Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

آفات الجماعات

آفات الجماعات بقلم يحيي البوليني  بتقييم منصف ؛ للجماعات الإسلامية التي انطلقت على الساحة في الكثير من البلدان الإسلامية وخاصة في ال...

آفات الجماعات
بقلم يحيي البوليني 



بتقييم منصف ؛ للجماعات الإسلامية التي انطلقت على الساحة في الكثير من البلدان الإسلامية وخاصة في الربع الأخير من القرن الماضي دور ايجابي ملموس لا يمكن إنكاره ولا تجاهله في العمل الإسلامي  
 فبالفعل تمكن شبابها من مقاومة المشروع التغريبي لعقود , بل وساهم أغلبهم في إعادة الوجه الإسلامي المشرق للكثير من الدول الإسلامية التي ما خرجت من حقبة " الاستعمار الغربي " إلا وهي خالية الوفاض – تقريبا - من القيم والسلوكيات الدينية  
وتمكن شبابها بروحهم الشابة الفتية من مقاومة مظاهر العلمانية بل وقاوموا موجة الإلحاد التي كانت تجتاح الأمة الإسلامية وتسري فيها سريان النار في الهشيم واستطاعت بفضل الله كسرها .

ففي فترة ما لم يكن هناك عاملون على الساحة الإسلامية إلا أبناء الجماعات الإسلامية وحدهم , فتحملوا على عاتقهم نشر هذا الدين والدفاع عن قضاياه أمام كل من يعاديه , ولا يمكن إهدار هذا الجانب الهام .

ولكن كما كان للجماعات إيجابياتها الكبيرة جدا على الساحة الإسلامية كان لها أيضا بعض السلبيات مثل الآفات المعروفة التي تنشا عادة وتصيب الجماعات الإنسانية على مختلف أعدادها أو إعدادها أو أماكنها .

ولعل ما قاله العلامة ابن خلدون [1]عن حياة الأمم ومرورها بمراحل تطورية متعاقبة في حياتها تشبه دورة حياة الإنسان ينطبق أيضا على الجماعات التي تمر غالبا بنفس المراحل , ولعل من اصدق القوانين التي استنبطها ابن خلدون في هذا الشأن ما قاله " إن المجتمعات المتشابهة التكوين تخضع لقوانين متشابهة ، مهما اختلفت تلك المجتمعات في الموقع الجغرافي أو الزمني ".

ولعل هذا ما يضعنا في هذا المقال وما بعده أمام الحديث عن الجماعات – رغم التباين الكبير بينها في الأهداف والمظاهر والمضامين - كوحدة واحدة خاضعة للدراسة , إذ تتناول وجهة النظر والدراسة كونهم مجتمعات إنسانية قامت على أهداف مشتركة لتحقيق غايات منفصلة وتحكمها لوائح منظمة .

وتنقسم وجهة التقييم النقدية لسلوكيات عدد من الجماعات الإسلامية وممارساتها إلى عدة نقاط رئيسية وهي :

1-   تباين النظرة للجماعة ذاتها مع نظرتها للجماعات الأخرى المماثلة  

2-   تنامي ظاهرة تكفير الغير والتساهل فيها في تعاملهم مع الجماعات الأخرى والعوام المجتمعات

3-   تبدل مفهوم الاستعلاء الإيماني لنظرة فوقية تجاه العوام

4-   تبني قضايا فقهية فرعية ورفعها إلى مصاف الأصول لخدمة أهداف الجماعات وتصوراتها

5-   اتخاذ توسعة باب الاجتهاد ذريعة لإثبات أحكام جديدة وترك ما اجمع عليه المسلمون .

وبداية نناقش مسالة تباين النظرة للجماعة ذاتها مع نظرتها للجماعات الأخرى المماثلة  فنجد أن هناك عدة مظاهر لهذا التباين تتفق فيها معظم الجماعات والحركات الإسلامية , وقلما في الأصل ما ينجو منها احد .

ويلاحظ أنه عند تناول هذه الآفات التي أصابت الجماعات الإسلامية نجد أنها ليست بآفات جديدة على المجتمعات البشرية , بل هي أمراض مرتكزة في النفوس البشرية منذ أمد بعيد وأنه ينبغي دوما تخليص المجتمعات والجماعات من آثارها المدمرة باستمرار وبصبر طويل .

فمشهد النظرة الاستعلائية التي يمر بها أفراد كل جماعة بشرية ما مشهد متكرر منذ العهود السحيقة في التاريخ , فلقد اختلفت كل الجماعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها في كل شئ لكنها اتفقت على شئ وحيد وهو أنهم وحدهم هم أفضل الخلق وصفوة الناس , فيقول الكاتب الإنجليزي وول ديورانت " إن كل الجماعات البشرية تقريبا تكاد تتفق في عقيدة كل منها بأن سائر الجماعات أحط منها؛ فالهنود الأمريكيون يعدون أنفسهم شعب الله المختار، خلقه "الروح الأعظم" خاصة ليكون مثالا يرتفع إليه البشر، وقبيلة من القبائل الهندية تطلق على نفسها "الناس الذين لا ناس سواهم" وأخرى تطلق على نفسها "الناس بين الناس" وقال "الكاربيون" "نحن وحدنا الناس"[2].

