ماذا حدث بعد أن سقطت بغداد والخلافة العباسية على يد التتار بينما كان فريق من التتار يعمل على قتل مسلمي بغداد وسفك دمائهم اتجه فريق آخر من...
ماذا حدث بعد أن سقطت بغداد والخلافة العباسية على يد التتار
بينما كان فريق من التتار يعمل على قتل مسلمي بغداد وسفك دمائهم اتجه فريق آخر من التتار لعمل إجرامي آخر، عمل ليس له مسوغ إلا أن التتار قد أكل الحقد قلوبهم على كل ما هو حضاري في بلاد المسلمين، لقد شعر التتار بالفجوة الحضارية الهائلة بينهم وبين المسلمين، فالمسلمون لهم تاريخ طويل في العلوم والدراسة والأخلاق، عشرات الآلاف من العلماء الأجلاء في كافة فروع العلم .. الديني منها والدنيوي.
- ماذا فعل مجرمو التتار؟: لقد اتجه فريق من أشقياء التتار لعمل إجرامي بشع، وهو تدمير مكتبة بغداد العظيمة، وهي أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك الزمن، وهي الدار التي كانت تحوي عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام، جمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون، علوم شرعية كـ تفسير القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأخلاق، علوم حياتية كـ الطب والفلك والهندسة والكيمياء والفيزياء والجغرافيا وعلوم الأرض، علوم إنسانية كـ السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب والتاريخ والفلسفة وغير ذلك، هذا كله بالإضافة إلى ملايين الأبيات من الشعر، وعشرات الآلاف من القصص والنثر، فإن أضفت إلى كل ما سبق الترجمات المختلفة لكل العلوم، الأجنبية سواء اليونانية أو الفارسية أو الهندية أو غير ذلك علمت أنك تتحدث عن معجزة حقيقية من معجزات ذلك الزمان.
لقد كانت مكتبة بغداد مكتبة عظيمة بكل المقاييس، ولم يقترب منها في العظمة إلا مكتبة قرطبة الإسلامية في الأندلس، وسبحان الله! لقد مرت مكتبة قرطبة بالتجربة نفسها التي مرت بها مكتبة بغداد! ..
عندما سقطت قرطبة في يد نصارى الأندلس سنة ٦٣٦ هجرية (قبل سقوط بغداد بعشرين سنة فقط!) قاموا بحرق مكتبة قرطبة تماماً، وقام بذلك أحد قساوسة النصارى، وكان اسمه (كمبيس)، وحرق بنفسه كل ما وقعت عليه يده من كتب بذلت فيها آلاف الأعمار وآلاف الأوقات، وأنفق في سبيل كتابتها الكثير من المال والعرق والجهد.
لكن هذه سنتهم! ، حروبهم هي حروب على الحضارة، وحروب على المدنية، وحروب على الإسلام، بل هي حروب على الإنسانية كلها، ولكن قبل أن نتحدث عن ماذا فعل التتار بمكتبة بغداد تعالوا نتحدث - ولو قليلاً - عن مكتبة بغداد.
مكتبة بغداد: هي أعظم دور العلم في الأرض -بلا أدنى مبالغة- قرابة خمسة قرون متتالية، وقد أسسها الخليفة العباسي المسلم (هارون الرشيد)، والذي حكم الدولة الإسلامية من سنة ١٧٠ هجرية إلى سنة ١٩٣ هجرية، ثم ازدهرت المكتبة جدّاً في عهد (المأمون) خليفة المسلمين من سنة ١٩٨ هجرية إلى سنة ٢١٨ هجرية، وما زال الخلفاء العباسيون بعدهم يضيفون إلى المكتبة الكتب والنفائس حتى صارت داراً للعلم لا يُتخيل كمّ العلم بداخلها.
نحن نتحدث عن دار للعلم حوت ملايين المجلدات في هذا الزمن السحيق ، ملايين الكتب في مكتبة واحدة في زمان ليس فيه طباعة! ، وكان هذا هو الأمر المتكرر والطبيعي في معظم حواضر الإسلام، ولا ندري بالتحديد كم عدد الكتب في هذه المكتبة الهائلة، وإن كانت تقدر حقّاً بالملايين، ويكفي أن مكتبة طَرَابُلُس بلبنان -والتي لم تكن تقارن قط بمكتبة بغداد- قد أحرق الصليبيون الأوروبيون فيها «ثلاثة ملايين» مجلد عندما وقعت في أيديهم! ، فتخيل كم كان عدد المجلدات في مكتبة بغداد!
