Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

الإمام الشاطبي إمام القراء ومنهجه الفريد في حرز الأماني

الإمام الشاطبي إمام القراء ومنهجه الفريد في حرز الأماني بقلم : يحيي البوليني  القران الكريم هو أعظم الكتب على الإطلاق واشرفه...


الإمام الشاطبي إمام القراء ومنهجه الفريد في حرز الأماني

بقلم : يحيي البوليني 



القران الكريم هو أعظم الكتب على الإطلاق واشرفها وعلوم القران الكريم هي اشرف العلوم وأهل القران هم أهل الفضل وأهل اجتماع الفضائل , فيُقوم القرآن سلوكهم ويهذب أخلاقهم وينير دربهم ويبصرهم بسبل الحق , ولهذا حق لهم هذا التشريف والتكريم الذي منحهم إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " إن لله - تعالى - أهلين من الناس، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القران، أهل الله وخاصته" .[1]

وما من أحد عاش بعد الإمام الشاطبي إلا ويجد أن للشاطبي فضلا بعد الله سبحانه ورسوله عليه , فتربى وحفظ وتعلم قراء القرآن علم القراءات من الشاطبية وهي المتن الأشهر الذي علم الدنيا كلها القراءات في جمع ميسر على أهل القران جمع فيها هذا العلم الشريف بنظم بديع لم يسبق إليه .

والإمام الشاطبي شمس ما ضرها أنها أشرقت من المغرب من بلاد الأندلس , فقد رفع الله ذكره بهذا القران الكريم وعلومه فساد أهل المشرق والمغرب وصار إمام الدنيا في هذا الفن ومعلم كل من أتى بعده هذا العلم الذي كان يستصعب على من قبله فيسر الله به وبمتنه على أهل القران تعلم القراءات وصار كل من بعده مدينا له .

ولد أبو محمد القاسم بن فِيرُّه بن أحمد الشَّاطِبِيُّ الرُّعَيْنِيُّ. وُلِد عام 538ه في مدينة شاطبة بالأندلس وإليها نسب , وكان كفيف البصر حفظ القران وانتظم في حلقات العلم في مساجد شاطبة ثم اتجه مبكرا إلى علم القراءات فأخذها على يدي أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النَّفْزِيِّ ثم ارتحل إلى بلنسية ثم طمحت نفسه للهجرة لطلب العلم فاتجه إلى مصر التي كانت في طريقه للحج فنزل الإسكندرية وإليه ينتسب حيها الشهير ، فالتقى بالحافظ أبي طاهر السلفي فتلقى عنه فيها الحديث الشريف وعلومه , ثم استكمل سيره للحج وعند عودته استقر بمصر حتى مات رحمه الله فيها .

وكان دخوله الثاني لمصر في طريق عودته دخولا كريما يليق به ويليق بأهل العلم حملة القرآن الكريم فأكرم القاضي الفاضل – وزير صلاح الدين الأيوبي – نزله ووفادته وأحسن استقباله وعرف مكانته وجعله شيخًا لمدرسته – الفاضلية - ليعلم فيها طلبة العلم وقراء القرآن , فقد كان رحمه الله إمامًا في اللغة بصيرًا بها حافظًا للحديث لدرجة الإتقان الشديد حتى وصفه ابن خلكان رحمهما الله تعالى فقال : " كان إذا قُرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ، تُصحح النسخ من حفظه" فأقبل عليه طلاب كل العلوم من كل مكان .

وزار القدس الشريف بعد أن حررها الله على يد البطل صلاح الدين ثم عاد إلى مصر ليستكمل بها ما بدأه حتى قبضه الله سبحانه وهو في الثانية والخمسين من العمر لا غير فبارك الله له في عمره القليل بعمله الكثير الذي ينتفع به المسلمون لهذا اليوم وسيدوم بإذن الله ما بقي في الكون تال للقرآن .

منهجه في منظومة الشاطبية

متن الشاطبية المسمى بـ "حرز الأماني ووجه التهاني" متن يحتوي على نظم مدهش بديع لم يسبقه أحد له وابتكر فيها جديدا في هذا النظم يسر هذا العلم كثيرا , فجمع فيها القراءات السبع، - وهي قراءات نافع إمام أهل المدينة، وابن كثير إمام أهل مكة، وأبي عمرو بن العلاء إمام أهل البصرة، وعاصم وحمزة والكسائي أئمة أهل الكوفة، وابن عامر إمام أهل الشام – مبينا اختلافات قراءاتهم في مواضع القرآن الكريم بصورة بالغة الدقة والإتقان والاختصار وضم إليها الكثير من الفوائد النحوية، واللغوية، والإشارت الوعظية، والاقتباسات الحديثية , وذلك في نظم لا يقل بلاغة عن القصائد العصماء البليغة في لسان العرب الأقدمين مع عذوبة ورقة وحكمة وموعظة وتربية وآداب .

