﴿تأسيس دولة المرابطين - عبدالله بن ياسين﴾ : كان (عبد الله بن ياسين) الزعيم الأول للمرابطين، وجامع شملهم ، [٤٥١هـ =١٠٥٩مـ] من فقهاء المالكية...
﴿تأسيس دولة المرابطين - عبدالله بن ياسين﴾ :
كان (عبد الله بن ياسين) الزعيم الأول للمرابطين، وجامع شملهم ، [٤٥١هـ =١٠٥٩مـ] من فقهاء المالكية ، وكان من حُذَّاق الطلبة الأذكياء النبهاء النبلاء ، من أهل الدين والفضل ، والتقى والورع والفقه ، والأدب والسياسة ، مشاركًا في العلوم ، قال عنه الذهبي: «كان عالماً قوي النفس ، ذا رأي وتدبير».
عبد الله بن ياسين ومهمة الأنبياء: اتَّجه الشيخ (عبد الله بن ياسين) صَوْب الصحراء الكبرى ، مخترقًا جنوب الجزائر وشمال موريتانيا حتى وصل إلى الجنوب منها ، حيث قبيلة جُدَالة ، وحيث الأرض المجدِبة والحرُّ الشديد ، وفي أناةٍ شديدة ، وبعدما هالَه أمر الناس في ارتكاب المنكرات أمام بعضهم البعض ، ولا يُنْكِر عليهم مُنْكِر ، بدأ يُعَلِّم الناسَ ؛ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، وكان الناس في جهل مطبق يصفه (القاضي عياض) بقوله: كان الدين عندهم قليلاً ، وأكثرهم جاهلية ، ليس عند أكثرهم غير الشهادتين ، ولا يعرف من وظائف الإسلام سواهما.
ولكن ثار عليه زعماء القوم وأصحاب المصالح ، فهم أكبر مستفيد مما يحدث ، فبدأ الناس يجادلونه ويصدُّونه عمَّا يفعل ، ولم يستطع (يحيى بن إبراهيم الجُدالي) زعيم القبيلة أن يحميه ، ولكن لم يقنط الشيخ (عبد الله بن ياسين) ، وحاول المرَّة تلو المرَّة ، فضربوه وأهانوه ، ثم هَدَّدُوه بالطرد من البلاد أو القتل ، إلا أن موقف الشيخ لم يَزْدَدْ إلاَّ صلابة ، ومرَّت الأيام وهو يدعو ويدعو ، حتى طردوه بالفعل.
عبد الله بن ياسين ونواة دولة المرابطين: جلس (عبد الله بن ياسين يُفكِّر ويمعن النظر ، فهداه ربُّه ، فما كان منه إلاَّ أن تعمَّق في الصحراء ناحية الجنوب بعيداً في أعماق القارة الإفريقية ، حتى وصل إلى جزيرة يُرَجَّح أنها تقع في منحنى نهر (النيجر) ، على مقربة من مدينة تنبكتو ، فمن هنا بدأ أمر المرابطين ، يصف ابن خلدون هذه الجزيرة بقوله: «يحيط بها النيل، ضَحْضَاحًا في الصيف، يخاض بالأقدام، وغمراً في الشتاء يُعْبَر بالزوارق».
صنع (عبد الله بن ياسين) خيمة بسيطة ، وكان من الطبيعي أن يكون في جُدَالة بعض الناس - وخاصَّة من الشباب - الذين تحرَّكت قلوبهم وفطرتهم السويَّة لهذا الدين ، فحين علموا خبر شيخهم في مقرِّه البعيد هذا ، نزلوا إليه من جنوب موريتانيا ولم يتجاوز عددهم في بادئ الأمر سبعة نفر من جدالة ، على رأسهم الأمير (يحيى بن إبراهيم الجدالي) ، الذي ترك قومه ومكانته فيهم ونزل مع الفقيه ، وتضيف بعض المصادر أن معهم اثنين من كبار قبيلة لمتونة، هم: يحيى بن عمر وأخوه أبو بكر ، وفي خيمته وبصبر وأناة شديدين أخذ الشيخ (عبد الله بن ياسين) يُعَلِّمهم الإسلام.
