تدبر القرآن ودوره في تربية العقل المسلم - سورة البقرة نموذجا د. محمد بن درويش درويش - مدرس بقسم أصول التربية كلية التربية – جامعة السو...
تدبر القرآن ودوره في تربية العقل المسلم - سورة البقرة نموذجا
د. محمد بن درويش درويش - مدرس بقسم أصول التربية كلية التربية – جامعة السويس
بحث مقدم إلى المؤتمر العالمي الأول لتدبر القرآن الكريم بعنوان: ( تدبر القرآن الكريم وأثره في حياة الأمة )
عرض وتلخيص : يحيي البوليني
لم يهتم منهج من مناهج التربية بالإنسان مثلما اهتم الإسلام , فجعله المحور الرئيس الذي تدور حوله التربية تتوجه له عنايتها , فالإنسان له شان عند الله سبحانه وله وزن في نظام الوجود , خلقه في أحسن تقويم , وجعله في هذا التركيب الجثماني البالغ الدقة والتعقيد وفي تكوينه العقلي الفريد , وفي تكوينه الروحي العجيب , فجعله سويا معتدلا كامل الشكل لأداء الوظيفة التي خلقه الله من اجلها .
ومن تمام نعمة الله على العبد أن انزل عليه القرآن وبه من الأفكار والقيم والتوجهات التي تشكل أعمدة البناء الشامخات للشخصية المسلمة , فكل كلمة فيه تسهم في بناء صرح تربوي لإنشاء الشخصية الصالحة السوية .
ولهذا من يتدبر القرآن ويتأمله في جميع آياته يجده واحدا منسجما في جميع أحكامه , فلا ينقض حكم حكما ولا تتضارب آية وأخرى ولا تختلف عقيدته مع شريعته وأخلاقه وأحواله التي أمر بها .
وكان اهتمام القرآن بتربية العقل المسلم كبيرا , فالقرآن الكريم يهدي للتي هي أقوم بالعقيدة الواضحة التي تعقيد فيها ولا غموض , فلا عقبة توضع أمام العقل ليعي ثوابت الدين , فالعقل مناط الوعي والبصر والإدراك و ومن ثم يرتبط الإيمان بالعقل في العقيدة الإسلامية , ارتباطا وثيقا وليس أدل من ذلك من تكرار الآيات في القرآن " لقوم يعقلون , يؤمنون , يتفكرون , يبصرون , يفقهون , يوقنون , ويسوق العبرة لأولى الألباب .
وذكر الباحث أن "أولى الألباب" تكررت في القرآن ست عشرة مرة , واللب هو العقل , ووظيفة العقل التدبر الذي كان منهجا مستخدما في التربية القرآنية , وركز الباحث على سورة البقرة إذ كان فيها طائفة غير قليلة من الآيات التي يمكن ان تعد مبدأ عاما يمثل مكونا أساسيا من عقلية الشخصية المسلمة .
وبعد هذه المقدمة سار الباحث في بحثه وفق محاور ثلاث :
المحور الأول : فضل سورة البقرة واهم موضوعاتها .
هي أول سورة أنزلت بالمدينة وجميعها مدني بلا خلاف حسبما أجمع المفسرون , وصح في فضلها عدة أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وسماها مع سورة آل عمران بالزهراوين أي المنيرتين في الإعجاز أو في وفرة الأحكام .
وتمتاز سورة البقرة بأنها تحدثت عن أركان الإسلام الخمسة وذكرت خلال المتقين فقد تكررت فيها مادة التقوى بضعا وثلاثين مرة .
وتتالف سورة البقرة على طولها من مقدمة وأربعة مقاصد وخاتمة , والمقاصد الأربعة هي :
1- دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام
2- دعوة أهل الكتاب خاصة لترك باطلهم والدخول في دين الحق
3- عرض شرائع هذا الدين تفصيلا
4- ذكر الوازع الديني الذي يبعث على ملازمة الشريعة ويعصم عن مخالفتها
والخاتمة تناولت التعريف بالذين استجابوا لهذه الدعوة الشاملة لتلك المقاصد
المحور الثاني : قواعد وأسس تربية العقل المسلم المستنبطة من ضوء تدبر السورة .
