذا التصرف عودة لعصور الظلام وغير ذلك من متاجراتهم الدائمة وتلفيقهم المستمر , ولأن هناك بعضا من القراء سوف يستمعون لكلماته وربما تستقر في قلوبهم فيضعف فيها قيمة الأمر الإلهي والنهي الإلهي وقدر السنة النبوية المطهرة .

ومع كلماته نقف هذه الوقفات :

1-   لابد من الاعتراف بداية – للتصحيح وللاستفادة من الخطأ - أن الحماسة والعاطفة تغلب بعض الوعاظ والدعاة حين يتحدثون عن حكمة عدد من أحكام الله سبحانه الشرعية , وربما يدعون – وهم مخطئون بلاشك – أن الحكمة التي اختاروها - هي وحدها - علة وحكمة العبادة والحكم الشرعي دون ان يكون معهم نص شرعي ثابت ومحكم وقاطع بان هذه هي الحكمة المقصودة من أداء الشعيرة , فلهم الحق في الاجتهاد في معرفة الحكمة أو العلة مادامت لم ترد بنص شرعي ثابت , ولكن ليس لهم ادعاء ان هذه هي حكمة الله في الحكم , فما ترك موسعا دون ذكر لحكمته يجب وان يذكر بصيغة الرأي والاجتهاد الشخصي لا بصيغة الجزم أن هذه الحكمة هي الحكمة الوحيدة .

2-   ولابد من الاعتراف أيضا – للتصحيح كذلك – أن كثيرا من الوعاظ والدعاة يتلهفون لالتقاط أدنى إشارة علمية أو حتى وهمية غير علمية دون التحقق منها لإثبات أن الإسلام دين الحق وان القرآن الكريم شفاء للنفوس وأن للعبادات آثارا على الصحة البدنية والنفسية وغير ذلك من موضوعات يحاولون فيها إثبات هذه القضايا ولو بلي عنق الحقائق , فالإسلام بالعلم الحديث وبدونه هو دين الحق , والقرآن يقينا هو شفاء لما في الصدور إيمانا منا بكلام ربنا سبحانه فهو الذي اخبرنا بذلك , وللعبادات آثار على البدن والنفس فهي انسجام مع طبيعة الخلق في التسبيح لرب الأرض والسماوات , ولا يحتاج المسلم لدليل جديد ليؤمن بذلك , فإن ثبت علميا بصورة يقينية ما يؤكد القضايا الراسخة في قلب المؤمن فبها ونعمت وستكون زيادة لإيمان المؤمن من باب " ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " .

3-   ولابد من التأكيد أيضا على أن القضايا العلمية أو الاكتشافات الحديثة التي تثبت بصفة علمية يقينية وتتوافق مع ما جاء في الكتاب أو السنة لا ينبغي أن تكون الشغل الشاغل للمسلم , فان ظهرت وثبتت وكانت موافقة لصريح الآيات والأحاديث نزداد يقينا على يقيننا , لكن لو لم تظهر أو حتى خالفت ولو ظاهريا فلن يقل يقيننا بان ديننا هو الحق , فالإعجاز العلمي في القرآن والسنة يجب أن يكون وسيلة لا غاية , ولا يتم القول به حتى لو ثبت علميا على انه هو وحده التفسير الصحيح للآية أو الحديث , ولكن يستأنس به فقط ولا يحتج به على ما سواه , فلم ينزل القران الكريم ليكون مرجعا علميا بل ليكون كتاب هداية وصلاح للبشر كل البشر .

4-   ولابد أيضا من فهم أن غالبية أهل التفسير قد اجمعوا أن المقصود بالضمير "هم" في هذه الآية الكريمة كان في معرض خطاب للمشركين " سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ " , فالآية والسابقة واللاحقة لها تخاطب الكافرين لا المؤمنين [2] , وبالتالي فحتى بظهور الدلالات والآيات ينبغي أن تكون وسائل تقربهم من معرفة أن الإسلام دين الحق لا أن ينشغل المسلمون بإثباتها ولا لكي يلهثوا خلف كل من يزعم علما جديدا ويجعلون هذا السعي نصب أعينهم  .

5-   ذكر الطبيب العلماني على سبيل الجزم أن علماء الإسلام يقولون أن سبب الصيام هو الفائدة الصحية منه , وان سبب شرب ماء زمزم هو الاستشفاء به من جميع الأمراض , وأن سبب تحريم لحم الخنزير هو إصابته بأمراض الدودة الشريطية أو لتناوله القاذورات , وكان الطبيب هنا أحد رجلين , إما قاصر العلم في هذا فلم يكن له أن يدخل فيما لا يعلم وإما مغرض فيجب تصحيح خطئه الذي أوهم الناس به :

أ‌-       لم يفرق الطبيب بين كلام العلماء وأحاديث الوعاظ لأنه ليس مطلعا على كتب العلم الشرعي , فهذه الأسباب التي ذكرها لم ترد في كتب أهل العلم على سبيل الجزم بل لم يقل بها جزما كل الوعاظ , فلم يذكر أهل العلم إلا حكمة ثابتة وحيدة للصيام وهي التي ذكرها الله سبحانه في أية فرض الصوم " قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [3] 
 وما كان من العلماء من إبراز حكم أخرى للصوم مثل رعاية الفقراء وكسر شهوة النفس واعتدال الطعام وغيرها هي حكم فرعية ليست الحكمة من تشريع الصيام وهي حكم اجتهادية لم يقل بها أحد أبدا على سبيل الجزم بأنها الحكمة الوحيدة , فهذه هي أقوال العلماء الثابتة المأخوذة من كتاب الله [4] , وبهذا خالف الطبيب التجرد العلمي في قوله إذ اختار من الأقوال أضعفها وقرر الاستفادة منها لدعم علمانيته .

