القرآن .. محاولة لفهم عصري د. مصطفى محمود و الله حرم الزنا لأنه ضرر... و هنا سوف يطلع علينا رأي ( مودرن ) باريسي متحرر يقول: و ما الضرر؟ أي...
القرآن .. محاولة لفهم عصري د. مصطفى محمود
و الله حرم الزنا لأنه ضرر...
و هنا سوف يطلع علينا رأي ( مودرن ) باريسي متحرر يقول: و ما الضرر؟
أين الضرر في اثنين يتبادلان لذة بدون زواج لكن بتراض وراء جدران مغلقة و بعيداً عن العيون لا يكذبان على نفسيهما في شيء.. فما يفعلانه يقومان به حباً و وجداً و غراماً. و لا يؤذيان بعملهما مخلوقاً.. أين الضرر هنا ؟
و لنفهم الضرر لابد أن نضع الحب و الجنس في إطارهما الطبيعي حيث إرادتهما الطبيعية.
و الطبيعة جعلت من العاطفة و الجنس في إطارهما الطبيعي حيث إرادتهما الطبيعية.
و الطبيعة جعلت من العاطفة و الجنس وسائل للتكاثر و الإبقاء على النوع و عمار الدنيا.. و جعلت منهما أدوات إنتاج.
فإذا اجتمع رجل و امرأة و اعتزلا ركناً يتبادلان اللذة بدون تفكير في زواج أو بناء بيت.. و إنما لمجرد اختلاس متعة.. فإنهما يحولان الحب و الجنس من أدوات إنتاج إلى أدوات استهلاك و يستهلكان طاقة من أشرف الطاقات الحية خلقت لتبني أمماً و حضارات و يجعلان منها مجرد وسيلة إلى ارتجافات جنسية.
و حينما يجتمع رجلان على شذوذ جنسي.. فإنهما يقولان الشيء نفسه، سوف يقولان: إننا اجتمعنا على حب و رضا.. و إننا لا نضر أحداً، و إننا نستمتع و لا نؤذي أحداً.
و الشذوذ واحد في الحالين إذا أخذنا القوانين الكونية بعين الاعتبار و نظرنا نظرة شاملة إلى الموضوع.. فكلا الحالين انحراف بالطاقة الطبيعية عن أهدافها لمجرد دقائق من الارتجافات الجنسية.. و الفرق هو فرق في درجة البشاعة.. و في درجة المخالفة للنواميس الطبيعية.. المدلهان حباً و هوى، اللذان يرتمي الواحد منهما في حضن الآخر.. و يتعلل كل منهما بأنه صادق مع نفسه فيما يفعل.. هما في الحقيقة كاذبان.
لأن صدق الإنسان مع نفسه لا يكون صدقاً حقيقياً إلا إذا كان بالمثل صدقاً مع الطبع و الطبيعة.
و ليكون الإنسان صادقاً مع نفسه لابد أن يكون صادقاً مع طبيعته و مع النواميس الكونية العظيمة التي جاءت به إلى الدنيا، و إلا انقسم و انفصم و انشق على نفسه و تحول إلى جسد في ناحية.. و روح في ناحية.
و التي تحب رجلاً بحق.. لا تقول له: أريد أن أنام معك. و إنما تقول له: أريد أن أعيش معك العمر كله. أريدك أن تكون أباً لأولادي و سقفاً لبيتي و شرفاً لاسمي و رفيقاً مصاحباً لرحلة حياتي كلها.
و إذا لم تفعل هذا فإنها تكذب على نفسها. و هي خاطئة و إن ادعت لنفسها أنها جولييت.. بل إن الخاطئة التي تبيع عرضها لحاجتها إلى اللقمة سوف تتعلل بعذر الجوع.. أما هي فقد ابتذلت أشرف ما أعطتها الطبيعة بدون دوافع سوى تشنجات و رعشات عابرة و تلك الحكة التي تبحث عن مهدئ بين وقت و آخر بحجة الحب.. و هو كذب.. لأن حب المرأة يريد الرجل أباً لأبنائها و سقفاً لبيتها.. لا مجرد دواء مؤقت للحكة.
