حينما تتعذب الروح التي لا تعرف ربها وتهيم في ضلالات الشقاء , وحينما تشعر بأنها تتعرض لعقوبة في الدنيا نتيجة بعدها عن الله سبحانه ك...
حينما تتعذب الروح التي لا تعرف ربها وتهيم في ضلالات الشقاء , وحينما تشعر بأنها تتعرض لعقوبة في الدنيا نتيجة بعدها عن الله سبحانه كما قال في كتابه العزيز" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " ,حينها تستجير الأرواح طالبة الخلاص والبحث عن البديل عن هذا الواقع المؤلم .
ولكن الشقاء كل الشقاء حينما تريد تلك الأرواح أن تتخلص من ضلال لتستبدل به عقيدة تبحث فيها عن راحتها , فأعظم شقائها أن تقع بين ضلال آخر مساو لنفس الضلال والهلاك الذي يعيشون فيه وعاش ومات عليه آباؤهم وأجدادهم .
هكذا فعل فريق من الناس في الهند حينما ضجوا بالهندوسية في ظل النظام الطبقي الشديد الذي يحكمهم ويعرضهم للمهانة والمذلة , فبحثوا عن عقيدة جديدة وتمنوا ظهور جيل جديد من الزعماء الروحيين بدلا من البراهمة الذين أذلوهم وطغوا عليهم واستعبدوهم باسم الهندوسية , فوقعوا في هذا الغي والضلال المسمى بالجينية أو الجينتية ( jainism ) .
البداية:
كنتيجة للصراعات بين الطبقات انشقت الجينية عن الهندوسية في القرن السادس قبل الميلاد على يدي رجل يدعى مهافيرا , ولا زالت موجودة إلى يومنا هذا تقريبا بنفس العقائد والأفكار التي ولدت عليها
المؤسس :
ولد مهافيرا أو مهاويرا سنة 599 ق.م وكان ابنا لأمير من أمرائهم وكان في طريقه للدراسة والرهبة لكنه بعد وفاة والده انطلق في الصحراء اثنتي عشرة سنة كاملة صائما عن الكلام ثم عاد ودعا الناس لعقيدته الجديدة المنبثقة من الهندوسية والتي تمثل ثورة عليها .
ولم يكن مهاويرا اسمه الحقيقي فقد كان اسمه فردهامانا , لكنه بعد عودته وإطلاقه تلك الديانة الجديدة أطلق عليه أتباعه لقب مهافيرا , ومعناه في لغتهم البطل العظيم كما يطلقون عليه كذلك لقب " جينا " ومنه استمد اسم الديانة ومعناه القاهر لشهواته والمتغلب على رغباته .
دعا جينا إلى التحرر من قيود الحياة وبدأها بالتحرر من شعر جسده فحلقه تماما وثنى بالتحرر من لابسه تماما ليصبح مصدر قوته اليومي من الصدقات التي كانت تُقدم إليه , ليبتعد كما يزعم عن الشعور بالقيم كالعيب والإثم والخير والشر !!!
ولا يعتقد أن هناك فصلا بين انتشار الجينية وتأثرها باللعبة السياسية , حيث كان للسياسة أثرها الكبير في نمو دعوته وانتشارها , فمنذ أن عاد جينا إلى مدينته بدأ بدعوة الناس لديانته الجديدة بادئا بالمقربين منه ثم توسع فخاطب أهل مدينته وراسل كثيرا من القادة والملوك والحكام فوافقه الكثيرون رغبة في التخلص من السلطان السياسي للبراهمة ليكون نمو الديانة الجديدة محركا للأحداث السياسية لإحداث ثورة على البراهمة .
مات بعدما جاوز السبعين بقليل تاركا ديانة وثنية كفرية ليحمل إثمها وإثم من تبعها وعمل بها ليوم القيامة , وليصدق عليه قول الله سبحانه " قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً " .
وانقسمت تلك الديانة الباطلة بعد موته كما هو المألوف من دعوات الباطل إلى ثمانية أديان مختلفة في كثير من العقائد , وكل منهم يدعي انه الصواب الذي لا صواب غيره .
العقائد في الديانة الجينية
- ليس لهم كتاب محدد وكل ما يعرفونه من نصوص لها قداسة هي مجرد خطب ( حوالي 55 خطبة ) ألقاها "جينا" واجابته عن بعض الأسئلة ( 36 سؤالا ) , وفقد فشلوا في تدوينها لعدة قرون لعدم اجتماعهم عليها
- بعد عشرة قرون كاملة حاولوا الاتفاق عليها ولكن اختلفت كل فرقة منهم بكتابها الخاص.
