Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

إبن سبعين .. الأب الحقيقي لعقيدة وحدة الوجود الصوفية

إبن سبعين .. الأب الحقيقي لعقيدة وحدة الوجود الصوفية بقلم : ييحيي البوليني  لم يتبدل حال الفكر الصوفي ولم ينقلب إلى عقيدة خارجة ع...

إبن سبعين .. الأب الحقيقي لعقيدة وحدة الوجود الصوفية
بقلم : ييحيي البوليني 






لم يتبدل حال الفكر الصوفي ولم ينقلب إلى عقيدة خارجة عن الإسلام تماما بإيمانهم بالعقائد الباطلة كوحدة الوجود إلا في القرن السابع الهجري الذي مثل نقطة التحول الكبرى في تاريخ الصوفية , ولم تظهر هذه العقائد إلا في المغرب الإسلامي لتنتقل بعده إلى المشرق ويسلم بها صوفية المشرق والمغرب الذين انقادوا خلف هؤلاء الضالين المضلين .

وتولى كبر هذه  الفلسفات التي امتزجت بالصوفية وأدخلت على الفكر الإسلامي اكبر ثلاثة من فلاسفة الصوفية واليهم يرد هذا الانحراف الخطير وهم على الترتيب " السهروردي, ابن عربي , وثالثة أثافيهم ابن سبعين  " الذين نقلوا الفلسفات القديمة والمعاصرة ومزجوها بالفكر الإسلامي في خلط لا يتسق ثم خرجوا على الناس بفلسفات لا يعرفها أهل الإسلام وكانت لهم من الآراء العقائدية الخارجة عن العقيدة الإسلامية .

وعلى خطورة ابن سبعين – كواحد من ثلاثة غيروا مسار الصوفية بالكامل - وأثره الذي تركه في الأمة كان اقل الثلاثة عناية بإبراز دوره لأسباب منها انه كان أكثر الثلاثة إلغازا وغموضا في كتاباته فيكاد القارئ يجزم على وجود معنيين لكل لفظ من ألفاظه معنى ظاهر وآخر باطن , ولان كثيرا من كتاباته لم تطبع , ولكونه كان مولعا بالسحر والكيمياء وهما علمان أساسهما السر والكتمان والألغاز والأحاجي فكانت لغته من أهم أسباب انصراف الباحثين عن البحث في كتاباته فلم ينتبه الناس لعظيم خطره على أهل الإسلام .

وكذلك كانت آراؤه مثل لغته , لا تقل عنها صعوبة وغموضا , فما سماه بنظرية الوحدة المطلقة التي اعتبرها الهدف الأسمى لفلسفته ولتصوفه ليست إلا صورة من صور عقيدة وحدة الوجود , فخرجت صورة غامضة اشد الغموض وصارت من أدق المذاهب الفلسفية واعقدها .

وابن سبعين هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد المرسي الأندلسي الصوفي , اختلف فيه الناس وتباينوا تباينا شديدا سواء في حياته أو بعد مماته  , فالصوفية يثبتون له القطبانية , وهي أعلى مكانه في الولاية عندهم ويصفونه بأنه كان إماما عارفا جامعا للفضائل كلها , وأهل الشريعة يعلنون كفره وزندقته صراحة ويثبتون خروجه عن الإسلام وضلاله , فيقول ابن الخطيب :" وأغراض الناس في الرجل – يقصد ابن سبعين – متباينة بعيدة عن الاعتدال , فمنهم المرهق المكفر – ويقصد بهم علماء الإسلام -  , ومنهم المقلد المعظم – ويقصد بهم الصوفية - , وحصل له بطرفي هذين الاعتقادين من الشهرة والذيوع ما لا يقع لغيره " [1].

