خطبة : بيانُ بعضِ الأخطاءِ بين الناسِ التي تكونُ في نهايةِ العام ، ومن ذلك أنَّ محاسبةَ النفسَ لا تختَصُّ بآخرِ شهرِ ذي الِحجَّة (وتتضمنُ...
خطبة : بيانُ بعضِ الأخطاءِ بين الناسِ التي تكونُ في نهايةِ العام
، ومن ذلك أنَّ محاسبةَ النفسَ لا تختَصُّ بآخرِ شهرِ ذي الِحجَّة (وتتضمنُ تنبيهَ الناسِ على الإجراءاتِ الاحترازيةِ المتَّعلقةِ بكورونا)
الخطبةُ الأولى
الحمدُ للهِ الذي جعلنا بالإسلامِ خيرَ أمّةٍ أُخرجت للناسِ ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له في ربوبيَّتِه وألوهيَّتِه وأسمائِه وصفاتِه ، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ، بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ، وتركنا على البيضاءِ لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه الذين تمسَّكوا بسنَّتِه ، وساروا على نهجِه ، وجاهدُوا في اللهِ حقَّ جهادِه ، وسلَّمَ تسليماً كثيراً ، أما بعدُ :
أيُّها الناسُ ، وصيَّتي لنفسي وإيَّاكم هي تقوى اللهِ تعالى في السِّرِّ والعَلَنِ ، فحاسبُوا أنفسَكم في كلِّ حينٍ قبل أنْ تُحاسبُوا ، واعلموا أنَّكم غداً بين يدي ربِّكم موقوفون ، وعلى أعمالِكم مجْزِيُّون ، ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ .
عبادَ اللهِ ، يجبُ علينا أنْ نحاسبَ أنفسَنا في كلِّ وقتٍ وحينٍ .
قالَ تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
فالواجبُ على المسلمِ أنْ يحاسبَ نفسَه في جميعِ الأوقاتِ والساعاتِ والشهورِ والأيامِ ، ولا يختصُّ ذلك بوقتٍ معيَّنٍ ولا بشهرٍ معيَّنٍ ، لأننا نلاحظُ بعضَ الناسِ وخصوصاً في هذا الزمانِ يُعَلِّقُون محاسَبَتَهم لأنفُسِهم على آخرِ شهرِ ذي الحِّجَّةِ وبدايةِ المحرَّمِ ، ويقولون هذه نهايةُ سنةٍ ، وتلك بدايةُ سنةٍ ، فيحاسبون أنفسَهم فيهما ، وينسون باقيَ الأشهرِ والأيَّامِ ، وهذا لا أصلَ له في الإسلامِ .
فتخصيصُ هذا الوقتِ بالتذكيرِ بالتوبةِ ومحاسبةِ النفسِ بمناسبةِ نهايةِ السَّنَةِ الهجريَّةِ ، وكذلك تخصيصُ هذا الوقتِ بالتهاني والتبريكاتِ بمناسبةِ العامِ الجديدِ عبرَ الرسائلِ في الواتسابِ والتغريداتِ في مواقعِ التواصلِ وغيرِها ؛ كلُّ هذا لا أصلَ له ، لأنَّ الواجبَ على المسلمِ أنْ يحاسبَ نفسَه في كلِّ الأوقاتِ ، لا في وقتٍ معيَّنٍ إلا بدليلٍ ، وليس هناك دليلٌ يدلُّ على تخصيصِ هذا الوقتِ للمحاسبةِ ، أو أنه وقتٌ للتهاني والتبريكاتِ ، وليس ثَـمَّتَ عيدٌ إلا عيدَ الفطرِ وعيدَ الأضحى لهذه الأمَّةِ .
