Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

التصوف وإرضاء الفرقاء على حساب الدين

التصوف وإرضاء الفرقاء على حساب الدين بقلم يحيي البوليني  يردد الصوفية في مجالسهم العامة والخاصة فكرة أن التصوف جامع للفرقاء , ويعتبرو...

التصوف وإرضاء الفرقاء على حساب الدين
بقلم يحيي البوليني 


يردد الصوفية في مجالسهم العامة والخاصة فكرة أن التصوف جامع للفرقاء , ويعتبرون هذا من مفاخر التصوف ومكارم الصوفية , فمائدة التصوف كما يقولون تتسع للجميع , ويستدلون بان علاقة الصوفية متينة بكثير من الفئات والهيئات والمؤسسات بل وتشمل مختلف الأديان والعقائد والأفكار .

ولا شك أن التآلف والتحاب مطلوب بين المسلمين وهو أمر شرعي مأمور به من الله سبحانه وسنة نبيه , لكن إذا جاء مع غير المسلمين على حساب الدين والعقيدة فيعتبر خللا عيبا ومثلبة لا فضيلة وميزة , فرضا غير المسلم عن المسلم نقص في دين المسلم وطعن فيه كما قال ربنا سبحانه " وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ " .

والسبب الأهم الذي يجعل من الصوفية قاسما مشتركا في قبول كل أصحاب العقائد والأفكار غير المسلمة هو إيمانهم بالأفكار الصوفية التي عبر عنها ابن عربي في فتوحاته وسارت عليها الصوفية إلى يومنا هذا , ومنها فكرة دين الحب التي تعتبر مقدمة لفكرة وحدة الأديان الباطلة التي تصطدم تماما مع الدين الإسلامي .

فمحي الدين بن عربي الذي يلقب في الصوفية بلقب الشيخ الأكبر ترك في فتوحاته المكية تلك الفكرة الخبيثة التي لا تزال تردد في كل مجامع الصوفية والتي يرونها قمة التسامح والتعايش كما يطلقون عليها , فيقول 

لقدْ كنتُ قبلَ اليـومِ أُنكر صاحبي  ** إذا لم يكن ديني إلى دينِهِ داني

وقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة ٍ** فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ

وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة ُ طائفٍ *** وألواحُ توراة ٍ ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ ***     رَكائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني " [1]

ولهذا لم ينزعج ابن عربي إطلاقا من الحملات الصليبية المدمرة للأمة الإسلامية ولم يعقب عليها بشئ ولم يلتفت لها مطلقا ,  وفعل مثلما فعل أبو حامد الغزالي حين كتب كل دقيقة من دقائق النفس البشرية في كتابه إحياء علوم الدين ولم يذكر كلمة واحدة عن جهاد الأعداء في نفس الوقت الذي كان المغول يبيدون المسلمين في كل مكان يصل إليه شرهم .

فالصوفية في وضع تآلف كامل مع الأزهر السني ومع الحوزات العلمية الشيعية في نفس الوقت , وهم في تآلف كامل مع النصارى في البلدان الإسلامية وفي نفس الوقت يرضى عنهم الغرب في الخارج ويدعمونهم ويؤيدونهم كصورة وحيدة للإسلام , والصوفية في تفاهم شديد مع العلمانيين في الداخل ومع السلطات الحاكمة في كل البلدان على اختلاف توجهاتها وأفكارها بل على تفاهم كامل وتاييد مطلق لكل محتل طالما أصبح على سدة الحكم , فهل هذا الجمع بين كل هؤلاء الفرقاء ميزة ؟

الصوفية والأزهر .

لم تكن علاقة الصوفية بالأزهر علاقة تآلف فحسب بل علاقة اصيلة مندمجة , فمن انتسبوا للصوفية من علماء الأزهر عدد غير محصور , بل إن كثيرا ممن تولوا مشيخة الأزهر – وهي أعلى قمة في الأزهر – كانوا من كبار الصوفية , وكانت لهم مؤلفات في التصوف [2] , والآن على رأس الأزهر الشيخ أحمد الطيب وهو من شيوخ الطريقة الخلوتية التي أسسها جده أحمد الطيب الكبير في اسوان ويقوم على مشيختها الآن شقيقه لعدم تفرغه لها , ولهذا فالصوفية والأزهر متطابقان ولا يوجد خلاف بينهما .