مع كثرة الخيام وازدياد العدد إلى الخمسين ، فالمائة ، فالمائة وخمسين ، فالمائتين ، أصبح من الصعب على الشيخ توصيل علمه إلى الجميع ، فقسَّمهم إلى مجموعات صغيرة ، وجعل على كلٍّ منها واحداً من النابغين حتى بلغ العدد في سنة [٤٤٠هـ =١٠٤٨مـ] بعد أربعة أعوام فقط من بداية دعوته ونزوحه إلى الجزيرة إلى ألف نفس مسلمة.
معنى المرابطين: أصل كلمة الرباط هي ما تُربط به الدابَّة ، ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمَّنْ خلفه رباط ، فكان الرباط هو ملازمة الجهاد ، وروى البخاري بسنده عن سهل بن سعدٍ الساعديِّ ، أنَّ رسول الله قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا...».
ولأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يَتَّخِذُون خياماً على الثغور يحمون فيها ثغور المسلمين ، ويُجاهدون في سبيل الله ؛ فقد تَسَمَّى الشيخ (عبد الله بن ياسين) ومَنْ معه ممن كانوا يُرابطون في خيام على نهر السنغال بجماعة المرابطين ، وعُرفوا في التاريخ بهذا الاسم.
كما تُطْلِق عليهم بعض المصادر الملثَّمِينَ ، فيُقال: أمير الملثمين ، ودولة الملثمين ، ويرجع سببُ هذه التسمية كما يذكر ابن خلّكان في (وفيات الأعيان) إلى أنهم: «قوم يتلثَّمُون ولا يكشفون وجوههم؛ فلذلك سَمَّوْهُم الملثَّمين ، وذلك سُنَّة لهم يتوارثونها خلفًا عن سلفٍ ، وسبب ذلك على ما قيل: أن (حِمْيَرَ) كانت تتلثَّم لشدَّة الحرِّ والبرد ، يفعله الخواصُّ منهم ، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامَّتُهم.
وقال ابن الأثير في سبب اللثام: وقيل كان سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا غائرين على عدوٍّ لهم ، فخالفهم العدوُّ إلى بيوتهم ، ولم يكن بها إلاَّ المشايخ والصبيان والنساء ، فلمَّا تحقَّق المشايخ أنه العدوّ ، أمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال ويتلثَّمن ويُضَيِّقْنَه حتى لا يُعْرَفْنَ ، ويلبسن السلاح ، ففعلن ذلك ، وتقدَّم المشايخ والصبيان أمامهن ، واستدار النساء بالبيوت ، فلما أشرف العدوُّ؛ رأى جمعاً عظيماً فظنَّه رجالاً ، فقال: هؤلاء عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت والرأي أن نسوق النعم ونمضي ، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم ، فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ قد أقبل رجال الحي ، فبقي العدوُّ بينهم وبين النساء ، فقتلوا من العدوِّ فأكثروا ، وكان من قتل النساء أكثر ، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سُنَّة يُلازمونه ، فلا يُعرف الشيخ من الشاب ، فلا يُزيلونه ليلاً ولا نهاراً.
عندما وصل عدد المرابطين إلى ألف ، بعثهم الشيخ (ابن ياسين) إلى أقوامهم لينذروهم ، ويطلبوا إليهم الكف عن البدع والضلالات ، واتباع أحكام الدين الصحيح ، ففعلوا ما أُمروا به ، ودعا كل قومه إلى الرشد والهدى ومجانبة التقاليد المنافية للدين ، فلم يُصْغِ لهم أحد من أقوامهم ، فخرج إليهم (عبد الله بن ياسين) بنفسه ، واستدعى أشياخ القبائل ووعظهم ، وحذَّرهم عقاب الله ، ونصحهم باتباع أحكامه ، فلم يلقَ منهم سوى الإعراض والتحدي ، فعندئذٍ قرر (عبد الله) وصحبه إعلان الحرب على أولئك المخالفين.
