لم تختلف السياسة الإيرانية أبدا في محاولاتها الدائمة استغلال أية لحظة ضعف تمر بها دولة سنية , ولم ييأس النظام الإيراني مطلقا من محاولة الت...
فبرغم أن الدستور المصري الذي اقر مؤخرا والذي تضمن مادة جديدة وصريحة مفسرة لكلمة "مبادئ الشريعة " بأنها أدلة الشريعة الإسلامية الكلية وقواعدها الفقهية والأصول المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة مما يعني أن التشيع مذهب مرفوض دستوريا وشعبيا في مصر إلا أن الرغبة الجامحة تزداد لدى الإيرانيين في التغلغل للداخل المصري تحت أي مسمى ولو بموضع قدم يمكنهم التمدد بعده .
ولم يكن عجيبا أن يكرر وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي زيارته لمصر للمرة الثانية خلال الستة أشهر الخاصة برئاسة الدكتور محمد مرسي والتي اختلفت هذه المرة بزيارته لعدد من الرموز المصرية والمؤسسات التي تثير كثيرا من علامات الاستفهام والتي تتطلب العديد من الأجوبة حول طبيعة القضايا التي طرحت فيها .
وعادة ما يكون محور العلاقة بين البلدين هو التفسير الأول لكل اجتماع رسمي بين سياسيين في مختلف دول العالم فجاء ليحمل رسالة من نجاد لنظيره مرسي لم يكشف بالطبع عن فحواها ولكنه حمل لمرسي دعوة رسمية من نجاد لتكرار زيارته لإيران 'في القريب العاجل' حسبما صرح صالحي في مقابلة له مع التليفزيون الرسمي المصري .
ولا يتصور بالطبع إن تغيب الأحداث السورية بكل ما فيها من تداعيات عن لقاء مصري إيراني , فمصر وإيران على طرفي نقيض تماما في نظرتهم للقضية السورية , فمرسي يطالب بتنحية بشار عن الحكم بل ومحاكمته كمجرم حرب بينما تناصر إيران بشار ونظامه وتمده بكل عون مادي ومعنوي لبقائه على سلطة حكمه .
ولكن بعض أهداف الزيارة بدت من خلال التصريحات التي أدلى بها أو أراد ان يوصلها صالحي للرأي العام المصري والعربي وهي تتلخص في عدة أمور منها :
- تسويق الفكرة الشيعية بين أوساط السنة
كنوع من الرد على ما فعله مرسي في خطابه بطهران جاء صالحي ليبالغ في تزييف الصورة الإيرانية الشيعية وليحاول تسويقها داخل بلاد السنة وإظهارها كجماعة مسلمة تحترم أهل السنة وتوقر علماءهم وتحرص على المصالح الإسلامية المشتركة , وهذا ما ظهر جليا في قوله " ان الخلافات بين السنة والشيعة 'فتنة تأتي من خارج الأمة الإسلامية " , وتحدث عن شيخ الأزهر ملقبا إياه بالإمام الأكبر فقال " ناقشت مع الإمام الأكبر أمورا شتي واستفدت من إرشاداته التي يمكن اختصارها في كلمة التوحيد ووحدة الكلمة " ، ثم أضاف " نحن في إيران نفتخر بأننا مسلمون فلا فارق بين مسلم شيعي ومسلم سني "
وأضاف صالحي بما يوصف بمكر السياسي قائلا: " إذا كان معنى كلمة سني هو اتباع سنة النبي فإيران كلها سنية وإذا كانت الشيعة معناها حب آل البيت فأتصور أن الشعب المصري كله شيعة" .
وكان من نتائج تلك الكلمات ما صدر من المجاملات التي تمت على حساب العقيدة ما نقله وكيل الأزهر الشيخ عبد التواب قطب عن شيخ الأزهر أنه كرر نفس مقولة الوزير الشيعي فقال " كلنا مسلمون وموحدون ولا فرق بين مسلم سني ومسلم شيعي " !!