الصوفية والشيعة

يمكن ان لا يكون غريبا الاتفاق بين الصوفية والأزهر , فهما من أهل السنة , ولكن الغرابة ان تجمع الصوفية مع هذا التوافق توافقا اغرب مع الشيعة , فرئيس ما يسمى بـ "الاتحـاد العالمي للطـرق الصوفية " الشيخ علاء الدين ماضي أبو العزائم، شيخ الطريقة العزمية رصدت له لقاءات مع عباس الدهلكي، مسئول بالمخابرات العرقية، وهو مقرَّب من الحرس الثورى الإيراني، من بينها اجتماع مغلق ضم القيادى الشيعي الطاهر الهاشمي وحسن الجنايني والشيخ الأزهري أحمد كريمة، في مطلع مارس الماضى [3] , ونشرت جريدة اليوم السابع على موقعها عددا من الوثائق والمستندات تثبت فيها علاقات بين علاء أبو العزائم بإيران ودول خارجية وأن ما سمي بمنظمة الاتحاد العالمي للطرق الصوفية تم انشاؤه من قبل إيران لاستخدام الصوفية قنطرة للتشيع , وأكدت تصريحاته تلك الخطة حين قال : " إنه لا فرق بين الشيعة والسنة، وإن هذا الخلاف سياسي , ونقلت عنه صحيفة "اليوم السابع" قوله خلال الاحتفال بذكرى مولد الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " إن إيران ليست عدواً، بل هي حبيبة المسلمين، رغم أنف السلفية والإخوان ".

الصوفية والنصارى

وأيضا ربما يقول البعض ما الضير من تقارب بين الصوفية والشيعة وهما يقولان ان الدين الإسلامي يجمعهما ؟ , ويأتي الجواب من العلاقة بين الصوفية والنصرانية , فعلى الرغم من أن الصحف المملوكة للنصارى في مصر أو المدعومة رسميا باموالهم تمتلئ استهزاء بالثوابت الإسلامية وتحاول ان تنال من الصحابة الكرام بل من مقام النبي صلى الله عليه وسلم , كنشر صحيفة اليوم السابع التي يدعمها نجيب ساويرس في يوليو 2010 رواية بعنوان ” محاكمة النبي محمد ” لروائي يدعي انيس الدغيدي وفيها الكثير من البذاءات في حق نبينا صلى الله عليه وسلم تحت عناوين مثل " الأسرار الحمراء لعلاقة محمد بالنساء " وتولت قنواته الفضائية الدفاع عن ما أسمته بحق الجريدة في الحرية الفكرية واعتبار رفض وإنكار العلماء وغيرهم من الناس لهذه البذاءة إرهابا فكريا .

وعلى الرغم من هذا وفي نفس العام 2010 / 1430هـ اختار محمد علاء الدين ماضى أبو العزائم شيخ الطريقة العزمية ورئيس مجلس إدارة مجلة "الإسلام وطن" نجيب ساويرس كشخصية العام 1430هـ وتم تكريمه كما يقولون "لما قدمه لمصر وشعبها من أعمال خيرية كثيرة " !! , وفي العام التالي كان لقاء ساويرس في مقر مشيخة الطريقة الرفاعية بالشيخ طارق الرفاعي رئيس الطريقة الرفاعية وعدد من رموز الطريقة ومشايخها , وفي أثناء اللقاء وقع الرفاعي على استمارة عضوية للحزب الذي أسسه ساويرس ووقع معه عدد كبير من أعضاء الطريقة الرفاعية .

الصوفية والعلمانية .

رغم ان العلمانيين في كل دول العالم الإسلامي ينالون من الثوابت الإسلامية فيحاربون الشريعة ويرفضون الحجاب ويتجرأون على الذات الإلهية وعلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم  ويقدحون في الصحابة وغير ذلك الا أننا لم نر الصوفية تتحرك تجاه هذه القضايا قط , بل نرى توافقا وتقاربا وثناء متبادلا بين الصوفية والعلمانية , فكلاهما متفق على الفكرة الأساسية وهي إخراج الإسلام من دائرة الحياة والتأثير , فالعلماني لا يريد للإسلام ان يخرج من بين جدران المسجد فلا اثر له في حياة الناس , وكذلك الصوفي لا يريد إلا أن يكون الإسلام إلا مسجدا أو زاوية ومجلس سماع للإنشاد وتمايل على نغماته وحضرة ذكر تنتهي عند جدران الزاوية أو المسجد .