ب‌-  واستكمل نفس منهجه غير الصحيح بقوله إن ماء زمزم يشربه المسلمون للاستشفاء من جميع الأمراض , وان هناك بحثا علميا لم يذكر اسم صاحبه ولا مكانته العلمية ولا البحثية يقول إن ماء زمزم مسمم , فخالف بذلك أيضا الحيدة العلمية في حديثه , فان كان هناك بحث مجهول قال بهذا فهناك أبحاث معتمدة موثقة ورصينة قالت بعكس ذلك تماما على سبيل المثال بحث علمي أثبت أن " ماء زمزم خير ماء على وجه الأرض" [5] , وبحث آخر قام به عالم وباحث عالمي ياباني هو الدكتور مسارو ايموتو رئيس معهد هادو للبحوث العلمية في طوكيو الذي قال في الندوة العلمية التي نظمتها كلية دار الحكمة للبنات بجدة عن أبحاث الماء بتقنية النانو بحضور أكثر من 500من الباحثين والمهتمين في الجامعات ومراكز البحث العلمي أنه " أجرى العديد من البحوث والدراسات على ماء زمزم حصل عليه من شخص عربي كان يقيم في اليابان مبينا أن ماء زمزم فريد ومتميز ولا يشبه في بلوراته أي نوع من المياه في العالم أيا كان مصدرها. 

ولفت النظر إلى أن كل الدراسات في المختبرات والمعامل لم تستطع أن تغير خاصية هذا الماء وهو أمر لم نستطع معرفته حتى الآن وأن بلورات الماء الناتجة بعد التكرير تعطي أشكالا رائعة لذلك لا يمكن أن يكون ماء زمزم عاديا " [6]
 والأبحاث في هذا الشأن كثيرة جدا , فهل يسمى تجاهل مثل هذه الأبحاث الكثيرة ويصبح بحث علمي لشخص مجهول هو الحجة والعمدة لهذا الطبيب الذي يفترض اطلاعه على مثل هذه الأبحاث ؟ , فأيضا كان هنا مغرضا للي عنق الحقائق لإثبات فكرته العلمانية الطاعنة في الشرائع .

ت‌-  واستكمالا للمنهج المغلوط والمغرض الذي كان يتحدث به قال إن علماء المسلمين ذكروا سبب تحريم الخنزير لسوء مطعمه ولوجود مرض , وما امتنع المسلمون منذ نزول آية التحريم لعلمهم بما يقول بل إن هذا الأمر مكتشف منذ فترة قريبة فلم امتنع المسلمون أكثر من ألف عام ويزيد دون علمهم بوجود المرض وغيره ؟ وبالطبع فلم يكن سوى عقل الطبيب العلماني هو من يمتلئ بمثل هذه التبريرات ليدافع عن الكائن الذي يحبه ويعتبر ما حدث من قتله بعد وجود مرض قاتل فيه مذبحة مروعة وغير إنسانية .

6-    إن الحكمة الأساسية التي من أجلها يتم فعل المأمور من الطاعات واجتناب المحظور من النواهي هي الامتثال لأمر الله سبحانه فقط , فالمسلم يصوم ويصلي ويزكي ويحج لان الخالق المعبود سبحانه هو من أمرنا بذلك , والإسلام هو انقياد العبد لله سبحانه وطاعته له فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر , فلا يصوم الصائم لان الصيام يفيد الصحة ولا غير ذلك بل يصوم امتثالا لأمر الله , ولا يمتنع عن الخنزير لوجود مرض فيه ولا لطعامه القذر بل لان الله عز وجل نهانا عنه في كتابه ,  وحتى في شرب زمزم فهو امتثال لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو القائل "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" [7] تنفيذا للأمر الإلهي " وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " , فليست الحكمة والعلة سواء علمها المسلم أو لم يعلمها مؤثرة في شئ ولن تزيد تمسكه بأداء الأمر ولا تجنبه للنهي , فالعلة الوحيدة لكل أمر ونهي هي أن الله سبحانه أمر بها .

إن المنهج الذي تحدث به العلماني خالد منتصر ليس جديدا , بل هو منهج قديم موروث عن المستشرقين إذ يعبثون في أذهان العوام باصطيادهم للأحاديث الضعيفة أو الموضوعة وبالقصص الواهية الساقطة التي لا أصل لها للتلبيس على العامة بادعائهم الثقافة والعلم واحتكارهم للفظ النخبة لكي يسلم لهم الناس , ومن هنا فكل معترض عليهم سيتهم بالجهل وكل تحجيم لهم سيوصف بأنه اعتداء على حرية الفكر والإبداع , فما أقل بضاعتهم وما أطول ألسنتهم .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكلمات السابقة مأخوذة على لسانه في مقطع مرئي له نشرته المواقع الوثائقية ومواقع التواصل الاجتماعي

[2] "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)  أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) – فصلت

[3] [البقرة: 183]،

[4] فهكذا قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (25/246) وجاء في تفسير السعدي (ص 116) ، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع (3/344) ، والموسوعة الفقهية (28/9) .وغيرها

[5] بحث للدكتور حمدى سيف وكيل كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية وقام بالتحليل العلمي الكيميائي فيه مركز أبحاث الحج بجامعة الملك عبد العزيز

[6] جريدة الرياض الثلاثاء 24 ربيع الأول 1429هـ - 1 أبريل 2008م - العدد 14526

[7] والحديث رَوَاهُ أَحْمَدُ ومُسْلِمٌ وَالنَّسَائِي عن جابر بن عبد الله رضي الله عَنْهُمَا  
27‏/05‏/2015


ليست هناك تعليقات