- مرحلة ما بعد بشار
حاول صالحي فرض وإقحام اسم دولة إيران كطرف محايد وكجزء من حل المشكلات العربية ومحاولة التعمية تماما على كونها من الأصل جزء من إيجاد المشكلة – وخاصة السورية - واستمرارها لليوم , فقال " ان دول منطقة الشرق الأوسط قادرة على إدارة أمورها من دون الحاجة إلى دعم خارجي وان الدول الخارجية لا يحق لها التدخل في شؤون منطقة الشرق الأوسط ومحاولة حل أزماتها "
- الخليج الغائب الحاضر
لم يذكر أي من الطرفين المتحاورين الخليج في حواراتهم ولكن الخليج لم يكن غائبا أبدا عن المشهد , فيرى كثير من المحللين السياسيين انه بعد تباطؤ دول الخليج في دعم الاقتصاد المصري – إلا قليلا من تنفيذ للوعود التي أطلقوها – وبعد الأزمات التي تستشعر بها الإدارة المصرية بوجود قاعدة انطلاق لها في الخليج وبالأخص في الإمارات , وبعد الأزمة الجديدة بين البلدين على خلفية اعتقال عدد من المصريين دون توجيه اتهام محدد ودون سماح للسفارة بالاتصال بعهم وبعد زيارة لم تحقق هدفها المعلن من قبل موفد من الرئاسة المصرية , فيرى المحللون بان التلويح بوجود خيار مستعد وموجود للتعاون قائم بالفعل , بل وينتظر الإشارة له والسماح بالظهور على الساحة , مما يعني تهديدا لأمن الخليج الذي يعلم يقينا إن وجود مصر كطرف سني قوي بجوارهم يوازن المعادلة التي يمكن أن تختل بوجود تقارب مصري إيراني , فاعتبر المراقبون بان تلك الخطوة لم تكن إلا تهديدا خفيا لدول تعتقد أن مصر لا تمتلك أوراقا تستخدمها وقت حاجتها
- عرض إسالة اللعاب
لم تكن إيران بالطرف الذي ينقصه الذكاء ليدرك هذا الدور الذي ندب له وزير خارجيتهم , لكن إيران قبلت لعب هذا الدور طواعية على ان تضغط بكل وسائلها هي أيضا على مصر لمحاولة الإسراع لتحقيق هذا التقارب استغلالا للحالة الراهنة التي يمكن ان تكون عامل ضغط على القرار المصري وتجعله يقبل ذلك التقارب خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بالاقتصاد المصري لكي تدخل إيران حقيقة وليست كعنصر تهديد فقط كطرف فاعل في هذه اللعبة السياسية وتكون عضوا مؤثرا وورقة صالحة للربح في هذه المعادلة الصعبة , فلوح صالحي صراحة بهذا الأمر باستثمارات تصل إلى الخمسة مليارات دولار خلال فترة قصيرة وهو الرقم المقارب للرقم الذي تسعى مصر لاقتراضه من البنك الدولي وبالتأكيد فلن يكون له شروط صعبة مثل شروط الصندوق بل عرضت أيضا أن تحرك وتنشط السياحة الإيرانية لمصر إلى ما يقدر بثلاثة ملايين سائح سنويا بما يجلبونه معهم من عوائد اقتصادية للاقتصاد المصري بشرط السماح لهم بأداء طقوسهم أمام ما يسمونه بالعتبات المقدسة وهو الحلم الإيراني القديم الذي يمهد لهم استرداد ما يسمونه بإرث مصر الفاطمية التي كان الشيعة العبيديون فيها حاكمين ومتحكمين في البلاد والعباد.
- النصارى :
لقاء لم يكن دبلوماسيا لكنه لم يغب عن أذهان المراقبين بين الوزير الإيراني وبين الأنبا تواضروس بطريرك النصارى الارثوذوكس وهي الزيارة التي لم تحدث لوزير إيراني ان يصل إلى كاتدرائية الارثوذوكس في العباسية منذ أكثر من ثلاثين عاما , وتحتاج الزيارة للكثير من الإجابات على التساؤلات التي تثيرها وخاصة بعد تصريحات صالحي بعدها بان الحديث دار في هذا اللقاء حول مستجدات الساحة الدولية , وهي الجملة التي زادت طبيعة اللقاء غموضا والتي تحتاج للكثير من التفسير وخاصة أن تواضروس سبق وان أعلن عند تجليسه على كرسي البابوية بان دور الكنيسة روحي بحت وليس له شان بالسياسة , فإذا به لا يناقش السياسة الداخلية فقط بل يتطرق إلى السياسة الخارجية ويقابل وزير خارجية دولة لا تزال الحكومة المصرية لم تفتتح رسميا سفارتها المغلقة في عاصمتها منذ أكثر من 32 عاما .
- مؤتمر الأحواز :
كان لعقد عدد من الجماعات الإسلامية والأحزاب والدعاة مؤتمرا لمناصرة القضية الاحوازية التي كانت غائبة دوما عن أذهان كثير من العرب المسلمين واثارتها هذا العام للمرة الأولى في القاهرة صدى كبير لدى الإدارة الإيرانية التي تحاول دوما فصل قضية الأحواز عن قضاياها المثارة مع الدول العربية , فبعدما نقل على كثير من المواقع الرسمية والصحف القومية بان الأزهر الشريف سيرعى هذا المؤتمر بل ذكر بان شيخ الأزهر سيلقي كلمة بنفسه فيه – الأهرام المصرية 8/1/2013 – فإذا بالأزهر ينفي على لسان مصدر رسمي علاقته بهذا المؤتمر , وقد نقلت جريدة الشرق الأوسط عن ما وصفتها بالمصادر المسئولة في مشيخة الأزهر أن " دعوة شيخ الأزهر للمؤتمر أزعجت طهران، خاصة أن الأزهر الشريف موقفه واضح بالوقوف بجوار الأقليات في العالم، وهو ما دعا صالحي لزيارة شيخ الأزهر أمس ضمن زيارته لمصر " , فهل كان لزيارة صالحي دور في إعلان الأزهر عدم تبنيه للمؤتمر بعد ان أعلنت الصحف الرسمية عن ذلك ؟ وهل تغير موقف الأزهر من القضية الأحوازية أم ان الأحداث قد توافقت بشكل عفوي .
إن زيارة وزير الخارجية الإيراني بكل ما حدث فيها زيارة مريبة في أهدافها ومريبة في تحركات صاحبها ومريبة في نتائجها وينبغي أن تدرس بعناية آثارها حتى لا تعاني امتنا معاناة اشد بوجود تقارب تخشى آثاره بين شيعة إيران ودولة مصرية قوية ومؤثرة لكنها في هذه الآونة متعثرة , وينبغي ان يراجع قادة عدة دول خليجية حساباتهم للوقوف على تداعيات كل قرار
ليست هناك تعليقات