فقه الواقع وأثره في معالجة المشكلات المعاصرة من خلال تدبر القرآن الكريم إعداد :د. سامي بن رفعت بن عبد القادر الأشقر عرض وتلخيص يحيي ال...
فقه الواقع وأثره في معالجة المشكلات المعاصرة من خلال تدبر القرآن الكريم
إعداد :د. سامي بن رفعت بن عبد القادر الأشقر
عرض وتلخيص يحيي البوليني
في هذا العصر الذي يعتبر من أخطر العصور وأكثرها صعوبة على الأمة الإسلامية والذي صار فيه الإسلام نهبا لأعدائه ونزاعا بين أوليائه , فيه تواجه الأمة أزمة حادة ملموسة في العقيدة والأخلاق , وقل من يدعون لله على بصيرة فأصبح كثير من الشباب في تشتت وضياع .
ولهذا المآل الذي وصلت إليه الأمة أسباب كثيرة اهتم الباحث الكريم بسبب في غاية الأهمية وهو ابتعاد الكثيرين عن تدبر كتاب الله سبحانه وانصرافهم من الأصول إلى الفروع ومن التوحد حول الكليات إلى النزاع على الجزئيات , وانشغلوا بالفرقة عن الوحدة فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير .
وحمل الباحث أهل العلم والذكر ومن بيده الحل والعقد الكثير من المسئولية لعدم توجيه الأمة لهذا التدبر في كتاب الله إذ أن للعلماء تأثيرا كبيرا على الناس وهذا هو الدور المنوط بهم وأداء واجبهم الشرعي الذي أنيط بهم .
ونتيجة لهذا الابتعاد عن تدبر كتاب الله أن انفصلت حقائق الدين عن واقع الأمة فسارت على غير هدى , فكان لابد من إعادة النظر في إحياء تدبر كتاب الله وفهم ا جاء فيه من إشارات منهجية لفقه الواقع الذي تحتاجه امتنا في هذه المرحلة الفاصلة في تاريخها .
وبدأ الباحث هذا البحث بمقدمة تمهيدية ذكر فيها التعريف بالمصطلحات التي جاء بها بحثه مثل الفقه والواقع , ثم تحدث عن مفهوم فقه الواقع الذي لم يظهر كمصطلح إلا حديثا , رغم أنه كعلم مأخوذ من القرآن الكريم والسنة المطهرة وكلام سلف الأمة .
فعرفه بأنه " علم يعني بدراسة المستجدات المعاصرة والظروف الراهنة ومعرفة الأحكام التي تناسبها في ضوء الشريعة الإسلامية " , وكشف أن الإمام ابن القيم عبر عنه في الفوائد باسم " فهم الواقع وفهم الواجب في الواقع " .
وبين أن سبل التوصل لحقائق ودقائق هذا العلم من كتاب الله سبحانه كمصدر اول ثم السنة النبوية المشرفة وثالثا بدراسة التاريخ وسير السلف الصالح ورابعا من المصادر الإعلامية التي انتشرت اليوم .
ثم بدأ الباحث في مباحث هذا البحث , وقد جعله في مبحثين :
المبحث الأول : منطلقات فقه الواقع من خلال تدبر القرآن الكريم
فلفت الباحث النظر من الحكمة الإلهية من تقسيم القرآن الكريم الى مكي ومدني , فهناك منطلق مهم في هذا التقسيم وهو دراسة فقه الواقع ومراعاة اختلاف الظروف والأحوال , فواقع المسلمين اختلف ما بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية , فهناك فارق ضخم بين مرحلتي الاستضعاف في مكة والتمكين في المدينة , فكان لكل مرحلة ما يناسبها من الخطاب والأحكام لكي يتأسى المسلمون بعد الصحابة بمراعاة حالهم بحسب ظروفهم .
وكذلك كان لفقه الواقع فهم في قضية التدرج في التشريع كما حدث في قضية تحريم الخمر وغيرها , وهذه المراعاة هي عين فقه الواقع , وكذلك كان له رافد هام وهو أسباب النزول ومعرفة الناسخ والمنسوخ وكل هذا من اثر فهم هذا العلم وهو فقه الواقع .
المبحث الثاني : حل بعض المشكلات المعاصرة في ضوء تدبر فقه الواقع في القرآن الكريم .
صدق الله العظيم , فقد قال في كتابه " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " فالحلول لمشكلات الأمة موجودة يقينا في كتاب الله وإنما يحتاج استخراجها منه إلى تأمل وتدبر مع النظر بيقين بوجود الحل في القرآن مع تعايش المسلم مع واقعه وفهمه الجيد وتحليله الدقيق لأسباب المشكلة ثم البحث عن حلولها في كتاب الله .
ثم تخير الباحث عددا من المشكلات المعاصرة التي تحتاج امتنا حلولا لها وعرض المنهج القرآني في الإشارة إليها وبين كيفية تعامل كتاب الله معها بمنهجه الرشيد المتفرد .