في هذا المحور ذكر الباحث مجموعة من القواعد والأسس لتربية العقل المسلم , ومن أبرزها ما يلي :
1- وضع المنهج الصحيح للنظر العقلي من خلال : القدرة على إصدار الأحكام بناء على الحجة والبرهان , تحرير العقل من التبعية والتقليد , الاعتماد على المشاهدة الحسية والمعرفة اليقينية , احترام إرادة الإنسان وعقله .
2- استنهاض قدرات العقل الإنساني من خلال : آيات تدعو إلى النظر والتأمل , آيات تدعو إلى التفكير , آيات تدعو إلى التذكر بمعنى الاتعاظ والاعتبار .
3- الدعوة إلى التأمل في نواميس الكون .
4- الدعوة إلى الحوار الهادف والبناء , فقد تعددت صور الحوار في سورة البقرة , ففي قصة آدم حوار بن الله عز وجل وملائكته وحوار بين الله وآدم , وحوار مع عدو الله إبليس , وحوار بين موسى وقومه , وحوار بين إبراهيم والنمرود .
5- الدعوة إلى المعرفة والتعلم عن طريق التساؤل , ففي سورة البقرة أسئلة كثيرة وجهها الصحابة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم فجاءت "يسألونك" في سبعة مواضع , فالسؤال باب العلم وهو مشروع بل مطلوب أيضا .
6- الدعوة إلى الاعتبار بقصص السابقين , ليكون القرآن هو الرائد الحي الباقي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لقيادة أجيال الأمة وتربيتها وإعدادها لدورها القيادي الذي وعدت به إذا تمسكت بالقرآن وبهديه .
7- الدعوة إلى التفكر في حكمة التشريع , ففي سورة البقرة تشريع القصاص وتشريع تحريم الخمر والميسر , وفيها تشريع الطلاق وبعض من أحكامه مع بيان العلة في اغلب ما ذكر ن تشريعات ليتدبر الناس في الحكمة وليعملوا بالتشريع .
المحور الثالث : التصور المقترح للاستفادة من قواعد وأسس تربية العقل المسلم المستنبطة من سورة البقرة في النهوض بعقل المتعلم .
وختم الباحث بحثه بالتركيز على دور المعلم للاستفادة من قواعد وأسس تربية العقل المسلم المستنبطة من سورة البقرة للنهوض بعقل المتعلم , فإذا كان المتعلم هو موضوع التربية فإن المعلم هو حجر الزاوية لتطبيق تلك القواعد والارتقاء بعقل المتعلم , وأوصى كل معلم باحترام جوانب شخصية المتعلم وإعطائها حقها , وبأن يحاول تحقيق التنمية الفكرية للمتعلم من خلال تنمية ذكائه , وان يسعلا إلى تربية عقول طلابه على تنظيم الأفكار وحسن الاستدلال والتفكير السليم من خلال تنشئتهم على ضرورة بناء الأحكام والبراهين على مقدمات صحيحة وان يشجعهم على طرح الأسئلة وان يحرص على الحوار والنقاش المتبادل مع طلابه .
ثم تحدث عن ضرورة استفادة المناهج من سورة البقرة في ضرورة النظر في طرق تقديم المحتوى التعليمي للطلاب وأساليب تعليمها وضرورة أن تأخذ القضايا المتعلقة بالتفكير والنظر والتدبر في القرآن اهتماما أكبر في مناهج التعليم مع محاولة توظيف الآيات التي تشير إلى استخدام الطرق العلمية العقلية في التفكير والاستدلال والنظر .
وختم بحثه بالنتائج التي توصل إليها وذلك قبل أن يذكر المحور الثالث ليسهم بالنتائج في وضع طرق الاستفادة من قواعد وأسس تربية العقل المسلم المستنبطة من سورة البقرة في النهوض بعقل المتعلم .
جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء على هذا البحث الذي يلقي الضوء على وسيلة منهجية مهمة ربما تغيب كثيرا عن مناهجنا الإسلامية ويجب تصحيح هذا الخطأ للاستفادة من كنز تربوي ضخم جعله الله لنا في كتابه الكريم .

ليست هناك تعليقات