قصة قصيرة بعنوان "الأخرس" لعمرو الرديني في بداية حياتي اشتغلت فترة في مكتب اتصالات؛ وكان بيتردد عليا زباين كتير، لكن عمري ما نسي...
قصة قصيرة بعنوان "الأخرس" لعمرو الرديني
في بداية حياتي اشتغلت فترة في مكتب اتصالات؛ وكان بيتردد عليا زباين كتير، لكن عمري ما نسيت (الأخرس)!
كان راجل كبير، هادي وحزين.. اعتدت دخوله المكتب كل صباح، من غير سلام ولا كلام يديني ورقة صغيرة مكتوب فيها رقم (مباشر)، ويدخل الكابينة..
يقعد فترة طويلة جوه، وبعدين يخرج يحاسبني من سكات.. الحقيقة كان زبون مثالي، يعني عمره ما عصلج في دفع الحساب، ولا شخبط مثلاً على حيطان الكابينة زي زباين كتير.. لا بيشرب سجاير، ولا صوته عالي يزعج باقي المتصلين..
العجيب إنه ما كانش له صوت من الأساس!
ده اللي اكتشفته بعد فترة من مراقبتي ليه، لاحظت إنه مش بس مابيتكلمش معايا أنا لا ده كمان مش بيتكلم مع الرقم إللي بيطلبه، رغم إن الخط بيكون مفتوح طول فترة المكالمة بشكل طبيعي جداً!
يمكن ده اللي خلاني أهتم بأمره، يمكن ده اللي خلاني أسميه الأخرس؟
مش عارف، لكني حسيت إن في الموضوع سر ما، وده اللي خلاني أحتفظ بالرقم إللي كان بيطلبه معايا..
أيام طويلة مرت والأخرس بييجي في معاده المعتاد.. يديني الرقم، يدخل كابينته، ويقعد ساكت.. لكن شتان بين حالته وهو داخل، وحالته وهو خارج، وكأن المكالمة بتبث في روحه شيء!
فضل لغز الرقم والمكالمة والشخص الغامض محيرني بشكل كبير، لغاية ما انقطع فجأة عن الحضور.. يوم واتنين وعشرة...
ما بقتش عارف أعمل إيه؟ وهو المفروض أعمل حاجه أصلاً ولا لأ! المفترض إني ماليش دخل بأسرار الزباين، وعلاقات المتصلين.. لكن حكاية الأخرس شغلتني بصورة مش طبيعية..
بعد شهرين بالتمام، ولما فقدت أي أمل في حضوره من جديد.. قفلت عليا باب المكتب من جوه، وبصوابع بترتعش طلبت الرقم اللي كنت حفظته أساساً من كتر تكراره..
سمعت صوت الجرس، وانتظرت لحظات مرت ساعات، واتمنيت للحظة إن ماحدش يرد، وإن ماكانش يصح أعمل كده.. لكن فجأة الخط اتفتح، واتفتحت معاه طاقة من السعادة، بعد ما لقيت أجمل صوت ممكن تسمعه على وجه الأرض!
صوت واحده بترد بلهفة عجيبة واشتياق عظيم، كانت حفظت هي كمان الرقم والمعاد، وأكيد كانت فاكراني هو.. طبعاً أنا سكت تماماً، يمكن من سحر الصوت، أو بدافع الفضول.. المهم إنها اندفعت في المكالمة، ولقيتني بقعد مدة تقارب المدة إللي كان بيقعدها معاها أو تزيد!
((للدرجة دي كانت محتاجه تتكلم، وكان محتاج يسمع؟!))
قفلت الخط وانا حاسس إني في حلم، ومش فاكر قضيت باقي اليوم في الشغل إزاي.. لكن إللي أنا فاكره كويس إني تاني يوم جيت وانا كلي نشاط، وفي نفس المعاد قفلت الباب عليا من جوه، وأخدت جرعة السحر والحنان.. ومكالمة ورا التانية، ويوم يجر في يوم.. اتحولت أنا كمان لأخرس، مجرد مستمع.. واكتشفت إن الاستماع أحياناً بيكون أفضل كتير من الكلام، ويمكن عشان كده ربنا خلق لنا ودنين.. وبدأت أفسر تصرفات الراجل الغريبة، وألتمس له الأعذار.. ولقيت نفسي أنا كمان شتان بين حالتي قبل المكالمة، وبعد رحلة من الاستماع!.
المجموعة القصصية (يونيو) الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ٢٠١٧
ليست هناك تعليقات