Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

بين السماء والارض

مقال : بين السماء والارض  بقلم : يحيي البوليني  حقيقة مؤكدة لا يختلف عليها اثنان وهي خلق الإنسان من عنصرين مزج بينهما ربنا سبحانه ...

مقال : بين السماء والارض 
بقلم : يحيي البوليني 



حقيقة مؤكدة لا يختلف عليها اثنان وهي خلق الإنسان من عنصرين مزج بينهما ربنا سبحانه وهما الروح والمادة فقال الله عز وجل (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ** فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)
عنصران مختلفان تماما  من حيث النشأة والتكوين والمطالب التي لابد من إجابتها لضمان حياة الإنسان
فمن حيث النشأة وأصل الوجود فالروح سماوية علوية  وهي نفخة من الله عز وجل وهي آخر ما دخل في التكوين في أصل الخلقة في آدم عليه السلام  وفي كل واحد منا على حده وبدونها الجسد لا قيمة له وهي أول ما يخرج منه
والجسد أرضي من قبضة منها  (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ) سنن الترمذي وصححه الالباني
كلاهما يحمل خصائص من أصل تكوينه فالروح علوية سماوية سامية والجسد فانِ متعلق بكل ما هو أرضي
الروح شفافة معنوية والجسد مادي صلد
وعند انقضاء فترة وجودهما معا يفارق كلاهما الآخر ويعود الى موطنه
فتصعد الروح للسماء ويحمل الجسد ليوضع في التراب عند أمه الأرض )مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) ثم يتم اللقاء مرة أخرى في اليوم المحتوم حين نقف جميعا للعرض والحساب
وفي فترة اللقاء الأولى وهي الحياة الدنيا لكل منهما خصائص ومطالب وأي إهمال لمطالبهما أو الاهتمام بعنصر دون الآخر هو تعريض لهذا التكوين للخطر ومن ثم التعب والشقاء والمعاناة
فكلاهما يحتاج للغذاء وللكساء وللدواء
وكلاهما ينشط ويفتر ويقوى ويضعف بحسب ما توليه من اهتمامك به ــ بشرط عدم إهمال الآخر كلية ـــ  وكلاهما يتعرض لعوامل الضعف والهلاك
وكلاهما يستمد ما يحتاجه من أصل تكوينه
فالجسد يستمد غذاءه من الأرض وانظر إلى كل طعام تأكله تجده من الأرض من نباتها وخيراتها وحيواناتها وكل شراب تشربه أيضا منها ويتفنن الإنسان في كيفية صنعه أو طهيه أو دمجه مع بعضه ولكنه في النهاية يتكون من عناصر من الأرض
فإذا مرض يتناول دواء أيضا من الأرض من عشبها أو من مائها ويتم دمج أكثر من عنصر منها في دواء علاجي وتتغير صورته ولكنه يبقى في النهاية من الأرض
وملبسه أيضا من الأرض فكل ملابس الإنسان مما ينبت في الأرض أو ما يستخرج منها أو من الحيوانات التي سخرها الله له
وإذا أراد الإنسان أن يتزين فيتزين بحلى أو بعطور وروائح أيضا من الأرض
ويتفاوت الناس في ذلك بين الغنى والفقر ولكنهم يشتركون في الأصل الواحد
وإذا أهمل في الجسد فلم يطعم أو لو يكس أو يعالج تعرض للمرض وإذا اشتد الإهمال تعرض للموت
وللروح أيضا مطالبها
فتحتاج للغذاء ولكن من أصل خلقتها من السماء فغذاؤها رباني من ذكر لله خالقها واتصال به سبحانه وملاحظة نعمه والتفكر في آلائه والتعبد له والالتزام بأوامره والابتعاد عن نواهيه
وتحتاج للكساء فبدونه العري وكساؤها التقوى )يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)
وتمرض الروح فتحتاج الى علاج ودواء من أصل خلقتها فعلاج الروح سماوي وليس أرضيا البتة فحينما تشعر الروح بالضيق والكئابة والحزن فلا علاج لها من جنس الأرض إطلاقا فلن يجديها دواء تأخذه للسعادة أو للراحة ولن يجدي معها إجراء أي تغيير على الجسد