وهكذا انتشرت هذه الفكرة في الأديان والعقائد , فاليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار , والنصارى يعتقدون أنهم أبناء الله والساكنون الوحيدون لملكوت السماء , بل إن كل طائفة من طوائف النصرانية تدعي أنها وحدها على الحق وأن غيرهم من الطوائف ملعونون مطرودون من محبة المسيح ومن ملكوت السماء .

وهكذا في الإسلام , ظهرت فرق كثيرة كلها تدعي لنفسها أنها هي وحدها على الحق وأنهم وحدهم أيضا الفرقة الناجية غير متخلقين بشرط  ولا قيد , بل يعتبرون أن مؤهلهم الأول والوحيد للرفعة في الدنيا والنجاة في الآخرة هو الانتماء والانتساب فحسب  .

فالشيعة تعتبر محبة آل البيت وموالاتهم كافية للنجاة دون قيد ولا شرط , كما يروي علامتهم المولى محمّد صالح الكشفي الحنفي الترمذي، يقول : قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): «إنّ الله له الحمد عرض حبّ عليّ وفاطمة وذرِّيَّتها على البريّة فمن بادر منهم بالإجابة جعل منهم الرُسُل، ومَن أجاب بعد ذلك جعل منهم الشيعة، وإنّ الله جمعهم في الجنّة» عن خلاصة المناقب [3].

والله عز وجل جعل في المسلمين خيرية على الناس - وليس نظرة استعلائية – وذلك وفق شروط كسبية  ليس فيها أصل ولا عرق ولا نسب ولا مال , فليس فيها إلا السعي والعمل واكتساب الخير به , فقال سبحانه " كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ " , فلم يعرف الإسلام تكبرا من أفراده على غيرهم فضلا عن انه لم يعرف ولم يقبل كذلك وجود تكبر بين أفراد المسلمين وبعضهم البعض بناء على أي اختلافات كسبية أو وهبية بينهما .

وفي الجماعات الإسلامية المنتشرة على الساحة بل وفي الطرق الصوفية التي تمتلئ بها ديار الإسلام تبدو المشكلات الإنسانية للجماعات في الظهور والتبلور بوضوح .

وبهذا تحتاج لإلقاء المزيد من الضوء عليها .

1-   المغالاة في فكرة الجماعة ومفهومها وعلاقتها بالغير وطبيعة تفاعلها الذاتي

ولعل أول الأسباب التي تؤدي إلى الآفات هي الفكرة التي صارت يقينية عند الكثيرين وهي فكرة "وجوب العمل الإسلامي في صورة جماعية منظمة" , وجعلها فكرة غير قابلة للطرح الشرعي وللنقاش , ولهذا يجب إعادة النظر الشرعي فيها وتقييمها ومراجعتها وفق المصالح والمفاسد الواقعية التي نتجت من تبنيها وتطبيقها على واقع الإسلام والمسلمين .

ومن ثم ينبغي إعادة النظر في مدى مطابقة مفهوم الجماعة الشرعي الذي أمرنا بان نلزمه في الشرع الحنيف بما يوجد على الساحة من تنظيمات وولاءات وجماعات وأحزاب , فهل يمكن أن تعتبر الطرق الصوفية على اختلافاتها الكثيرة جماعات وفق التعريف الشرعي للجماعة , وهل يمكن اعتبار الاجتماع على شيخ واتباعه والانقياد له في كل ما يقول ويجتهد , هل يمكن اعتباره أتباعه جماعة ؟ .

وهكذا هناك مغالاة عند غالب الجماعات في النظر لنفسها بما تربي عليه أتباعها بأنهم هم الأفضل وهم المعنيون بمصطلح الجماعة الشرعي , وعلى هذا تتوجه أنظارهم للآخرين على أنهم دونهم في المكانة وأنهم ليسوا مثلهم 
فالصوفية بطرقهم يسمون نفسهم (أهل الله) وينظرون إلى غيرهم بأنهم لا يعرفون الله سبحانه حق معرفته وأن السبيل الوحيد للوصول إلى الله هو عن طريق التصوف لا سواه .

والجماعات التي تنسب نفسها للسلفية سواء كانت دائرة ومتمحورة حول شخص شيخ أو عدد قليل من الشيوخ تعتقد في نفسها أنها على طريق الصواب وحدها , وان غيرها إما مفرطون أو مبتدعة أو مقصرون أو أصحاب أهواء , بينما الحق والصواب ملك خالص لشيخهم أو لشيوخهم حتى يصل بهم الأمر إلا السير خلف الشيخ دون دليل فيكفيهم من الأدلة أن الشيخ اختار الأمر أو قاله  وينكرون على عموم الناس اتباع الأشخاص دون دليل ويقعون فيه هم أيضا إذ كثيرا ما تحول شيخ أو شيوخ باتباعهم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في القضايا دون إنكار من متبعيهم , بل ويسير أتباعهم خلفهم بنفس الحماس والتبرير .