- عدم الاعتراف والكفر بما سمي بآلهة الهندوس كلهم وخاصة ( برهما – فشنو – سيفا ) فأطلق عليهم الهندوس لذلك لقب " الملحدون " أو " الحركة الإلحادية "
- لا يؤمنون بخالق واحد أعظم للكون ويقولون فقط بوجود أرواح خالدة يجري عليها التناسخ .
- رفعوا مهافيرا أو جينا لرتبة الآلهة واتخذوه معبودا لهم
- بدأت أجيالهم في التفريط والتنازل والمجاملة على حساب عقيدتهم فاعترفوا بآلهة الهندوس جميعهم إلا الثلاثة الكبار لديهم وهم ( برهما – فشنو – سيفا )
- وكذلك دعت أجيالهم إلى احترام براهمة الهندوس وهي الطائفة التي أنشئت الديانة الجينية لمقاومتها وعدم الاعتراف بها وللتخلص من ظلمهم وسطوتهم .
- لا صلاة ولا معابد ولا قرابين وذلك كرد فعل لسطوة الرهبان الهندوسيين مما جعل مهمة الراهب غير مرغوبة ولا مطلوبة فليس فيها سلطة ولا مال.
الأفكار:
- فكرة الكارما:
الكارما عندهم كائن مادي ملموس يمكن أن نفهمه بالشهوة , فعندهم يمتزج مع الروح ولا ينفك عنها , والسبيل الوحيد لتخلص الروح منه بترك كل الملذات والتقشف والحرمان من أي رغبة للجسد , وبلوغ التطهر عندهم – أي تخليص الروح من الكارما وهي ما تسمى عندهم بالنيرفانا أو الخلاص بالموت أو بالتدريب والحرمان.
- النجاة:
لأنهم يؤمنون بتناسخ الأرواح ويعتبرون التناسخ نوعا من العقاب الجسدي للروح , فلذلك يؤمنون أنه يمكن بالتدريب والحرمان تخليص الروح من الكارما وبعد ذلك تحصل الروح على نجاة أبدية فلا تتناسخ مرة أخرى بالعودة للأرض بل تصعد إلى السماء أو كما يسمون فوق الخلاء الكوني !!
- تقديس كل ذي روح:
يتورعون عن قتل أي حشرة أو طير أو حيوان بدعوى تقديس الروح فيه حتى أن كثيرا منهم لا ينظف المكان الذي هو فيه خشية أن يؤذي ذات روح وإن بعضهم ليضع غشاء على وجهه عندما يتنفس خشية أي يدخل خوفا رغما عنه أي كائن ويحرم أكثرهم الزراعة لئلا يكون فيها قتل الديدان والحشرات الصغيرة الموجودة في التربة وغير ذلك من السفاهات , أما بالنسبة للحيوانات فلا يأكلونها فهم نباتيون بالمجمل خشية الروح أيضا , ولا يدخلون شجارا ولا قتالا مهما اعتدي عليهم لئلا يسيلوا دماء من ذي روح .
- العواف أو قتل المشاعر الإنسانية:
يقوم رهبانهم بالتمرينات المتصلة الطويلة جدا لقتل كل إحساس إنساني داخلهم , فيصير احدهم كالجماد تماما ويعتبرون ذلك فضيلة , فلا يحب ولا يكره ولا يشعر بخوف أو حياء ولا بخير أو شر ولا بجوع أو عطش ينزع شعر جسده بلا الم يسير في الثلج عاريا أو على الجمر المتقد , فلا يشعر بشئ من ذلك
- العري:
يعتبرون عدم الإحساس بالحرج من التعري أمام الناس فضيلتهم العظمى فان شعر بنوع من الحرج دل ذلك على عدم ترقيه في هذا الدنس ودل ذلك على وجود بعض المشاعر لديه مثل العار أو الخجل , والكمال عندهم التخلص من أي شعور بالإثم حتى يتمكن من اجتياز اختبار الحياة ويصل إلى مرحلة النجاة والخلود !!
- الانتحار:
الانتحار عندهم غاية عظمى ومرتبة كبرى لا يصل إليها إلا الخاصة من الرهبان الذين يسلكون عشرات السنين حتى يصلوا للمرحلة التي تؤهلهم لذلك .
مواقع التواجد والانتشار:
لم تخرج تلك الديانة وانحصرت داخل الهند , ولهم معابدهم الخاصة في كهوفها , وكان لها تأثيرها البالغ على عدد من ملوك الهند المسلمين أثناء حكم المسلمين للهند
إن الضلال الإنساني لا يتوقف عند حد ولا يخضع لعقل ولا منطق , فطريق الحق واضح بين لا تنفر منه النفوس والفطر السليمة أما الأهواء البشرية التي سميت اديانا لن تعدو نزغة من شيطان وافقت هوى عند اصحابها , وصدق الله فالحق طريق واحد والضلال طرقه متنوعة " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " .
والحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.

ليست هناك تعليقات