كانت مكتبة بغداد تشتمل على عدد ضخم من الحجرات، وقد خصصت كل مجموعة من الحجرات لكل مادة من مواد العلم، فهناك حجرات معينة لكتب الفقه، وحجرات أخرى لكتب الطب، وهناك حجرات ثالثة لكتب الكيمياء ورابعة للبحوث السياسية وهكذا ، وكان في المكتبة المئات من الموظفين الذين يقومون على رعايتها، ويواظبون على استمرار تجديدها، وكان هناك «النسّاخون» الذين ينسخون من كل كتاب أكثر من نسخة، وكان هناك «المناولون» الذين يناولون الناس الكتب من أماكنها المرتفعة، وكان هناك «المترجمون» الذين يترجمون الكتب الأجنبية، وكان هناك «الباحثون» الذين يبحثون لك عن نقطة معينة من نقاط العلم في هذه المكتبة الهائلة!
وكانت هناك غرف خاصة للمطالعة، وغرف خاصة للمدارسة وحلقات النقاش والندوات العلمية، وغرف خاصة للترفيه والأكل والشرب، بل وكانت هناك غرف لإقامة طلاب العلم الذين جاءوا من مسافات بعيدة! ، نحن إذن نتحدث عن جامعة هائلة، وليست مجرد مكتبة من المكتبات، لقد حوت هذه المكتبة عصارة الفكر الإنساني في الدنيا بأسرها.
لقد كان (المأمون) يشترط على ملك الروم في معاهداته معه بعد انتصارات المأمون المشهورة عليه أن يسمح للمترجمين المسلمين بترجمة الكتب التي في مكتبة القسطنطينية، وكان لخلفاء (بني العباس) موظفون يجوبون الأرض بحثاً عن الكتب العلمية بأي لغة لتترجم وتوضع في مكتبة بغداد بعد أن يتولّاها علماء المسلمين المتخصصون بالنقد والتحليل.
لقد تُرجمت في مكتبة بغداد الكتب المكتوبة باللغات اليونانية والسريانية والهندية والسنسكريتية والفارسية واللاتينية وغيرها فـ هذه هي مكتبة بغداد! ، المكتبة التي جمعت كل علوم الأرض في زمانها.
فـ ماذا فعل التتار مع مكتبة بغداد الهائلة؟ ، لقد حمل التتار الكتب الثمينة، ملايين الكتب الثمينة، وفي أَرْيَحيَّة شديدة -لا تخلو من حماقة وغباء- ألقوا بها جميعاً في نهر دجلة! ، لقد كان الظن أن يحمل التتار هذه الكتب القيمة إلى «قراقورم» عاصمة المغول ليستفيدوا- وهم لا يزالون في مرحلة الطفولة الحضارية- من هذا العلم النفيس، لكن التتار أمة همجية، لا تقرأ ولا تريد أن تتعلم، يعيشون للشهوات والملذات فقط، لقد كان هدفهم في الدنيا هو تخريب الدنيا!
وبعد أن فرغ التتار من تدمير مكتبة بغداد انتقلوا إلى الديار الجميلة، وإلى المباني الأنيقة فتناولوا جلها بالتدمير والحرق، وسرقوا المحتويات الثمينة فيها، أمّا ما عجزوا عن حمله من المسروقات فقد أحرقوه! ، وظلوا كذلك حتى تحولت معظم ديار المدينة إلى ركام، وإلى خراب تتصاعد منه ألسنة النار والدخان، واستمر هذا الوضع الأليم أربعين يوماً كاملة، وامتلأت شوارع بغداد بتلال الجثث المتعفنة، واكتست الشوارع باللون الأحمر، وعم السكون البلدة، فلا يسمع أحد إلا أصوات ضحكات التتار الماجنة، أو أصوات بكاء النساء والأطفال بعد أن فقدوا كل شيء.
والآن سقطت بغداد وسقطت معها الخلافة والخليفة، ومنذ سقوطها والتتار يسعون في أرض بغداد فساداً، أكثروا من القتلى وخربوا الديار وهدموا الحضارة، واستمر هذا الوضع الأليم أربعين يوماً كاملة، وامتلأت شوارع بغداد بتلال الجثث المتعفنة، واكتست الشوارع باللون الأحمر، وعم السكون البلدة، فلا يسمع أحد إلا أصوات ضحكات التتار الماجنة، أو أصوات بكاء النساء والأطفال بعد أن فقدوا كل شيء.