1- مشكلة اختلاف القلوب وتنازع الأهواء
أفرد القرآن الكريم كثيرا من الآيات لحل هذه المشكلة نظرا لخطورتها على تماسك الأمة ووحدتها , وبين كيفية العلاج وسبل النجاة منها , فبين أن من أهم أسبابها ضعف العقل وتعصب كل ذي رأي لرأيه , وصمم الآذان والقلوب عن تقبل رأي المخالف أو التفكر فيه على الأقل وذلك من خلال طرحه للأسباب التي يرفض بها غير المسلمين مناقشة الإسلام مناقشة واعية وعدم البحث عن الدليل والالتزام به واتباع الأهواء واتباع الكبراء والسابقين على غير علم .
وأوضح أيضا أن من الأسباب البغي والعدوان ودفع الحق وإنكاره بعد معرفته , فوضح كيفية التخلص من هذه العيوب بإعمال العقل في الدليل وإنكار السير على غير هدى من يقين ثابت
2- مشكلة الولاء والبراء
الولاء والبراء في ديننا فريضة ربانية وضرورة شرعية حرص القرآن الكريم على تقريرها والتأكيد عليها في أكثر من موضع , فبتطبيق الأمة لهذه الفريضة يمكن فهم طبيعة العلاقة بينها وبين غير المسلمين لتحريم كل أشكال التبعية لهم وعدم مناصرتهم وعدم تأييدهم على إخواننا من المسلمين وذلك كله من أهداف فقه الواقع ومبادئه , فالقرآن تكفل بتنبيه الأمة بخطورة موالاة غير المسلمين فلا خير ولا نفع يرتجى للأمة من ورائهم , وذكر الآيات التي قررت طبيعة ونفسية غير المسلمين وبينت خططهم وخطرهم
3- مشكلة الوعي بما يدور حولنا
بين الباحث أن الإسلام يأمرنا بعدم الانكباب على أنفسنا والانسحاب من العالم بل يطالب المسلم بأن يكون له دور ريادي وقيادي في هذا العالم ولن يتحقق ذلك هذا إلا من خلال وعي المسلم بما يدور حوله من أحداث ومجريات , وضرورة ان ينظر لها من منظار التاريخ والسنن الكونية ويحكم عليها بأدوات الشرع والعقل ويخضعها لعقيدته التي يؤمن بها ليستنتج مدى تأثير هذه الأحداث والوقائع على كيان الأمة , ولهذا فصدر سورة الروم حجة في باب فقه الواقع وبيان وعي المسلم بما يدور حوله من أحداث تؤثر عليه
4- مشكلة عدم توقع رد الفعل
من بين مشاكل الأمة التي تحياها تأخر رد فعلها على المواقف لعدم توقع تلك الردود من أعدائها قبلها , ولهذا تظل الأمة الإسلامية دوما في هذه المرحلة في مرحلة رد الفعل لا في مرحلة الفعل, وهذا من عين فقه الواقع , والقرآن الكريم يمتلئ بالآيات الكريمة التي تلفت أنظار المسلمين إلى ردود الأفعال المتوقعة من اليهود ومن مشركي العرب في قضايا مثل تحويل القبلة وغيرها والتي كانت تبدأ بـ " سيقول " ليتجهز المسلمون برد فعلهم قبل أن يصدر من أعدائهم .
5- سوء الظن وتعجل التهمة
هذه القضية من القضايا الخطرة ذلت التأثير السلبي على طبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعات , والحكام والمحكومين وهي من أشد الآفات فتكا بالأفراد والمجتمعات , فحذر القرآن الكريم من هذه الآفة تحذيرا مباشرا في كثير من الآيات عن طريق الإشارات مثل التماس أسباب البراءة للغير كما حدث مع الثلاثة خلفوا , وإشارة أخرى في عدم التعجل في التهمة وتغليب حسن الظن على سوء الظن .
6- مشكلة ضعف المسلمين في العدد والعدة عن مقاومة الكافرين
وجه القرآن المسلمين لأقوم الطرق وأعدلها لعلاج هذا الضعف في مقاومة الكفار بصدق التوجه إلى الله وقوة الإيمان به , فحينما يربط المؤمنون نصرهم وهزيمة الكفار بسنن الله الكونية الثابتة التي لا تتبدل تعمهم السكينة والثقة وتثبت قلوبهم , ولكن قد تتأخر النتائج لأجل معلوم يقدره ربنا سبحانه ولأسباب تتعلق باستقامة المؤمنين على الطريق لتهيئة الجو الذي يمكن أن يولد فيه النصر .
وختم الباحث بحثه بقوله "إن هذا العرض غيض من فيض لبعض مشكلات المجتمع المسلم وبيان علاجها وفق منهج فقه الواقع المستخلص من التدبر والتفكر في كتاب الله سبحانه " , وهذا هو الغرض الأهم من بحثه فلم يقصد بحثا استقصائيا لمشكلات الأمة ولعلاجها , فقد أجاد الباحث الكريم الطرق على نماذج من مشكلات الأمة وبين كيفية التعامل معها .
جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء والبحث يحتاج بالفعل لاستكماله والتوسع فيه والاستفاضة في عرض المشكلات وكيفية معالجتها تفصيليا , فجزاه الله كل خير .

ليست هناك تعليقات