Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

آخر موضوعاتنا

latest

مقال بعنوان " لأنك رجل مثقف" للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله

  مقال بعنوان " لأنك رجل مثقف" للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله  أنت رجل متعلم يا (صلاح).. تقرأ كثيراً وتضع عوينات سميكة، ولا يرا...

 

مقال بعنوان " لأنك رجل مثقف" للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله 




أنت رجل متعلم يا (صلاح)..

تقرأ كثيراً وتضع عوينات سميكة، ولا يراك أحد إلا ممسكاً بكتاب سميك عن (إرهاصات ما بعد الحداثة في أدب جويس). يعرف أهل قريتك أنك ظهرت في التلفزيون مرتين، وكان المذيع يكلمك باحترام. في شارعك يعرفون أنك رجل متعلم وأنك حاصل على درجة الدكتوراه في شيء ما.

يقول الناس إن عقلك كبير، لهذا دقت تلك السيدة بابك ذلك المساء لتسألك في احترام:

ـ«لي أخوان..واحد ليس من ذات الأم، وهناك بيت توفي أبي وتركه لنا، لكنه أوصى بربع البيت لأخ ثالث ليس من نفس الأم، والأخ باع الجزء لأخي من الأم .. كيف يتم تقسيم هذا الميراث باعتبارك رجلاً مثقفاً»؟

طبعًا لم تفهم شيئاً لذا أوصيتها بأن تسأل خبيراً في الميراث الشرعي أو مفتياً. لكنك لم تسترح لنظرة خيبة الأمل في عينها وهي ترحل.

في العاشرة مساء تدق بابك تلك الجارة ومعها طفلتها التي تحولت إلى ثمرة شليك (فراولة)، وحرارتها تصلح لإنضاج اللحم. تسألك في جزع عما إذا كانت هذه الحمى القرمزية أم الحصبة.. تقول لها في ذعر أن عليها أن تطلب رأي طبيب..

ـ «حسبتك سوف تعرف.. فأنت رجل متعلم ومثقف».

إنها تتناسى أو تنسى أن الدكتوراه التي حصلت عليها أنت، كانت في علم (معاني الألفاظ) وليس في أمراض الأطفال. تغلق الباب لتكتشف أن صنبور الحمام ينزف الماء بلا انقطاع..

تطلب منك زوجتك أن تستبدل (جلدة) الصنبور، لكنك لم تفعل هذا قط ومن المستحيل أن تفعله الآن.. تسألك زوجتك في شك:

ـ «أنت رجل متعلم وبرغم هذا لا تجيد تغيير جلدة الصنبور»؟

هذا صحيح.. لم يعلموك هذا في كلية الآداب. إنهم مهملون فعلاً.

عندما تزور قريتك يلتف حولك الفلاحون في احترام وإجلال، ويسألونك عن أفضل طريقة لتسميد الذرة، وعن طريقة مكافحة داء صدأ القمح، ويأخذك أحدهم للحقل ليقول لك في حزن:

ـ «هل ترى»؟

تنظر إلى الأرز الذي نما وصار في أفضل حال، فتتساءل عن المشكلة.. الأرز في حال ممتازة..

ـ»لكن هذا ليس أرزاً يا دكتور بل هو كرنب.. بما أنك متعلم فقد حسبتك تعرف أنواع المحاصيل.. الكرنب لا ينمو كما ينبغي»..

تطلب منه استشارة مهندس زراعي فتبدو عليه خيبة الأمل.. ليكن..

هنا يأخذك أحدهم ليعرض عليك مشكلته في تقسيم الأرض، فالحوض البحري يتداخل مع الطريق الإسفلتي، ولا يمكن حساب مساحة الأرض إلا بطرح هذا الشريط، بينما الجزء القبلي ترتفع به نسبة الأملاح فما رأيك؟.. طبعاً يصاب بذهول عندما يدرك أنك لا تفهم أي شيء على الإطلاق، ولسان حاله يقول: ما الذي يعلمونه لهم في المدارس إذن؟

عندما تعود للمدينة وتدير محرك سيارتك تجد أنه لا يدور.. تجلب الميكانيكي فيفحص السيارة ثم يأخذ رأيك:

ـ «هل ترى أن نقوم بتنظيف التاكيهات أم نقوم باستبدال بيك السيلنسيه»؟

ـ «يا أخي القرار لك.. لو كنت أعرف لفعلت بنفسي ولما طلبتك».

ـ «أنت رجل مثقف ومتعلم لهذا أستأنس برأيك.. أنا حرفي جاهل يعتمد على حدسه لا على العلم».

ـ «قم بتنظيف التاكيهات»..

ـ «هذه مشكلة.. إن بيك السيلنسيه في حال سيئة.. كنت أحسبك ستطلب استبداله».

يزداد الأمر سوءًا عندما يطلب موظف مخضرم رأيك في مشكلة إدارية:

ـ «المادة 76 من قانون العاملين تحتم وجود لجنة من أعضاء مجلس الإدارة للبت في التظلمات قبل نهاية السنة المالية، بينما تتعارض معها المادة 81 التي تمنع ذلك.. لو إنني تمسكت بالمادة 81 سوف يكون بوسعي رفع قضية مضمونة الفوز على الوزير شخصياً، لكن هل تضمن لي ألا يستغل المادة 117 التي تمنحه صلاحية البت في قرارات اللجان»؟

ـ «لا أدري»..

ـ «هذا غريب. حسبت أنك ستفيدني بما أنك رجل مثقف»..

في النهاية تدرك أنك رجل مثقف، لكن ما تعرفه لا يهم أحداً على الإطلاق، ولا يصلح البتة لممارسة الحياة شديدة التعقيد. أنت كخبير مفاعلات نووية في مصنع عطور.. علمك لا قيمة له هنا ولا أحد يريده..

تصاب باكتئاب شديد، حتى عندما يقصدك هذا الشاب ليسألك عن شيء، فتقول له في حدة: ـ «لا أعرف .. لا أملك أية خبرة تسمح لي بالإجابة عن هذا السؤال»..

هنا يقول الشاب في حيرة وهو يجمع أوراقه وينصرف:

ـ «كنت أريد سؤالك عن إرهاصات ما بعد الحداثة في أدب جويس. غريب هذا.. حسبت أن الإجابة عندك يا سيدي بما أنك رجل مثقف»!.


د. أحمد خالد توفيق

لأنك رجل مثقف

ليست هناك تعليقات