وبعد الأربعين يوماً خاف (هولاكو) على جيشه من انتشار الأوبئة نتيجة الجثث المتعفنة (مليون جثة لم تدفن بعد)، فأصدر (هولاكو) بعض الأوامر الجديدة:
١- يخرج الجيش التتري بكامله من بغداد، وينتقل إلى بلد آخر في شمال العراق، لكي لا يصاب الجيش بالأمراض والأوبئة، وتترك حامية تترية صغيرة حول بغداد، فلم يعد هناك ما يخشى منه في هذه المنطقة.
٢- يعلن في بغداد أمان حقيقي، فلا يقتل مسلم بصورة عشوائية بعد هذه الأربعين يوماً، وقد سمح التتار بهذا الأمان حتى يخرج المسلمون من مخابئهم ليقوموا بدفن موتاهم، وهذا عمل شاق جدّاً يحتاج إلى فترات طويلة (مليون قتيل)، وإذا لم يتم هذا العمل فقد يتغير الجو- ليس في بغداد فقط- ولكن في كل بلاد العراق والشام، وستنتشر الأمراض القاتلة في كل مكان، ولن تفرق بين مسلم وتتري، ولذلك أراد (هولاكو) أن يتخلص من هذه الجثث بواسطة المسلمين.
وفعلًا خرج المسلمون الذين كانوا يختفون في الخنادق أو في المقابر أو في الآبار المهجورة، خرجوا وقد تغيرت هيئتهم، ونحلت أجسادهم، وتبدلت ألوانهم، حتى أنكر بعضهم بعضاً، لقد خرج كل واحد منهم ليفتش في الجثث، وليستخرج من بين التلال المتعفنة ابناً له أو أخاً أو أباً أو أماً! ، وبدأ المسلمون في دفن موتاهم، ولكن كما توقّع (هولاكو) انتشرت الأوبئة في بغداد بشكل مريع، حتى مات من المسلمين عدد هائل من الأمراض القاتلة! ، وكما يقول (ابن كثير): «ومن نجا من الطعن، لم ينج من الطاعون!» ، فكانت كارثة جديدة في بغداد .. ولا حول ولا قوَّة إلا بالله!
٣- كما أصدر هولاكو قراراً بأن يعين (مؤيد الدين العلقمي) رئيساً على مجلس الحكم المعين من قِبل التتار على بغداد، على أن توضع عليه بالطبع وصاية تترية.
ولم يكن (مؤيد الدين) إلا صورة للحاكم فقط، وكانت القيادة الفعلية للتتار بكل تأكيد، بل إن الأمر تزايد بعد ذلك، ووصل إلى الإهانة المباشرة للرئيس الجديد (مؤيد الدين العلقمي)، ولم تكن الإهانة تأتي من قِبل (هولاكو)، بل كانت تأتي من صغار الجند في جيش التتار، وذلك لتحطيم نفسيته، ولا يشعر بقوته، ويظل تابعاً للتتر! ، وقد رأته امرأة مسلمة وهو يركب على دابته، والجنود التتر ينتهرونه ليسرع بدابته، ويضربون دابته بالعصا، وهذا بالطبع وضع مهين جدّاً لحاكم بغداد الجديد، فقالت له المرأة المسلمة الذكية: «أهكذا كان بنو العباس يعاملونك»؟!
لقد لفتت المرأة المسلمة نظر الوزير الخائن إلى ما فعله في نفسه، وفي شعبه، لقد كان الوزير مُعظّماً في حكومة بني العباس، وكان مقدماً على غيره، وكان مسموع الكلمة عند كل إنسان في بغداد، حتى عند الخليفة نفسه، أما الآن، فما أفدح المأساة! إنه يهان من جندي تتري حقير لا يعرف أحد اسمه، بل لعل (هولاكو) نفسه لا يعرفه! ، وهكذا من باع دينه ووطنه ونفسه، فإنه يصبح بلا ثمن حتى عند الأعداء، فالعميل عند الأعداء لا يساوي عندهم أي قيمة إلا وقت الاحتياج، فإن تم لهم ما يريدون زالت قيمته بالكلية، ولا عجب .. فـ من أمثال (ابن العلقمي) من تابعيه ساروا على نهجه من بعده، ومازال البعض حتى الآن يبحث عن معلومات من مؤرخين حديثيّ العهد لتبرئة (ابن العقلمي) من جريمته، جريمته التي ذكرها المعاصرين له شخصياً، وينكرها المعاصرين في العصر الحديث ببعض الكلمات التي لا تسمن ولا تغني.