ولازم الغموض حياة ابن سبعين حتى لحظة انتهائها , فلا تدل المصادر التي ترجمت لحياته على سبيل اليقين رغم تعددها على تفصيل حول حياته الصوفية ولا عن شيوخه وأساتذته الذين تأثر بهم , ولا عن أسرته ونشأته , بل صاحبه الغموض حتى لحظة وفاته , فقال الذهبي  " وسمعت أنّ ابن سبعين فَصَدَ يديه ، وترك الدَّم يخرج حتّى تصفّى ، ومات والله أعلم بصحّة ذلك "[2] , بينما أنكر الصوفية تلك النهاية وقالوا أنها من تشويه أعدائه له , والعجب أنهم يقصدون بأعدائه علماء أهل السنة الثقات مثل ابن تيمية والذهبي وابن كثير وغيرهم .

ولازم الطرد من بلاد المسلمين أيضا حياة ابن سبعين في خلال مسيرة حياته كلها , فطرد من الأندلس ثم من المغرب ثم من مصر ثم من مكة لان كلماته في العقيدة كانت تسبقه فتمنع دخوله أو تلحقه فتتسبب في طرده نتيجة إعلاء العلماء لكلمة الله وبراءتهم من كلمات هذا الضال .

وقد نقل عنه من العقائد والأقوال والأفعال ما يجعل كل من يخضع كتاباته لميزان الشرع يحكم بزندقته وخروجه عن ملة الإسلام .

عقيدته الأساسية "وحدة " وهي عين وحدة الوجود

يبدأ ابن سبعين كتابه " الألواح " [3] بعبارة "الله فقط " فيصدر بها كل لوح يكتبه وهي القضية الكبرى في مذهبه بما سماه بـ "الوحدة المطلقة " فيقول في شرحها : " لا وجود لكل إلا في جزء , ولا لجزء إلا في كل , فاتحد الكل بالجزء , فارتبطا بالأصل وهو الوجود , وافترقا بالفرع , فالعامة والجهال غلب عليهم العارض وهو الكثرة والتعدد , والخاصة العلماء غلب عليهم الأصل وهو وحدة الوجود " [4] .

ويستطرد شرحه بقوله " فالله هو الجامع لكل شئ في نفسه , والحاوي لكل وجود ظاهر وباطن , ومنظر الضد لضده فيه بعين الملامة والتودد " [5] .

ثم اصطنع في تفسيره للوجود نظرية نقلها عن افلوطين السكندري في فيض الموجودات عن الواحد وهي مزيج من العقائد الفاسدة الباطلة فخلطها بالعقائد الإسلامية فخرجت نسيجا جديدا مشوها ومبتورا .

العلماء والفقهاء الذين أنكروا على ابن سبعين أقواله وعقائده :

كان أولهم الفقيه التونسي أبو بكر بن خليل السكوني , فهاجمه عندما دخل ابن سبعين لتونس فاجتمع مع السكوني فقهاؤها على ابن سبعين فاضطر إلى الهرب منهم , فيقول ابن خلدون "فتنمر له المشيخة من أهل الفتيا وحملة السنة وسخطوا حالته وخشي ابن سبعين أن تأسره البينات فلحق بالمغرب ونزل مكة " [6]

ولم يستطع ابن سبعين دخول مصر والبقاء بها لان فقهاء تونس حينما أخرجوه أرسلوا رسولا يسبقه إلى مصر وحذروا الناس من إلحاده وقوله بوحدة الوجود وأرسلوا قوله في كتبه :" أنا هو وهو أنا " [7] , فلم يقم بها لقيام شيوخ مصر ومنهم القسطلاني [8] بمهاجمة عقائده الضالة , فصنف القسطلاني مصنفا خاصا للرد على عقيدة ابن سبعين وغيره في عقيدتهم الباطلة وحدة الوجود .

ولكن الجهد الأكبر والنصيب الأوفر في الرد على عقيدة وحدة الوجود وعلى ابن سبعين خاصة كان من جهد ونصيب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي حمل عليه وعلى عقيدته الصالة في العديد من مصنفاته , فكان منها " رسالة الفرقان بين الحق والباطل " و"رسالة العبودية " و" الرسالة السبعينية " المعروفة باسم "بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية , وأيضا في منهاج السنة النبوية " , وفي "إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين بها " وفي "الرسالة الاصفهانية "  وفي غيرها الكثير .

