خطبة مكتوبة بعنوان: (وَقَفَاتٌ مَعَ التَّشَهُّدِ) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من ي...
خطبة مكتوبة بعنوان: (وَقَفَاتٌ مَعَ التَّشَهُّدِ)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..أما بعد: فأوصيكم ونفسـي بتقوى اللهِ، فهي ستارُ الأمنِ يومَ الفزعِ، ولباسُ الرضا عند الجزعِ، وهي البشارةُ العظمى، ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشـْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
أيها المسلمون: من عادةِ الناسِ إذا
دخلوا على ملوكِهم أن يُحيُّوهم بما يليقُ بهم تعظيمًا لهم وثناءً عليهم، واللهُ
–سبحانه- أحقُّ بالتعظيمِ والثناءِ من كل أحدٍ من خلقه. وجلوسُ الصلاةِ أخشعُ ما
يكون من الجلوسِ وأعظمُه خضوعًا وتذلُّلاً، فشُـرِع للعبدِ في هذه الحالِ بالثناءِ
على الله بأبلغِ أنواعِ الثناءِ والتحيات. عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-
قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،
وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ
القُرْآنِ: (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ
عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ). متفق عليه
عباد الله: في هذا التشهُّد يجمعُ
العبدُ بين أنواعَ الثناءِ على اللهِ، مع أجملِ عباراتِ الأدبِ والتحية.
والتحياتُ: جمعُ تحيةٍ، وهي التعظيمُ، فكل نوعٍ من أنواع التحياتِ الطيبةِ فهو
لله، والتحياتُ على سبيلِ العمومِ والكمالِ والإطلاقِ لا تكون إلا للهِ، وهو
سبحانه أهلٌ للتعظيمِ المُطلق، فالعظمةُ والملكُ والبقاءُ لله. والصلواتُ: شاملٌ
لكل مايُطلَق عليه صلاةٌ لغةً أو شرعًا من الدعاءِ والتضـرُّعِ والرحمةِ،
فالصلواتُ كلها لله، لا أحد يستحقُّها سواه. والطيباتُ: هي الأعمالُ الزكية؛ ما
يتعلَّقُ بالله، وما يتعلَّقُ بأفعالِ العباد، فأما ما يتعلَّق باللهِ فإنَّ له من
الأوصافِ أطيبَها، ومن الأفعالِ أطيبَها، ومن الأقوالِ أطيبَها، وله أيضًا من
أعمالِ العبادِ القوليةِ والفعليةِ الطيِّبُ؛ فإن الطيِّبَ لا يليقُ به إلا
الطيِّبُ، ولا يُقدَّمُ له إلا الطيِّبُ، فكانت الطيباتُ كلُّها له ومنه وإليه، له
مُلكًا ووصفًا، ومنه مجيئُها وابتداؤها، وإليه مصعَدُها ومُنتهاها. ولما أتى بهذا
الثناء على الله تعالى التفَت إلى شأن الرسول الذي حصل هذا الخيرُ على يديه،
فسلَّم عليه أتمَّ سلامٍ مقرونًا بالرحمة والبركة. ثم يدعو المُتشهِّدُ لنفسِه
بالسلامةِ من العيوبِ والذنوبِ والنقائصِ، ولمن معه من المُصلِّين والملائكةِ
الحاضرين، (وعلى عباد الله الصالحين): وهم كلُ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرضِ من
الآدميينَ والملائكةِ والجنِّ من الأحياءِ والأموات، وهذه إحدى ثمراتِ الصلاحِ
الكثيرةِ: وهي أنَّ كلَّ من يُصلي أو صَلى أو سيُصلي لله فإنه يدعو للعبدِ الصالحِ
بالسلامةِ من كلِّ آفةٍ في الدنيا والآخرة، قال الترمذي: "من أراد أن يحظى
بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبدا صالحا، وإلا حرم هذا الفضل
العظيم".
وهذا التشهدُ قد راعى فقهَ التدرجِ
بالدعاءِ: فابتدأ بالثناءِ على الله، ثم السلامِ على النبيِ ﷺ، ثم الدعاءِ للنفسِ، ثم لإخوانِه المسلمين، فانتظم الدعاءُ أحسنَ
نظام.