وقد وقعت كلمات المرأة المسلمة الفطنة في نفس (مؤيد الدين العلقمي)، فانطلق إلى بيته مهموماً مفضوحاً، واعتكف فيه، وركبه الهم والغم والندم، لقد كان هو من أوائل الذين خسروا بدخول التتار، نعم هو الآن حاكم بغداد، لكنه حاكم بلا سلطة، إنه حاكم على مدينة مُدمرة، إنه حاكم على الأموات والمرضى، فـ ليس هناك روح يحكمها!.
ولم يستطع الوزير الخائن أن يتحمل الوضع الجديد، فـ بعد أيام من الضيق والكمد .. مات ابن العلقمي في بيته! ، مات بعد شهور قليلة جدّاً من السنة نفسها التي دخل فيها التتار بغداد، سنة ٦٥٦ هجرية، ولم يستمتع بحكم ولا ملك ولا خيانة! ، وليكون عبرة بعد ذلك لكل خائن، وولى التتار ابن (مؤيد الدين العلقمي) على بغداد، فالابن قد ورث الخيانة من أبيه، لكن -سبحان الله!- وكأن هذا المنصب أصبح شؤماً على من يتولّاه، فقد مات الابن الخائن هو الآخر بعد ذلك بقليل، مات في السنة نفسها التي سقطت فيها بغداد سنة ٦٥٦ هجرية.
ولا عجب! ، فإنه ما تمسّك أحد بالدنيا إلا وأهلكته، تمسّك بها الخليفة فهلك، وتمسك بها الوزير الخائن فهلك، وتمسّك بها ابن الوزير فهلك، وتمسّك بها شعب بغداد فهلك.
ووصلت أخبار سقوط بغداد إلى العالم بأسره، أمّا العالم الإسلامي فكان سقوط بغداد بالنسبة إليه صدمة رهيبة لا يمكن استيعابها مطلقاً، فـ بغداد لم تكن مدينة اعتيادية، فـ فوق أنها أكبر مدينة على وجه الأرض في ذلك الحين، وفوق أن بها أكثر من ثلاثة ملايين مسلم، وفوق أنها من أعظم دور العلم والحضارة والمدنية في الأرض، وفوق أنها من ثغور الإسلام القديمة، فوق كل ذلك فهي عاصمة الخلافة الإسلامية!
ماذا يعني سقوط بغداد؟! ، تساءل الناس هذا السؤال الخطِر؟! ، وماذا يعني قتل الخليفة، وعدم تعيين خليفة آخر؟ ، سؤال آخر خطِر.
الدنيا لم تكن تعني للمسلمين شيئاً دون خلافة وخليفة، حتى مع مظاهر الضعف الواضحة في سنوات الخلافة العباسية الأخيرة، وحتى مع كونها لم تكن تسيطر حقيقة إلا على بغداد وأجزاء بسيطة من العراق فإن الخلافة كانت تعتبر رمزاً مُهمّاً للمسلمين، مصيبة هائلة أن تختفي الخلافة، مصيبة هائلة أن يختفي الخليفة.
وظهر عند المسلمين بعد سقوط بغداد اعتقاد غريب، سيطر على كثير منهم حتى ما عادوا يتكلمون إلا فيه، وانتشر بين الناس بسرعة عجيبة، والناس من عادتها أنها تحب دائماً أن تستمع إلى الغريب.
لقد ظهر اعتقاد أن خروج التتار وهزيمة المسلمين وسقوط بغداد ما هي إلا علامات للساعة، وأن «المهدي» سيخرج قريباً جدّاً ليقود جيوش المسلمين للانتصار على التتار! ، نعم سيظهر «المهدي» في يوم ما، ونعم سينزل المسيح عليه السلام، ونعم ستكون الساعة، نعم كل هذه أمور نعلم أنها ستحدث .. يقيناً ستحدث.. ولكن متى بالضبط؟ لا يدري أحد!