وبالفعل بدءوا يستعدُّون لغزو البلاد والقبائل المحيطة بهم ، وأرسلوا يُنذرون ويُعذرون ، ثم بدأت غزواتهم بالفعل للقبائل والبلاد ، ففتحوا الكثير منها ، وأخضعوا القبائل المحيطة بهم ، وتسامع بهم فقهاء بعض البلاد الأخرى ، فأرسلوا إليهم ليُخَلِّصُوهم من حكامهم الطغاة.
يحيى بن عمر اللمتوني:
استشهد أمير المرابطين (يحيى بن إبراهيم الجدالي) في إحدى الغزوات المرابطية ، والأمير (يحيى) هو الرجل الذي بدأ به أمر المرابطين ، وهو أحد السبعة الذين انعزلوا مع الشيخ (ابن ياسين) في الرباط بعد أن أُخرج من أراضي جدالة في أول الأمر ، فعرض (عبد الله بن ياسين) الزعامة على (جوهر الجدالي) ولكن (جوهراً) زهد فيها وأعرض عنها ، فما كان من (عبد الله بن ياسين) إلا أن اتخذ قراراً حكيماً وبعيد النظر حقًّا ، ألا وهو صرف الزعامة إلى (يحيى بن عمر اللمتوني) ، وقد كان هو وأخوه فقط من قبيلة لمتونة – ثاني القبائل الكبرى في المنطقة - مع السبعة من جدالة ، الذين انحازوا إلى الرباط مع الشيخ (ابن ياسين) في أول الأمر ..
كان هذا في سنة [٤٤٥هـ =١٠٥٣مـ] ، وبالفعل وبتأثير من هذا القرار وكذلك بازدياد نطاق الجهاد المرابطي ، الذي تساقطت أمامه الإمارات والقبائل الصغيرة والمتناثرة ، اتسعت دولة المرابطين ودخل في سلطانها الآلاف من الناس ، وفي مثال لحُسن الختام وبعد قليل من دخول قبيلة لَمْتُونة في جماعة المرابطين يستشهد زعيمهم الشيخ (يحيى بن عمر اللمتوني) في إحدى غزواتهم سنة [٤٤٧هـ =١٠٥٥مـ] ، ثم يتولَّى من بعده أخوه الشيخ (أبو بكر بن عمر اللمتوني).
أبو بكر بن عمر اللمتوني:
وقد دخل الشيخ (أبو بكر بن عمر اللمتوني) بحماسة شديدة مع الشيخ (عبد الله بن ياسين) ، وبدأ أمرهم يقوى وأعدادهم تزداد ، وبدأ المرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها في شمال السنغال ، فبدءوا يتوسعون حتى وصلت حدودهم من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا ، وأدخلوا معهم جُدَالة ، فأصبحت جُدَالة ولَمْتُونة - وهما القبيلتان الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا - جماعة واحدةً تمثِّل جماعة المرابطين.
ثم تنتهي قصة المؤسس الكبير والاسم الخالد الشيخ (عبد الله بن ياسين) باستشهاده في حرب برغواطة التي كانت – كما يقول المؤرخون - على غير ملة الإسلام ، في سنة [٤٥١هـ =١٠٥٩مـ] بعد أن أمضى أحد عشر عامًا من تربية الرجال على الجهاد.
المراجع:
- الكامل في التاريخ/ ابن الاثير.
- ابن خلكان: وفيات الأعيان.
- البخاري: كتاب الجهاد والسير.
- ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون.
- القاضي عياض: ترتيب المدارك.
- الذهبي: سير أعلام النبلاء.
- د/ راغب السرجاني.

ليست هناك تعليقات