وبين شيخ الإسلام في هذه الرسائل أن القول بالوحدة المطلقة التي قال بها ابن سبعين ليست إلا وحدة الوجود الصوفية , وأنها تجعل الخالق والمخلوق كيانا واحدا , وتستلزم جواز عبادة الأصنام وكل المعبودات الباطلة من دون الله باعتبار أن كل هذه الصور هي صور لله – حاشاه - , فعباد الصنم في تصور ابن سبعين وأشباهه لم يعبدوا إلا الله في صورة الحجر والشجر .

وبين شيخ الإسلام القول الكفري الباطل لابن سبعين بان النبوة مكتسبة وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا , وهو في هذا يطابق قول السهروردي المقتول , ولقد تأكد هذا بفعل ابن سبعين حيث كان يلازم غار حراء في مكة منتظرا أن يهبط عليه الوحي من السماء

ويعدد ابن تيمية رحمه الله في "الاصفهانية" مخازي الزنديق ابن سبعين ومن وافقه من فلاسفة الصوفية فيقول : " ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة فصار كثير منهم يطلب أن يصير نبيا كما جرى للسهروردي المقتول" ولابن سبعين، ولهذا كان ابن سبعين يقول: لقد زدت في حديث قال: لا نبي بعد نبي عربي!!

وهؤلاء يجعلون النبوة إنما هي من جنس واحد وقوة الناس في العلم والقدر ة لكن يقول بينهما من الفصل بإرادة النبي الخير وإرادة الساحر الشر ويقولون: الملك والشيطان قوي لكن قوة الملك قوة صالحة وقوة الشيطان قوة فاسدة!!

وأما من يقول الملائكة والجن هم جنس واحد لا فرق بينهما في الصفات فهؤلاء يقولون إن هذا القدر يحصل نوع منه لغيرهم من الأولياء لكن يحصل لهم ما هو دون ذلك وهذا على طريقة عقلاء المتفلسفة الذين يفضلون النبي على الفيلسوف والولي كابن سينا وأمثاله.

وأما غلاتهم كالفارابي وأمثاله الذين قد يفضلون الفيلسوف على النبي كما يفضل أشباههم كابن عربي الطائي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرهما  فإنهم يفضلون الولي على النبي وكان يدعي أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى النبي ، وإن الملك على أصلهم هو الحال الذي في نفس النبي والنبي بزعمهم يأخذ عن ذلك الحال والحال يأخذ عن العقل ثم زعم هذا إنه يأخذ عن العقل الذي في هذا الخيال فلهذا قال: إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ما يوحي به إلى النبي فهؤلاء شاركوهم في أصل طريقهم لكن عظم ضلالهم وجهلهم بقدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أن أصل معرفة هؤلاء بقدر النبوة معرفة ناقصة بتراء... ))[9]

وكان ابن تيمية يعتبر أن ابن سبعين أكثر خطرا وضررا من ابن عربي رغم شهرة الأخير وتخفي الأول , فيقول شيخ الإسلام " وابن سبعين اعلم بالفلسفة من ابن عربي , وأما الكلام فكلاهما يأخذ من مشكاة واحدة من مشكاة صاحب الإرشاد واتباعه كالرازي وغيره " [10] .

وبين حقيقة ابن سبعين أيضا الحافظ الامام شمس الدين الذهبي , فذكره مشنعا عليه كما ذكر ابن عربي وابن الفارض وغيرهم , ثم ختم كلامه بعد ان عرض اقوالهم وعقيدتهم , بقوله " فإن هذا الكلام شر من مقالة من قال بقدم العالم , ومن عرف هؤلاء الباطنية عذرني , ومن لم يعرفهم فالله يثيبه على حسن قصده , وأما مقالتهم فلا ريب أنها شر من الشرك "

وذكر عددا من كلمات ابن سبعين يستهين فيها بمقام النبي صلى الله عليه وسلم   

فقال الإمام الذهبي: ((اشتهر عنه أنه قال: لقد تحجر على نفسه ابن آمنة ـ يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ـ واسعاً بقوله: لا نبي بعدي)).