ثم ختمَ هذا المقامَ بعقدِ الإسلامِ،
وهو: التشهُّدُ بشهادةِ الحقِ والتوحيدِ: (أشهد أن لا إله إلا الله): وهي كلمةُ
التوحيدِ التي بعثَ الله بها جميعَ الرسلِ، ولذا سُميتِ التحياتُ بالتشهدِ تسميةً
للشـيءِ بجزئِه الأهم، (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، فهو عبدٌ من العباد، لكنه
أفضلُهم، ورسولٌ من الرسل، لكنه أشرفُهم. وقد جاء لفظُ الشهادتينِ في آخرِ
التحياتِ إشارةٌ إلى أنَّ الأعمالَ ينبغي أن تُختمَ بالشهادتين. فتأمَّل جمالَ هذه
التحياتِ وكمالَها وحُسنَها، وتدبَّر معانيَها حين تزدلِفُ بها إلى ربك في جلوسِ
التشهُّدِ وأنت خاشعٌ مُتأدِّب. بارك
الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ
وامتِنانِه، وأشهد ألا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمد عبده ورسوله
الداعي إلى رضوانه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى صحبه وآله، أما بعد: فاتقوا
اللهَ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنجوى.
عباد الله: وقد جاءت السنةُ
بالترغيبِ في الدعاءِ قبل السلامِ، فقد قال النبيﷺ لابن مسعودٍ بعد ما علَّمه التشهُّد: (ثم يتخيَّرُ من الدعاءِ ما
شاء). والأفضلُ أن تأتيَ أولاً بالدعاءِ الواردِ في السنةِ ثم تدعو بعد ذلك بما
تحبُّ من خ
يرَي الدنيا والآخرة، وقد جاءت
السنةُ بأدعيةٍ تُقال في هذا الموضع؛ منها: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي
الله عنه- قال: قال رسول اللهﷺ: (إِذَا تَشَهَّدَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ: اللهُمَّ إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ
الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ). وقد كان
النبيﷺ يُعلِّمُ أصحابَه هذا الدعاء كما يُعلِّمُهم
السورةَ من القرآن، فهذا الدعاء في هذا الموضعِ مُستحبٌّ استحبابًا شديدًا.
والمراد بفتنة المحيا: جميعُ الفتنِ الواقعةِ في الحياةِ مما فيها اختبارٌ للمرءِ
في دينه؛ كفتنةِ المالِ، وفتنةِ النساءِ، وفتنةِ الأولادِ والجاهِ، وجميعِ فتنِ
الشُّبُهاتِ والشهواتِ. وأما فتنةُ المماتِ: فهي سؤالُ الملَكَينِ للميتِ في قبرِه
عن ربِه ودينِه ونبيِّه. ومن فتنةِ المماتِ: ما يحدثُ عند الاحتضارِ من سوءِ
الخاتمةِ وإغواءِ الشيطانِ للإنسانِ، وأشدُ ما يكون الشيطانُ حِرصًا على إغواء بني
آدم في تلك اللحظات، والمعصومُ من عصمَه الله. ومما ورد أيضًا من الدعاء:
(اللهُمَّ أعني على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتك)، وبه أوصى النبيُّﷺ مُعاذًا أن يقولَه في دُبرِ كلِّ صلاة. ومما ورد من الدعاء:
(اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ
أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وبه أوصى
النبيُّ ﷺ أبابكرٍ أن يقولَه في
الصلاة. اللهم فقِّهنا في الدين، واجعلنا من أتباع سيد المرسلين.
هذا وصلوا وسلموا على المبعوث رحمة
للعالمين، كما قال ربكم في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ...﴾
· اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك
محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وصحابته والتابعين
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
· اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين،
وأذِلَّ الشـرك والمشـركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا
مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم من أرادَ بالإسلام والمُسلمين سُوءٍ
فأشغِله في نفسِه، ورُدَّ كيدَه في نحرِه، واجعَل دائرةَ السَّوء عليه يا رب
العالمين.
سُبْحَانَ رَبِّنا رَبِّ الْعِزَّةِ
عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ
ليست هناك تعليقات