فلماذا تظهر مثل هذه الدعوات في أوقات الهزائم والانتكاسات؟ ، إن هذا ليس له إلا مسوغ واحد، وهو أن الناس قد أُحبطوا تماماً، فأصبحوا يَشُكُّون في إمكانية النصر على أعداء الله عز وجل بمفردهم، لقد أيقن الناس أنهم لا طاقة لهم بـ (هولاكو) وجنوده، ولذلك بحثوا عن حل آخر أسهل، وليكن هذا الحل هو: «المهدي»، فلننتظر إلى أن يخرج المهدي، وعندها نقاتل معه، أما قبل ذلك فلا نستطيع!
دعنا نراقب الموقف عن بعد! ، دعنا ننتظر معجزة! ، إحباط، ويأس، وقنوط، وهذه كلها ليست من صفات المؤمنين.
ثم من أدراك أنك ستعيش إلى زمان خروج المهدي، بل عليك أن تعلم أنك لو مت قبل ظهوره فسوف يحاسبك الله عز وجل على عملك لا على حياتك في زمانه، ثم من أدراك أنه إذا خرج المهدي فإنك ستكون من جنوده، إن جنوده سوف يختارهم الله عز وجل، ولن يكون الاختيار عشوائيّاً .. حاشا لله .. إنما سيكون بحسب الإيمان والعمل.
كان هذا هو الوضع الإسلامي بعد سقوط بغداد، فكيف كان الوضع في العالم النصراني؟: لقد عمّت البهجة والفرحة أطراف العالم النصراني كله، وهذا شيء متوقع جدّاً، فكما هو معلوم، أن قوى العالم الرئيسة في هذا القرن السابع الهجري كانت ثلاثة: العالم الإسلامي، والعالم النصراني، والتتار، والحروب بين المسلمين والنصارى كانت على أشدّها، وكانت هذه الضربة التترية ضربة موجعة جدّاً للعالم الإسلامي، وتجددت -ولا شكَّ- الأطماع الصليبية في مصر والشام.
وقد زاد من فرح النصارى أنهم كانوا يتعاونون مع التتار في هذه الحملة الأخيرة، ودخل ملك أرمينيا وملك الكُرْج وأمير أنطاكية في حزب التتار، وزاد من فرحتهم أن التتار - وللمرة الأولى في حياتهم - صدقوا في عهودهم، فإنهم قد وعدوا النصارى أن لا يمسوهم بسوء في بغداد، وتم لهم ذلك، بل إن (هولاكو) أغدق بالهدايا الثمينة على (ماكيكا) البطريرك النصراني، وأعطاه قصراً عظيماً من قصور الخلافة العباسية على نهر دجلة، وجعله من مستشاريه، ومن أعضاء مجلس الحكم الجديد، ومن أصحاب الرأي المقربين في بغداد.
كل هذا دعا النصارى إلى أن يقولوا: إن التتار هم أدوات الله للانتقام من أعداء المسيح عليه السلام، وهم بالطبع يقصدون المسلمين، مع أن التتار كانوا منذ سنوات قليلة يقتلون النصارى أنفسهم في أوروبا، ولكن يبدو أن ذاكرة الأوروبيين لا تتسع للكثير، لقد تناسى الصليبيون ما فعله التتار معهم ما دام التتار يقتلون المسلمين، تماماً كما يتناسى النصارى اليوم ما فعله اليهود معهم ما دام اليهود يقتلون المسلمين، والتاريخ يعيد نفسه دائمًا.
هذه الكلمات التي قالها الأوروبيين النصارى عن التتار، وهذه الشماتة الواضحة في المسلمين، كانت هي الكلمات نفسها والشماتة نفسها التي حدثت بعد سقوط غرناطة في الأندلس، وسبحان الله! فالذي يراجع سقوط غرناطة يجد تشابهاً عجيباً بين سقوطها وسقوط بغداد، مما يعطي أهمية قصوى لدراسة التاريخ، لأنه يتكرر بصورة قد لا يتخيلها البشر!.
======
المصادر
- البخاري: كتاب الرقاق.
- ابن العبري: تاريخ الزمان
- ابن كثير: البداية والنهاية.
- مصطفى السباعي: من روائع حضارتنا.
- د. راغب السرجاني: قصة التتار من البداية حتى عين جالوت.
- عبد الملك بن حسين المكي: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي.
نقلا عن صفحة تاريخ العرب

ليست هناك تعليقات