و الزنا إذا تحول إلى عادة ثم إلى سلوك و منهج حياة يؤدي إلى التفسخ الكامل للكيان.. و إلى انفصام الشخصية.. فيصبح الجسد في ناحية و القلب في ناحية.. و الروح في ناحية.. و بهذا يتم تخريب الفطرة، و هذا هو الضرر غاية الضرر.. و لهذا نقرأ في الإحصاءات أن أعلى نسبة للجنون و الانتحار تحدث في السويد و في روسيا برغم السعادة الجنسية و عدم الكبت و التحلل غاية التحلل.. و السبب هو ذلك الانفصام الذي يحدث للإنسان المتحلل في أعماق روحه فيفقده السلام الداخلي إلى الأبد.
و هكذا تأتي التعاليم الدينية لحكمة و أسباب لا مجرد رغبة الله في التسلط على خلقه و إنما محبة و رحمة و تنبيها إلى فائدة.
و يحرم الدين الزواج بين الأخوات، و بين الأم و ابنها، و الأب و ابنته لأنه يريد أن تنمو في الأسرة ألوان أخرى من العاطفة غير الشهوة.. كالأمومة و الأبوة و الأخوة و المودة.. و أن يكون الرباط الأسري هو التراحم ( لأنه هو الرباط الوحيد الباقي ).. أما ضرام الشهوات فهو يضرم معه الغيرة و الرغبة في التملك فيقتتل الإخوة على أختهم و تتفجر الأسرة من داخلها و تنهار.
هذا غير الأمراض الوراثية التي تصيب النطفة بسبب زواج الأخوات.
لم يكره الله للإنسان إلا كل ما هو كريه بالفعل.. و لم يحب له إلا كل ما هو محبوب.
و لذا جعل الطلاق مكروها لكنه ممكن إذا استحالت الحياة و جعل الكذب كبيرة الكبائر.
(( كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) )) [ الصف ]
و الكذب على الله غاية الإثم.
(( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا.. (٢١) )) [ الأنعام ]
فيكون إدعاء النبوة كذبا و التحريف في الكتب المقدسة زعما بأن آيات نزلت و هي لم تنزل.. هو منتهى الحرام.. لأنه الإضرار و التضليل للناس.
هذه هي الشريعة و هذه روحها.. إن الله أحل الطيبات و حرم الخبائث، و إذا تطهرت فطرتنا فسوف نحب لنفوسنا ما يحب لها الله بدون جهد و بدون مشقة.
و لهذا يزول التناقض في قلب المؤمن بين الله و شريعته و بين ما تمليه عاطفته الخاصة و يرغب فيه عقله.. فإذا بما يريده لنفسه هو ما يريده الله له.. و ما يتمناه لنفسه هو ما يتمناه الله له.
و لهذا يتوجه إبراهيم بالدعاء قائلاً:
(( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ.. (٤٠) )) [ إبراهيم ]
فيطلب من الله ما يطلبه الله منه.
و هذا غاية الإيمان و الثقة و منتهى الحب للشريعة.. حتى لتصبح الشريعة و الرغبة شيئاً واحداً.
و لا تعود للإنسان رغبة سوى ما يرغب الله.
و هذا درب الذين وصلوا.
يقول الله في حديث قدسي:
(( عبدي اطعني أجعلك ربانياً يدك يدي و لسانك لساني و بصرك بصري و إرادتك إرادتي و رغبتك رغبتي )).
و هؤلاء هم الأنبياء و الأولياء و المقربون الذين أمدهم الله بأسباب علمه و قدرته.
القرآن .. محاولة لفهم عصري د. مصطفى محمود
ليست هناك تعليقات