فحينما حول الصوفية الإسلام إلى طقوس وثنية وأهازيج الشعرية وطبول ومزامير وتمايل ورقص رضي العلمانيون عنهم وأثنوا عليهم وساهموا في نشر كتبهم القديمة بل وبتقديم أولياء الصوفية للأمة على أنهم هم الأئمة الأعلام الهداة لهذا الدين , فالدكتور يوسف زيدان كنموذج للعلمانيين يهتم بأن يقدم برنامجا تليفزيونيا يسوق فيه أولياء الصوفية ويمدحهم بكثير من الإجلال والتوقير , فيقدم شخصية ابن عربي وابن سبعين وأبي مدين الغوث والحلاج والشبلي وغيرهم على مدى ثلاثين حلقة , وبالمثل يثني العلمانيون على شيوخ الصوفية ويعتبرونهم اعلم الناس بالدين وينعتون مخالفيهم بالجهل في الدين والتشدد والسطحية وغير ذلك من أقذع الأوصاف .

الصوفية والغرب

فعلى الرغم مما يفعله العالم الغربي في مواجهة الاسلام وما يفعله من التضييق على ابنائه , فلا يمكن القول بأن الغرب يشجع الاسلام او يدعمه الا أن للصوفية عند الغرب مقام كبير, فلجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية أوصت بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية .

وكان تعليل الغرب لذلك قادحا في الصوفية لتؤكد ابتعادها عن صحيح الاسلام , فحسبما جاء في الكتاب الشهير " العالم الإسلامي بعد أحداث 11/9 جاء فيه المفاضلة بين الفرق والجماعات في الاسلام  جاء وصفهم للصوفية  بقولهم : "يشكلون غالبية المسلمين اليوم وهم محافظون على معتقداتهم الإسلامية وتقاليدهم المحلية ، غير متشددين ، يعظمون قبور القديسين ويؤدون عندها الصلوات ، يؤمنون بالأرواح والمعجزات ويستخدمون التعاويذ ، ومجموعة الاعتقادات هذه أزالت تماما التعصب والشدة الوهابية وأصبح الكثير من التقليديين يشابهون الصوفية في السمات والاعتقادات ، لا يرون تضارباً بين معتقداتهم الدينية وولائهم لدولهم العلمانية وقوانينها " [4].

ولم يغب عن الاذهان التعاون بين الحركات الصوفية وبين كل أو معظم الحكومات والأنظمة على السواء في مختلف العالم الاسلامي بل وتعاون بعضهم من المحتلين بدعوى أن الله هو من اقام المحتلين حكاما فلا ينبغي عليهم جهاد هؤلاء المحتلين , ومن امثلتهم حديثا تعاون وتعامل الطريقة الصوفية القاسمية في فلسطين مع المحتل الصهيوني دون ان يتخذوا خطوة واحدة في جهاده .

وفي النهاية , لا تزال الصوفية تتقلب بين احضان الفرقاء , فلا ولاء ولا براء , ولا موقف ثابت سوى انهم يدعون أنهم على دين الحب الذي لا يفرق بين كعبة طائف ولا بيت اوثان , فالكل عندهم يعبد الله تطبيقا للمعتقد الباطل بوحدة الوجود ووحدة الاديان .

فهل كانت عبارة " التصوف يجمع الفرقاء " مدحا للتصوف ام قدحا في فكرة الصوفية ؟؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

[1] ديوان ترجمان الأشواق، محيي الدين ابن عربي دار صادر بيروت. سنة 1966. ص. 43

[2] وهم الشيخ  إبراهيم البرماوي رقم 2 في ترتيب شيوخ الأزهر , والشيخ أحمد الدمنهوري رقم 10 والشيخ أحمد العروسي رقم 11 والشيخ عبد الله الشرقاوي رقم 12 والشيخ مصطفى العروسي رقم 20 والشيخ مصظفى عبد الرازق رقم 31 والشيخ عبد الحليم محمود رقم 40

[3] نشرته مجلة البوابة في موقعها على الانترنت يوم الأحد 26-04-2015

[4] كتاب [العالم الإسلامي بعد أحداث 11/ 9 ، The Muslim World After 9/11].وهو بحث تفصيلي يهدف إلى التعرف على الحركات والمذاهب الدينية القادرة على التغيير والتأثير في المشهد الديني والسياسي في العالم الإسلامي وقد صدر كتقرير بتمويل من القوات الجوية الأمريكية ، والكتاب يقع في ( 567) صفحة.


ليست هناك تعليقات