وأمَّا أنَّ الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم جعلوا بدايةَ شهرِ محرَّمٍ بدايةً للسَّنَةِ الهجرية فهذا شيءٌ اصطلاحيٌّ ، هذا شيءٌ اصطلحوا عليه للحاجةِ لتمييزِ الأعوامِ بعضِها عن بعضٍ ، ولم تكن بدايةُ السَّنَةِ بالمحرَّمِ موجودةً في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولا في عهدِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنه ، وإنما حَدَثَ ذلك في عهدِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه ، لأنَّه في خلافتِه كانت تأتيه كتاباتٌ من عُمَّالِه غيرُ مؤرَّخَةٍ -والعمّالُ هم من يُعَيَّنون في الأقاليمِ لإدارةِ شؤونِ الناسِ- ، فلا يدري متى كُتِبَتْ ، فلذلك جَمَعَ الصحابةَ رضي اللهُ تعالى عنهم واستشارهم في هذا الأمرِ ، فقد كان للنصارى تأريخٌ ، هو التأريخُ الميلادي يبدؤون السَّنَةَ من يومِ مولدِ المسيحِ بزعمِهم ، ويسمونه السَّنَةَ الميلاديَّةَ ، وكان للفُرْسِ تأريخٌ ، وكان للرومُ تأريخٌ ، ولم يرضَ الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم أنْ يأخذُوا شيئاً من هذه التواريخِ ، فاستشارَ الصحابةَ في هذا الأمرِ ، فاتَّفَقَ رأيُهم على أنْ يَؤَرِّخُوا بالهجرةِ ، وهي هجرةُ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ من مكةَ إلى المدينةِ ، لأنها الحدثُ العظيمُ الذي أعزَّ اللهُ به الإسلامَ ، ثم انتهى رأيُهم إلى أن تكونَ بدايةُ السَّنَةِ هي شهرُ محرَّمٍ ، لأنَّه الشهرُ الذي يأتي بعدَ الحَجِّ ، فهو الشهرُ الذي يقدُم فيه المسلمون من حَجِّهم ، فكان مناسباً أنْ يُجْعلَ شهرُ محرَّمٍ بدايةً للسَّنَةِ ، وهو وإنْ كان منْ وَضْعِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه ومما أَجْمَعَ عليه الصحابةُ إلا أنَّه واجبُ الأخذِ ، لقولِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم : «عليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ المهديَّين الراشدين» ، رواه أهلُ السُّنَنِ وهو حديثٌ صحيحٌ ، ولأنَّه مما أجمعَ عليه صحابةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، وعليه عملُ المسلمين من ذلك الوقتِ إلى يومِنا هذا .
علماً أيَّها المسلمون أنَّ هجرةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ كانت في ربيعٍ الأوَّلِ ، إلا أنَّ الصحابةَ رأوا أنْ تكونَ بدايةُ العامِ من شهرِ محرَّمٍ لما تقدَّمَ ذكرُه .
ولم يُحدِثُوا لذلك التهاني ، ولم يخَصِّصوه وقتاً لمحاسبةِ النَّفْسِ ، فهم جعلوا بدايةَ السَّنَةِ في هذا الشهرِ ليعرفُوا مواقيتَ معاملاتِهم وعقودِهم وغيرِ ذلك ، فعلينا أنْ نعرفَ هذا الأمرَ ونُجَلِّيه للناسِ .
والمسلمُ يجبُ عليه دائماً أنْ يحاسبَ نفسَه في ليلِه ونهارِه وفي ساعاتِه وأوقاتِه ، فينظرَ في أعمالِه ، فما كان منها صالحاً فإنه يتزوَّدُ منه ويستمرُّ عليها ، وما كان منها سيِّئاً ، فإنَّه يتوبُ إلى اللهِ عزَّ وَجَلَّ منه ، واللهُ يقبلُ التوبةَ عن عبادِه .
فالمؤمنُ دائماً مع نفسِه يحاسبُها وينظرُ في أعمالِه ، فيجدِّدُ التوبةَ عن التقصيرِ والخللِ ، ويستمرُّ على الطاعةِ إلى أنْ ينتهيَ أجلُه ، هذا شأنُ كلِّ مسلمٍ .
وعلى المسلمين أن يعتزُّوا بهذا الدينِ العظيمِ ، وأنْ يتمسَّكوا به ، وأنْ لا يُدْخِلُوا عليه شيئاً من الـمُحْدَثاتِ ، قال صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ من بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» رواه أبو داوود وهو حديثٌ صحيحٌ ، وقالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» رواه البخاريُّ ومُسْلِمٌ .
احذروا أيَّها المسلمون من البِدَعِ ، ولا تنظروا إلى استحساناتِ الناسِ إذا كانت مخالفةً للشَّرْعِ ، فإنَّه يُمْنعُ منها وإنْ استَحْسَنَها الناسُ ، لأنَّ العِبْرةَ بالشرعِ لا بِعَمَلِ النَّاسِ .
أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ ، فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ على فضلِه وإحسانِه ، وأشكرُه على توفيقِه وامتنانِه ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه ، وسَلَّمَ تسليماً كثيرا ، أما بعد :
أيُّها الناسُ ، اتَّقُوا اللهَ تعالى ، واعمرُوا دنياكم بالعملِ الصَّالحِ ، واستَغِلُّوا أيامَ أعمارِكم في طاعةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ ، تذكَّرْ أيها المسلمُ ما قَدَّمتَ لِتُحْدِثَ لكلِّ ذنبٍ توبةً ، فإنَّ اللهَ يقبلُ التوبةَ عن عبادِه ، ويعفو عن السيئات .
إنَّ مرورَ الأيامِ وانصرامَها مدعاةٌ للتأمُّلِ والتفَكُّرِ ، فإنَّ العاقلَ هو مَنْ يعتَبِرُ بالأشياءِ حولَه ، ومن ذلك سُرْعَةُ انصرامِ الأوقاتِ وذهابِ الأيامِ والليالي ، لكنْ لا يَعْني ذلك أنْ يُخَصِّصَ وقتاً معيَّنَاً لمحاسبةِ نفسِه دون دليلٍ شرعيٍّ ، فإنَّ محاسبةَ النفسِ يجبُ أنْ تكونَ في كلِّ وقتٍ ، وليس ذلك خاصَّاً بآخرِ شهرِ ذي الحِجَّةِ .
أسألُ اللهَ أنْ يجنِّبَنا البِدَعَ وأنْ يجعلَنا متمسِّكين بسُنَّةِ نبيِّنا محمِّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ .
((أيها المسلمون ، وما زالَ العالمُ يعيشُ مع هذا الوباءِ ، نسألُ اللهَ أنْ يرفعَه وأنْ يعافينَا ويحفظَنا منه ومن سيءِ الأسقامِ .
ولقد لُوحِظَ في الفترةِ الأخيرةِ تزايداً في عددِ الإصاباتِ بهذا الوباءِ ، فعلينا أنْ نتَّخِذَ الأسبابَ الصحيحةَ في الوقايةِ منه ، ومن ذلك اتِّبَاعُ الإجراءاتِ الصحيَّةِ التي هي سببٌ من الأسبابِ الطبِّيَّةِ الصحيحةِ بمشيئةِ اللهِ في انتهاءِ هذا الوباءِ ، ولْيَكُنْ كُلُّ واحدٍ منَّا على قَدْرِ المسؤوليةِ في ذلك ، فلْنَحْرِصْ على الأخذِ بالتوجيهاتِ التي تصْدُرُ من الجهاتِ الرسميَّةِ ، حفظَ اللهُ بلادَنا وبلادَ المسلمين من كلِّ سوءٍ)) .
عبادَ اللهِ ، صَلُّوا وسَلِّمُوا على رسولِ اللهِ ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ ، وارضَ اللهُمَّ عن صحابةِ نبيِّك أجمعين .
اللهُمَّ ثَبِّتْ قلوبَنا على الدينِ ، اللهُمَّ اجعل القرآنَ ربيعَ قُلوبِنا ، ونورَ صُدورِنِا ، وجَلاءَ أحزَانِنِا ، وذهابَ هُمُومِنا ، اللهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المهمومين من المسلمين ، ونَفِّسْ كَرْبَ المكروبين ، واقضِ الدينَ عن المدينين ، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين ، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين .
اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين في كلِّ مكانٍ ، اللهم اجعلْ هذا البلدَ آمناً مُطْمَئِنَّاً وسائرَ بلادِ المسلمين .
اللهم وفِّقْ وليَّ أمرِنا لما تُحَبُّه وترضاه ، اللهم أعزَّه بالإسلامِ ، وأعزَّ الإسلامَ به ، اللهم ارزقْه البطانةَ الصالحةَ ، اللهم وفِّقْ ولاةَ أمورِ المسلمين جميعا لما تُحِبُّه وترضاه .
اللهُمَّ اغفرْ لنا ولآبائِنا وأمَّهاتِنا ، وأَصْلِحْ قلوبَنا وذريَّاتِنا وأزواجَنا ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِين * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ .
ليست هناك تعليقات