فمن الناس من يلجأ عن شعور روحه بالمرض إلى علاج جسده بالسفر للنزهة أو بشراء جديد من مستجدات العصر ولا شك أن هذا يسعده للحظات ولكنه ليس علاجا فتعود الروح إلى المطالبة بالعلاج  مرة أخرى وقد يظل الإنسان طوال عمره حائرا ولا يجد دواء يريحه من عنائه لا لشيء إلا أنه لم يفهم أنه يعالج الجسد  ــ والجسد غير مريض ــ ويترك الروح المريضة فتئن وتصرخ وتطالب بالدواء ولا مجيب وقد يصل بهم الأمر إلى الانتحار رغم أنهم يملكون من المتع الدنيوية الكثيرة جدا التي لم ولن تصل بهم إلى السعادة ولا إلى الراحة وصدق الله حين قال )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) والحياة هنا حياة الروح قبل الجسد 
وهذا الأمر قل من يتفطن له
لاعلاج للروح بأدوية البدن إطلاقا فلن يجدي مع المحزون إلا الاتصال بربه سبحانه ولن يسعد المكتئب إلا بمعرفته ويقينه أن ما عند الله خير وأبقى وان الدنيا لا قيمة لها ومهما بلغت متعتها فلن تعدو موضع سوط ( وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ) البخاري
ولن يشفى المريض بالقلق سوى اليقين الجازم  بهذا ( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ) الترمذي
وأيضا ( تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك . وما أخطأك لم يكن ليصيبك ) ابن ماجه
ولن يشفي أي مريض نفسي إلا أن يعلم أن له ربا قادرا على كل شئ وقد ابتلاه ليكفر عنه ذنوبه ويرفع درجته إذا صبر ويعلم أن الله عز وجل قادر على كل شئ ويعلم أنه باستعانته بالله قادر على تجاوز محنته والتغلب عليها وأن الله يقول )وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ويقول الرسول  (لا يرد القضاء إلا الدعاء ) الترمذي  )
لا علاج للروح في الأدوية والعقاقير إلا إذا اشترك المرض بين الروح والجسد فمن الممكن للعقاقير أن تأتي بنفع لا للروح ولكن لما أصاب البدن
إن من يعالجون الروح بالعقاقير ليسيرون في الاتجاه الخاطئ تماما كمثل من يشتكي عينيه فذهب لطبيب ليعالج قدمه
فإذا اشتد الألم على الروح وتركت بلا علاج تتعرض للهلاك قبل البدن فهناك من الناس من فقد روحه وصار كالميت مع انه مازال جسده حيا . ولكن موت الروح يمكن إحياؤه مرة أخرى ما دامت لم تفارق البدن بعد فيقول الله )أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقد ضرب رسول الله  له المثل فقال (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) البخاري ومسلم  . بل وضرب مثلا للجمادات أن حياتها وموتها بذكر الله والقرآن ( مثل البيت الذي يذكر فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت ) مسلم  )
وبالمثل فإن من يهتم بروحه فقط ويعطيها غذاءها ويترك الجسد  فهو مسيء وهو يظن أنه يحسن وهو منهج مرفوض شرعا فقال الله )وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) وقالها رسول الله للثلاثة ( أما والله أتي لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) البخاري ومسلم  ولا رهبانية في هذه الأمة إلا ما ذكر في تصويب لها في تشبيه الجهاد بها فقال (عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي ) صحيح الترغيب والترهيب )
والإنسان مخير بين السماوي والأرضي وإلى أيهما كان أقرب كان من أهلها  )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال في شأن كل من تخلى عن المنهج السماوي وتعلق بالأرض )وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ**  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)  
فهل من وقفة للاهتمام بالروح بغذائها وكسائها ودوائها ولنحذر جميعا من مرضها  فقد لا نشعر به ومن موتها عافانا الله  وإياكم منه
فلا بد من التوازن في الأمرين معا كي نفوز في الدارين )قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)  

ليست هناك تعليقات