ولقيت منظومة حرز الأماني قبولا قل شبيهه فلا تزال حتى يومنا هذا منذ أن نظمها وقدمها للأمة , لا تزال العمدة لمن يريد إتقان القراءات السبع , وبارك الله لها فأقبل الناس عليها إقبالا فاق كل حد وهذه من توافيق الله لهذا العبد الذي قال عنها "لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه الله؛ لأنني نظمتها لله" [2] فتعدد شارحوها ومختصروها فاجتهد في حصرهم  أحد الباحثين المغاربة فوجد أكثر من مائة عمل ما بين شرح للشاطبية، وحاشية على الشرح.

وكان من شأنه رحمه الله بعد كتابتها أنه كما ذكر الإمام القرطبي: " أن الإمام الشاطبي رحمة الله تعالى لما فرغ من تصنيفه طاف به حول الكعبة اثنا عشر ألف أسبوع – وهو الطواف سبعة أشواط - ، وكلما جاء في أماكن الدعاء قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب هذا البيت العظيم، انفع بها كل من قرأها - يعني: هذا المتن، باعتبار أنه قصيدة  "

واختصر الشاطبي في قصيدته اللامية كتاب (التيسير في القراءات السبع) للإمام أبي عمرو الداني وتفرد فيها بطريقته الخاصة وهي طريقة الرموز , حيث استعمل الرمز وأدمجه في الأبيات عوضا عن أسماء القراء أو الرواة , فهناك حروف ترمز إلى قارئ واحد وحروف ترمز لاتفاق أكثر من راو على قراءة وضمن مفتاحها في مقدمة المنظومة ليشرح منهجه وطريقة سيره فيها حتى ينتفع بها قراؤها وحافظوها

وقد أثنى العلماء ممن وقفوا على علم الشاطبي وعلى غزارة نفع هذه المنظومة ثناء كبيرا على الشاطبي ولاميته فقال ابن خلكان في وفيات الأعيان عنه: "صاحب القصيدة التي سماها حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات، وعدتها ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتًا، ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وهي عمدة قُرَّاء هذا الزمان في نقلهم، فقلَّ من يشتغل بالقراءات إلا ويقدم حفظها ومعرفتها، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات خفية لطيفة، وما أظنه سبق إلى أسلوبها " .

ويقول الذهبي عنه في "سير أعلام النبلاء " : "الشيخ الإمام، العالم العامل، القدوة، سيد القراء، أبو محمد، وأبو القاسمِ القاسمُ بن فِيرُّه بن خلف بن أحمد الرعيني، الأندلسي، الشاطبي، الضرير، ناظم الشاطبية والرائية" , وفي كتابه " القراء الكبار " يقول الإمام الذهبي: " ولقد سارت الركبان بقصيدته حرز الأماني وعقيلة أتراب القصائد اللتين في القراءات والرسم وحفظهما خلق لا يحصون وخضع لها فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذاق القراء فلقد أبدع وأوجز وسهل الصعب لذا تلقاها العلماء في سائر الأعصار والأمصار بالقبول الحسن وعنوا بها أعظم عناية " [3]

ويصف العلامة ابن الجزري وهو من أبرز علماء هذا الفن وهو صاحب " طيبة النشر في القراءات العشر " وغيرها فيصف حرز الأماني وصاحبها بقوله: " من وقف على قصيدته علم مقدار ما آتاه الله في ذلك خصوصاً اللامية عجز البلغاء من بعده معارضتها فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقتها , ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول مالا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن , بل أكاد أن أقول ولا في غير هذا الفن , فأنني لا أحسب بلداً من بلاد الإسلام يخلو منه بل لا أظن أن بيت طالب علم يخلو من نسخة منه " وهذه الشهادة من أن ابن الجزري رحمه من أبلغ الشهادات وأقواها بل هي من تمام نعمة الله على هذه الأمة أن يشهد عالم لغيره هذه الشهادة في نفس العلم الذي يتميز به ويتخصص فيه .

رحم الله أحد أكبر الأئمة الأعلام الذين تركوا بصمات ومآثر لا تدرك , فاجتهدوا ونصبوا أنفسهم لأشرف المهام وهي علم القرآن الكريم الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



[1] سنن ابن ماجه (1/78) برقم (215)؛ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (1/42) برقم (178)؛ وفي صحيح الترغيب والترهيب ( 2/80 ) برقم (1432)؛ ومسند أحمد بن حنبل ( 3/ 127) برقم (12301) وبرقم (12314)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.

[2] شرح الشاطبية المسمى إبراز المعاني من حرز الأماني , أبو شامة (3/30)

[3] في مقدمة محمد تميم الزعبي في تحقيق متن الشاطبية .

ليست هناك تعليقات