والجماعات الجهادية على مختلف طوائفها تعتقد أنها أيضا تمتلك الحق المطلق بانطلاقها من ذروة سنام الإسلام وخاصة أن غاية احدهم أن يصل إلى الشهادة وهي أقصى أحلام المسلم , فتعتقد أنها تمتلك الصواب وتحتكره وتنظر لغيرها على أنهم متقاعسون أو مفرطون أو في اقل تقدير أنهم عندهم خلط في أولويات العمل للإسلام وأنهم ركنوا للدنيا واثاقلوا إلى الأرض .

والجماعات الفكرية التنظيمية كالاخوان المسلمين وغيرها يعتقد معظم افرادهم أنها تمتلك الصواب هي أيضا , فتثق في قدرتهم التنظيمية وفي إمكانياتهم الفكرية 
فتعتقد أنها وحدها قادرة على عبور كل الأزمات وحدها , فلا تحتاج لمشاركة غيرها , ولا تسعى لرأي ولا مشورة مع عموم أبناء الحركات الإسلامية الأخرى , فتحرم نفسها من آراء ورؤى وأفكار كان يمكن تجنب بها – بعد تقدير الله - مشكلات كثيرة وأخطار جمة , فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه .

وربما تنكر الجماعات الفكرية التنظيمية على غيرها عدم التجائهم إلى التنظيم الهرمي لإدارة الأتباع , وهو الأسلوب الذي يظهر – رغم فعاليته ونجاعته - كل يوم أخطاءه وأخطاره الكثيرة حيث يجعل الأفراد مجرد تروس في آلة ضخمة فيقضي على الإبداع الشخصي ويستلزم استنساخ نسخ مكررة من الناس لا تخدم العمل الإسلامي

وساهم أيضا في الآفات وجود فكرة خاطئة نتجت عن ترسخ فكرة الانتماء للجماعة والتعصب الكبير لها , وهي اعتبار الجماعة هي – وحدها - مصدر الحق , وان ما قرره الشيخ أو الأمير أو المسئول أو المكتب هو الحق بعينه , وان ما رفضته هذه الجهات الآمرة هو الباطل بعينه , فلا مجال لفكرة في الجماعة إذا رفضها أصحاب الأمر والنهي فيها , بل ربما لا مجال لشخص إذا تكرر اعتراضه على أصحاب الأمر والنهي سواء بدليل صحيح أو بشبهة غير صحيحة , ليكون المبدأ الصوفي الخاطئ " من اعترض انطرد " هو الأصل في الكثير من الجماعات .

فنتج عن ذلك التعصب للجماعة تعصب للقائد أو للأمير أو للهيئة التي تتخذ القرارات فيها , تعصب لرأيها وتبني مواقفها وتبرير أفعالها والدفاع عن قراراتها حتى قبل صدورها , فلا يمكن أن تكون الشيعة في وقت ما عند جماعة إسلامية الخطر الأعظم على الأمة ثم تصير الشيعة نفسها فريقا إسلاميا لا خطر منه ولا ضرر في وقت آخر دون مطالبة التابعين لمشايخهم بالدليل على هذا وذاك , ولا يمكن أيضا أن تكون الشريعة خط احمر في وقت من الأوقات ثم تتغير البوصلة فتصبح المصالح والمفاسد – في ذهن الشيخ واتباعه لا المصالح والمفاسد الشرعية المعتبرة - هي الخط الأحمر ويترك أمر الشريعة نهائيا , وهذا أيضا دون احتياج لدليل , لان رأي الشيخ أو القرار الصادر من الكبار له حجية الدليل  .

 ونتج عن هذا كله استبداد كبير من القيادة بالأفراد , استبداد فكري فلا رأي يعارض , واستبداد نفسي فأُحكم غلق الأبواب أمام الخروج من الشرانق التي نصبت في البداية والتي صورت للجميع أن الخروج من الجماعة يماثل ارتدادا ونكوصا وتخاذلا وتفريطا , واستبداد قلبي فلا يستطيع أحدهم أن يكون ذا علاقة طبيعية غير متوترة مع المجتمع أو مع غيره من الجماعات .

إن المنافع العظيمة التي قدمتها الجماعات الإسلامية للإسلام وللمسلمين تستلزم أن يهتم منظرو هذه الجماعات بالآفات التي أصابتها ليتم التخلص منها , فالكمال متعذر ولكن إصلاح الأخطاء مطلوب .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




[1] قاله العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى في المقدمة. الفصل الرابع عشر وقد أشار إلى أن الأمم لها أعمار طبيعية كالأشخاص ، وعندما ينتهي عمرها تنهار مثل الأشخاص وان انهيارها حتمي ، ويرى أن العمر الطبيعي لأي دولة هو في حدود 120 سنة ، ويتضمن ثلاثة أجيال كل جيل 40 سنة

[2] قصة الحضارة - ويل ديورانت - م 1 ج 4 الفصل الثالث: الأخلاق الاجتماعية

[3] المناقب المرتضوية: 97 ط. بمبي.


12‏/07‏/2015 6:19 م

ليست هناك تعليقات