ووصفه بالزندقة فقال : ((كان صوفياً على قاعدة زهاد الفلاسفة وتصوفهم ، وله كلام في العرفان على طريق الاتحاد والحلول والزندقة ، نسأل الله السلامة في الدين)) [11].

ولم يسكت عنه وعن عقيدته الباطلة من كل عصر عدوله وعلماؤه , فبينوا واظهروا حقيقته وحقيقة زندقته مثل الإمام ابن كثير وابن دقيق العيد وأبو حيان الأندلسي صاحب التفسير وغيرهم .

ولكنه عندما ذهب إلى مكة أعلن مذهبه في وحدة الوجود ودعا إليه وصنف فيه مصنفات شهرها أتباعه المعروفون بالسبعينية فانخدع به وبها أمير مكة فصارت له عنده منزلة عظيمة وخاصة أنه كان مشهورا بعلم الكيمياء والسحر , فعالج الأمير من مرض عضال فلزمه الأمير وقال بقوله ، فجاء في شذرات الذهب : (شاع ذكره وعظم صيته وكثرت أتباعه على رأي أهل الوحدة المطلقة، وأملى عليهم كلاماً على رأي الاتحادية، وصنف في ذلك أوضاعاً كثيرة وتلقوها عنه وبثوها في البلاد شرقاً وغرباً) [12]

ثم طارد علماء أهل السنة من مكة وضايقهم حتى اضطرهم إلى الخروج منها ومنهم الشيخ قطب الدين القسطلاني من مكة الذي عاد إلى مصر " [13] , لكن الله سبحانه أهلكه وهو خارج من مكة فقيل مات منتحرا وقيل مسموما , فاراح الله البلاد والعباد من شره .

إن الأب الحقيقي الذي نشر عقيدة وحدة الوجود هو ابن سبعين وليس احد الفلاسفة الصوفية غيره , فهو أخطرهم على الإطلاق , وهو أعلمهم وأبرزهم , وهو أكثرهم علما بالفلسفة , وأكثرهم غموضا في كتابته , وهو الذي نشر عقيدة وحدة الوجود من مكة المكرمة , فانتشرت في بقاع الأرض .

ولئن مات ابن سبعين فان الفساد الذي تركه لا يزال موجودا , ويحتاج إلى كل العاملين المخلصين لدينهم لتبيان الحق فيه , تبيان أن هذه العقيدة تهدم الإسلام وتلغي الأديان , وتكرس للإلحاد في ديار المسلمين , فهذه هي اخطر ما في الصوفية , فليست الصوفية مجرد بدع فعلية ولا قولية فحسب , بل بدعا اعتقادية تخرج من الإسلام من اعتنقها وآمن بها عن علم ويقين .






[1] الإحاطة في أخبار غرناطة لمحمد بن عبد الله بن سعيد السلماني اللوشي الأصل، الغرناطي الأندلسي، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب ص 281

[2]  تاريخ الإسلام للذهبي [5 ـ332]. الطبقة التاسعة والستون, سنة أربع وثمانين وست مائة, حرف العين

[3] وهو نسخة خطية موجودة بمجموعة الخزانة التيمورية 

[4] في كتابه الألواح ص 132

[5] الألواح 129

[6] تاريخ ابن خلدون ج2 / ص416

[7] ذكره الشعراني في الطبقات الكبرى ج1 / ص15

[8] فقيه مصر الشيخ قطب الدين القسطلاني المتوفى سنة 686

[9] (الأصفهانية 1/141)

[10] الرسالة السبعينية ص 106

[11] تاريخ الإسلام للذهبي مجلد 30/ ورقة 27 ب وما بعدها

[12] شذرات الذهب في أخبار من ذهب - لعبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العكري الحنبلي  (5/329). .

[13] انظر "مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان " -  أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (4/171). .

ليست هناك تعليقات